|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الملك أوديب والشرط الإنساني ـــ بقلم: أندريه بونار ـ ت.سهيل حمد أبو فخر لا تزال مأساة الملك أوديب أشهر مأساة إغريقية عرفناها منذ القدم، كما لا يزال تأثيرها سارياً على المجتمعات المعاصرة. قد نستغرب ذلك لأن قصة هذه المسرحية تشذ عن جميع القصص الأسطورية القديمة، التي لا تخلو من الشذوذ أيضاً، ولأن الشاعر لم يقدم أي جهد في سبيل إخفاء طابعها الغريب. رجل يقتل أباه دون أن يعرف أنه أبوه، يتزوج أمه مصادفة، فتعاقبه الآلهة على هاتين الجريمتين، علماً بأنها ـ هي نفسها ـ التي رسمتها له من قبل أن يولد. يعترف أوديب بهاتين الخطيئتين اللتين لا نعتقد أنه مسؤول عنهما، ويقر بحكم الآلهة... دين غريب، أخلاق غير معقولة، مواقف لا واقعية، سيكولوجيا اعتباطية؛ ترى بِمَ تعنينا هذه القصة إذن؟ نعتقد أننا بمأمن عن مصير أوديب، ومستعدون لأن نجيب: إنها لا تعنينا بشيء... على الرغم من ذلك، هذه التراجيديا ـ والشاهد موجود ـ تسيطر علينا تماماً. يتميز الفن بقدرته على أن يتزود بمادة متواضعة أو موضوع من معتقدات عصر ما، وأن ينجح مع ذلك في تقديم عمل فني يتخلص من شرك عصره ويخلد على مر الزمن، يأخذ قيمة شمولية عامة، ويؤثر في كل منا وفي صميم إنسانيتنا الخاصة. من قصة أوديب شبه العبثية، من حبكة المصادفات الفظيعة ومن الجرائم التي لا تخرج عن إطارها، من الإرادة الإلهية التي تزدري العقل والمنطق، من المآسي التي لا مبرر لها (ومتى كان الشقاء مبرراً؟ متى صُوِّبَ الرشاش ليقتل المجرمين فعلاً؟ متى كان السرطان منطقياً ومستحقاً؟ إن الآلهة القديمة قريبة من الرشاش والسرطان أكثر من قربها من العدالة الشاملة أو الرحمة السماوية. إنها تعبر فقط عن الطابع الحتمي لقوانين الشرط الإنساني)، من كل ما يبدو عبثياً، صنع سوفو كليس مأساة أثارت فينا جزعاً أبدياً: إنها مأساة عيشنا في عالم تحكمنا قوانينه، مأساة مساهمتنا ـ جسداً وروحاً ـ في آلية ميكانيكية، لا حول لنا ولا قوة إزاءها، تسحقنا عندما تدق ساعة الصفر، دون أن نكون قد فعلنا شيئاً، سوى أننا تصرفنا بملء إرادتنا الطيبة؛ ولمجرد أننا بشر. إن قصة أوديب في العرف الأسطوري قصة طفل لا ينبغي له أن يولد، قصة كائن بشري خلق لكي يصبح وكيلاً معتمداً للتعاسة والموت لدى ذاته ولدى ذويه، لمجرد أن ولد ضد إرادة الآلهة. لقد جعل سوفوكليس من هذا الموضوع مأساة كل إنسان حي وكل إنسان عامل، سواء أكانت أعماله حسنة أم سيئة، حكيمة أو بليدة، الإنسان الذي ـ لمجرد أنه يعيش ويتصرف في إطار الوضع البشري ـ يسقط تحت وطأة القانون الأساسي الذي يحكم الواقع، والذي يلزمه بأن يأخذ قسطه من العذاب والموت الموجودين في صميم الحياة مثلما توجد البذرة في الثمرة. إن خطيئة أوديب ـ الجريمة الأساسية لكل إنسان ـ هي أنه قد ولد، فما الحياة بذلك سوى دوامة تنتج الموت، وما الولادة سوى المباشرة بهذا العمل لهذا الموت. ـ 1 ـ "انظر أيها المشاهد هذه الآلة المركبة بإحكام، وهي تدور ببطء طوال الحياة البشرية، هذه الآلة التي ابتكرتها آلهة الجحيم، لتقضي على إنسان ما". بهذه الكلمات، يرتفع الستار لدى كوكتو عن هذا الأوديب العصري المسمى بحق "الآلة الجهنمية"، إننا نرى أن هذا العنوان يتوافق مع العمل الفني القديم، لأنه يعبر عن دلالته وعن مساره في آن واحد. لقد بنى سوفو كليس فعلاً أحداث الدراما التي ألَّفها كما لو أنه قد ركَّب آلة ما. إن نجاح الكاتب في التركيب يضارع براعة من نصب الفخ لأوديب، كما أن الإحكام التقني لهذه الدراما يوحي لنا، في مساره الدقيق، بالتقدم الآلي للكارثة التي لا ندري من رسمها بعناية فائقة. آلة جهنمية أو إلهية تدمر السعادة عبر ممارسة الفضيلة: إننا نشعر بالمتعة إذ نرى الأدوات الفاصلة والتفاصيل السيكولوجية / التحليل النفسي تفرض نفسها بحيث تفضي إلى هذه النتيجة الحتمية، بذلك فما هذه الشخصيات سوى قطع من تلك الآلة، إنها الإطار والعجلات التي تحمل الحدث الذي لا يستطيع أن يقدم من دونها إن الشخوص يجهلون المهمة التي ألقيت على عاتقهم مثلما يجهلون الهدف الذي تتقدم نحوه الآلية المنغمسون بها. يشعرون بأنهم كائنات بشرية مستقلة منفصلة عن تلك الآلة الغامضة الملامح، التي يدركون اقترابها بإبهام من بعيد. لا تشغلهم سوى أمورهم الخاصة وسعادتهم التي حصلوا عليها بعزم عبر ممارستهم العملية؟! لمهنتهم كبشر، ـ بممارسة الفضيلة... فجأة، يلاحظون على بعد مترين منهم، تلك الدبابة الضخمة التي صنعوها بأيديهم بلا معرفة ولا دراية، وما هذه الدبابة سوى حياتهم الخاصة التي تسير فوق رؤوسهم وتسحقهم. يقدم لنا المشهد الأول صورة رجل في قمة العظمة الإنسانية: إنها صورة الملك أوديب وهو يقف على درج القصر بينما يقف الشعب أمامه متوسلاً, عبر صوت كاهن لينطق باسم الشعب ملتمساً حكمة الملك وبصيرته، فقد انقض الشقاء على (طيبة) وأفسد وأتلف وباء بذور الحياة فيها. كان أوديب قد أنقذ طيبا من "السفنكس" فيما مضى، وعليه أن ينقذ اليوم الوطن. إنه في نظر مواطنيه "أول وأفضل الناس" قام بمجموعة من الأعمال المتميزة الباهرة. لم يجعل سوفو كليس من هذا الملك العظيم أميراً مغروراً أو سيداً عنيداً أسكره حظه من هذه الحياة، بل منحه كل مشاعر الطيبة والمودة لشعبه. كان قد فكر وتصرف قبل أن يأتي هذا الشعب ليضرع إليه، إذ أرسل صهره "كريون" إلى "دلفس" لاستشارة الإله مؤكداً حزمه (بهذه الطريقة) مكرساً قدرته على اتخاذ القرار. ومع ذلك، نراه الآن ينفعل إذ يناشده الشعب، فيصرح بأنه يعاني أكثر من أي إنسان في طيبا، لأنه يتألم من أجل طيبا بكاملها. لا شك أنه يقول الحق لأنه يشعر بمسؤوليته تجاه الوطن الذي يدير شؤونه ويحبه. منذ بدء الدراما، تجسد سيماء هذا الرجل أسمى الفضائل التي يتحلى بها الإنسان والقائد. لا يمكن للآلهة أن تنتفع من تكبُّره أو وقاحته وسفاهته لتنتقم منه لأنه لا يملك هاتين الصفتين لأنه ليس مغروراً ولا أحمق. إنه إنسان أصيل استحق نصيبه في هذا القدر: نتيجة كل شيء لأنه قائم على نبل طبيعته، ولكن... هيهات! في المكان ذاته أعلى السلم, سيظهر علينا في المشهد الأخير منفياً دامي العينين ـ الصورة تمثل ذروة الشقاء عقب قمة أوج العظمة؟! لن نتوقع هذا الانقلاب لأننا نعرف نهاية هذه الحياة /المصير. تسيطر على أقوال الشخصيات، منذ بدء المسرحية، ودون قصد منها، مسحة من السخرية، وما هذه "السخرية المأساوية" سوى إخطار لنا بالنهاية الأليمة. إن هذه الشخوص تجهل فعلاً الدراما التي رميت بها، تلك الدراما المبرمة والتي لا ينقصها سوى أن تظهر فظاعتها، إنها تتفوه بتلك العبارات، دون أن تقصد أي معنى آخر غير المعنى العادي الذي يُفهم منها. أما بالنسبة للمشاهد الذي يعرف كل شيء، ماض أو آت، تأخذ هذه العبارات معنى مختلفاً تماماً، معنى منذراً ومهدداً، فيشعر المشاهد بتلك العبارات التي تتقدم الشخصية المسرحية عبرها، وكأنها قطعة أرض متحركة ستواري البطل في أحشائها؛ والشاعر يعرف تماماً جهل شخوصه لهذه الحقيقة ومعرفة المشاهد لها. إن التناقض بين هذين الفهمين لتلك العبارات كبير جداً، إذ ليس هنالك من لعبة أسلوبية: إننا نحس هذه العبارات الساخرة كما لو أنها قد تشكلت رغم أنف قائلها، لقد تشكلت على شفاه الشخوص بفعل القوة الغامضة الكامنة وراء الحدث، أما الآلهة فهي تسخر من طمأنينة البشر المغلوطة، أولئك الذين يعتقدون بأنهم يعرفون ما يقولون، في حين أنهم يجهلون معنى حياتهم ذاتها. يتكون البناء الدرامي من أربع "وقائع" رئيسة، يوجه القدر في كل منها ضربة محكمة لأوديب حتى تصرعه الضربة الأخيرة، ويستطيع المشاهد أن يفهم غاية هذا التركيب, يرى هذه الخطوات الأربع التي يصنعها القدر لأوديب. وإذا ما كان المشاهد قط لا يستطيع تصور الطريقة التي ستوجه الآلهة فيها ضربتها للإنسان، إذ يخلق الشاعر في كل مرة موقفاً جديداً لا تعرفه الأسطورة، إلا أنه يدرك فوراً عند التجربة الأولى ترابط الوقائع بعضها مع بعض، وتآلف المشاهد الأربعة المتتالية التي يتقدم الحدث المسرحي بوساطتها بدقة متناهية نحو نهايته بانتظام. إن كل ما هو بالنسبة للمشاهد تسلسل منطقي وتنفيذ منهجي لمخطط دبرته الآلهة يبدو بالنسبة لأوديب، على العكس من ذلك،و كأنه سلسلة حوادث عرضية صدفوية، لا يستطيع أن يدرك تسلسلها مطلقاً. إن هذه الحوادث لا تفعل شيئاً بنظره سوى أنها تقطع أو تحرف المسار المستقيم الذي يعتقد بأنه يتبعه وهو يبحث عن قاتل "لايوس". تقود أوديب يد حديدية، بمسار مستقيم فعلاً، نحو هدف لا يدركه، نحو معرفة المذنب الذي هو نفسه، كما أننا نراه يتوه في دروب متباعدة: كل حادث عرضي يدوِّخه، ويلقي به في اتجاه جديد؛ لا شيء ينذره. إننا نتابع في سير الأحداث، وفي آن واحد معاً، حركتين متمايزتين: شعاع ضوء يتقدم بخط مستقيم في الظلام من جهة، ومن جهة أخرى السير تلمُّساً متخبِّطة، السير المدوِّم لكائنٍ يصطدم بعوائق خفيَّة، منجذب تدريجياً نحو البؤرة المنيرة دون أن يشك بشيء. يلتقي الشعاعان فجأة، كما تلتقي الفراشة بالنار، فينتهي كل شيء بلحظة واحدة. الأداة الأولى التي يستخدمها القدر لتوجيه ضربته إلى أوديب هو العرَّاف "تيريزياس". كان أوديب قد استدعى هذا الشيخ الأعمى لمساعدته على إلقاء الضوء على مقتل "لايوس" جعل أبولون من نفي القاتل ثمناً لخلاص طيبا. تيريزياس يعلم كل شيء: فالأعمى عرَّاف مستبصر يعرف من هو قاتل لايوس، يعرف من هو أدويب وأنه ابن لايوس، لكن كيف له أن يقول ذلك؟ لأنه لن يصدقه أحد. يتراجع تيريزياس أمام العاصفة التي يمكن أن يثيرها كشف الحقيقة، فيرفض أن يجيب، وهذا أمر طبيعي. ومن الطبيعي أيضاً أن يغضب أوديب منه أمامه رجل يكفيه أن يتفوَّه بكلمة واحدة حتى تنجو طيبا، لكنه يرفض أن يتكلم لأنه لا يريد أن يثير أية فضيلة للمواطن الصالح "أوديب" الذي يلتبس عليه الموقف فلا يجد له سوى تفسير واحد: لا بد من أن يكون تيريزياس متواطئاً مع الجاني الذي لا يريد أن يكشف عنه. من هو المستفيد من قتل لايوس يا ترى؟ بالتأكيد ليس هنا سوى "كريون" ولي عهده. الخلاصة: كريون هو القاتل المطلوب. يعتقد أوديب فجأة أن بحثه يكاد أن ينجح ويحتد ضد تيريزياس الذي يقيم صمته بوجهه العقبات, والذي يمتنع عن إعطائه الأدلة التي يحتاجها. هذا الاتهام الذي يوجهه أوديب للكاهن يولد بدوره عند الكاهن موقفاً جديداً مماثلاً. إن اللعبة السيكولوجية المحبوكة بدقة تدفع إلى الأمام الآلة الجهنمية. طالما أن المهان تيريزياس ليس بإمكانه إلا أن يفصح عن الحقيقة "قاتل لايوس هو أنت..." ها هي الضربة الأولى، بلغت الهدف وها هو أوديب يواجه الحقيقة التي بحث عنها والتي تعنيه، والمتعلّقة به وفي سياق المشهد الذي يصعد مع موجة الغضب، يذهب تيريزياس إلى أبعد من ذلك. يكشف نصفياً لجة من الحقيقة المفزعة: "قاتل لايوس من طيبا. لقد قتل أباه ودنَّس سرير أمه..." لا يَسع أوديب قبول الحقيقة التي يكشفها له تيريزياس، إذ يعلم جيداً أنه لم يقتل لايوس، وأنه ابن ملك كورنيتا، وأنه لم تكن له أية علاقة أبداً مع بلاد طيبا حتى اليوم الذي أنقذها فيه من "السفنكس" عندما كان يافعاً. يعود إلى بيته منزعجاً لكن غير مزعزع الموقف: سيندفع بحماسته المعهودة على الدرب الخطأ الذي يعيِّنه له القدر مؤامرة كريون الوهمية/ الخيالية. تتدخل جوكاستا، الأداة التي يستخدمها القدر لتوجيه ضربته الثانية لأوديب، في النزاع الذي يتفجر بين زوجه وأخيها. إنها تريد أن تهدِّئ الملك وتبث الطمأنينة فيه حيال أقوال تيريزياس، وتعتقد بأنها قد نجحت في ذلك حالما تسوق له برهاناً مقنعاً يكشف كذب التنبؤات: كان قد تنبَّأ عرَّاف للايوس فيما مضى أن ابنه سيقتله، لكنه قتل على يد اللصوص الذين تعرضوا له على مفرق الطرق أثناء سفرة كان يقوم بها في الخارج، والطفل الوحيد الذي أنجبه مات على الجبل بعد ثلاثة أيام ولادته حيث ترك وحيداً. كيف يمكننا أن نصدِّق العرَّافين إذن؟ تريد جوكاستا أن تبعث الطمأنينة في أوديب، لكن أقوالها تزعزع ثقته ببراءته للمرة الأولى. في الآلة الجهنمية نابض صغير يمكن أن يحول اليقين إلى شك والاطمئنان إلى جزع، وقد لمست جوكاستا هذا النابض بغير إرادتها، إذ إنها ذكرت، وهي تروي قصة مقتل لايوس، إحدى التفصيلات التي لا يفهم منها شيئاً، والتي تقال في سرد رواية ما، دون أن يفكر بها قائلها: مقتل لايوس خلال مروره "بمفرق طرق". كان لتحديد مكان القتل أثر كبير في لا شعور أوديب إذ أثار مجموعة من الذكريات المنسية، فاستحضر الملك فجأة ذلك المفرق ونزاعه مع سائق العربة، وذلك الشيخ الذي ضرب أوديب بالسوط، وغضب أوديب المفاجئ، والضربة التي وجهها للشيخ... ترى هل يصدق تيريزياس؟ لكن أوديب لا يزال يشك في تلك الأحداث التي قادته للمفرق، عندما قالت جوكاستا إن حادثة القتل قد حصلت على مفرق ثلاث طرق، وبينما كان أوديب يستسلم لذكرياته تابعت حديثها وروت قصة الطفل المتروك على الجبل، هذه القصة التي كان عليها أن تدخل تفكير أوديب في طريق خطرة. ولئن كان من المستحيل بالنسبة له أن يفترض بأنه قد قتل والده، فإنه ملزم أن يقبل الحقيقة القائلة إنه هو الذي قتل لايوس... ألقى على جوكاستا حينئذ وابلاً من الأسئلة، متمنياً أن يجد في القصة التي ترويها نقطة لا تتفق مع حادثة القتل التي اقترفها. "أين يقع ذلك المفرق؟" في المكان نفسه. "متى حدث ذلك؟" في الوقت نفسه. " كيف كان ذلك الملك؟" كم كان عمره؟". أجابته جوكاستا قائلة "كان طويل القامة، وكان الشيب قد بدأ يخط في رأسه"، ثم قالت كما لو أنها قد تبينت ذلك للمرة الأولى: "كان يشبهك قليلاً". إننا ندرك مدى قوة سخرية القدر، "هذه السخرية المأساوية"، كما لو أننا ندرك المعنى الذي يستطيع المشاهد أن يفهمه من هذا الشبه، وإن كانت هي تجهل ذلك... إن إحدى التفصيلات لا تتفق مع الحادثة التي حصلت له مع ذلك لأن الخادم الوحيد الذي استطاع أن ينجو من مذبحة المفرق كان قد صرح (سنكتشف فيما بعد أنه يكذب ليثبت براءته) أن سيده ورفاقه قد قتلوا جميعاً على يد عصابة من قطاع الطرق لكن أوديب يعرف أنه كان وحيداً حينما قتل تلك الجماعة، لذلك طلب أن يفتشوا له عن الخادم. إنه يتشبث بهذا الأمر المغلوط، في حين إن المشاهد ينتظر الكارثة التي ستحصل من جراء لقاء أوديب والخادم. هجوم القدر الثالث: رسول كورنتا... في المشهد السابق، أخبر أوديب زوجته بنبوءة نُبِّئ بها وهو في صباه: سيقتل والده ويتزوج أمه، وكانت هذه النبوءة سبب مغادرته لكورنتا باتجاه طيبا. أما الآن فإن رسولاً من كورنتا يأتي ليخبره بموت الملك بوليب الذي يُفْتَرَضُ أن يقتل على يد أوديب حسب النبوءة، فقالت جوكاستا بلهجة المنتصر: "هي ذي نبوءة كاذبة أيضاً"! فما كان من أوديب إلا أن يقاسمها فرحتها، لكنه رفض أن يعود إلى كورنتا، خوفاً من أن يتحقق التهديد الإلهي الثاني. تطوع الرسول حينئذ ليطمئنه من استحالة ذلك. مثلما فعلت جوكاستا قبل قليل: سيلامس هذا الرجل أيضاً، بإرادته الطيبة، قطعة أخرى من تلك الآلة، فيستعجل حصول الكارثة. "لماذا تخشى سرير ميروبا؟ إنها ليست أمك". أثارت هذه العبارة فضول أوديب فألحَّ في معرفة الأمر. إنه الآن على بعد فراسخ من قتل لايوس ولم يعد يفكر إلا في معرفة سر ولادته. أخبره الرجل حينئذ أنه كان قد أخذه من أحد رعاة سيترون، وهو لا يزال صغيراً، ثم أعطاه لملك كورنتا الذي تبناه حينذاك. لقد فهمت جوكاستا كل شيء دفعة واحدة، وبلمح البصر دمجت النبوءتين الكاذبتين بنبوءة صادقة. فهي أم ذلك الطفل الذي ترك على الجبل، ولكم كانت تفكّر بمصيره البائس، لذا كانت الأولى التي فهمت شيئاً عندما سمعت قصة الطفل المهجور، في حين أن قصة طفل لايوس لم تسترع اهتمام أوديب مطلقاً. إن أحجية ولادته هي التي تشغله الآن كلياً. عبثاً ترجوه جوكاستا ألا ينتهك حرمة هذا السر، إذ يعتقد أن طلبها نابع من غرور النساء: ستخجل الملكة من ولادة زوجها الغامضة التي يعتز بها. "أنا ابن القدر، لا يعيبني ولادتي، فالقدر أمي وقد أنشأني عبر السنين. وها أنذا أصبحت كبيراً مهما كان أصلي". إنه كبير وعظيم حقاً. لكن القدر لم يمنحه تلك العظمة ـ التي حصل عليها بحسن تصرفه ـ إلا ليستردها من جديد، وليسخر من صاحبها. يكفي فقط أن تحصل المواجهة بين رسول كورنتا وراعي سيترون، حتى يوجه القدر ضربته الأخيرة لأوديب. وتقتضي براعة الشاعر أن يكون هذا الراعي هو الخادم نفسه الذي نجا من دراما المفرق: إن هم الاقتصاد يتوافق مع الأسلوب البسيط في التأليف لدى سوفوكليس، لأن الدراما التي تتابع حلقاتها بهذه الدقة وبهذه السرعة لا تسمح أبداً إلا بما هو ضروري. لقد أراد الشاعر، إضافة إلى ذلك، أن يفهم أوديب دفعة واحدة، وعبر كلمة واحدة، الحقيقة كلها. لم يقتل لايوس فحسب، بل هو ابن لايوس أيضاً. لو أتت هذه المصيبة على دفعتين لما كان لها القوة الدرامية نفسها. دفعة واحدة، تنزل هذه الكارثة كالصاعقة على رأس أوديب، لأن شخصاً واحداً يملكها: عندما يفهم الملك من خادم أبيه أنه ابن لايوس، فلن يحتاج لأن يسأل عمن قتل لايوس. الحقيقة تعمي البصر، لذا نراه يسارع لأن يفقأ عينيه بالكلاليب في حين تنتحر جوكاستا شنقاً. تبدو المشاهد الأخيرة للدراما وكأنها خاتمة بطيئة لملحمة ما فتئت تستعجل الأمور لقد شفى القدر غليله الآن، فأوقف مسيره وأعاد لنا أنفاسنا. تسكن حركة الحدث المسرحي المدوخة، تسكن فجأة في رثاء غنائي، في الوداع والتحسر، وفي العودة لأنفسنا. تتجه الدراما بمجموعها نحو اللحظة التي يتعرف فيها أوديب على حادثة القتل المبررة من الآلهة, هذه الحادثة هي الجريمة الحقيقية في المسرحية، لأنها جريمة قتل بريء... لقد انتهى الرعب الآن ويمكن للحنجرة أن تحل تشنجها، كما يمكن للدموع أن تنهمر. وهكذا، يتحول الرعب إلى شفقة. ـ 2 ـ إننا نفكر... لكن شاعراً كبيراً لا يكتب شيئاً من أجل أن يحملنا على التفكير، ولا تكتب التراجيديا إلا من أجل تحريك مشاعرنا، ومن أجل بعث المتعة فينا. إنه لأمر خطير إذن أن نتساءل عن معنى عمل شعري ونصوغه بعبارات ذهنية. على الرغم من ذلك ـ إذا لم يكن أمام تفكيرنا حاجز عازل ـ فإن كل عمل يحرك مشاعرنا يحدث أصداء له في تفكيرنا، ويسيطر علينا بكليتنا مثلما ألَّفه الشاعر بكليته هو أيضاً. إنه يستأثر بتفكيرنا عبر المتعة الغريبة التي نحصل عليها من المعاناة المشتركة مع الشخوص التي خلقها. إننا لنشعر بالرعب والشفقة ومشاعر الأخوة مع البطل التراجيدي، وهذه المشاعر تلزمنا بأن نتساءل "ماذا حصل لهذا الإنسان؟ وما معنى هذا القدر؟", كما أن الشاعر يلزمنا بالبحث عن معنى عمله الفني كرد فعل ضروري يقوم به تفكيرنا إزاء الانفعال الذي ولَّده فينا. يبدو لي أن بإمكاننا أن نتفحص بداخلنا ثلاثة ردود فعل بخصوص "الملك أوديب": ثلاثة معانٍ ينسبها تفكيرنا إلى هذه التراجيديا، وثلاث محطات يتوقف عندها في طريقه نحو دلالة العمل الشاملة. أسمِّي المحطة الأولى "تمرُّد". أمامنا رجل يقع في شرك فخ شيطاني. هذا الرجل شريف. وقد نصبت له هذا الفخ تلك الآلهة التي يحترمها، لقد نصب الفخ إلهٌ فرض عليه الجرائم التي يتهمه بها، فمن هو البريء؟ ومن هو المجرم؟ إننا نجيب على ذلك بأعلى صوتنا: أوديب هو البريء، والآلهة هي المجرمة. إن أوديب بريء بالنسبة لنا لأنه ليس هنالك من خطيئة خارج إطار الإرادة الحرة التي يمكن لها أن تختار الشر. لقد عالج أسخيلوس الموضوع نفسه، فاعتبر أن النبوءة كانت تستوجب من لايوس أن لا ينجب أطفالاً، وبذلك يكون مجرد إنجاب هذا الطفل عصيان للآلهة. لقد دفع أوديب ثمن خطيئة والده، الخطيئة الموروثة التي سيضيف إليها في حياته خطيئة شخصية. لئن كان إله أسخيلوس يوجه ضربة للإنسان فهو يضرب يعدل... إن فهم الأسطورة على هذا النحو لا يتوافق قطعاً مع فهم سوفوكليس الذي يرى أن نبوءة أبولو للايوس ليست سوى مجرد تنبؤ محض وبسيط لما سيحصل. لا يمكن لأية خطيئة ولا لأي طيش يرتكبه الإنسان أن يبرر غضب الآلهة. لقد قام لايوس وجوكاستا بكل ما في وسعهما لإيقاف الجريمة القادمة، فضحيا بابنهما الوحيد، كما قام أوديب بكل ما في وسعه أيضاً إذ غادر ذويه حالما تلقى النبوءة الثانية، كما ظل حازم الإرادة: لم يتزعزع إيمانه في أي ظرف من الظروف طوال المسرحية كلها. تتجسد رغبته الوحيدة في إنقاذ وطنه ويعتمد على مساعدة الآلهة كي ينجح في ذلك. لو أن حكم كل فعل يكون حسب النية الكامنة وراءه، لكان أوديب بريئاً من جريمة قتل الأب وجريمة ارتكاب المحرمات. من هو المذنب إذن؟ إنها الآلهة. لقد أطلقت العنان، بلا تعقل ولا روية، لكل هذه الأحداث التي أفضت إلى الجريمة. إن دور الآلهة يجعلنا نتمرد عليها لأنها لم تتدخل بشخصها إلا حالما كان الظروف تساعد ذلك الرجل المتصرف بإرادته الطيبة على الهروب من القدر. وهكذا حالما أوحت الآلهة لأوديب بالنبوءة الثانية، كانت تعلم أنها ستفسَّرُ بشكل مغلوط. إنها تكشف من المستقبل القدر اللازم لتحققه، وتستغل فضيلة أوديب وبره بوالديه أبشع استغلال. إن عملية الكشف تدفع النفس الإنسانية باتجاه آلية القدر بالتحديد. يا لها من أعمال شائنة ومقيتة، تلك التي تقوم الآلهة بها، لكنها تسليها؛ فما تلك العبارات السافرة إلا صدى قهقهتها وراء الكواليس. لا يمكننا أبداً أن نسامح الآلهة على هذه السخرية حتى لو سامحناها على كل أفعالها الأخرى. كيف يمكننا ألا نشعر بأن مصير البطل ما هو إلا إهانة للإنسانية كلها طالما أنها تسخر من أوديب البريء أو أوديب الذي اقترف جريمتها؟ لا يسعنا ـ وقد جرحت كرامتنا ـ إلا أن نجعل من هذه التراجيديا صكاً نتهم الآلهة به أو وثيقةً تثبت الظلم الذي وقع علينا. رد الفعل هذا ردٌ سليم، وقد عبَّر سوفوكليس عن هذا التمرد الذي لا مفر منه عبر البناء المتين للحدث المسرحي. على الرغم من ذلك، لم يتوقف سوفوكليس عند هذه الحركة الغاضبة من أسيادنا الأعداء، ففي هذه المسرحية إشارات كثيرة تلفت انتباهنا لهذا الأمر بل إننا نلاحظ عقبات تعرقل التمرد لدينا، تمنعنا من أن نحط عصا ترحالنا فيه، وتدعونا كي نتجاوزه وكي نتبصَّر في المسرحية من جديد. العقبة الأولى هي الجوقة. إننا ندرك أهمية غناء الجوقة في المأساة القديمة، ليس فقط من حيث الحدث وإنما من حيث دلالته أيضاً. في مسرحية "الملك أوديب"، وبعد كل واقعة من الوقائع التي تضاعف سخطنا تجاه الآلهة، لا تنفك أغاني الجوقة عن أن تكون جهراً بالإيمان بها. وإذا ما كان ارتباط الجوقة بالملك وإخلاصها وحبها للإنسان المحسن لمدينتها ثابتاً لا يتبدل، فإن ثقتها بحكمة الآلهة ثابتة لا تتبدل أيضاً. لم يحصل مطلقاً أن وضعت الجوقة أوديب والآلهة على طرفي نقيض، ففي حين نفتش نحن عن البريء والمذنب، توحِّد الجوقة بين الملك والإله، وتنظر إليهما بشعور الحب والاحترام نفسه. وفي منتصف الدراما، بينما يبتلع العدم الإنسان وأعماله وأمواله، تطرح الجوقة إيمانها العميق بالأشياء الخالدة، وتؤكد وجود عالم عظيم مجهول، خارج العالم المرئي، يثير فينا شيئاً مغايراً للتمرد السلبي. تبعدنا عن التمرد أيضاً شخصية مسرحية أخرى. ولكن بطريقة مختلفة، إنها جوكاستا. إن سيماء هذه المرأة لسيماء غريبة، فهي بحد ذاتها ظاهرة نفي. إنها ترفض النبوءات وتنفي ما لا تفهمه أو ما تخشاه. تعتقد أنها امرأة خبيرة بخفايا الأمور، وما هي إلا وضعيةٌ (بالمعنى الفلسفي للكلمة ـ المترجم) ارتيابية، تظن أنها لا تخاف أي شيء، وتطمئن حين تصرح أن لا شيء يحكم هذا العالم سوى المصادفة البحتة، "لماذا يخاف الإنسان؟ إن المصادفة هي السلطة العليا التي تحكمه، والأفضل له أن يستسلم. ينبغي عليك أن تبعد هذا الخوف من مضاجعة أمك. كثير من الرجال قد ضاجعوا أمهاتهم في الأحلام، ولا يستطيع أن يتحمّل الحياة بسهولة سوى من يحتقر تلك الفظائع". تنم هذه الطريقة بفهم الأمور عبر الاستسلام للمصادفة وعبر تجريد أفعالنا من أي معنى، وينم هذا التفسير العقلاني (أو الفرويدي) البسيط لتلك النبوءة التي تخيف أوديب عن تعقل تافه يبعدنا عن جوكاستا ويمنعنا من أن نتابع السير في هذه الطريق، حيث يؤول تخوفنا وقلقنا تجاه الآلهة إلى نفي لا مبالٍ لسلطتها. إننا نستشف في حجج هذه المرأة شيئاً محدداً يمنعنا من أن نرى الآلهة والبرج العاجي الذي تسكنه بوضوح, كما يجبرنا تعقل الملكة المغلوط على أن نتحسس جهالتنا... فعندما تدوِّي الحقيقة، تصمت جوكاستا. إن عائقاً لم نكن نتوقعه لا يسمح لنا بإدانة الآلهة عند حصول الكارثة. يكمن هذا العائق في عدم إدانة أوديب لها. لقد اتهمناها بأنها قد عاقبت بريئاً، أما الآن فإن البريء يعلن على الملأ بأنه مذنب. لا يمكننا من دون هذه النهاية ـ هذا المشهد البطيء حيث ينفجر الحدث المسرحي ويصفع أوديب على وجهه بعد أن يكون قد بلغ ذروته، وفي حين نتأمل مع البطل قدره وكأنه بحر من الآلام الهادئة ـ أن نفهم دلالة المسرحية لأن دورها جوهري. أصبح أوديب الآن يعلم من أين تأتيه الضربة. "إنه أبولو, نعم إنه أبولو وحده سبب تعاستي يا أصدقائي"، إنه يعلم إذن أن الآلهة تكرهه، وهو يصرح بذلك مراراً وتكراراً، لكنه لا يحمل أية كراهية لها، وهذه هي مأساته الكبرى. يحس بأنه منفصل عنها (يقول: أنا الآن مفتقر لله) كيف يمكنه أن يلتحق بها وهو المذنب والمجرم؟ إنه لا يوجه لها أي اتهام أو أية شتيمة. إن احترامه الكامل لما فعلته اتجاهه وخضوعه لسلطتها في الامتحان القاسي الذي امتحنته فيه يخبرنا بأنه قد استشف معنى قدره، ويدعونا لأن نبحث عن هذا المعنى. بأي حق نتمرد نحن إذا لم يتمرد أوديب نفسه؟ تلزمنا المعرفة. المعرفة هي المحطة الثانية التي يتوقف لديها تفكيرنا إزاء هذه المأساة التي تقدم لنا رؤية متكاملة عن الشرط الإنساني أكثر من أية مأساة أخرى. مأساة الملك أوديب هي مأساة الإنسان، وليست مأساة إنسان محدد بطبعه المتميز وتناقضه الداخلي الخاص. إن أية تراجيديا قديمة لا تقل سيكولوجيا أو ميتافيزيقيا عن هذه التراجيديا. لكن خصوصية هذه المأساة أنها مأساة الإنسان الذي ـ وهو بمنتهى القوة ـ يصطدم مع ما يرفض الإنسان في هذا الكون. قدم الشاعر لنا أوديب صورةً عن كمال الإنسان إذ أنه يمتاز بكل الفطنة الإنسانية من بصيرة وحكم صحيح وقدرة على اختيار الأفضل في أي موضوع. باختصار، إنه يمتاز بالفعل الإنساني (أترجم كلمة عن الإغريقية) ـ قدرة على اتخاذ القرار، حيوية، وقدرة على ربط الفكر بالفعل ـ إنه، كما يقول الإغريق، سيد اللوغوس والإيرغون، أي سيد الفكر والفعل: من يعلم ومن يتصرَّف. بالإضافة إلى ذلك، يكرس أوديب أعماله من أجل خدمة مجتمعه دائماً، وهذا هو الشكل الرئيس لكمال الإنسان. يمتاز أوديب بموهبة المواطن والقائد، ولا تتحقق هذه الموهبة في طاغية، بل في خضوع واضح لمصلحة المجتمع (على الرغم من عنوان التراجيديا المغلوط في اللغة الإغريقية) لا تتعلق خطيئته إذن بأي تسخير سيِّئ لمواهبه، أو بأية إرادة سيئة تفضل إيثار المصلحة الفردية على المصلحة العامة، بل على العكس من ذلك، نراه مستعداً في كل لحظة أن يهب نفسه للمدينة. عندما يقول له تيريزياس معتقداً بأنه سيخيفه "لقد أضاعتك عظمتك"، يجيب أوديب: لا يهمني إن ضعت أنا إذا ما استطعت إنقاذ بلدي...": فعلٌ منطقي وفعلٌ مكرَّس، هو ذا كمال الإنسان القديم (ولِمَ لا يكون الإنسان المعاصر أيضاً؟)... ترى، أية نقطة ضعف يستطيع القدر من خلالها أن يتمكَّن من أوديب؟ إن نقطة الضعف هذه تنحصر فقط وبالتحديد في كونه إنساناً، وبأن فعله الإنساني خاضع لقوانين الكون الذي يحكم واقعنا. يجب ألا نصنف خطيئة أوديب ضمن حيز إرادته، فالكون لا يهتم بإرادتنا، ولا بنوايانا، حسنة كانت أم سيئة، كما أنه لا يهتم بأخلاقنا. إنه لا يهتم إلا بالفعل بحد ذاته كي لا يسمح لأحد بتشويش نظامه. إن الواقع كلٌ متماسك, وكل فعل يأخذ صدى له في هذا الكل. لقد شعر سوفوكليس إلى حد بعيد بقانون التماسك الذي يربط الإنسان بالعالم، سواء أأراد الإنسان علاقة الترابط هذه أم لم يردها. كل من يتصرف ينبثق عنه كيان جديد هو الفعل الذي يستقل عن فاعله ويتابع طريقه في هذا العالم دون أن يراه الفاعل مطلقاً. لا يكون الفاعل أقل مسؤولية من الفعل فيما يتعلق بالنتائج من حيث الواقع، لكن الأمر مختلف بالنسبة للعدالة التي ترى أنه يجب ألا تُعزى مسؤولية فعل ما لفاعله إذا لم يكن الفاعل يدرك نتائج فعله، وأوديب لا يعرف نتيجة فعله. ليس الإنسان عالماً بكل شيء، ومع ذلك ينبغي عليه أن يتصرف، وهذه هي مأساته. كل فعل نفعله يعرِّضنا للمسؤولية، وأوديب ـ الذي وصل إلى درجة الكمال الإنساني ـ مسؤول عن فعله أكثر من أيِّ منا. حين يعاملنا الكون كما لو أننا نعلم بكل شيء، يعني أنه يهددنا تهديداً صامتاً، ليت معرفتنا تبقى جهلاً إلى الأبد، ليت العالم الذي أُجبرنا فيه على التصرف من أجل الاستمرار في الحياة يبقى بالنسبة لنا غامضاً بشكل كامل. يحذرنا سوفوكليس من أن الإنسان لا يعلم النظام الخاص لهذا العالم، ولا يمكن له أن يتأكد البتة من أن ما يعتقده الخير هو الخير فعلاً، لذا تبقى إرادته الطيبة سجينة جهله الطبيعي. هي ذي المعرفة التي يبرزها الشاعر لنا في مأساته. إنها معرفة قاسية، لكنها تتجاوب مع تجربتنا لدرجة أن حقيقتها تبهرنا. إن متعة الحقيقة تخلصنا من التمرد، فيبدو لنا قدر أوديب فجأة كنموذج عن قدر كل إنسان، أكثر مما لو كان قد دفع ثمن خطيئته فحسب. لو أنه كان يتصرف كطاغية شرس، كطاغية أنتيجونا مثلاً، لما كان سقوطه قد أثر فينا بنفس بالحدة نفسها حتى ولو تعاطفنا معه، لأننا نتصور حينئذ أن بإمكاننا أن نتفادى مصيره. يمكن للإنسان ألا يكون شريراً، ولكن كيف يمكنه ألا يكون إنساناً؟ وما أوديب سوى إنسان فحسب، إنسان أتقن مهنته أكثر من أي إنسان آخر، فحياته مبنية على الأفعال الحميدة، وهذه الحياة المنتهية تبدي الآن عجز صاحبها وتنسف قيمة أعماله المشرِّفة أمام محكمة الكون... لا شيء يمكن له أن يفقدنا شجاعة الإقدام على الفعل مثل هذا المثال إذ ليس هناك من حيوية تفوق حيوية هذه الشخصية، لكننا نعلم الآن ثمن كل فعل، وندرك أن نهاية أي فعل لا تتعلق بنا مطلقاً! يبدو لنا العالم واضحاً في ظاهره، ونتصور أن الواقع قابل للكشف، لكننا عندما نعتقد أن بإمكاننا أن نصوغ فيه سعادة تكون بمنأى عن الصفعات التي يوجهها لنا، معتمدين على قوة الحكمة والفضيلة، نتأكد فجأة أن العالم والواقع كتيمان، لا نستطيع النفاذ إليهما لأنهما مفعمان بالموجودات والأشياء التي تكرهنا والتي وُجدت، ليس من أجلنا، وإنما بمحض كيانها المجهول. أخيراً يفقأ أوديب عينيه. يريد سوفوكليس من هذه الحادثة أن يظهر عدمية المعرفة الإنسانية وأن يجعل جهل الإنسان مرئياً. لقد ظهر الدليل على ذلك سابقاً في الحوار بين تيريزياس والملك، كان الأعمى يبصر اللامرئي في حين كان من يرى غارقاً في الظلام، فحين يفقأ أوديب هاتين العينين البشريتين في نهاية الدراما، يُظهر أن الله هو الوحيد الذي يرى. ولهذا الفعل دلالة أعمق من ذلك تسمح لنا بأن نبلغ المعنى الأخير لهذه التراجيديا. يفقأ أوديب عينيه بنفسه، ويصرخ قائلاً علناً: "لقد قذف بي أبولو في بحر الشقاء، لكنني، أنا وحدي، وبيدي قد فقأت عينيّ". إنه هو الذي يختار هذا العقاب الذي خصه القدر به. هوذا أول فعل يقوم به كإنسان حر، فعلٌ سوف لا يرفضه الله. وهكذا يتحد أوديب إيجابياً، ومن صميم إرادته، بعالم القضاء والقدر بقوة. هنا تبدو طاقته فريدةً ووحشية، بقدر ما هي وحشيةٌ إرادة العالم إزاءه. ولكن ماذا يعني هذا الاندفاع الجديد الذي يستحوذ على كيانه إذا لم يأخذ معنى المبادرة في السباق؟ إنه قد قرر الالتحاق بقدره، فبلغه وتجاوزه وتحرر منه. المعنى الأخير هو الاتحاد والانفصال معاً. الاتحاد: يريد أوديب ما يريده الله، فيتحمل مسؤولية الشر، ويعبد السر الذي صفعه، يعبد نظاماً يحس بأنه قد هاجمه، لكنه لا يدري كيف. لم يستطع في جهله أن ينقذ نفسه من ذلك: فيقبل بأن يدفع ثمن هجومه لأنه يستشف في السر الذي اصطدم به، ولو بشكل غائم، انسجاماً وكمالاً يتحد بهما، يدفعه لذلك حبه الصافي للحياة كما هي. إنه يتحد بالعالم كيفما كان هذا العالم. فعلٌ صوفيٌ يقتضي منه تجرداً كاملاً، لأن هذا النظام الذي يحس به خارج المظاهر لا يعنيه هو كإنسان: كما لا يستطيع عقله البشري أن يفهم كنهه، ليس هذا النظام إذن عبارة عن مخطط إلهي وجد من أجل الإنسان، كما أنه ليس قدرة إلهية تحكم حسب القوانين الأخلاقية الإنسانية المحضة. هناك في صميم الكون نقاء رائع يصون نفسه بنفسه، ولا يحتاج للإنسان أبداً كي يستمر في وجوده. إذا ما حدث للإنسان أن بلبله، ولو من دون قصد، فسوف نرى الكون يصحح نظامه المقدس على حساب الجاني. إنه يطبق قانونه: يتصحح الخطأ بنفسه وبشكل آلي، وإذا ما بدا لنا بطل سوفوكليس مسحوقاً بآلة ما، فلأن العالم قد سوَّى توازنه عبر سحقه، بعد أن بلبلت انسجامه جريمة قتل الأب وارتكاب المحرَّمات. ليس هناك من معنى آخر لعقاب المذنب سوى أنه "تصحيح"، بمعنى تصويب الخطأ. ليس هناك من معنى آخر لعقاب المذنب سوى أنه "تصحيح"، بمعنى تصويب الخطأ. لقد أفسدت هذه الكارثة حياة أوديب حتى تعرَّف على وجود مقدَّسٍ فعبده. إن الإله الذي صفع أوديب إلهٌ قاسٍ. لو كان إلهاً رحيماً لبدا لسوفوكليس أكثر تشخيصاً، لكان مرسوماً حسب صورة الإنسان وأوهامه، ولكان قريباً للصفات البشرية ولاعتبار الإنسان مركز العالم. لا شيء في تجربة أوديب الحياتية يوحي لنا بمثل هذا، فالله هو الله: سرٌ ونظام. له قانونه الخاص. عالم بكل شيء وقادر على كل شيء. لا يمكن لنا أن نتعرف عليه، وما التنبؤات والإيماءات والأحلام ـ هذه اللغة الغامضة التي يحدثنا بها ـ ما هي إلا فقاعات تنبثق من أعماق البحر الإلهي نحو الأقاليم البشرية. إنها ـ وإن كانت دلالات على وجوده ـ لا تسمح لنا مطلقاً أن نفهمه وندرك كنهه. لا يراد منها إعلامنا بحظنا بقدر ما يراد منها أن تكون برهاناً على العلم الكلي وعلى ضرورة واجب الوجود. منذ أن سمع أوديب النداء الذي وجهه الكون له عبر هذه اللغة المبهمة، أسرع نحو قدره بحماسة مشابهة لحماسة الحب. كان القدماء(1) يقولون: "Amor Fati"(2) للدلالة على هذا الشعور الديني النبيل الكائن في نسيان الإهانات وصفح الإنسان للعالم. اتحاد وانفصال معاً. يبدو أن أوديب ينهض ثانية بشكل مفاجئ. "لا أحد من البشر يؤهله كاهله لأن يتحمل وزر هذه الأخطاء سواي". لقد استطاع أن يصل إلى نطاق الحتمية القدرية، وأن يتجاوزها منذ أن ساهم بتعاسته بنفسه، فأوصل هذه التعاسة إلى ذروتها بيده. وهكذا يخرج من الجهة الأخرى، لقد أصبح خارج قبضة الله منذ أن اعترف بوظيفته كعادل، بعد أن تعرف عليه، عبر مصيبته، وبعد أن قبل به على أنه أمر واقع، حل محله، بل استبعده بطريقة ما. إن عظمة أوديب مقلوبة أمامنا الآن، لا نقصد أنها سقطت على الأرض وانتهت إلى غير رجعة بل نقصد أنها تحولت إلى عظمة "معاكسة". لقد كانت عظمة صدفوية، ناتجة عن فرصة ما، كأنها مستعارة، يمكن قياسها بالنظر إلى الممتلكات، بالنسبة إلى جملة الأعمال الباهرة، أي أنها نتيجة كل ما يستطيع الإنسان أن يختلسه من القدر بغتة. أما الآن فإنها عظمة البؤس والمحن، ليست عظمة المصائب الخارجية الغريبة، بل عظمة الآلام التي اضطلعنا بها، الآلام التي يتعرض لها الفكر والجسد، معيارها تعاسة الإنسان اللانهائية، هذه التعاسة التي جعل منها أوديب تعاسته الخاصة. إنها عظمةُ من يقبل بأن يكفِّر عن الشر الذي لم يقصده أمام ذلك الذي خلق هذا الشر، كما أنها ترينا مدى اتساع البؤس الذي جُبِلنا عليه. عبر طمأنينة العذاب النفسي، يشيد أوديب الآن تلك العظمة التي كانت الآلهة قد رفضتها سابقاً، ستتخلص هذه العظمة من الآن فصاعداً من عطايا تلك الآلهة، من رحمتها ومن خدماتها، وستصبح نتيجةً للعنتها وضرباتها وجروحها. يصوغ أوديب الآن عظمته من الوضوح والحزم ونكران الذات... هكذا يجيب الإنسان على القدر، إذ يصنع مبدأ خلاصه من خسارته. (1) القدماء أو نيتشه مكثفاً فكرتهم (المؤلف). (2) Amor Fati حب القدر أي قبوله بشغف وحبور. (المترجم). |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |