|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
رثاء خسوس منندث ـــ تأليف: نيكولاس غيين ـ .علي إبراهيم أشقر "اغتيل عام 1948 خسوس مِنِنْدِث السكرتير العام لاتحاد نقابات عمال السكر. وكان صديق الشاعر الحميم. وما إن علم غيين(1) بالنبأ حتى شرع بكتابة قصيدة يرثيه فيها؛ فجاءت قصيدة طويلة حشد فيها الشاعر كل أشكال الشعر الإسباني وبحوره، يختلط أحياناً بنثر هو برفعة الشعر ذاته؛ ثم أجرى عليها تغييراً جوهرياً في الطبعة الثانية 1955 باللغتين الإسبانية والفرنسية". ترجمنا منها المقطع السابع والأخير. VII "تصيح الدِيَكَة على عجلٍ تريدُ أن تثقب الفجر". ملحمة السِيْد ما أكثر الأصابعَ وما أكثر مخالبَها البارزة من الحلم وَهَجاً قاسياً يتلألأُ فوقَ بُقعةِ الهواء الغائرةِ حيثُ أرادوا أن يحطّموا منه الجسمَ والضوءَ والعظم والحلْق! لشدّ ما نراه! وما أحوجَنا إلى أن نراه يمرّ هاتفاً وسْطَ قصبِ السكر، أو نراه إعصاراً مُعلّقاً أو نازلاً، صاعِداً، أو عملةً ثابتةً تجري من يدٍ إلى يد! نراه يشتعلُ على حدّ الطريق بلهبٍ بطيء، أو يُلقي إلى نهرِ الرجال، يُلقي إلى بحرِ الرجال، والغدران أغانيَ تنطلقُ كالحجارةِ، وتُحدثُ دوائرَ من موسيقى ثائرةٍ، موسيقى رفيعةٍ وعاليةِ المقام(2) كالنشيد. صوتُه هنا يصحبُنا ويُحيطُ بنا. فنعصِرُ صوتَه كأنه زهرةُ الأرق، فيُطلقُ عصارةً مُرّةً، ورائحةً بليلةً، وماءً من كلماتٍ مسنونة تجدُ في الهواء طريقَ الهتاف، تجدُ في الهتاف طريقَ الغناء، تجدُ في الغِناء طريقَ النار، تجد في النارِ طريقَ الفجر، تجدُ في الفجرِ ديكاً أحمرَ من بارودٍ، ديكاً معدنيّاً ينثر بجناحيه النهار. تعالَوا، تعالَوا، وكُونوا في البرجِ العالي جرساً وقارعَ أجراس؛ سنكون. تعالَوا معدِناً ورجالاً تُحيّي معاً شروقَ الجذورِ الناعمَ المأمول؛ تُحيّي الاكتشافَ الرهيب، تُحيّي بزوغَ نجم؛ تعالَوا معدِناً ورجالاً(3) تُحيّي معاً الحمامةَ ذاتَ الطيرانِ الشعبيّ وغصناً أخضرَ في الهواءِ لا سيدَ عليه؛ وعربةً ملأى بسنابلَ قُطفتْ حديثاً؛ تُحيّي الحضورَ الجوهريَّ للوردةِ والفولاذ؛ تعالَوا معدِناً ورجالاً تُحيّي معاً الموكبَ الأخير، موكِبَ النصر الكبير. سيأتي حينئذ "جنرالُ القَصَبِ" يحملُ سيفاً صِيغَ من بَرْقٍ كبيرٍ مصقول؛ سيأتي حينئذٍ فارسٌ على حصانٍ من ماءٍ ودخان بسمةً لطيفةً في تحيّةٍ لطيفة؛ سيأتي حينئذٍ كيما يقول سيأتي خِسوس كيما يقول: ـ انظروا، هاكُم السكّرَ الآن من غير دموع. كيما يقول: ـ عُدتُ فلا تخافوا. كيما يقول: ـ كان السفرُ طويلاً والطريقُ وعْراً وبدمِ جراحي نبتتْ شجرةٌ يُغنّي منها عصفورٌ للحياة، غِناءً يبشَر بالصباح. * ـ تمهيد لمرثية كتب الشاعر القصيدة عام 1957 في منفاه في باريس، وسلم النسخة الأصلية الوحيدة إلى المترجمة آليس آرويلر في مجلة /الآداب الفرنسية/، التي نشرتها عام 1958. لكن الشاعر أضاع النص الأصلي الإسباني، أو سها عن الاحتفاظ بنسخة منه. لذلك ترجمناها عن الفرنسية كما نشرت في أعماله الكاملة ضمن مجموعة /ورشة مهجورة/، أو "مشاريع قصائد". وهي قصائد لم تبلغ فتتبلور كما تصورها مؤلفها أول الأمر، وإنما تنساب حرة. وأنا أيضاً أبكي. وملحُ دموعي من بلورات حادّة تذوب في دمي. وهكذا لا يستطيع أن يراها أحد. وإذا ما أنّةٌ طلعت من حلقي (أنتي الصغيرةُ، أنة حيوان فيلسوف)، أشدُّ على شفتيّ وأسناني، وأُطبقُ فمي: بذلك لا يستطيع أن يسمعها أحد. أنا أيضاً، مثلكم أيها الأنانيون، البطّالون! أنا أيضاً أقف مثلكم قرب نهرٍ من الألم، نهرٍ ذي أمواج صُفْر ضخمة من سُمٍّ وصفراء. لكني خَجِلٌ؛ إذ لا يمكن لي أن أبدأ نشيدي بملح دموعي وأرزِّ صحني، وميزانِ ربحي وخسارتي، والسيانور المصبوبِ في قدحي. أنا لست وحيداً. فالآخرون هناك، هم هناك أيضاً، أنا آتٍ من حيث هم الآخرون. أنا ذاهب أنا آتٍ وسْطَ قصب السكّر والبنادق وسط ملح البارود والبنادق وسط البترول والبنادق وسط سفن العبيد والبنادق وسط الفحم والبنادق وسط الخطب والبنادق وسط البنادق والبنادق الآخرون هناك بعيداً. وأنا في ذهاب وإياب. وإذا ما سألني هؤلاء العابرون قائلين: قصَّ علينا قصة حبّك الفتاةَ التي غازلتك ذات مرة، أجيب هؤلاء العابرين قائلاً: تعالوا أنتم أيضاً، هلمّوا، تعالوا إليَّ لأني أسمع الفأسَ تهوي على الحب. * ـ قصيدة حبّ لا أدري. أجهلُ الأمر، لا أعرِفُ كم أتى مِنَ الوقتِ، من غير أن نلتقيَ مرّةً أخرى. لعلّه قرن؟ ربّما. قد يكونُ أقلَّّ قليلاً: تسعة وتسعون عاماً. أمْ هو شهر؟ ربما. على كلِّ حال هو زمنٌ كبيرٌ، كبيرٌ، كبير. أخيراً، سقطَ الخبرُ كوردةٍ تفتّحت بغتةً، كزهرة الجرس المرتعشة. فعلمتُ فوراً أننا سنلتقي من جديد، وأنّكِ ستكونين قربي على شكٍل ملموس واقعيّ كما في الأحلام. فيا للانفجارِ المكبوت! ويا لهذا الرعْدِ الأصمّ الذي يجري في عروقي ويتفجّرُ فوقُ تحتَ دمي في عاصفةٍ ليليّة! أوَ يكونُ اللقاءُ سريعاً؟ وكيفَ نسلّم على أنفسنا بطريقةٍ لا يعرِفُ أحدٌ أنها تلك طريقتُنا الخاصّة بالسلام؟ قد تكونُ احتكاكاً بسيطاً، وماسّاً كهربائيّاً أو غمزةَ يدٍ، ونظرةً أو خفقة قلبٍ صارخةً، صاخبةً بصوتٍ صامت. ثمّ (وأنتِ تعرفين ذلك منذ الخامسة عشرة) هذا الرفيفُ من الكلماتِ الأسيرة، كلماتِ العيونِ الخفيضة الخاشعةِ وسْط شهودٍ أعداء. لكنّ حُبّاً من طرازِ "أحبّك"، و"سيّدي"، و"أريد حقاً، لكنّ هذا محال"، ... و "لا نستطيع، فكّر في الأمر على شكلٍ أفضل"... حُبٌّ من هذا الطراز هو حبّ الجحيم في الربيع، حبٌّ مهذّب، وديٌّ، سعيدٌ، مشؤوم. ثمّ الوداعُ الشائعُ وسط عاصفةِ الأصدقاء. وأراكِ ترْحلين، وأحبّك كما لم أحببْك؛ وأتبعُك بعينيّ، ومن غيرِ عينين سأظلُّ أراكِ بعيداً، بعيداً، وسأظلّ أتبعُك إلى أبعد من ذلك أيضاً، وقدْ صرتِ ليلاً، لسعةً، قبلةً، سَهَداً سُماً نشوةً، تشنُّجاً، آهةً، دماً، موتاً. صرتِ من تلك المادّةِ المعروفةِ التي نجبُلُ بها نجماً. * ـ الجوع هذا هو الجوع. حيوانٌ كلُّه نابٌ وعين. لا يشبَعُ من مائدة ولا يخدعُه أو يعلّلُه شيء. لا يكتفي بغداء أو عشاء. وإنما يبشّرُ بالدم دائماً. يزأرُ كأسد، ويعصرُ كثعبان ويفكر تفكيرَ شخص. النموذجُ المعروضُ هنا صِيْدَ في الهند (ضواحي بومباي). لكنّه يوجدُ في حالةٍ وحشيّةٍ ما في مواضعَ أُخَرَ كثيرة. لا تقتربوا. * ـ الرياح أنْتَ لا تستطيعُ أنْ تتصوّر كيفَ كانتِ الرّياحُ تسري الليلةَ الفائتة. قَدْ رآها الناسُ وعيونها تقدحُ شرَراً وتجرّ ذيلاً طويلاً صلْباً. لم يستطعْ شيءٌ أن يحرِفَها (لا صلواتٌ ولا دُعاء) عن كوخٍ، عن قارَب معزولٍ، عن مَزْرعةٍ، عن كل هذه الأشياء اللازمةِ التي تحطّمُها من غيرِ أن تدري. إلى أنْ جُلبتْ هذا الصباحَ مقيّدةً، وقد أُخِذَتْ على حينِ غِرّة لمّا كانت تتسكّعُ مفكِّرة كعشّاق رقيقين قرْبَ حقلِ أضاليا. (هي هناك جهةَ اليسار راقدةٌ في أقفاصها). * ـ آمِلْيا بِلائيث "يريد الشاعر أن يلمّ بأطياف وطنه كلها، فيعبر عن مشاعره حيال بعض الرسامين الكوبيين طبعاً وفناً. وفي هذه القصيدة يبدي انطباعاته إزاء الرسامة الكوبية آمليا بلائيث 1897 ـ 1970". آمِلْيا مثلُ عالمٍ تحتَ بحريّ، آمليا مثل عالم تحتَ أرضيّ آمليا تنقلبُ هبّةَ ريحٍ كبيرة، وتبقى. تبقى في هبّةِ ريحٍ كبيرة، والرسمُ دوّار. هاهي آمِلْيا قادمة! فيأتي قطيعٌ من الثيرانِ الهائجةِ، والجبال المقطّعة، والأزهار الرهيبة التي تتفكّك كيما تُركّبَ مرّةً أخرى. هيّا بنا إلى البحر! فاعدُدْ خيرَ آلةِ غوصٍ عندك. آمليا مثل عالمٍ من الملحِ والطحالب، والرسم دوّار. هيّا إلى الغابة! فانتعلْ أغلظَ الأحذية، لأنّ فيها طبقاتٍ من أوراقٍ ميتة، تكسوها طبقاتٌ من أوراقٍ حيّة. آمليا مثلُ عالمٍ تحتَ برّيّ آمليا مثل عالمٍ تحتَ العاصفةِ، ذي أشجارٍ متشابكةٍ متصارعةٍ، والرسم دوّار. هذه الألوانُ تُعمي البصرَ، فلا تنظُرْ إليها. هذي الألوانُ تزأرُ في الليلِ، فلا تسمعْها. لكن، عبثاً عبثاً لسوف تراها وتسمعُها دائماً، والرسم دوّار. * ـ خوف يَدْهمُني خوفُ التفكيرِ في أنّي حي؛ فيا للمغامرةِ الرهيبة، ويا للخوف! في كوني هنا مُحتبساً والقلبُ خافِق؛ هنا مِنْ غيرِ أن أعرِفَ شيئاً بينا عيناي مفتّحتان. هنا كأنّي مُسرْنَمٌ يبسُطُ يديه كأعمى يبحثُ عن مَخْرج، عن شُرطيٍّ، عن بوّاب. أنا هنا في الحياة وحيدٌ، وأنا حيّ. (1) 1902 ـ 1989، من كبار شعراء كوبا وأمريكا اللاتينية. اشتهر بأنه أحد مبدعي شعر الزنوجة الذي يعتمد على الإيقاع وأصوات الرقص الزنجي. (2) في الأصل: محمولة على الأكتاف. (3) في الأصل: عظاماً. أطلق الجزء على الكل على سبيل المجاز المرسل حفاظاً على حسن الإيقاع. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |