مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 130 ربيع 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

المطر ـــ بقلم: آرتورو اوسلار بييتري ـ ت.روان حداد

مقدمة:‏

قلما كتب عن "آرتورو أوسلار بييتري" في العالم العربي، أو ترجم شيء من أعماله إلى اللغة العربية، وربما يعود هذا، في جانب منه على الأقل، إلى عدم دخوله "جنة نوبل" ـ التي رشح لنيلها أكثر من مرة ـ وربما أيضاً لعدم الترويج "الإيديولوجي" له، مثلما حصل ويحصل مع كتاب آخرين، من أمريكا اللاتينية وغيرها، ممن قد لا يرتقي بعضهم إلى قامته الأدبية والفكرية.‏

ولد "أوسلار بييتري" في العاصمة الفنزويلية كاراكاس في 16/ 5/ 1906. درس العلوم السياسية في الجامعة المركزية، وخلال ذلك بدأ نشاطه الصحفي، فنشر مقالات في عدد من أبرز الصحف الفنزويلية، كما شغف بصورة مبكرة بعلم الجمال وبقراءة أعمال الرمزيين والمجددين والطليعيين من أمثال "أوخينيو دي كاسترو" و"باييه إنكلان" و"روبين داريو" و"باربوس" وغيرهم؛ وتواصل مع الآداب الأوروبية الطليعية، وبخاصة أعمال "فيديريكو غارثيا لوركا"، والواقعيين الروس: أندرييف وغوغول...‏

نشر بين عامي 1925 ـ 1927 نصوصاً أدبية متنوعة: قصائد، قصص، مسرحيات، ثم حقق حضوراً لافتاً على الساحة الأدبية عندما نشر بحثاً نظرياً هاماً حول "الطليعية"، تجلى من خلاله إدراكه العميق لعملية تطور الشعر المعاصر آنئذٍ في أمريكا اللاتينية، وبخاصة التأثير الفاعل لـ "داريو" و"إيريرا" و"تابلادا" في الأشكال الشعرية الجديدة، وجعل هذا البحث منه الممثل الأكثر حضوراً للطليعة الفنزويلية، وكان مفاجأة لمختلف الحركات الطليعية في بلدان أمريكا اللاتينية. وقد تزامن صعود الطليعية الفنزويلية عام 1928 مع تنامي حركة احتجاج طلابية وشعبية هامة أصدرت بيان ما سمي بـ "جيل الـ 28"، وهو بيان منسوب إلى "أوسلار بييتري" نفسه، حمل توجهاً واضحاً هو "المعارضة المفتوحة" ضد ديكتاتورية "خوان فيثينتيه غوميث"، التي امتدت منذ عام 1908 وحتى وفاته عام 1935، وكان من بين أبرز قادة هذه الحركة "رومولو بيتانكورت"، الذي أصبح فيما بعد أحد أهم سياسي فنزويلا، وأنشأ الحزب الوطني الديمقراطي، ثم وصل إلى رئاسة الجمهورية مرتين (1945 ـ 1948 و 1959 ـ 1964) إلى جانب عدد من أبرز الأسماء في الأدب وفي السياسة، مثل "ميغيل أوتيرو سيلفا" و"بيو تامايو" و"كارلوس إدواردو فرياس" و"خواكين غابالدون ماركيث"، إضافة إلى "آرتورو أوسلار بييتري".‏

في عام 1928 أيضاً، صدرت أولى مجموعاته القصصية "باراباس وقصص أخرى"، التي كتبت عنها "كارمن دي مورا"، الناقدة الأدبية الإسبانية المرموقة، وأستاذة آداب أمريكا اللاتينية في جامعة إشبيلية بإسبانيا، قبل سنوات قليلة: "هذه المجموعة القصصية وفرت فضاءً هاماً لظهور الطليعية في فنزويلا، وجددت، بصورة جلية، في أدوات التعبير، مع جرأة في استخدام الاستعارة والمجاز كعنصرين يقطعان العلاقة مع الجماليات المستهلكة".‏

بعد حصوله على الدكتوراه في العلوم السياسية عام 1929، غادر للعمل في سفارة فنزويلا بباريس، وعمل هناك على تطوير أفكاره في مجال علم الجمال وتعميق اهتمامه في تذوق الفنون التشكيلية، كما قرأ بحماس "بريتون" و"إيلورا" و"موروا" و"مورياك" و"مارسيل بروست"، فضلاً عن "جيمس جويس" الذي كان لعمله البارز Ulysses تأثيراً هام في قراءة الطليعة، ولأن باريس كانت مركزاً للسوريالية، حيث كانت تتحلق حول الشاعر والناقد الفرنسي "أندريه بريتون" أسماء كبيرة في الأدب والفن، من بينها قادمون من إسبانيا وأمريكا اللاتينية، مثل "رامون غوميث دي لاسيرنا" و"لويس بونويل" و"رافائيل آلبيرتي"؛ لم يفته أن يتردد على المقاهي التي كانت تحفل بلقاءات السورياليين Le Dôme و La Coupole، وهناك التقى بـ "آراغون"، كما التقى بمفكرين أوروبيين آخرين كانوا يمثلون الاتجاهات الأدبية الجديدة مثل "روبير دينو" و"جان كوكتو" وبخاصة الإيطالي "ماسيمو بونتيمبيلي" (Bontempelli) أول من استخدم في أوروبا تعبير "الواقعية السحرية" في الأدب، وهو التعبير الذي جاء من مجال الفنون التشكيلية عبر كتاب "الواقعية السحرية، ما بعد التعبيرية" للباحث الألماني "فرانتس رو" (Roh).‏

كما التقى "أوسلار بييتري" هناك مع شخصيتين أدبيتين هامتين، وهو لقاء سرعان ما تحول إلى صداقة عميقة كان لها دور محفز ومؤثر في مساره الفكري والجمالي، هما الغواتيمالي "ميغيل آنخيل آستورياس" والكوبي "آليخاندرو كاربينتيير". كان الثلاثة يتبادلون قراءة نصوصهم خلال عملهم، ويتناقشون في مسائل التعبير والمنهج، ويجمعهم الوعي الإبداعي التجديدي نفسه، والمثال الجمالي نفسه، والنبل نفسه الذي استمر عليه الثلاثة حتى آخر أيامهم.‏

كتب عام 1930، خلال إقامته في باريس، عمله الروائي الأول، والأكثر أهمية: "الرماح المدماة"، الذي نشر في العالم التالي، 1931، وتناول فيه موضوع حرب التحرر من الاستعمار الإسباني، التي قادها الزعيم السياسي الفنزويلي "سيمون بوليفار" (1873 ـ 1830)، وما يزال هذا العمل، حتى اليوم، وبعد مرور كل هذه السنين، يحظى باهتمام خاص من المترجمين إلى الكثير من اللغات، ويعاد إصداره دون انقطاع داخل بلده وخارجها.‏

بعد عودته إلى فنزويلا، عام 1934، عمل أستاذاً للاقتصاد السياسي في كلية الحقوق في الجامعة المركزية، كما انخرط بصورة نشطة في الحياة الثقافية للبلاد، وشارك في تأسيس عدد من المجلات الأدبية والفكرية، ورأس تحرير بعض منها. وصدرت له عام 1935 مجموعته القصصية الثانية "المطر"، التي فازت بالجائزة الأولى في مسابقة أجرتها مجلة Elite الأدبية المرموقة، وفي العام التالي صدرت له مجموعة قصصية أخرى بعنوان "الشرك".‏

عام 1938 أصبح وزيراً للتربية، وعمل على تحديث الشأن التعليمي، وقام بإنجاز واحد من القوانين الأكثر تقدماً في هذا المجال، ثم تنقل في عدد من المناصب، كما اختير عضواً في أكاديمية العلوم السياسية، ثم عضواً في أكاديميتي اللغة والتاريخ، قبل أن يصبح ممثلاً لفنزويلا لدى منظمة اليونسكو، ثم عضواً في المجل التنفيذي لهذه المنظمة، ونائباً لرئيسها لمنطقة أمريكا اللاتينية والكاريبي. أما في الشأن الأهم، وأعني الشأن الإبداعي، فقد نشر ثلاث مجموعات قصصية أخرى، هي "ثلاثون رجلاً وظلالهم"، و"خطوات وعابرون"، و"الرابحون". وفي مجال الرواية أصدر "الطريق الذهبي، و"صورة في الجغرافيا" و"محطة الأقنعة"؛ وهاتان الروايتان الأخيرتان هما جزءان من ثلاثية بعنوان "متاهة الحظ"، كان قد صممها، وفقاً لتعبيره، كـ "مشروع لتصفح الأحداث التاريخية لفنزويلا منذ ديكتاتورية غوميث، وإعادة بناء الديمقراطية من بين أنقاض الديكتاتورية، والتحول الذي عاشه المجتمع الفنزويلي بسبب الصناعة البترولية وعدم استقرار الحياة السياسية للبلاد، التي كانت تتأرجح بين النجاحات والإخفاقات، والمحاولات الديمقراطية المدعية". ثم وبدلاً من إنجاز جزئها الثالث، تحول إلى موضوع الـ Caudillo الأمريكي (وهي كلمة إسبانية تعني الزعيم القائد الفرد، والذي هو أيضاً ديكتاتور)، فكتب روايته الهامة "المهنة الجنائزية"، في عودة تاريخية إلى أيام ديكتاتورية "ثيبريانو كاسترو" (1899 ـ 1908) و"فيثينتيه غوميث"، ضمن النوعية الروائية التي بدأت في أمريكا اللاتينية منذ القرن التاسع عشر مع أعمال مثل "المجزرة" لـ "إيستيبان إيتشيبيريا" و"الفصيح" لـ "سارميينتو" و"آماليا" لـ "خوسيه مارمول"، ثم انتقلت في القرن العشرين إلى صيغة جديدة، هي الرواية السياسية الساخرة، مع رواية "الطاغية" للكاتب الإسباني "بايّيه إنكلان"، وكانت هي القالب لسلسلة طويلة من الروايات: "السيد الرئيس" لـ "آستورياس" و "اختطاف الجنرال" لـ "ديمتريو آغيليرا مالتا" و"أنا الأعلى" لـ "رواباستوس" و"خريف البطريرك" لـ "غابرييل غارثيا ماركيث"، على سبيل إيراد بعض الأمثلة. وكانت آخر روايتين له هما "جزيرة روبينسون" و"زيارة في الزمن".‏

نشر بعض الأعمال المسرحية القليلة ومجموعتين شعريتين، وفي مجال البحث نشر الكثير من الدراسات والمقالات في الأدب والفكر والاقتصاد والسياسة، إضافة إلى عشرات الكتب في المجالات المذكورة، من بينها "آداب ورجال فنزويلا"، و"فنزويلا، بلد في حالة تحول"، و"وسائل من أجل بناء فنزويلا"، و"حول العمل والتخريب في فنزويلا".‏

حصل على العديد من الجوائز الهامة، من بينها جائزة "آريستيديس روخاس" في فنزويلا، وجائزة "ميغيل دي ثيرفانتيس" الإسبانية في مجال الصحافة، وجائزة "أمير آستورياس" الإسبانية للآداب، التي جاء في حيثيات منحها له أنه "مبتكر الرواية التاريخية الحديثة الإسبانو ـ أمريكية"، وجائزة "رومولو غاييغوس" التي أحدثت في فنزويلا من قبل رئيسها "راؤول ليوني" عام 1964 باسم ذلك الكاتب والسياسي البارز "بهدف تقدير وتكريم أعمال الروائيين البارزين، وتحفيز الأنشطة الإبداعية للكتاب المتحدثين بالقشتالية"، وكان أوسلار بييتري أول كاتب فنزويلي يحصل على هذه الجائزة الأدبية الهامة، التي منحت لكتاب بارزين آخرين من أمريكا اللاتينية، من بينهم "غابرييل غارثيا ماركيث" و"ماريو فارغاس يوسا" و"كارلوس فوينتيس" والإسباني "خابير مارياس". (وربما من المفيد الإشارة هنا إلى أن اللغة القشتالية La Lengua Castellana ـ نسبة إلى منطقة قشتالية في وسط إسبانيا وتقع فيها العاصمة مدريد ـ هي اللغة التي جرى التعارف عليها بأنها اللغة الإسبانية، إذ إن هناك ثلاث لغات أخرى يتحدث بها الإسبان في ثلاث مناطق رئيسة هي: كاتالونيا، شرقي إسبانيا، والباسك، في الشمال، وغاليثيا، في الشمال الغربي).‏

رحل "آرتورو أوسلار بييتري"، في الصباح الماطر ليوم 26/ 2/ 2001، عن خمسة وتسعين عاماً، وكتبت عنه صحيفة ABC البارزة، التي تصدر في مدريد، في اليوم التالي لوفاته: "آرتورو أوسلار بييتري، الذي توفي في منزله بكاراكاس، هو المفكر الفنزويلي الأكثر أهمية في القرن العشرين".‏

(م.ح)‏

ضوء القمر يتسلل عبر شقوق باب الكوخ، والريح تهب في حقول الذرة، بطيئة ومتواصلة، كما لو أنها تبشر بقدوم المطر. وفي الظل، تنوس أرجوحة سرير الرجل المسن، مع إيقاع صرير الحبل الذي يربطها إلى العارضة الخشبية الكبيرة، وصفير التنفس القصير المتقطع للمرأة المستلقية على سريرها في زاوية الكوخ.‏

صوت حفيف أوراق الذرة الجافة وأوراق الأشجار يشتد، باعثاً آمالاً ندية في ذلك الجو الترابي الجاف، صوت كأنه قادم من الأعماق، مثل خفقان ينبض، مثل وجيبٍ قلقٍ ومشتاق.‏

أصاخت المرأة الأرقة المتعرقة سمعها، فتحت عينيها قليلاً، حاولت أن تخمن ما يحصل، من خلال الشقوق المضيئة، انتظرت للحظات، ثم نظرت إلى الأرجوحة الثقيلة، ونادت بصوت مغتاظ:‏

ـ خيسوسو!‏

صمتت قليلاً بانتظار الجواب، ثم همهمت غاضبة:‏

ـ ينام مثل لوح من خشب، لا نفع يرتجى منه، يعيش وكما لو أنه ميت...‏

خرج النائم إلى الحياة مع صوت النداء، تمطى وأجاب بصوت منهك:‏

ـ ماذا جرى، أوسيبيا؟ ما هذه الفضيحة؟ حتى في الليل لا تتركين الناس بحالهم؟!‏

ـ اسكت، خيسوسو، واسمع.‏

ـ ماذا؟‏

ـ إنها تمطر، تمطر، خيسوسو!، وأنت لا تسمع. حتى أنك أصبحت أصم!‏

نهض العجوز متثاقلاً، ومشى باتجاه الباب، فتحه بحركة عصبية، واستقبل وجهه وجسمه نصف العاري، ضوء القمر الفضي، ووهج الأرض الحارق. كانت النجوم تملأ السماء، مد يداً مفتوحة إلى خارج الباب، ولم يشعر بقدوم قطرة واحدة. أرخى يده، واستند بجسمه إلى إطار الباب.‏

أرأيت، أيتها العجوز المجنونة، أنت وهذا الوابل من الأمطار الذي تتحدثين عنه؟.. لكن، ليس لي إلا الصبر.‏

شخصت المرأة بنظرات ثابتة نحو الضوء المنهمر عبر الباب. ودغدغت خدها حبة عرق سريعة. كان البخار الحار يغمر كل شيء.‏

أغلق خيسوسو الباب، وعاد ليتمدد على أرجوحته، وعاد صرير تأرجحها. أرخى يداً حتى لامست أرض الكوخ.‏

كانت الأرض جافة مثل جلد خشن، جافة حتى أعماقها، وكما لو أن حمى من العطش تجثم فوقها. كانت تلهث، وتتعذب.‏

بدأت بعض الغيوم القاتمة تتجمع مثل ظلال أشجار، لكنها سرعان ما تبددت وراء القمم البعيدة، ومضت كالحلم. كان النهار حارقاً. وكان الليل حارقاً يلتهب بأضواء ثابتة ومعدنية.‏

فوق القمم وفي الوديان الجرداء المتشققة، كان هاجس شبح الماء الجميل يملأ النفوس، الباحثة عن إشارة، المتقصية لخبر.‏

فوق القمم وفي الوديان، في كل قرية، كانت الكلمات نفسها تدور وتدور:‏

ـ غنى الـ "كاراو"(1). ستمطر...‏

ـ لن تمطر!‏

كانت عباراتٍ تتردد مثل كلم سر تفصح عن مدى ما في الروح من ضيق:‏

ـ هبت الريح من الفجوة. ستمطر...‏

ـ لن تمطر!‏

أصوات كثيرة ترددت، وكأنها تشحذ قواها، في انتظار لا ينتهي:‏

ـ صمتت الجنادب. ستمطر...‏

ـ لن تمطر!‏

كان الجو مثل كلسٍ مطفأ ومختنق.‏

ـ إن لم تمطر، خيسوسو، ما الذي سيحصل؟‏

نظر إليها حيث تستلقي في الظل فوق سريرها، مرهقة قلقة، أدرك نيتها بترداد وتكرار معاناتها، وأراد أن يقول شيئاً، لكن النعاس غلبه، أغمض عينيه واستسلم للنوم.‏

مع أول أضواء الصباح، خرج خيسوسو، وراح يسير بخطوات بطيئة، والأوراق الجافة تتقصف تحت قدميه الحافيتين. تأمل حقول الذرة، بصفوفها الطويلة الصفراء الجافة، والأشجار القليلة المتفرقة العارية، وبعض شجيرات الصبار في أعلى الرابية. توقف قليلاً وقطف حبات من الفاصولياء التي أتلفها اليباس، ثم تركها تتساقط من بين أصابعه.‏

مع ارتفاع قرص الشمس، أصبحت ألوان القحط أكثر وضوحاً، لم تكن هناك غيمة واحدة في السماء ذات اللهيب الأزرق. كن خيسوسو يمضي كل يوم، دون هدف، بعد أن قضى الجفاف على كل الزرع؛ مجتازاً الطرق الترابية، جرياً على عادته، من ناحية، ولكي يرتاح من ثرثرة أوسيبيا، المناكفة، من ناحية ثانية.‏

... ومن أعلى الرابية، لم يكن يبدو غير المساحات الصفراء العطشى، لوديان وتلال جرداء، وبقع كلسية صغيرة تشير إلى اتجاه الطريق. لم يكن هناك أدن مظهر من مظاهر الحياة؛ ريح ساكنة، وضوء لاهب. بدا كل شيء وكأنه بانتظار حريق.‏

كان خيسوسو يمشي متمهلاً، ثم يتوقف أحياناً، مثل حيوان مروض، وأحياناً أخرى يشرع في الحديث مع نفسه:‏

ـ أيها الحميد والمبارك! ما الذي سيحصل للناس الفقراء مع هذا الجفاف. ليس من قطرة ماء واحدة هذا العام. كان العام المنصرم غزير الأمطار، هطل أكثر مما كان متوقعاً، فاض النهر، وغمر الحقول، ووصل إلى مستوى الجسر... أليس من مخرج.. إما أن تمطر وتمطر... أو أنها لا تمطر على الإطلاق...‏

وانتقل من هذا الـ "مونولوج" إلى الصمت الكامل، والمشية الكسول.‏

كان مطرقاً ببصره، عندما أحس بوجوده شيء ما في عمق الطريق، ورفع نظره. رأى جسم طفل ضئيل الحجم، يبدو من ظهره، جالساً القرفصاء وهو ينظر نحو الأرض دون أية حركة.‏

تقدم خيسوسو منه دون أن يحدث أي صوت، ودون أن يدع الطفل ينتبه إليه، ثم اقترب منه كثيراً بحيث يستطيع أن يتبين ما الذي كان يفعله. جرى على الأرض خط رفيع متعرج من البول، وترك الطفل، في تلك اللحظة، نملة تسقط فيه من بين أصابعه المتسخة.‏

ـ وتحطم السد... وجاء الفيضان... برووم... بروووم.. بروووووووم... وهرب الناس... وذهبت أملاك عمه الضفدع البري... ثم قطيع عمتك الخشبة... وكل القطع الخشبية الضخمة.. ثاااس.. بروم... والآن تذهب العمة النملة مع مجرى المياه.‏

أحس الطفل بحركة ما، استدار فجأة، نظر برعب إلى الوجه الخشن لهذا الرجل، واستولى عليه مزيج من الغضب والخجل.‏

كان نحيفاً، رقيقاً، أطرافه طويلة ومنتظمة؛ صدره ضيق، يرتدي قميصاً بنياً، بشرته ذات لون برونزي متسخ؛ وجهه ذكي، عيناه تلتمعان، أنفه مرتعش، فمه أنثوي. يضع قبعة قديمة من اللباد، طواها فوق أذنيه بطريقة بدا معها مثل جرذ قلق ومتحفز.‏

انتهى خيسوسو من تفحصه بصمت، وابتسم.‏

ـ من أين أتيت أيها الفتى؟‏

ـ من هناك...‏

ـ من أين؟‏

ـ من هناك...‏

وأشار بيده بحركة مبهمة.‏

ـ وماذا جئت تفعل؟‏

ـ أتمشى.‏

كان جوابه ذا نبرة مرتفعة وواثقة مما أثار استغراب الرجل.‏

ـ ما اسمك؟‏

ـ مثلما سجله الكاهن.‏

قطب خيسوسو جبينه، ممتعضاً من هذا السلوك العنيد والسلبي.‏

ـ لا تكن قليل الأدب، قال العجوز، ثم لطف من لهجته وتابع بصورة ودودة: ـ لماذا لا تجيب؟‏

ـ لماذا تسأل؟ ـ رد ببساطة واضحة.‏

ـ أنت تخفي شيئاً. لربما أنك قد فررت من المنزل.‏

ـ لا، أيها السيد،‏

ثم راح يسأله دون فضول، بطريقة رتيبة، وكأنه يشارك في لعبة.‏

ـ أو أنك ارتكبت فعلة شنيعة.‏

ـ لا، أيها السيد.‏

ـ وقذفوا بك خارجاً بسبب سلوكك.‏

ـ لا، أيها السيد.‏

حك خيسوسو رأسه، وأضاف بشيء من السخرية:‏

ـ أو أنهم أرادوا أكل قدميك، فهربت؟ أيها المتشرد الصغير؟‏

لم يجب الفتى؛ وقف يهز ذراعيه وجذعه، وهو يطقطق برأس لسانه مع سقف حلقه.‏

ـ وإلى أين ستذهب الآن؟‏

ـ ليس إلى أي مكان.‏

ـ وما هذا الذي تفعله؟‏

ـ ما تراه.‏

ـ وقاحة!‏

لم يجد خيسوسو شيئاً آخر يقولـه؛ بقيا صامتين وجهاً لوجه، دون أن ينظر أحدهما في عيني الآخر.‏

بعد قليل، وقد أحس الرجل بأن الصمت قد ضايقه، لم يجد وسيلة للخروج منه سوى أن يمشي مقلداً خطوات حيوان غريب ضخم وأبله، محاولاً مداعبة هذا الطفل.‏

ـ أتأتي معي؟ ـ سأله خيسوسو ببساطة.‏

وبصمت كامل، امتثل الطفل وتبعه.‏

لدى وصولهما إلى باب الكوخ، كانت أوسيبيا قد شرعت بإشعال النار، وراحت تنفخ بقوة فوق كومة من الأخشاب والورق الأصفر.‏

ـ أو سيبيا، انظري، انظري من الذي جاء.‏

ـ هه، همهمت دون أن تلتفت، وتابعت النفخ.‏

أمسك خيسوسو بالطفل وأخذه فأوقفه أمامها، وهو يضع يديه الخشنتين فوق كتفيه الناحلتين:‏

ـ انظري!‏

التفتت بغيظ، ونظرت بصعوب بعينين أغرقهما الدخان بالدموع.‏

ـ آه؟‏

ثم طفح تعبيرها، شيئاً فشيئاً، بفيض من العذوبة.‏

ـ أوف! من هذا؟‏

ابتسم الطفل، وأجابته هي أيضاً بابتسامة.‏

ـ من أنت؟‏

ـ لا تضيعي وقتك بسؤاله، فهذا القليل الأديب لا يجيب.‏

جلست لبرهة تنظر إليه، وهي تبتسم له، ثم نهضت، واتجهت على مهل إلى ركن في الكوخ، بحثت في كيس قماشي أحمر، وأخرجت منه قطعة حلوى، صفراء شاحبة وقديمة، وقدمتها للطفل. وبينما كان هذا يمضغها بصعوبة، عادت تتأمله، وتتأمل زوجها، بشيء من الدهشة. بدا عليها وكأنها تبحث بصعوبة عن خيط رفيع وضائع في الذاكرة.‏

ـ خيسوسو، هل تذكر كاثيكيه؟ المسكين.‏

ومرت في ذاكرتيهما صورة الكلب العجوز. وعاد إليهما شعور عميق بالإشفاق.‏

ـ كا... ثي... كيه... ـ قال العجوز، وكأنه يتعلم التهجئة.‏

التفت الطفل إليه بنظرة عميقة وصافية.‏

نظر إلى زوجته، وضحك الاثنان.‏

بدا اليوم مختلفاً، واستثنائياً، مع صورة الفتى التي بدأت تتموضع ضمن هذا الإطار العائلي الصغير. كان في لون بشرته ما يثري سمرة الأرض، وفي ظل عينيه الطازج ما يبعث الكثير من الحياة والحرارة.‏

أخذت الأمور، شيئاً فشيئاً، تنتظم، ويتعود المكان وجوده، أصبحت يده تستطيع المرور بسهولة فوق خشب الطاولة الصقيل، وتبينت قدمه الارتفاع الطفيف لعتبة الكوخ، وتآلف جسمه مع المقعد الجلدي، وتواءمت حركات الجميع مع مساحة المكان الذي يضمهم.‏

كان خيسوسو، الفرح والمتوتر، قد خرج إلى الحقول المتشققة، وتشاغلت أو سيبيا بما يساعدها على تجاوز الشعور بالوحدة أمام هذا الإنسان الجديد.‏

وضعت قدراً على النار، وراحت تتحرك من مكان إلى آخر ساعية إلى إعداد شيء للطعام وهي تختلس النظر إلى الطفل، فتراه هادئاً، ساكناً، يضع يديه بين رجليه، مطرقاً رأسه وهو ينظر إلى قدميه اللتين كانتا توقعان بضربات خفيفة على الأرض. وبدأ يصلها صوت صفير رقيق.‏

سلته بعد لحظات دون أن تستدير إليه:‏

ـ من هذا الجدجد الذي يصفر؟‏

ظنت أنه لم يسمعها، لأنها لم تتلق جواباً، ما عدا استمرار الصفير، الذي يشبه تغريد الطيور، وقد أصبح أكثر فرحاً.‏

ـ كاثيكيه! ـ نادته بشيء من الحياء ـ كاثيكيه!‏

أحدث لديها سماع الـ آه! من الطفل كثيراً من البهجة.‏

ـ هل أعجبك الاسم؟‏

صمتت قليلاً، وأضافت:‏

ـ أنا اسمي أوسيبيا.‏

ثم ابتسمت، وسألته:‏

ـ كيف تحب أن تختار الأسماء؟‏

ـ أنت التي اخترت لي اسمي.‏

ـ صحيح.‏

أرادت أن تسأله عما إذا كان يشعر بالارتياح، غير أن ما راكمته حياة الوحدة القاسية في مشاعرها جعل التعبير عما تريده عسيراً، بل ومؤلماً.‏

عادت إلى الصمت، وتشاغلت بصورة آلية عما بدأ يدفعها إلى الرغبة بالبوح.‏

وعاد الطفل إلى متابعة صفيره.‏

كان الضوء يتزايد، فيزيد من الشعور بثقل الصمت. ودّت لو أنها تتحدث، دون انقطاع، عن كل ما كان يدور في رأسها، أو أن تهرب إلى العزلة كي ترتاح من جديد مع نفسها. تحملت كبح ذلك الدوار الداخلي حتى الحدود التي بدأت تعذبها، وفوجئت بأنها قد عادت لتتحدث، وشعرت بأن من كان يتحدث لم تكن هي، بل كان شيئاً يتدفق مثل دم من شريان متفجر:‏

ـ لم أعد قادرة على الاستمرار في تحمل خيسوسو..‏

مرت عبر كلماتها صورة هذا الرجل الغامض، الصامت، الجاف. بدا لها أن الفتى قال: "مثل البوم" وضحكت بتشف، ولم تعرف أن ما سمعته لم يكن سوى صدى لكلماتها.‏

ـ لا أدري كيف تحملته طوال هذه الحياة. كان دائماً سيئاً وكذاباً. ولا يهتم بي...‏

كان المذاق المر للحياة القاسية هو الذي يطغى على حديثها عن زوجها، محملة إياه كل الأخطاء، التي لم تعد تستطيع قبولها.‏

ـ حتى العمل في الحقل لم يعرفه منذ سنين. الآخرون يعملون لتحسين حياتهم، أما نحن فمن سيئ إلى أسوأ. والآن. هذه السنة، كاثيكيه...‏

توقفت لتأخذ نفساً عميقاً، ثم تابعت بعزيمة وبصوت أقوى، كما لو أنها أرادت أن تسمع صوتها إلى ما هو أبعد من ذلك المكان:‏

ـ ... لم يأت الماء. بقي الشتاء قاحلاً، واحترق كل شيء. لم تسقط قطرة واحدة!‏

أثار الصوت الحار في الجو الحارق مزيداً من التشوق الطاغي لشيء من البرودة، ومزيداً من الضيق من هذا العطش. كان التماع الرابية المحروقة، وتراكم الأوراق الجافة، وجفاف الأرض المتشققة، أكثر فداحة من أية هموم أخرى.‏

صمتت قليلاً، ثم أنهت حديثها، بصوت متألم:‏

ـ كاثيكيه.. خذ هذه الصفيحة وانزل إلى المضيق بحثاً عن بعض الماء.‏

***‏

كان ينظر إلى أوسيبيا، المنشغلة بتحضير الغداء، وهو يشعر بسعادة عميقة، وكأن هناك إعداداً لاحتفال ديني استثنائي، ارتدت كل الأمور المعتادة حلة العيد، فبدت أكثر جمالاً، وكأنها أخذت تتعرف على الحياة للمرة الأولى.‏

ـ هل أمامنا وجبة جيدة، أو سيبيا؟‏

وجاء الجواب أيضاً غير معتاد مثل السؤال:‏

ـ إنها جيدة، أيها العجوز.‏

كان الطفل قد خرج، لكن حضوره كان ماثلاً معهما بصورة مؤثرة وغير واعية.‏

أثارت صورة الوجه الصغير، اليقظ، خواطر كثيرة جديدة، راحا يتأملان بحنان بعض الأغراض التي لم يسبق لهما أن أعطياها أية أهمية: أحذية لطيفة من القنب، أحصنة صغيرة من الخشب، عربات صغيرة ذات دواليب من الليمون، أشكال متنوعة من الزجاج الملون.‏

وحدتهما البهجة المتبادلة والصامتة، وأضفت عليهما جمالاً متجدداً. وبدا لكل منهما وكأنه قد بدأ يتعرف على ذاته.. ويبني أحلاماً لحياتهما المشتركة القادمة. كانا جميلين، وكذلك كان اسماهما اللذان راحا يستمتعان بتردادهما:‏

ـ خيسوسو...‏

ـ أوسيبيا...‏

لم يعد الزمن انتظاراً يائساً، أصبح شيئاً ممتعاً، متدفقاً كالنبع. عندما جهزت مائدة الطعام، نهض الرجل، عبر الباب، ووجد الطفل جالساً على الأرض، يلعب مع "ثيرباتانا"(2)، ناداه:‏

ـ كاثيكيه، تعال إلى الطعام!‏

لم يسمعه الطفل، كان شارداً يتأمل الحشرة الخضراء الصغيرة، وعيناه شبه ملتصقتين بالأرض، فيراها وقد كبرت وأصبحت في مثل حجمه، أو كحيوان غريب ومخيف. كانت الـ "ثيرباتانا" تدور في مكانها، وصوت الفتى يترنم بصورة متواصلة:‏

ثيرباتانا... ثيرباتانيتا...‏

ما مساحة حديقتك؟...‏

باعدت الحشرة ما بين رجليها الأماميتين بطريقة موزونة، وكأنها تقيس المدى أمامها. واستمرت ترنيمة الطفل مترافقة مع حركة الـ "ثيرباتانا"، التي كانت تفاجئه باستمرار بشيء لا يتوقعه، راسماً لها في مخيلته ما يصعب إدراكه.‏

ـ كاثيكيه، تعال إلى الطعام.‏

استدار بوجهه، وقد بدا عليه التعب، وكأنه عائد للتو من رحلة طويلة. مشى وراء الرجل، ودخلا إلى الكوخ، الذي كان عابقاً بالدخان. كانت أوسيبيا تقوم بوضع طعام الغداء في صحون قديمة من التوتياء المطلي بالقصدير، بينما احتل خبز الذرة الأبيض، البارد والخشن، مكاناً بارزاً وسط الطاولة.‏

***‏

عاد خيسوسو إلى الكوخ بعد الغداء بقليل، خلافاً لعادته اليومية في البقاء معظم النهار متجولاً بين الجرود والمزارع، ليعود من ثم، فيكرر تصرفاته المعتادة، ويردد عباراته المألوفة، ثم يتوجه للاسترخاء في ركنه الدائم. لكن هذه العودة غير المألوفة، كانت بمثابة تغير مفاجئ في حياته، إذ دخل، بشيء من الإحساس بالذنب، مدركاً في الوقت نفسه، أو أوسيبيا لابد وأن تغمرها المفاجأة. ودون أن ينظر في وجهها، اتجه إلى أرجوحته واستلقى عليها. ووصله صوتها، من غير أن يفاجأ، وكأنها تستجوبه:‏

ـ آها! يبدو أن الكسل يتزايد ـ ثم بحثت عن عذر ـ وما الذي سنفعله مع هذه التلال المحترقة؟‏

وتابع صوت أوسيبيا بعد لحظات، بطريقة أكثر وداً:‏

ـ ما هذا الجفاف! متى ستأتي الأمطار!، الأمطار الغزيرة المستمرة، أيها الرب المقدس!‏

ـ الحر شديد والسماء خالية من أية غيوم، لا تبدو بوادر أمطار قادمة، من أية جهة من الجهات.‏

ـ لو أنها تمطر!، فتغير في حياة هذه الأراضي.‏

ـ صحيح. لا شك أنها ستغير.‏

ـ وسيزيد الدخل، فهناك مزارع كثيرة قد أتلفها الجفاف.‏

ـ أجل، سيزيد.‏

ـ هطول غزير واحدة، وسترتوي كل هذه المساحات.‏

ـ وبهذا الدخل سنتمكن من شراء بعض الحمير، التي نحتاجها كثيراً. وبعض قمصان النوم لك، أوسبييا.‏

تدفق الحنان في وجهي العجوزين وتهللا بابتسامة فرحة.‏

ـ ولك، خيسوسو، لحاف من النوع الجيد.‏

وأضاف الاثنان معاص، بما يشبه أداء الكورس:‏

ـ ولكاثيكيه؟‏

ـ نأخذه إلى القرية كي يختار ما يحب.‏

انحسر الضوء الذي كان يأتي من الباب، بصورة غير معتادة، إذ لم يكن قد مضى بعد وقت طويل على انتصاف النهار. وبدأت تدخل نسمات خفيفة مشبعة بالرطوبة، لطفت من حرارة الجو داخل الكوخ.‏

لم يتحدثا كثيراً، كانت بينهما مجرد كلمات قليلة بين الحين والآخر، أفصحت عن إحساس بالراحة، وعن روح متجددة، مطمئنة، متعبة لكنها سعيدة.‏

ـ لقد أظلمت الآن ـ قالت أوسيبيا ـ وهي تنظر إلى اللون الرمادي الذي غمر باب الكوخ.‏

ـ الآن، أجل ـ وافق خيسوسو وهو شارد الذهن.‏

ثم أضاف بصورة مفاجئة:‏

ـ وماذا يفعل كاثيكيه طوال هذا الوقت؟... لابد وأنه يلعب في الحقول مع الحيوانات الصغيرة التي يصادفها، فيعاملها كمخلوقات بشرية، وليس كحيوانات، أو كحشرات صغيرة.‏

أضاف بعد قليل، وقد مرت في ذهنه صور كثيرة أثارتها كلماته هذه:‏

ـ ... سأذهب للبحث عنه.‏

نهض عن أرجوحته متثاقلاً، وتحرك باتجاه الباب. كان لون الرابية الأصفر قد تحول إلى بنفسجي بسبب انعكاس السحب السوداء الكثيفة. وبدأت تهب رياح فوق الأراضي الجافة العطشى.‏

ـ انظري، أوسيبيا ـ هتف.‏

ـ وجاءت المرأة إلى العتبة وهي تسأل:‏

ـ كاثيكيه هناك؟‏

ـ لا ! انظري إلى السماء السوداء، انظري.‏

ـ هذا حصل في مرات سابقة ولم تهطل الأمطار.‏

وقفت متسمرة عند الباب، بينما خرج هو إلى الجرود. جمع كفيه حول فمه وأطلق صرخة طويلة.‏

ـ كاثيكيه! كاثيييييكيه!!!‏

مضى الصوت مختلطاً مع الريح التي أخذت تعصف، فتقصف وتجرف في اندفاعها بقايا الزرع الأصفر وأوراق الشجر الجافة.‏

مشى خيسوسو عبر الطريق الأكثر اتساعاً وإشرافاً. ومع أول انعطاف له لمح أوسيبيا بطرف عينه، ووجدها ما تزال تقف فوق العتبة دون أية حركة، ...ثم غابت عن نظره مع ابتعاده عبر المنعطفات.‏

هبت موجة من صرير آلاف الحشرات المندفعة مع أوراق الشجر المتساقطة، وفرت مجموعات من طيور الحمام البني مذعورة وقد فاجأتها العاصفة....‏

وبدأ الجو ينبئ باقتراب المطر.‏

أصبح يسير شبه ذاهل، وبدت له الطرقات أكثر تعرجاً وتعقيداً مما كان يعرفها، وكذلك أكثر إظلاماً وغرابة. كان يسير بصورة آلية، مضطربة، متوقفاً بين حين وآخر ليجد نفسه وكأنه في موقع لا يعرفه.‏

وشيئاً فشيئاً التبست عليه كل الأمور،... وغرق في عالم رمادي مطبق.‏

كان يخيل لخيسوسو أحياناً أنه شاهد الفتى الصغير جالساً القرفصاء وسط حقول الذرة الجافة، فيبادر مسرعاً ليناديه: "كاثيكيه"؛ لكن سرعان ما كانت الرياح والظلال القاتمة تغير في المشهد، وتصيغ أشكالاً أخرى لا يمكن التعرف عليها.‏

أصبحت الغيوم أكثر كثافة وانخفاضاً، وزادت كثيراً من اشتداد العتمة. وعند منتصف سفح الرابية، حيث وصل، بدت لـه الأشجار العالية وكأنها أعمدة من دخان. لم يعد يصدق عينيه، تحولت الأشكال جميعها إلى ظلال متشابهة، لكن بعض الأصوات التي تحيط به كانت تجعله يتوقف.‏

ـ كاثيكيه!!‏

نادى بصوت قلق، ثم أصاخ السمع. بدا له أنه سمع شيئاً يشبه خطواته، لكن لا، إنه غصن جاف تقصف.‏

ـ كاثيكيه!!‏

كان غارقاً وسط مزيج من الصرير والأصداء. وتردد في مسامعه وسط كل ذلك الضجيج الذي تلفه الرياح.‏

ـ ... ثيرباتانا ... ثيرباتانيتا....‏

كانت عباراته؛ كان صوته الطفولي؛ ..ليس صدى حصاة تدحرجت، أو أغنية عصفور قادمة من بعيد، ... وليس رجع صدى مناداته وقد عاد متبدداً، ومتلاشياً.‏

ـ ... ثيرباتانيتا... ثيرباتانيتا...‏

اجتاحه ضيق شديد وحاد مع الغموض الرمادي الذي ملأ رأسه، سرعت خطواته بصورة متوترة، بل وجنونية، ودخل بشكل محموم وسط حقول الذرة، ثم راح يجتازها وهو في وضع القرفصاء، ثم على أطرافه الأربعة، ولم يعد يسمع غير صوت أنفاسه، التي طغت على جميع الأصوات.‏

كان يمضي باحثاً، في حالة من الدوار، والجزع الذي لا يقاوم. أصبح يشعر هو نفسه بالضياع وبالحاجة إلى الاستغاثة.‏

ـ كاثيكيه!!! كاثييييكيه!!!!‏

استمر متخبطاً تائهاً، دون أن ينتبه إلى أنه كان قد عاد ليصعد الرابية من جديد. أفقده البحث اليائس غير المجدي، وتسارع الدم في شرايينه، والظلام المطبق، مقدرته على معرفة ذاته وطبيعته؛ ولم يعد يجد في نفسه سوى مجرد حيوان غريب تتقاذفه الطبيعة. لم يكن يرى الرابية التي يعرفها، تشوهت صورتها، وبدت بعيدة يسكنها ضجيج وجلبة غير مفهومين.‏

الهواء كثيف وصعب الاستنشاق، والعرق يتصبب منه،... وهو مستمر في الجري والصراخ:‏

ـ كاثيكيه!!!‏

ترددت أصداء صراخه الأجش وكأنه آتٍ من ألف اتجاه. وكأنه بين الحياة والموت. كان أمراً يتجاوز كل المعقول، خلقته هذه الوحدة القاسية، وهذا العذاب.‏

كان احتضاراً.‏

ضاع وجه الطفل مع الظلام الحالك؛ لم يعد بإمكانه التعرف عليه، مثل جميع الأشكال الأخرى، لم يعد يتذكر ملامحه، لم يعد يتذكر شكل ظله.‏

ـ كاثيكيه!!!‏

سقطت قطرة باردة كبيرة فوق جبينه المتعرق. سالت فوق خده، وسقطت قطرة أخرى فوق شفتيه المنفرجتين المعفرتين.‏

ـ كاثيكيه!!!‏

وسقطت قطرات أخرى باردة فوق صدره، امتزجت بعرقه، وأخرى فوق عينيه القلقتين، فأغشتهما.‏

ـ كاثيكيه!! كاثيكيه!!! كاثيكيه...‏

غطت القطرات الباردة كامل جسمه، وألصقت به ثيابه، وسالت فوق أطرافه المترهلة.‏

انفجر صوت هادر مفاجئ، اختنق معه صوته.‏

انبعثت رائحة عميقة لجذور الأرض، وللتراب، وللبذور المنتعشة، رائحة المطر!.‏

لم يعد بإمكانه التعرف حتى على صوته، الذي طوته أصداء متصاعدة للقطرات المتساقطة.‏

صمت فمه، وبدا كالنائم وهو يمشي متمهلاً، يهدهده صوت المطر، العميق والرحب.‏

لم يكن يعرف أنه قد اتجه عائداً. توقف يتأمل، وكأنما من خلال الدموع، وعبر خيوط الماء الصافية، وجه أوسيبيا الساكن، الغارق في الظلام مع بصيص من ضوء العتبة.‏

(1) Carrao طائر يشبه في شكله وحجمه مالك الحزين، لكن بنيته أكثر متانة وعنقه أقل طولاً، يعيش في المناطق المدارية، وبخاصة في المستنقعات وعلى ضفاف الأنهار، يغرد بصوت قوي يسمع من مسافات بعيدة خلال الليل. ويقال عنه في فنزويلا إنه يغرد، بلا كلل، طلباً للمطر في فصل الصيف؛ وطلباً لإيقاف المطر في فصل الشتاء. ـ المترجم ـ.‏

(2) Cerbatana تسمية عامية لحشرة اسمها العلمي blepharopsis mendica تشبه الجرادة من حيث شكلها، وكذلك من حيث إتلافها للزرع. يبلغ طولها نحو 7 سم، خضراء اللون، رأسها بارز، يقظ، رجلاها الأماميتان مزودتان بأشواك قوية. تقتات أيضاً بـ "المفصليات" الصغيرة من الحشرات، ولا توفر في ذلك صغارها هي. ـ المترجم ـ .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244