مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 130 ربيع 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

كاتب وقصة من ألبانيا ـــ بقلم: إسماعيل كاداريه ـ عبد اللطيف الأرناؤوط

مما لا شك فيه أن الكاتب الألباني (إسماعيل كاداريه) Ismail Kadare كان وجه ألبانيا الذي رآه العالم من خلاله.‏

فلولاه لم يكن لألبانيا هذا الحضور الماثل في ذاكرة القراء. لقد كانت ألبانيا قبله رقعة أرض على الخريطة، وأصبحت بعده روحاً ونبضاً عالمياً، يعلي قيم الإنسان، ويعكس تطلّع الشعب الألباني إلى العدل والحرية والحياة الكريمة الآمنة.‏

بفضله عرف العالم روح الشعب الألباني وتراثه وقيمه وأساطيره التي تجسّد عاداته وتقاليده ومُثله، ومن هذا المنطلق يجب أن نحكم عليه بعيداً من تصرفاته الإنسانية في مواقف الحياة.‏

ولد إسماعيل كاداريه في مدينة (جير وكاسترا (Gjiro kastra بجنوب ألبانيا عام 1936م، والتحق بعد دراسته الثانوية بكلية الآداب في جامعة "تيرانا"، وتخرج فيها عام 1958م، وحصل على منحة دراسية لمتابعة دراسته في معهد "غوركي" للأدب العالمي، فاطلع على الثقافة الغربية، وبرز اهتمامه بالشعر منذ أن كان في الحادية والعشرين من عمره، وتطلع إلى التغيير، فكان باكورة نتاجه الأدبي روايته الأولى بعنوان (مدينة بلا إعلانات) التي وضع مسودتها في "موسكو"، وحاول نشرها بعد عودته إلى وطنه لكن الرقابة منعت نشر حلقاتها في ظل الحكم الشيوعي..‏

في هذه القصة الطويلة يبدو "كاداريه" شاباً طامحاً ومتحمساً للتغيير الثوري العنيف الذي رأى فيه النظام إحراجاً لـه، فبطلاها شابان تتجاوز حماستهما للتغيير الثوري المواقف المعلنة للحزب الشيوعي آنذاك، فهما يرفضان الدين، ويسعيان لتخريب الأيقونات في الكنائس وتمزيق الكتب المقدسة، ومنع نشر القصة أو الرواية بسبب ما تمثله من إحراج للحزب آنذاك.‏

في الوقت الذي كانت ألبانيا فيه تخوض معركة مع التحريفية السوفياتية. وبعد ثلاثين عاماً.. حاول "كاداريه" أن يعيد نشرها في الغرب عام 2001م. وبعيداً من قيمتها الفنية، فقد احتفى الغرب بنشرها كعمل أدبي لم يسمح الحزب الشيوعي بنشره.‏

ثم تحرر "كاداريه" من الأفكار المتطرفة بعد هذه الرواية، كما تحرر من صبغة الأدب التحريفي المباشر. وأفاد من تجربته الأولى في إعداد نفسه لتأليف روائي له قالبه الفني يستلهم روح الشعب الألباني وتطلعاته ضمن إطار الواقعية الاشتراكية.‏

فبدا في روايته التي حققت له شهرة عالمية بعنوان (جنرال الجيش الميت (Gjenerali I ushtrise se vdekur) عام 1963م أكثر التزاماً بالأسلوب الفني لكتابة الرواية، وأشد التصاقاً بحياة شعبه الواقعية. تتحدث الرواية عن جنرال إيطالي أرسلته حكومته بعد طردها من ألبانيا، برفقة كاهن للبحث عن رفات الجنود الإيطاليين الذين قتلوا في ألبانيا في معارك التحرير. ومع عدم اقتناعه بجدوى مهمته، فقد لاقى مصيره المحتوم، فقتل على يد عجوز ألبانية مناضلة ثأراً لولدها.‏

هذه الرواية فتحت له أبواب الشهرة العالمية، وترجمت إلى لغات عدة.‏

وأتاحت للعالم أن يطلع على صورة ألبانيا وبطولات شعبها وأعرافه وتقاليده، ونأى فيها "كاداريه" عن المباشرة، ومنحها نفساً شاعرياً فيه من الحرارة والصدق ما يبعدها من الدعاوة.‏

بعد هذا النجاح، نشر "كاداريه" رواية قصيرة عنوانها: (الوحش) (shkaba) استفاد فيها من واقعة حصان طروادة أمام أبواب إيليون المقدسة، محاولاً إسقاط الماضي الأسطوري على حاضر بلده في معركة التحرر التي يخوضها. ومع أن "كاداريه" اتخذ لروايته إطاراً من الأساطير العالمية، وأسقط فيها الماضي على الحاضر، فقد آثر بعد ذلك أن ينعطف إلى أساطير بلده ألبانيا وإحيائها في التعبير عن تطلعاته الوطنية، وهي أساطير تعكس روح شعبه وتشدّه إلى متابعة تطلعاته الإنسانية.‏

ومن هنا انطلق "إسماعيل كاداريه" في رواياته اللاحقة إلى إحياء تراث ألبانيا الأسطوري والإفادة منه في إسقاط ما يريد إسقاطه من أفكار تحررية لبعث العزيمة في نفوس الألبان، الذين تهزّهم هذه الأساطير، ويرون فيها حكمة الماضي لبناء الحاضر، وفي عام 1968م أصدر "كاداريه" روايته (العرس Dasma) واختار لها إطاراً اجتماعياً يهاجم الإقطاعيين والمتنفذين، ويحضّ على تصفيتهم وإنهاء تسلطهم ومظالمهم، وبدا فيها الكاتب ملتزماً بأفكار الحزب في تحليله الماتع لصراع الطبقات.‏

وفي عام 1970م أصدر "كاداريه" رواية (الحصن Keshtjella) تناول فيها بطولة الشعب الألباني في الدفاع عن حصن حاصره العثمانيون في القرن الخامس عشر، لكن الرواية خضعت لتأويلات شتى لأنها تسمح بأكثر من إسقاط سياسي، فقد صدرت بعد النزاع الإيديولوجي الألباني السوفييتي، واجتياح السوفييت لتشيكو سلوفانيا عام 1968م وفهمها الغرب على أن الرواية تمثل ألبانيا التي تقاوم التحريفية السوفييتية، وأن المواجهة لم تكن بين العثمانيين والألبان، بل كانت بينهما في مواجهة عدد ومشترك هو الاتحاد السوفييتي.‏

ويعود "إسماعيل كاداريه" بعد ذلك إلى الأساطير الألبانية يسقطها على حاضر وطنه، وقد وجد فيها سبيلاً لكتابة الرواية الفنية بمفهومها المعاصر، وإطاراً لا يقبل التحريف والتأويل، كما لمس فيها استجابة الشعب الألباني لإعادة قراءة هذه الأساطير التي ترسخت في وجدانه، فأصدر في عام 1971 رواية عنوانها: (تاريخ منقوش على الحجر kroniké me gur) تحدّث فيها عن نضال مدينة "جير وكاسترا" خلال الحرب العالمية الثانية، ومقاومتها القوات اليونانية والإيطالية والألمانية بقيادة الحزب الشيوعي، وخلال سيرة بطلها الشاب الذي جمع بين حلمه والواقع، حتى يتم التحرير وتنتقل المدينة إلى عهد جديد. وضمّن الكاتب الرواية مواقف من طفولته ويفاعته في هذه المدينة التي ينتمي إليها.‏

وفي عام 1973م، حاول "كاداريه" أن يبرز الموضوع ذاته في رواية بعنوان: (خريف مدينة Nentori inje kryoq yteti)‏

عرض فيها تحرير مدينة "تيرانا" من قوات الاحتلال الألماني، وتماثل موضوعها ونهجها مع روايته السابقة من الاهتمام بها.‏

ولم تنل روايته اللاحقة نجاحاً يذكر وعنوانها: (الشتاء الكبير Dimri I madhe) التي تناول فيها الخلاف الألباني السوفييتي في عام 1961م، وانضمام ألبانيا إلى المعسكر الصيني "المادي" معتمداً على محاضر الاجتماعات بين الوفدين الألباني والسوفييتي ومذكرات (أنور خوجا Enver Hoxha) لطبيعتها السياسية، وطغيان الفكر السياسي على محتواها، وضعف بنيتها الفنية.‏

ويعيد "كاداريه" في رواية (فجر آلهة السهوب)‏

ذكرياته في "موسكو" يوم كان طالباً، يتناول فيها قصة حب بطلها ألباني لفتاة روسية مُسبغاً على هذه العلاقة بُعداً إنسانياً واجتماعياً.‏

ويعود الكاتب بعد ذلك إلى التاريخ، ويحتفي بكل ما هو ألباني يقدمه كتراث لبلاده، ويرى فيه الأسلوب الأمثل للتعبير عن قيمه وأفكاره.. فنشر في عام 1978م رواية عنوانها: (جسر بثلاث قناطر Ura me tri harqe) استلهم فيها حكاية شعبية ألبانية تعكس معتقداً شعبياً يفرض ضرورة التضحية برأس إنسان أو حيوان يوضع في أساس البناء ليضمن له الاستمرار والخلود، ويدعو شعبه لتقديم التضحيات لبناء مستقبل راسخ.‏

وأصدر "كاداريه" في عام 1978م رواية عنوانها:‏

(الباشويات الكبرى Pashalleqet emadha) سلّط فيها الضوء على شخصية "علي باشا" الذي حاول أن يستقل عن السلطة العثمانية مستعيناً بالغرب، لكن العثمانيين دبروا له مؤامرة قطعوا فيها رأسه وأرسلوه إلى الباب العالي.‏

وفي عام 1979م. أصدر "كاداريه" رواية عنوانها:‏

(لجنة الاحتفال Komisioni I festés) تناول فيها واقعة تاريخية معروفة في التاريخ الألباني، إذ عمدت السلطة العثمانية إلى تدبير مؤامرة هدفت إلى تصفية خمسمائة عنصر من أعيان الألبان ذوي النزعة التحريرية بدعوتهم إلى احتفال في مدينة (مناستير Manestir) وقضت عليهم، وندّد الكاتب بالروح التآمرية والدموية للحكم العثماني.‏

ويعود "كاداريه" إلى الرمز والأسطورة الألبانية يُنطقها ويسقط خلالها تطلعاته في رواية عنوانها:‏

(مَنْ أعاد دورنتين Kush esolli doruntinen) عام 1979م وتعتمد الرواية على أسطورة ألبانية شعبية متداولة، يبعث فيها الأخ حياً من موته ليدافع عن أخته المختطفة، إذ يغدو بعث الأخ بعثاً للشعب الألباني المستسلم لمصيره كالموتى، ونالت الرواية شهرة لما فيها من فرص متعددة لقراءة رموزها الأسطورية. وفي رواية عنوانها (موظف قصر الأحلام hlepunesii pallati I éndrrave) التي صدرت عام 1981م، يعود الكاتب إلى التاريخ العثماني يستلهم منه أبرز الحوادث، ويسقط خلالها نقداً للنظام الاستبدادي فيرصد كل حلم قد يتحول إلى واقع يهدده، فيجهضه قبل أن يجد سبيله إلى التحقيق.‏

وأصدر "إسماعيل كاداريه" مجموعات قصص طويلة أو روايات قصيرة... أهمها:‏

ـ برودة الأعصاب 1980م Gjakftoftesia‏

ـ نيسان المكسور prilli I thyer تناول فيها تقاليد الثأر لدى الألبان.‏

وينعطف "كاداريه" نحو الرواية الإيديولوجية.. فيصدر راوية عنوانها: (حفلة موسيقية في نهاية الشتاء Koncert me fund té dimrit)‏

تناول فيها وجهة نظر الحزب من الخلاف المتفاقم بين ألبانيا والصين. وكذلك رواية (الملف هـ Dosja H) انتقد فيها فترة حكم الملك "أحمد زوغو" بالسخرية خلال متابعة بطليها الباحثين الغربيين اللذين يزوران ألبانيا للإطلاع على تراثها الشعبي، لكنهما يخضعان لمراقبة السلطات ومضايقتها، مما يعكس عزلة ألبانيا عن العالم وتقوقعها بعيداً من الانفتاح والتواصل.‏

وفي عام 1990م غادر "إسماعيل كاداريه" بلده ألبانيا إلى باريس. ونشر رواية عنوانها: (الهرم Piramida) عام 1992م جسّد فيها القطيعة التي تمت بينه وبين الحزب الشيوعي، واستعار واقعة رفض الفرعون المصري "كيوبس" دفنه في هرم كأسلافه، ليرمز خلالها إلى رغبة "أنور خوجا" زعيم ألبانيا الشيوعي، أن يدفن في هرم ضخم في قلب العاصمة "تيرانا"، وساعد على انتشار الرواية المفارقة بالمطالبة بنقل رفات "خوجا" من هذا المبنى وتحويله إلى مركز للموسيقا الغربية التي لم يكن "خوجا" يحب سماعها في حياته.‏

وأصدر "كاداريه" في عام 2003م رواية عنوانها:‏

(الظل Hie) تناول فيها الصراع الصامت على السلطة بعد وفاة "خوجا" وقد كتبها سراً في فترة حكمه، وسرّبها إلى دار نشر فرنسية، وفيها يصور عزل ألبانيا في ظل حكم "أنور خوجا" في سنواته الأخيرة، ويعقد مقارنات بين واقع ألبانيا في القرون الوسطى والتقدم الذي شهده العالم الغربي، وكأنه يقطع كل صلة لـه بالنظام الاشتراكي خلال صورة البطل الذي يمثله، ويظهر نفسه وكأنه ضحية للنظام الاشتراكي.‏

وإننا نلاحظ خلال قصصه ورواياته أن الغرب الذي عزّز شهرة "إسماعيل كاداريه" كان يتابع نتاجه باهتمام وينقل إبداعه المنسجم مع مصلحته. لكن هذه الشهرة الواسعة لم تأت من فراغ، فقد كان الغرب يعلم بتميزه الإبداعي وموهبته الروائية المتميزة فنياً، وهو يعرف أن ما يقدمه للقراء ينقل إبداعاً متميزاً جديراًَ بالقراءة، ويسلط الضوء على الأدب الشعبي الفني بتراثه الأسطوري، ويُسقطه على الواقع، ويعنى بالشعر الشعبي الذي يدوّن سيرة شعب بأصالة، وينقلها إلى العالم بإبداع، ويسعى إلى تحديثها وتخليصها من عناصرها الميثولوجية ويسقطها على الواقع المعاصر..‏

ومن هذا المنطلق يجب أن نحكم على عظمة أدب "إسماعيل كاداريه" بعيداً من مواقفه السياسية وتحولاته، فالسياسة تتبدل والإنسان يتغيّر.. فقد أهدى "كاداريه" العالم صورة ألبانيا التي ستظل تقترن به، فهو ابنها وهي أمه ومن ثديها رضع وأعطى.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244