مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 130 ربيع 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الموسيقا على التلة ـــ بقلم: ساكي ـ ت.وفيق الأسدي

تناولت سيلفيا سلتون وجبة الفطور في غرفة الصباح في "ييسيني" بإحساس مبهج بالنصر المطلق، يشبه شعور آيرونسايد الحماسي في صباح يوم من أيام مباريات الملاكمة في مدينة وورشستر. لم يكن مزاجها من النوع المشاكس، ولكنها تنتمي إلى تلك الفئة الناجحة من المقاتلين الذين تدفعهم الظروف لأن يكونوا مشاكسين. لقد أراد القدر أن تكون حياتها مشغولة بسلسلة من النزاعات الصغيرة، وفي العادة حين تكون الأرجحية ضدها، وعموماً كانت تنجح في الخروج منتصرة.‏

وكانت تحس بأنها قد وصلت بأقسى نزاعاتها وأهمها إلى نتيجة ناجحة. فقد كان زواجها من مورتيمر سلتون، "مورتيمر الميت" كما كان أعداؤه الأكثر حميمية يسمونه، رغم العداء الصقيعي لأسرته، ورغم لا مبالاته الصادقة تجاه النساء، إنجازاً احتاج إلى بعض التصميم والمهارة. والبارحة، كانت قد وصلت بنصرها إلى مرحلة ختامية بل انتزعت زوجها من المدينة وما يتبع لها من مصحات المعالجة بالمياه، وجعلته "يستقر" كما أفادت بلغتها الخاصة ضمن هذه العزبة البعيدة المطوقة بالغابات التي كانت منزله الريفي.‏

كانت أمه قد قالت بلهجة انتقادية: "لن تستطيعي قط أن تجعلي مورتيمر يذهب إلى هناك، ولكن لو أنه ذهب مرة إلى هناك، فسوق يبقى. إن ييسيني ترمي بسحرها عليه كما المدينة. ويمكن للمرء أن يفهم ما الذي يشهده إلى المدينة.." ثم هزت العجوز المهيبة كتفيها.‏

كان يطغى على ييسيني جو بري كئيب وحشي تقريباً ليس من المحتمل أن يعجب من تربى في المدينة، ولم تكن سيلفيا، على الرغم من اسمها1، معتادة على أية غابات تزيد على ما في كنسينغتون كثيرة الشجر. كانت ترى الريف كشيء ممتاز وصحي بأسلوبه الخاص، ومن الممكن أن يصبح مزعجاً إذا بالغت في تشجيعه. كان انعدام الثقة في حياة المدينة شيئاً جديداً عليها، أوجده زواجها من مورتيمر، وكانت تراقب بعين الرضا الاضمحلال التدريجي لما كانت تسميه "نظرة شارع جرمين" في عينيه حين راحت غابات ونباتات الخلنج في ييسيني تخيم عليهما الليلة الماضية. لقد هيمنت قوة إرادتها واستراتيجيتها. سيبقى مورتيمر هنا.‏

عبر نوافذ غرفة الصباح كان ممكناً مشاهدة منحدر مثلث من المروج، يمكن للمتساهل أن يسميه مرجة منزلية، وما وراء سياجها الخفيض المؤلف من شجيرات الفوشيا المهملة كان منحدر أعمق من نباتات الخلنج والسرخس يهبط إلى وديان ضيقة كهفية تغطيها أشجار السنديان والطقسوس. في وحشيتها البرية المكشوفة كان هناك رابط خفي يربط متعة الحياة برعب الأشياء غير المرئية. ابتسمت سيلفيا برضا عن النفس وهي تحدق إلى المنظر الطبيعي بنظرة إعجاب فنية، ثم ارتعدت فجأة.‏

قالت لمورتيمر الذي انضم إليها: "المكان هنا شديد التوحش، حتى إن المرء يكاد يعتقد أن عبادة "بان"2 لم تنقرض في هذا المكان.‏

قال مورتيمر: "لم تنقرض عبادة بان قط. كانت هناك آلهة أخرى أكثر جدة تجذب إليها عابديه بين الحين والآخر، ولكنه إله الطبيعة الذي على الجميع العودة إليه في النهاية؛ كان يسمى بـ (أبي الآلهة)، ولكن معظم أولاده ولدوا ميتين".‏

كانت سيلفيا متدينة بطريقة صادقة وتعبدية على نحو غامض، ولم تكن تحب سماع أن يقال عن معتقداتها إنها مجرد زوائد لاحقة، ولكن كان هناك على الأقل شيء جديد ومفعم بالأمل في أن تسمع "مورتيمر الميت" يتحدث بكل تلك الحيوية والقناعة عن أي موضوع.‏

سألته غير مصدقة: "أنت لا تؤمن حقاً ببان، أليس كذلك؟"‏

قال مورتيمر بهدوء: "أنا أحمق في كثير من الأمور، ولكني لست أحمق إلى حد لا أؤمن فيه ببان وأنا هنا. وإن كنت تتمتعين بالحكمة فلا تكفري به على نحو شديد التباهي خلال وجودك في موطنه".‏

ولم يحدث إلا بعد أسبوع من ذلك، وبعد أن كانت سيلفيا قد عرفت كل مفاتن مشاوير الغابة من حول ييسيني، أن تجرأت وقامت بجولة تفتيشية لأبنية العزبة. كان فناء المزرعة يوحي لها بمشهد من الجلبة المرحة، بوجود مِمْخَضَات اللبن ومِدْرَسَات القمح اليدوية وعاملات الملبنة المبتسمات، وأزواج من الجياد تشرب وقد غرقت حتى ركبها في برك ماء مليئة بالبط. ولكنها حين تجولت بين الأبنية الرمادية الكالحة لمزرعة ضيعة ييسيني، كان أول انطباع لها هو الهدوء والعزلة الساحقان، وكأنها دخلت منزلاً مهجوراً منعزلاً ترك منذ زمن بعيد للبوم وبيوت العنكبوت. ثم جاء ذلك الشعور بالعداء اليقظ المختلس، ذلك الظل نفسه لأشياء غير مرئية كانت تبدو وكأنها تتلبث في تلك الوديان الضيقة الغابية والأيكات. ومن خلف أبواب ثقيلة ونوافذ محطمة كانت تأتي أصوات دوس الحوافر أو صريف السلاسل، وأحياناً الخوار المكتوم من حيوان مربوط. ومن زاوية بعيدة كان كلب أشعث يراقبها بعينين عدائيتين مصممتين. وحين اقتربت منه انسل بهدوء إلى وجاره، ثم انسل مجدداً إلى خارجه بهدوء بعد أن مرت به. كما انسلت بضع دجاجات كانت تبحث عن الطعام تحت أحد الأكداس، مبتعدة تحت بوابة عند اقترابها. شعرت سيلفيا أنها لو صادفت أي بشر في هذه البرية المؤلفة من مخزن الحبوب والزريبة فإنهم كانوا سيهربون كالأشباح من تحديقتها. وأخيراً وبينما كانت تدور من حول إحدى الزوايا بسرعة، صادفت شيئاً حياً لم يهرب منها. كان هناك خنزير ضخم متمدد في بركة من الوحل، وكانت ضخامته تتعدى أكثر حسابات هذه المرأة المدينية تطرفاً فيما يتعلق بلحم الخنزير، وكان في حالة من الاستعداد السريع للغضب بل وعند الضرورة صد هذا التطفل النادر. وكان الآن هو دور سيلفيا لتتراجع دون فضول. وبينما راحت تشق طريقها عبر فناءات الأكداس وزرائب البقر والجدران الخشبية الطويلة، أجفلت فجأة لسماع صوت غريب: كان صدى ضحكة صبي، ضحكة رنانة ملتبسة. كان "جان"، الصبي الوحيد المستخدم للعمل في المزرعة، وهو فلاح ذابل الوجه كتاني الشعر، يعمل في حقل للبطاطا في منتصف المسافة إلى أقرب سفح تلة، أما مورتيمر، فقد قال حين سألته إنه لا يعرف بوجود أي شخص آخر يمكن أن يطلق تلك الضحكة الساخرة الخفية التي كمنت لسيلفيا خلال تراجعها. كانت ذكرى ذلك الصدى غير الممكن تقفي أثره قد أضافت إلى انطباعاتها الأخرى عن وجود "شيء ما" شرير وماكر يتجول في ييسيني.‏

لم تكن ترى مورتيمر كثيراً، كانت المزرعة والغابات وجداول سمك السلمون المرقط تبتلعه من الفجر وحتى الغسق. وفي إحدى المرات، وبعد أن اتبعت الاتجاه الذي رأته يسير فيه في الصباح، وصلت إلى مكان مفتوح ضمن أيكة من أشجار الجوز، وكانت أشجار الطقسوس الضخمة تطوق المكان فتجعله أكثر انغلاقاً، وفي المنتصف كانت هناك قاعدة فوقها تمثال برونزي صغير للإله بان الشاب. كانت قطعة جميلة من النحت، ولكن اهتمامها تركز على نحو رئيسي على حقيقة أن عنقوداً من العنب قطف حديثاً قد وضع كقربان عند قدمي التمثال. لم يكن العنب متوفراً بكثرة في منزل الضيعة، واختطفت سيلفيا العنقود بغضب من على قاعدة التمثال. سيطر غضب مترع بالازدراء على أفكارها وهي تتمشى ببطء عائدة إلى البيت، ثم استسلمت لشعور حاد بشيء ما كان قريباً جداً من الخوف. فعبر كتلة متشابكة من الشجيرات النامية كان وجه صبي يعبس باتجاهها، وجه أسمر وجميل، وله عينان شريرتان على نحو لا يوصف. كان ممراً منعزلاً، وكانت جميع الممرات من حول ييسيني منعزلة بالمناسبة، وقد أسرعت في سيرها دون أن تنتظر حتى تتأمل في هذا الشبح المفاجئ. ولم تكتشف إلا بعد أن وصلت إلى المنزل أنها أسقطت عنقود العنب خلال هروبها.‏

قالت لمورتيمر في ذلك المساء: "لقد رأيت شاباً في الغابات هذا اليوم، كان أسمر الوجه ووسيماً، ولكن هيئته تدل على أنه وغد. ربما كان غجرياً".‏

قال مورتيمر: "نظرية معقولة، ولكن لا يوجد أي غجر في هذه الأرجاء في الوقت الحاضر".‏

سألت سيلفيا: "من يكون إذن؟" وحين بدا على مورتيمر وكأنه لا يعلم، تجاوزت الموضوع لتتحدث عن النذر المقدم الذي وجدته.‏

قالت: "أفترض أن ذلك كان من فعلك، ولكنه عبارة عن عمل جنوني لا ضرر منه، ولكن الناس قد يعتقدون أنك أحمق إلى حد كبير لو عرفوا بالأمر".‏

سأل مورتيمر: "هل عبثت به؟"‏

قالت سيلفيا وهي تراقب وجه مورتيمر الهادئ لتستدل على وجود علامة من علامات الضيق: "لقد رميت بالعنب بعيداً. بدا الأمر شديد الحماقة".‏

قالت مورتيمر بتأمل: "لا أعتقد أنك تصرفت بحكمة. لقد سمعت أن "آلهة الغابات" تتصرف على نحو رهيب تجاه أولئك الذين يزعجونها".‏

أجابت سيلفيا: "ربما تتصرف كذلك تجاه أولئك الذين يؤمنون بها، ولكنك ترى أني لا أومن بها".‏

قال مورتيمر بلهجته الهادئة غير المنفعلة: "لو كنت في مكانك لتجنبت الغابات والبساتين، وابتعدت عن الحيوانات ذات القرون في المزرعة".‏

كان ذلك كله هراء بالطبع، ولكن في تلك البقعة المنعزلة المطوقة بالغابات بدا الهراء وكأنه قادر على استيلاد جنس هجين من القلق.‏

قالت سيلفيا فجأة: "مورتيمر، أعتقد أن علينا العودة إلى المدينة سريعاً".‏

لم يكن انتصارها كاملاً حسبما افترضت. لقد حملها ذلك الانتصار إلى مكان أصبحت تواقة إلى مغادرته.‏

قال مورتيمر: "لا أعتقد أنك ستعودين إلى المدينة قط". بدا وكأنه يعيد صياغة نبوءة أمه لنفسه.‏

لاحظت سيلفيا بانزعاج وبعض ازدراء للذات أن خطر سير تجوالها في عصر اليوم التالي أخذها بعيداً عن شبكة الغابات. أما فيما يخص الماشية ذات القرون، فلم تكن هناك حاجة إلى تذكر تحذير ورتيمر، فلطالما اعتبرت حيادها موضع شك في أحسن الأحوال لقد أفقدت مخيلتها أكثر البقرات اللبونةِ أمومةً من أنوثتها وحولتها إلى ثيران قابلة لأن ترى "اللون الأحمر" في أي لحظة. أما الكبش الذي كان يرعى في الحقل الصغير الضيق الواقع تحت البساتين، فقد حكمت عليه بعد تدقيق صارم ومسهب وحذر بأنه ذو مزاج وديع.‏

ولكنها قررت هذا اليوم، أن تترك وداعته دون اختبار، لأن ذلك الحيوان الهادئ عادة كان يتجول بحركة تدل على القلق من إحدى زوايا المرج إلى الأخرى. كان هناك صوت عزف خفيض متقطع لمزمار، أشبه بصوت ناي قصبي، يأتي من أعماق أيكة مجاورة، وبدا وكأن هناك علاقة دقيقة بين السير القلق للحيوان والموسيقا المتوحشة القادمة من الغابة.‏

تحولت سيلفيا بخطواتها باتجاه صاعد وتسلقت المنحدرات المغطاة بنبات الخلنج والتي كانت تمتد في أكتاف ملتفة عالياً فوق ييسيني. كانت قد تركت ألحان المزمار خلفها، ولكن عبر الوديان الضيقة إلى الأسفل راحت الريح تجلب موسيقا من نوع آخر، إنه النباح المثير للتوتر لكلاب صيد في حالة المطاردة الشاملة. كانت ييسيني تقع على أطراف ريف ديفون ـ أند ـ سومرست، وكانت الطرائد من الأيائل تأتي من ذلك الاتجاه أحياناً. استطاعت سيلفيا أن ترى الآن جسماً داكناً، يقطع التلة إثر الأخرى متقدماً بصدره، ثم يختفي مرة إثر أخرى بعيداً عن الأنظار وهو يعبر الوديان الضيقة، بينما كانت تلك الجوقة عديمة الشفقة ما تزال تطارده بثبات، وبدأت تشعر بالتوتر من جراء التعاطف المشوب بالإثارة الذي يشعر به المرء تجاه أي شيء مطارد إن لم يكن له في اصطياده أي اهتمام مباشر. وأخيراً انطلق خارجاً من آخر خط من أشجار السنديان ونباتات السرخس ووقف يلهث في أرض مكشوفة، وكان أيلاً ذكراً سميناً في آخر شهر من شهور الصيف (أيلول) ويحمل رأساً جيد التجهيز. كان مساره الواضح هو أن يهبط نحو البرك السمراء في أندركومب، ومن هناك يشق طريقه نحو الملاذ المفضل للأيائل الحمراء، البحر. ولكنه، ويا لدهشة سيلفيا، التفت برأسه نحو المنحدر العالي وراح يتسلق بتصميم فوق نباتات الخلنج. فكرت: "سيكون الأمر مريعاً، ستوقعه كلاب الصيد أرضاً أمام عيني". ولكن موسيقا مجموعة كلاب الصيد بدت وكأنها قد توقفت لبرهة، وسمعت بدلاً عنها مجدداً صوت العزف المتوحش على المزمار، والذي راح يتصاعد الآن من هذا الجانب، ثم من الجانب الآخر، وكأنه يحث الأيل المتهالك على بذل جهد أخير. وقفت سيلفيا بعيداً عن المكان الذي سيمر به ضمن أيكة من شجيرات العنبية، وراحت تراقبه وهو يصعد بمشقةٍ نحو الأعلى، وخاصرتاه تبدوان داكنتين من العرق، والشعر الخشن على عنقه يلتمع بالضوء في تباين مع الخاصرتين. وفجأة أصبح عزف المزمار حاداً من حولها، وبدا وكأنه يأتي من الشجيرات التي عند قدميها، وفي تلك اللحظة نفسها، استدار الحيوان الضخم وانحدر باتجاهها. وخلال لحظة تحولت شفقتها تجاه الحيوان المطارد إلى رعب مجنون من الخطر المحدق بها. عرقلت جذور الخلنج السميكة جهودها المذعورة للهرب، ونظرت باهتياج شديد نحو الأسفل بحثاً عن كلاب الصيد المطاردة. كانت القرون الهائلة للأيل على مسافة أمتار قليلة منها، وخلال ومضة من الخوف الخدر تذكرت تحذير مورتيمر، أن تبتعد عن الحيوانات ذات القرون في المزرعة. ثم وبنبضة فرح سريعة لاحظت أنها لم تكن وحيدة. ظهر شكل بشري على بعد خطوات منها، غارقاً حتى ركبتيه في شجيرات العنبية.‏

صرخت: "ادفعه بعيداً عني". ولكن الشكل البشري لم يتحرك مستجيباً لصرختها.‏

اندفعت قرون الأيل نحو صدرها مباشرة، وراح أنفها يشم الرائحة الحريفة للحيوان المطارد، ولكن عينيها كانتا مترعتين بالرعب من شيءٍ ما شاهدته عدا الموت الوشيك. وفي أذنيها رن صدى ضحكة صبي، ضحكة رنانة وملتبسة.‏

1 سيلفيا Sylvia الاسم قريب من كلمة Silvan الإنكليزية التي تعني الأجمة أو ربة الآجام. (المترجم).‏

2 بان: إله الغابات والمراعي والرعاة عند الإغريق. (المترجم).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244