|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
مسكين ـــ بقلم: ماصاندا ـ ت.شوكت يوسف ولدت الكاتبة (ما صاندا) في مدينة رانغون عاصمة دولة ميانمار (بورما سابقاً) عام 1947، وهي ابنة الكاتب والمترجم المعروف (مان تين). تخرجت في معهد الهندسة، قسم العمارة وبدأت تنشر أعمالها منذ عام 1965. صدر لها بضع مجموعات قصصية، إضافة لروايتها المشهورة "لا يعرف لأنه صغير" الصادرة عام 1971. اسمه (كو خلا سين). كان أسمر اللون متوسط القامة، ليس جميلاً ولا قبيحاً ـ بكلمة واحدة لم يكن متميزاً في شيء عن غيره. عمل في دار للسينما كقاطع تذاكر. ذات مرة سمع وهو في عمله ضحكاً متواصلاً في الصالة، فشرد ذهنه: "الفيلم، على ما يبدو، ممتع، سيكون من المفيد لو تشاهد عرضه زوجته (ما كخين تخين). لكن ما كخين تخين حامل في شهرها التاسع وتحرص ألا تستخدم وسائط النقل، وبوجه خاص الحافلة. لن ندفع نقوداً لقاء بطاقة الدخول طبعاً، وهي لا تحب الأفلام الإنكليزية ـ تابع كو خلا سين تأملاته. لكن الفيلم سيعجب (ميزو) حتماً، وميزو هذه ابنته ذات الثلاثة أعوام. ميزو تعني الزهرة. هو لم تسعده الحياة، لكن يمكن أن تكون أكثر رفقاً بابنته. فميزو هي الأفضل بين الزهور. ابتسم كو خلا سين إذ تذكّر كيف لوّحت ابنته بيدها له مودّعة هذا الصباح وطلبت منه أن يحضّر لها حلوى. "ذكية ماشاء الله!". أحسّ بالارتياح عندما خطرت له هذه الفكرة، فشرد ثانية. ستصبح ميزو مضيفة في شركة طيران، فهي لطيفة جذابة. كلا... الأفضل طبيبة، طبيبة وتقود "الفيات" بنفسها. أو ربما يكون من الأنسب أن تدرس الهندسة. فكّر كو خلا سين في ذلك عندما بدأت أمامه كالبات معهد (البوليتكنيك) حاملات رسوماً ومخططات هندسية. ولابأس لو أصبحت معلمة. هذه هي تصلح وضع الشال على صدرها، تقف في الصف وتكتب على السبورة. ـ شكراً يا جورج... هو الذي شدّني إلى السينما، يا له من فيلم مضحك! ـ تناهت إلى سمع كو خلا سين أطراف أحاديث. انتهى الفيلم وشيّع كو خلا سين بنظرة الناس الخارجين من الصالة. أدهشه فستان إحدى الفتيات بألوانه الواهية، وتذكّر ما قالته له ما كخين تخين أكثر من مرة: "لا يوجد عندي تنورة لائقة أخرج فيها إلى الشارع بين الناس. كان عندي واحدة فقط واضطررت لبيعها كي أشتري دواء لميزو". "من الطريف معرفة سعر مثل هذه التنورة!". عرف أن ثمّة فساتين يساوي واحدها مائة وحتى مائتي (دجا)(1). مثل هذه الأسعار تثير الرعب لدى كو خلا سين، أما ما كخين تخين فقالت: "ثمن هذه التنورة يعادل كل راتبنا الشهري". سُرّ كو خلا سين لأن زوجته تدرك تماماً وضع الأسرة العسير، فلا تطلب لنفسها شيئاً. عدا ذلك، فهل يمكنها أن تحلم حتى بأية سلعة أخرى بثمن مشابه! حتى القماش الرخيص لم يعد متيسراً شراؤه. ـ أسرعوا، أسرعوا، يوجد أمكنة شاغرة! دخلت فتاتان نشرتا رائحة عطرية نفاذة في كل الصالة، ثم توقفتا فجأة للحظة، إذ لم تألف أعينهما بعد ظلام المكان. ـ آي، خلا سين، مالك شارد؟! جفل كو خلا سين من المفاجأة. أما (كوتين بخي) فقهقه بصوت عال، وهو ينظر إلى صديقه المرعوب. كان معه ثلاثة أطفال. ـ إيه! هل ستجد لنا مكاناً؟ ـ نعم، تعالوا، في الشرفة أمكنة كثيرة خالية. قاد كو خلا سين أصدقاءه إلى صالة السينما دون أن يقطع لهم تذاكر، علماً أن الأمر لا يخلو من مخاطرة. فقد يُطرد من عمله إذا لاحظ المدير ذلك. ـ الصالة غاصة كما أرى. ـ طبعاً، هذا فيلم كوميدي. كنت أود لو تحضر عرضه ما كخين تخين. ـ وما المانع؟ ـ هي حامل وفي أيامها الأخيرة. يجب أن تضع مولودها قريباً جداً. أشعل كو خلا سين السيجارة لتي قدّمها له صديقه. اضطر للتخلّي عن هذه المتعة قبل فترة. ليس لديه نقود، لذا أقلع عن التدخين منذ أكثر من شهر. ـ أين ستلد امرأتك؟ في المستشفى؟ ـ كلا، ليست الولادة الأولى. ستعتني بها أختها. آمل أن تلد ذكراً. أخذ السيجارة بين شفتيه وسحب برغبة نفساً عميقاً. نفض الرماد فأحرق في غفلةٍ سرواله. ـ أوه، احترق السروال الوحيد لديّ. نظر كوتين بخي بإشفاق إلى صديقه كو خلا سين. كان الأخير يرتدي قميصاً أبيض في الأصل، لكن غدا، نظراً لقدمه، ذا لون حائل وياقة مهترئة فوق سروال عتيق. أما شعره فكان طويلاً منفوشاً ومدهوناً بزيت جوز الهند اللمّاع. ـ لن نتخلّص أبداً من الفقر. ـ ما دمنا غير متعلمين سنبقى هكذا. يجب على الأقل أن نعلّم أولادنا، أما نحن المساكين فمصيرنا معروف. ـ ماذا تعني كلمة "مساكين؟". ـ المساكين هم الناس المغمورون الذين لا يعبأ بهم أحد. يموت المسكين فلا يعلم أمره ولا يحزن عليه امرؤ سوى زوجه وأطفاله. أموت أنا مثلاً فيقول قائل: كان يقف بباب دار السينما شخص يرتدي سروالاً قذراً ويتحرى تذاكر الدخول، وفجأة غاب عن الأنظار. حتى الزوجة والأطفال لن يحزنوا طويلاً، كأن لم يعش على هذه الأرض إنسان اسمه خلا سين. يجيء المساكين إلى العالم في غفلة ويولّون في غفلة كذلك. نظر كوتين بخي إلى صديقه في دهشة. ما له غرق فجأة في تأمّلات فلسفية؟! ـ تخطر ببالي أحياناً فكرة مجنونة ـ أن أموت فجأة ميتة غير عادية، فأجعل الناس يتفكرون جدياً بوجودهم. ـ وكيف ذلك؟ ببساطة. مراقب التذاكر كو خلا سين ألقى بنفسه من نافذة الطابق الثالث ومات. يمكن أن يثير مثل هذا النبأ الناس. ـ لا داعي لذلك. الأفضل أن تعيش مغموراً على أن يحصل لك ذلك. ابتعد كوتين بخي، أما كو خلا سين فبقي فترة طويلة لا يستطيع التخلّص من هذه الهواجس. "بالفعل ماذا سيحدث بعد موتي؟ تتزوج ما كخين تخين. هنا انتفض وقال في نفسه: "مالي أفكر بالموت؟ ألأن المنجّم قد تنبّأ لي بعام نحس؟". بينما كان كو خلا سين يحاول طرد الهواجس السوداء من رأسه تذكر أن زميله قد أعاد له اليوم خمسة (دجا) كان قد استلفها منه قبل فترة: "سأفرحهما وأشتري لهما فطائر. ما كخين تحبها كثيراً". وتحسّس قطعة العملة الورقية في جيبه. انتهى الفيلم وذهب كو خلا سين ليفتح باب القاعة. بدأ الناس بالخروج، بينما سمع بشكل أقوى صخبهم وضحكهم. تحسّن مزاجه بعض الشيء. كانت الساعة العاشرة مساءً عندما غادر كو خلا سين دار السينما وسار بهمّة ونشاط إلى بيته. الشوارع غاصّة بالناس والحركة كما لو كان الوقت نهاراً. عرّج على حانوت صغير لبيع المعجنات الصينية ليشتري فطائر لأسرته. بينما كان ينتظر دوره لشراء الفطائر راح يستعرض بلا مبالاة وجوه الناس حوله وهو يفكر كيف ستسرّ هذه الهدية زوجته وابنته... سال لعابه من رائحة البسكويت والمعجنات الحلوة الأخرى التي يعبق بها المكان. كانت هذه الرائحة وحدها كافية لإشباع المرء، فلمَ إنفاق خمسٍ وعشرين أو حتى خمسين (دجا)؟ كان الحانوت غاصاً بالزبائن. وهكذا انتظر حوالي عشرين دقيقة حتى جاء دوره. تناول من البائع علبتين وخرج فرحاً ملهوفاً حتى كاد أن يعبر طريقاً تقطعه أرتال من السيارات المسرعة. ـ آه يا إلهي! ـ أوه، أوه، أوه! ترددت أصداء صراخ محموم. سقط كو خلا سين بوجهه على الإسفلت بعد أن زلّت قدمه في منتصف الشارع، وعلى الفور عَبَرت فوقه سيارة مسرعة. سمعت صرخة ضعيفة أشبه بالأنين وصرير مكابح. رقد كو خلا سين ميتاً وسط بركة دم، وعلى مبعدة بضع خطوات منه علبتا الفطائر. تجمّع الناس... ـ أين سائق السيارة؟ في هذه الأثناء أسرع السائق وسلّم نفسه للشرطة. ـ يا لها من مصيبة، مسكين ـ قالت عجوز مسنّة كانت قريبة من المكان حين وقوع الحادث. ـ طبعاً يجب الحذر ـ قال آخر والسيجار في فمه ـ، لكن مهما كان فالسائق هو المذنب. ـ يبدو أنه كان على عجلة ـ قال ثالث ـ كوتين بخي، تعال انظر! لم يعرف كوتين بخي للوهلة الأولى صديقه، ذاك الذي تحدّث معه قبل قليل عن الناس المساكين. حدّق في الجثة جيداً، وفجأة انكمش، وجفّ قلبه وقال في سرّه فيما يشبه الهمس: "كل شيء ممكن" وتابع طريقه. قدِمتْ عربة "الإسعاف السريع"... ونقلت الجثة. تفرّق الناس كل في طريقه بين متفكّر في حياة الإنسان على الأرض وبين من يدعو الله أن يرعاه ويحميه. تحرّكت الغيوم السوداء. أرعدت السماء منذرة بهطول المطر. سقطت على النطف الأولى الكبيرة، غسل المطر الإسفلت دماء كو خلا سين. في اليوم التالي كان كو خلا سين نسياً منسياً. كعهدها تحركت السيارات على الطرقات العامة وضجّت الشوارع بالحركة. تردّدت أصداء ضحك الناس وقهقهاتهم. *** هل أستدعي الداية؟ سألت أخت كو خلا سين زوجة أخيها وهي تمسح العرق المتصبّب عن جبينها. كانت ما كخين شاحبة الوجه تتلوى من الألم وتعض على شفتها كي لا تصرخ. امتلأت عيناها بالدمع. ـ مضى الليل ولم يعد خلا سين. ـ أين يروّح عن نفسه؟ يعلم جيداً أن زوجته قد تلد بين يوم وآخر. ـ يبدو أن طارئاً ما قد طرأ. لم أنم طوال الليل. ـ ماما، أين البابا؟ سألت ميزو وهي جالسة القرفصاء. بدلاً من الجواب أجهشت ما كخين تخين بالبكاء. ـ ماما، لماذا تبكين؟ ـ أنا لا أبكي يا ابنتي ـ عاد الألم من جديد. وضعت ما كخين تخين يدها على بطنها وتأوّهت، لكن لم تنس لدقيقة واحدة زوجها رغم الألم الذي تكابده. أثناء الولادة الأولى لم يتركها لحظة واحدة، ساعدها وشجعها كثيراً. تذكرت كيف ذهبت إلى المستشفى مستندة على كتف كو خلا سين. أين هو الآن؟ هل حدث له ما ليس في الحسبان؟ أم أنه ـ كما يقولون ـ رأى سمكة طرية فترك المجفّفة؟ وصلت الداية. طلبت من الأخت أن تبعد ميزو، لكن الطفلة لم تشأ الخروج وظلّت تلح في السؤال: ـ أين بابا؟ ـ ذهب ليشتري لك حلوى. عملت أخت كو خلا سين على مراضاة الطفلة. تألمت من أجل ما كخين تخين وغضبت من أخيها. كانت صحيفة اليوم على الطاولة. تناولتها المرأة وقرأت العنوان التالي: "حادث سير في وسط المدينة. اليوم وفي الساعة العاشرة والنصف ليلاً وقع رجل كان يقطع الشارع تحت عجلات سيارة ومات. السائق موقوف رهن التحقيق. اسم المغدور غير معروف بعد". ـ "أيعقل أن يكون هذا أخي؟" ـ تساءلت المرأة قلقة. ـ ولد الصبي! صاحت الداية فرحة. ركضت المرأة إلى الغرفة حيث ترقد الأم. ضمّت ميزو إلى صدرها وراحت تردّد: ـ الآن صار لك أخ، أخ... غطّت كلماتها على صراخ المولود الجديد. أتى إلى العالم مسكين جديد. (1) وحدة نقدية متداولة في ميانمار. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |