|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
امرأة الماضي ـــ بقلم: رولاند شيملبفنيش ـ ت.د.نبيل الحفار * كاتب مسرحي ألماني، ولد في مدينة غوتِّينغن G?ttingen عام 1967. درس الصحافة وعمل من ثم صحافياً حراً في اصطنبول، إلى أن بدأ بدراسة الإخراج المسرحي في "معهد أوتو فالكنبرغ" الشهير في مدينة إسِّن Essen ثم في ميونيخ München. عمل من ثم مخرجاً مساعداً ومستشاراً في الإدارة الفنية لمسرح كمَّر شبيله Kammerspiele في ميونيخ. انتقل في عام 1999 إلى العاصمة برلين ليعمل مؤلفاً ومستشاراً درامياً في مسرح شاوبونِه Die Schaubühne. وهو يعمل حالياً في مسرح شاو شبيل هاوس Schauspielhaus في مدينة هامبورغ Hamburg. نشر حتى الآن خمسة عشر نصاً مسرحياً، عُرضت جميعها في أكثر من مسرح في ألمانيا وخارجها برؤى إخراجية مختلفة، وقد ترجمت بعض هذه النصوص إلى لغات عدة، منها الروسية والإنكليزية والفرنسية والإسبانية والكتلونية والتركية. كما حصل الكاتب على جوائز مسرحية ألمانية متعددة، منها "جائزة إلزه ـ لاسكر شولر" 1997، "جائزة شيلر في بادن ـ فورتنبرغ" 1998، "جائزة نستروي" 2002. * نشرت مسرحية "امرأة الماضي" في عام 2004، وعُرضت أول مرة في مسرح بورغ Burgtheater في فيينا، وترجمت إلى الصربية والإسبانية والإنكليزية والفرنسية والبولونية والعربية. الشخصيات: فرانك، في الخامسة والأربعين كلاوديا، زوجته رومي فوغْتْلاندر آندي، ابن فرانك وكلاوديا تينا، صديقة آندي * المعلومات المتعلقة بالقفزات الزمنية عند بدايات المشاهد يجب أن تُوضَّح للمشاهدين، إما عن طريق الكتابة أو الصوت أو بوسائل أخرى. [ردهة طويلة واسعة في منزل عتيق. هناك في الردهة أربعة أبواب تؤدي إلى: باب مدخل المنزل بمصراعين يؤدي إلى الردهة, باب يؤدي إلى الحمام، باب يؤدي إلى غرفة الابن، وباب يؤدي إلى غرفة نوم الوالدين. من المحتمل وجود دهليز أو باب آخر يؤدي إلى غرفة المعيشة والمطبخ. المساحة واسعة. هناك في الردهة صناديق كرتونية مليئة ومجهزة للانتقال إلى مكان آخر، لم يعد هناك قطع أثاث ولا لوحات]. ـ 1 ـ [فرانك عند باب المنزل المغلق، تخرج زوجته كلاوديا من الحمام مرتدية برنساً ومحيطة رأسها بمنشفة]. كلاوديا: مع من تتحدث؟ فرانك أنا؟ كلاوديا: نعم أنت، مع من تتحدث؟ فرانك: مع، مع لا أحد. ومع من سأتحدث. كلاوديا: ظننت أني سمعت أحداً يتحدث، لكنك كنت تتحدث مع شخص ما. فرانك: لا، لماذا؟ كلاوديا: لأنني سمعت أصواتاً. فرانك: أصوات. كلاوديا: أصوات، نعم، أصوات. فرانك: لكنك كنت في الحمام. كلاوديا: نعم، ولهذا السبب. فرانك: أصوات في الحمام، الأمر واضح، أصوات من الأنابيب، من الطوابق الأخرى. كلاوديا: لا . أنا لا أقصد أصواتاً من هذه الردهة. فرانك: هنا، أصوات. كلاوديا: نعم، أصوات، هنا من الردهة. (برهة قصيرة). فرانك: هنا لا يوجد أحد. (برهة قصيرة). كلاوديا: لكن أحداً ما، كان هنا. (برهة قصيرة). فرانك: هنا لا يوجد أحد. (تفتح كلاوديا باب المنزل. أما الباب مباشرة تقف روكي فوغتلاندر. وهي ترتدي معطفاً قصيراً). (برهة) كلاوديا: من هذه؟ (صمت) من هذه؟ (برهة قصيرة). فرانك: هذه؟ (برهة قصيرة). هذه رومي فوغتلاندر. (برهة قصيرة). هذه روحي فوغتلاندر التي رأيتها آخر مرة قبل أربع وعشرين سنة. (برهة قصيرة). كلاوديا: لماذا لم تقل لي إن هذه المرأة واقفة هنا وراء الباب؟ (برهة). لماذا لم تخبرني بذلك؟ (برهة قصيرة). لماذا تكذب عليّ؟ (برهة قصيرة). فرانك: ظهورها المفاجئ أذهلني تماماً. (برهة قصيرة). رومي: هذا الرجل قبل أربع وعشرين سنة كان حبي الكبير. (برهة قصيرة). كنا مرتبطين، آنذاك. (برهة قصيرة). وما زلنا حتى اليوم. (برهة قصيرة). كلاوديا: ماذا؟ رومي: هو وأنا، كنا مرتبطين آنذاك، وما زلنا حتى اليوم. (تصفع كلاوديا زوجها فرانك براحة كفها في وجهه وتصفق الباب في وجه رومي). ـ 2 ـ [قبل عشر دقائق. الردهة الفارغة. أصوات دوش من الحمام. صوت رنين الجرس. يظهر فرانك ويرفع سماعة الإنترفون]. فرانك: نعم؟ (لا جواب). ألو؟ ألو؟ (لا جواب) ألو؟ (يذهب، يرُن الجرس مجدداً. يعود ويرفع سماعة الأنترفون). ألو؟ (لا جواب. يعيد السماعة ويغادر. الباب يُقرع. يتوقف فرانك للحظة. هدوء. قرع جديد. يعود نحو الباب). ألو؟ من هناك؟ (قرع جديد). ألو؟ (هدوء). (يفتح الباب فجأة، ليرى امرأة في معطف قصير). نعم؟ (صمت). ماذا تريدين؟ (صمت). اسمعي. رومي: كنت أبحث عنك، لم يكن من السهل العثور عليك. فرانك: هكذا إذاً، محتمل. (يغلق الباب، لكنه يقف وراءه دون حراك. برهة. قرع على الباب. يفتح الباب ثانية). اسمعي، أرجوكِ. (تتوقف الأصوات الصادرة من الحمام). رومي: ألم، ألم تتعرف علي. فرانك: أتعرف. (يضحك)، لا، آسف، (يريد إغلاق الباب). رومي: أنا، رومي، رومي فوغتلاندر. (برهة قصيرة). ولكن إن لم تتعرف علي، فعليك فعلاً أن تغلق الباب. فرانك: رومي فوغتلاندر. رومي: ولم تتعرف علي بعد. فرانك: رومي، رومي فوغتلاندر.. رومي: أتذكر. فرانك: نعم، نعم. رومي: كنا مرتبطين معاً طوال صيف بكامله. فرانك: رومي فوغتلاندر.. رومي: قبل أربع وعشرين سنة. فرانك: رومي. في ذلك الوقت. (برهة قصيرة). في ذلك الوقت كنا في السابعة عشرة. رومي: السابعة عشرة، تمام، أنا كنت في السابعة عشرة، وأنت في العشرين، وقد أقسمت لي آنذاك أنك ستحبني إلى الأبد. (يضحك عالياً). فرانك: نعم. رومي: أتضحك. وأنا أقسمت لك أيضاً. إني سأحبك إلى الأبد. (برهة قصيرة). أتذكر؟ فرانك: نعم، محتمل. رومي: وهاأنذا الآن هنا، لكي أفي بوعدي. (برهة) فرانك: ماذا؟ رومي: هاأنذا الآن هنا، لكي أفي بوعدي، و أنا هنا أيضاً لأذكرك بوعدك. فرانك: أي وعد. رومي: وعدك، بأن تحبني إلى الأبد، فهذا هو ما قلتَه لي. (برهة). فرانك: لكن... لكن. (برهة قصيرة). لكنني كنت في التاسعة عشرة. رومي: في العشرين. فرانك: تسعة عشر عاماً أو عشرين، لا فرق. (برهة قصيرة). ما الذي تردينه هنا؟ (برهة قصيرة). رومي: أريدك أنت، وماذا سأريد غيرك. لقد أتيت، لكي أذكرك. فرانك: لتذكر. رومي: بأننا سنحب بعضنا إلى الأبد، هذه كانت كلماتك. (يفكر. صوت دوران مفتاح في قفل باب الحمام. يغلق الباب في وجه رومي. يتوقف لبرهة؟ تأتي كلاوديا بالبرنس والمنشفة خارجة من الحمام). كلاوديا: مع من تتحدث؟ فرانك: مع، مع لا أحد. ومع من سأتحدث. كلاوديا: ظننت أني سمعت أحداً يتحدث، لكنك كنت تتحدث مع أحد ما. فرانك: لا، لماذا؟ كلاوديا: لأنني سمعت أصواتاً. فرانك: أصوات. كلاوديا: أصوات، نعم، أصوات. فرانك: لكنكِ كنت في الحمام. كلاوديا: نعم، ولهذا السبب. فرانك: أصوات في الحمام، الأمر واضح، أصوات من الأنابيب، من الطوابق الأخرى. كلاوديا: لا، أنا أقصد أصواتاً من هذه الردهة. فرانك: هنا، أصوات. كلاوديا: نعم، أصوات، هنا من الردهة. (برهة قصيرة). فرانك: هنا لا يوجد أحد. (برهة قصيرة). كلاوديا: لكن أحداً ما، كان هنا. (برهة قصيرة). فرانك: هنا لا يوجد أحد. (تفتح كلاوديا باب المنزل. أمام الباب مباشرة تقف رومي غوغتلاندر. وهي ترتدي معطفاً قصيراً). (برهة) كلاوديا: من هذه؟ (صمت) من هذه؟ (برهة قصيرة). فرانك: هذه. (برهة قصيرة). هذه رومي فوغتلاندر. (برهة قصيرة). هذه رومي فوغتلاندر التي رأيتها آخر مرة قبل أربع وعشرين سنة. (برهة قصيرة). كلاوديا: لماذا لم تقل لي أن هذه المرأة واقفة هنا وراء الباب؟ (برهة) لماذا لم تخبرني بذلك؟ (برهة قصيرة). لماذا تكذب عليّ؟ (برهة قصيرة). فرانك: ظهورها المفاجئ أذهلني تماماً. (برهة قصيرة). رومي: هذا الرجل قبل أربع وعشرين سنة كان حبي الكبير. (برهة قصيرة). كنا مرتبطين، آنذاك. (برهة قصيرة). وما زلنا حتى اليوم. (برهة قصيرة). كلاوديا: ماذا؟ رومي: هو وأنا، كنا مرتبطين آنذاك، وما زلنا حتى اليوم. (تصفع كلاوديا زوجها فرانك براحة يدها في وجهه وتصفق الباب في وجه رومي). ـ 3 ـ [أمام المنزل، بعد وقت قليل]. تينا: آندي وأنا، أمسية دافئة، أمسيتنا الأخيرة، شمس الخريف قاربت على المغيب، ونحن نحن لا نريد الدخول إلى بيوتنا، إذ إننا لا يمكن أن ننفصل عن بعضنا، لكنه غداً سيغادر مع أبويه إلى مكان بعيد. نحن نحب بعضنا بعضاً. إنه صديقي، أول صديق لي، وأنا لا أريده أن يرحل. لكن الأمور كلها مرتبة، لقد حزم والده كل شيء، وهذه هي ساعاتنا الأخيرة، هانحن نجلس على المنحدر أمام المنزل، ولا ندري ما نقول لبعضنا بعضاً، أحبك، لن أنساك أبداً، ابق بجانبي، ما الذي سيحدث إذاً.. هانحن نجلس على المنحدر كالعادة، ونرى امرأة تلبس معطف مطر، تتقدم من باب المنزل وتضغط زر الجرس. ما الذي سيحدث لنا؟ لا أدري، وليس لدي أية فكرة. أمسك بيده، أو، هو يمسك بيدي، نجلس في مكاننا، ولا نعرف أي شيء عما سيحصل. ـ 4 ـ [قبل ذلك ببضع دقائق. في المنزل]. كلاوديا: ماذا؟ رومي: هو وأنا، كنا مرتبطين آنذاك، وما زلنا حتى اليوم. (كلاوديا تصفع فرانك براحة يدها في وجهه، وتصفق الباب في وجه رومي). كلاوديا: كيف يمكنك أن تفعل بي مثل هذا الأمر. فرانك: أفعل، أفعل ماذا؟ أنا لم أفعل أي شيء. كلاوديا: لقد كذبت عليّ. فرانك: كيف كان بوسعي تفسير وقوف هذه المرأة ببابنا؟ كلاوديا: هذه المرأة، كما يبدو كانت حب شبابك الكبير. فرانك: قبل أربع وعشرين سنة. كلاوديا: لكنني لم أسمع بها إلا اليوم. فرانك: لقد نسيتها تماماً، حتى أنني للوهلة الأولى لم أتعرف إليها. كلاوديا: إذاً قل لها ذلك! فرانك: ماذا؟ كلاوديا: إذا قل لها إنك نسيتها، إنك لم تتعرف إليها، هيا قل لها ذلك! بدلاً من أن تقف هكذا وتنصت إليها وهي تقول في وجهي، إنكما مرتبطان. فرانك: لكن الأمر ليس خطئي أنا. كلاوديا: لا؟ خطأ من إذاً؟ فرانك: كيف كان عليّ أن أتصرف، كل ما فعلته هو أنني فتحت الباب. كلاوديا: وكذبت علي!. فرانك: كيف كذبت، لم يكن بوسعي. (كلاوديا تفتح الباب ثانية بقوة، رومي ما زالت واقفة في مكانها). كلاوديا: (بصراخ) والآن؟ (برهة قصيرة). وماذا بعد؟ ماذا سنفعل الآن؟ رومي: الآن. (برهة قصيرة). كلاوديا: الآن، نعم. رومي: الآن سيتذكر فرانك ما وعدني به: بأن حبنا لا نهاية له. كلاوديا: هكذا إذاً. رومي: أو أنه سيلبس معطفه ويأتي معي، إذا كان بقاؤنا هنا، بسببك، غير ممكن. الأمر واضح جداً بالنسبة لي. ولطالما تصورت هذه اللحظة. كلاوديا: لكن لا شيء من هذا سيتحقق، وهو لن يفعل شيئاً من هذا: فلا أحد سيدعوك للدخول، ولا فرانك سيطردني حسبما تأملين، كما أنه لن يلبس معطفه ويغادر هذا البيت معك. رومي: لا؟ كيف يمكنك أن تكوني على هذه الثقة؟ ومن أين لك المعرفة بذلك. كلاوديا: أنا؟ (برهة قصيرة). أنت محقة، محقة تماماً، صحيح. (برهة قصيرة). هو سيغادر هذا المكان، ولكن معي أنا وليس معك. (برهة قصيرة). رومي: كيف، معك أنت. كلاوديا: أن تجدينا هنا، كان مجرد مصادفة. غداً سننتقل من هنا، بعد تسعة عشر عاماً. (برهة قصيرة). رومي: إلى أين ستذهب معها، الآن، بعد أن عُدتُ؟ كلاوديا: بعيداً، بعيداً جداً من هنا. رومي: إلى أين؟ كلاوديا: أكثر من نصف متاعنا صار الآن في عرض البحر، وما تبقى سيُحزم اليوم ويُنقل غداً عند الظهر. لحظة ظهورك جاءت إذاً متأخرة قليلاً. (برهة قصيرة). رومي: وأنت لا تقول شيئاً، لا يمكنك أن تبقى صامتاً تجاه كل ما يحدث. لا بد أن تقول شيئاً. عليك أن تتكلم. (برهة قصيرة). فرانك: صحيح. رومي: ماذا، ما هو الصحيح، قل. فرانك: صحيح أنني وكلاوديا مرتبطان منذ عشرين سنة تقريباً، فنحن متزوجان، وابننا صار شاباً تقريباً. رومي: (بعنف) بأي حق تنجب هذه طفلاً منك. فرانك: وغداً سنرحل عن هذا المكان. (برهة قصيرة). وكوننا عرفنا بعضنا ذات يوم، ليس عقداً إلى الأبد. رومي: بالعكس، هذا هو الأمر، بالعكس تماماً: وهذه كانت كلماتك أنت. (برهة قصيرة). حتى أنك غنيتها لي. ألا تذكر الأغنية؟ ألا تذكر الأغنية التي غنيتها من أجلي؟ فرانك: (مقاطعاً) سيّان ماذا قلتُ قبل أربع وعشرين سنة، أما اليوم فلم تعد له أية صلاحية. الآن لسنا مرتبطين، كنا كذلك مدة صيف أو صيفين على الأكثر، ربما، أما كلاوديا وأنا فنعرف بعضنا منذ عشرين سنة. كلاوديا: وخلالها، على ما اذكر، لم يغنّ ولا مرة واحدة. رومي: أترى، إنها حتى لا تعرفك. كلاوديا: أنا أم ابنه، لقد رافقت هذا الرجل عبر كل مرحلة حاسمة من حياته، أعرف كل فكرة من أفكاره، وكل حركة، كل خطوة، وهو يعرفني بنفس الدرجة. رومي: تعرفها! ربما كنت تعرفها، أما أن تحبها، أنت خلال أربع وعشرين سنة لم تحب سواي، امرأتك الوحيدة. كلاوديا: كفى الآن. قل لها، إنك نسيتها تماماً، وأنك للوهلة الأولى لم تتعرف إليها حتى. رومي: هذا غير معقول، يستحيل أن تطردني. هذا حلم مزعج، وسينتهي فوراً. فرانك: لا، بل هذا هو الواقع. رومي: هذا كابوس، وسرعان ما سأستيقظ منه. (برهة قصيرة). وعندما سأفتح عيني الآن، ستنحني نحوي، ستقترب من وجهي، وستسألني بكل حنان: كيف حالك؟ هل أنت بخير؟ وأنا سأجيبك: كنت أعرف أنك أخيراً ستستعيدني. وعندما سنقبّل بعضنا. كلاوديا: وأنا أعدُكِ بأنه لن يستعيدَك، ولن يقول لك شيئاً، وأنه لن يقبّلك. (برهة قصيرة). والآن سأغلق الباب. رومي: إذاً، إلى اللقاء، حتى نلتقي. ـ 5 ـ [بعد قليل]. تينا: ثم، بعد دقيقتين تقريباً، غادرت المرأة ذات المعطف القصير، غاضبة ومتوترة، كان هذا بادياً عليها، مشت بضع خطوات، ثم توقفت، استدارت، استدارت مرة أخرى ومشت بضع خطوات أخرى، لا أدري ما السبب، لكنني تناولت حجراً. تناولت حجراً ورميته نحو المرأة، لكنني لم أصبها. سمعت صوت سقوط الحجر على البلاط وتكسره. تناولت حجراً ثانياً ورميتها به، لكنني للمرة الثانية لم أصبها. كان سقوطه على البلاط كالانفجار. توقفت المرأة واستدارت. تعجبت من سقوط الحجارة، إلا أنها لم ترنا، على الرغم من أنها كانت تنظر باتجاهنا. ثم ترك آندي يدي، التقط حجراً، ورماه نحوها. لم نعرف ما السبب. رمى آندي الحجر عندما بادرت المرأة للمشي. ـ 6 ـ [في أثناء ذلك: في المنزل. فرانك وكلاوديا. كلاهما صامت وهما يرتبان الأغراض في الصناديق. كان هو يجهز صندوقاً كرتونياً جديداً، في حين ارتدت كلاوديا ثيابها. ثم جرّت صندوقاً مليئاً من غرفة النوم إلى الردهة. كلاوديا: ماذا يوجد في هذا الصندوق؟ فرانك: ليس لدي أي فكرة. كلاوديا: ألست أنت من ملأه؟ فرانك: محتمل. كلاوديا: لست أنا من ملأه. فرانك: إذاً لا بد أن أكون أنا. كلاوديا: لكنك لا تعرف ما يوجد بداخله. فرانك: لا أدري. (برهة قصيرة). كلاوديا: الصندوق ممتلئ أكثر من اللازم. فرانك: أكثر من اللازم؟ لكنه ليس منتفخاً. كلاوديا: إنه ثقيل جداً. إذا رفعته سيفلت من أسفله. (برهة قصيرة). قلت لك وكررت عدة مرات، إذا ملأت الصندوق أكثر مما يجب فسيفلت من أسفله. رجوتك عدة مرات أن تنتبه للأمر. فرانك: هذا صحيح، لقد قلتِ ذلك مع كل صندوق كنت أجهزه، ثم تعيدين تجهيزه من جديد، مما يجعلنا نضيّع ضعف الوقت، علماً بأنه لم يفلت أي صندوق من الصناديق التي جهزتها، ولا أي صندوق. [يتوجه غاضباً نحو الصندوق الذي سحبته إلى الردهة لتوها. يرفعه لكي يضعه فوق الصناديق الأخرى. أسفل الصندوق يفلت وتتبعثر المحتويات على الأرض]. كلاوديا: (محتجة) لا! فرانك: ولكن ما هذا. [كان ما سقط من الصندوق كومة من أكياس النايلون الممتلئة]. كلاوديا: عيون آلهة الدجاج! فرانك: أنا لم أجهز هذا الصندوق، منذ سنوات لم ألمس هذه الحجارة. لم أكن أعلم أبداً أننا ما زلنا نحتفظ بها. (تلتقط كلاوديا أحد الحجارة من أحد أكياس النايلون). كلاوديا: انظر. (تنظر عبر الثقب الصغير الموجود في وسط الحجر المستدير كالزر). يقال بأن من ينظر عبر ثقب إله الدجاج يرى المستقبل. فرانك: أو الماضي، حسب الجهة التي تنظرين منها. كلاوديا: صحيح؟ (تنظر إلى وجهي الحجر لبرهة قصيرة). فرانك: لماذا تضعين كل حجر في كيس لوحده. كلاوديا: لماذا؟ انظر. (ترفع الكيس بيدها). انظر إلى الكيس جيداً. (يحتاج للحظة كي يخطر بباله قراءة ما كُتِب على الكيس. هناك على الكيس صورة لبرج إيفل). فرانك: لا! كلاوديا: أتذكر من أين؟ فرانك: احتفظتِ. (برهة قصيرة). احتفظتِ بها طوال هذه السنوات، طوال تسع عشرة سنة. كلاوديا: طبعاً، هذا ما فعلته. (برهة قصيرة). فرانك: تعالي. كلاوديا: لا! فرانك: تعالي! كلاوديا: لا! يجب أن نتابع العمل. فرانك: تعالي. (برهة قصيرة. تأتي إليه. يتعانقان). كلاوديا: (أثناء العناق) لا يوجد سوى تفسيرين لعدم حديثك لي أبداً عنها. فرانك: كفى، وكوني سعيدة لذهابها. كلاوديا: إما أنها لم تعن لك شيئاً فعلاً، فنسيتها بكل بساطة. (فرانك يتحسس جسمها). أو بالعكس، أن تكون قد عنت لك الكثير. (تتخلص من عناقه). ولهذا لم تأت على ذكرها أبداً. أي أنك أخفيتها عني. (تنظر إليه نظرة متفحصة). فرانك: لقد نسيتها تماماً. حتى أني الآن لا أستطيع تذكرها بوضوح. كلاوديا: لكنك قلت لها. فرانك: ماذا قلت؟ كلاوديا: أنك. فرانك: لا، كان ذلك، كان نصاً من أغنية ما، ما عدت أذكر، ما عدت حتى أعرف. (برهة قصيرة). كلاوديا: إذاً يحتمل أن تكون قد قلتها لها فعلاً، لكنك ما عدت تذكر. (برهة قصيرة). المسكينة. ـ 7 ـ [قفل باب البيت يتمزق. يُفتح باب البيت بقوة. برهة قصيرة. آندي ابن فرانك وكلاوديا يندفع داخلاً. إنه مقطوع النَفَس كمن تعرض لصدمة، وهو غير قادر على النطق. إنه يحمل على ذراعيه جثة رومي فوغتلاندر ذات المعطف القصير]. آندي: أنجدوني. كلاوديا: ماذا. فرانك: ما الأمر؟ آندي: في الخارج، أمام البيت، كانت هذه المرأة على الأرض. (برهة قصيرة). فرانك: رومي. آندي: إنها ميتة. فرانك: ميتة؟ آندي: نعم ميتة، كانت ميتة على الأرض أمام البيت. (برهة قصيرة). كلاوديا: المرأة، ميتة، لماذا لم تتركها هناك حيث كانت؟ (برهة قصيرة). آندي: ماذا؟ كلاوديا: لماذا لم تتركها هناك حيث كانت؟ آندي: أتركها حيث كانت؟ المرأة الميتة؟ كلاوديا: نعم. آندي: لم أستطع. فرانك: لم يستطع أن. كلاوديا: ولماذا لا. ماذا سنفعل بها هنا؟ (برهة قصيرة). ماذا سنفعل بالجثة هنا في البيت؟ أعدها إلى مكانها. آندي: إلى حيث كانت، أمام البيت؟ أن أمددها على الأرض كما كانت؟ لا! كلاوديا: حية أم ميتة، هذه المرأة لن تدخل بيتي. آندي: لا أستطيع حملها إلى الخارج. كلاوديا: لماذا لا تستطيع، ألم تجلبها بنفسك إلى هنا؟ (برهة قصيرة). آندي: (يخرج منه الكلام رغماً عنه) أنا قتلتها! فرانك: أنت ماذا؟ كلاوديا: ما هذا الكلام. آندي: أنا المسؤول عن موتها. (تحاول كلاوديا إغلاق الباب الذي انكسر قفله لدرجة أنه يبقى مفتوحاً قليلاً مهما حاولت إغلاقه، ولو بالقوة). فرانك: ضعها، ضعها هنا فوق هذه. (يضع آندي المرأة الميتة فوق بعض الصناديق الكرتونية المجهزة للانتقال). كلاوديا: لا يمكن. آندي: أنا لا أفهم كيف حدث الأمر. فرانك: ماذا؟ ما الذي حدث؟ آندي: تينا وأنا، معاً، اليوم يومنا الأخير، الشمس تشرف على المغيب، ثم تخرج المرأة، هذه المرأة، من البيت، وأنا لا أستطيع أن أفسر، لماذا أغضبتنا، هنا أمر متعلق بها، بمشيتها، لا أدري، ما الأمر، قلق ما، أغضبَنا، شعرنا به كلانا في الوقت نفسه، ثم التقطت تينا حجراً، ورمتها به، لكنها لم تصبها، مرتين، والمرأة صارت بعيدة، يستحيل إصابتها، هذا ما خطر ببالي، ورميتها بحجر، لكن الحجر انشد إلى جاذبيتها، فطار نحوها، في اللحظة التي استدارت عندها وأصابها في رأسها. تهاوت المرأة ولم تعد تنهض. (برهة قصيرة). ما الذي فعلته؟ (برهة). بسبب تلك اللحظة، بسبب رمية الحجر، سأدفع الثمن حياتي كلها. (صمت. لا أحد يدري ما يقول). (الأم تعانق ابنها. الأب يلتفت نحو المرأة الميتة). فرانك: إنها حية! آندي: ماذا؟ فرانك: نعم، إنها تتنفس. (برهة قصيرة). ليس بعمق، لكنها تتنفس. كلاوديا: حية. فرانك: مغمى عليها، لا أكثر، فقدت وعيها نتيجة إصابتها بالحجر. (برهة قصيرة). أنت لم تقتلها. (برهة قصيرة). آندي: لمْ. فرانك: لا يمكن أن ندعها مستلقية بهذا الشكل، إذا كانت مصابة بارتجاج في الدماغ، فيجب أن تستلقي في العتمة. كلاوديا: أين يجب أن نمددها. آندي: على الكنبة. كلاوديا: الكنبة رحلت. آندي: رحلت. كلاوديا: رحلت بالسفينة مثل معظم أثاث البيت. فرانك: لا يمكن أن تبقى حيث هي الآن، من يدري كم ستطول الحالة حتى تستعيد وعيها. آندي: إذاً، ضعوها في سريركم. كلاوديا: يستحيل. لن تدخل سريرنا ولا بأي شكل من الأشكال. فرانك: وماذا عن سريرك، سنمددها في سريرك. آندي: سريري، أنا، إذا احتلت هي سريري، فأنا أين. (برهة قصيرة). بع قليل ستأتي تينا، لآخر مرة. كلاوديا: وهل لا بد من أن تلتقيا هنا. آندي: ولكن. (برهة قصيرة). لا يمكننا أن نذهب إلى بيتها، أبوها يكرهني. (برهة قصيرة). كلاوديا: اذهبا إلى السينما، هناك الكثير من الاحتمالات. آندي: وبعد ذلك؟ لن أقضي الليلة بجانب هذه المرأة في سريري! (صمت) فرانك: لا يمكنك. آندي: لن أفعلها. فرانك: لا يمكنك. آندي: هذا ما لن أفعله! ليتني لم أحركها من مكانها أصلاً. (يغادر غاضباً). (يبقى فرانك وكلاوديا مع رومي الفاقدة الوعي). فرانك: لنحملها إلى هناك. كلاوديا: احملها أنت. فرانك: لا أستطيع وحدي أن أحملها. كلاوديا: لا؟ أهي ثقيلة عليك؟ لكنك كنت قادراً على ذلك سابقا، ولكن ما هذا؟ فرانك: ماذا؟ كلاوديا: هذا، على الأرض، هنا. هل هذا دم؟ فرانك: دم؟ كلاوديا: نعم. فرانك: أين؟ كلاوديا: هنا، على الأرض. فرانك: فعلاً، هناك بقعة، ما كانت ستلفت نظري، لولا. هذا. (يتفحص البقعة). هذا دم، إنها تنزف. كلاوديا: أين؟ فرانك: لا أرى شيئاً. كلاوديا: تفحصها إذاً. (يتفحص فرانك بشكل سطحي المرأة المحددة على الصناديق الكرتونية). فرانك: لا يوجد جرح. كلاوديا: الجرح مغطى، إما تحت الثياب أو تحت الشعر، عليك أن تتفحصها بدقة، هيا مد يديك، فهذه ليست المرة الأولى. فرانك: لماذا لا تقومين بذلك بنفسك؟ كلاوديا: أنا؟ بكل تأكيد لن أفعلها. لن ألمس هذا الجسد. (تحت أنظار كلاوديا يفحص فرانك جسد رومي. بعد لحظات). ماذا وجدت؟ فرانك: لا شيء. كلاوديا: أما زال ملمس جسدها كالسابق؟ (يتوقف فرانك. ينظر إلى كلاوديا. ثم يتابع الفحص). ماذا وجدت؟ أما زال ملمس جسدها كالسابق؟ أتتذكر الآن؟ هل استرجعت الذكرى؟ فرانك: هنا. (كدليل يريها يده الملوثة بالدم). هنا، تحت الشعر، الجرح هنا. (برهة قصيرة). علينا أن نضمده. كلاوديا: نضمده. فرانك: نعم، ابحثي عن ضماد، النزيف مستمر. كلاوديا: (تقوم كلاوديا بمحاولة يائسة لفتح بعض الصناديق) كيف يمكنني العثور على الضماد، كل شيء لدينا معبأ في الصناديق! فرانك: إذاً سأذهب إلى السيارة. كلاوديا: أنت. فرانك: إلى السيارة. كلاوديا: وأنا؟ فرانك: تبقين هنا معها، حتى أعود. كلاوديا: لا، لن أبقى وحدي معها لا يمكنك أن تتركني معها لوحدي، ماذا سأفعل، إذا استيقظت، أنسيت ما قلتُه لها! فرانك: إذاً اذهبي أنت، وأنا أبقى معها. كلاوديا: أنت تبقى معها. علي أن أتركك لوحدك معها. فرانك: يجب على أحدنا أن يذهب. كلاوديا: لماذا لا نهزها حتى تصحو، ثم نضعها عند الباب. فرانك: في وضعها هذا، كوني سعيدة أنها ليست ميتة. كلاوديا: ربما كان هذا هو الأفضل. فرانك: اذهبي إلى السيارة، وأحضري أخيراً الضماد. كلاوديا: لماذا لا نذهب كلانا. فرانك: (يرفع صوته غضباً) لا يمكن تركها هنا لوحدها. قلت اذهبي! (كلاوديا تغادر مترددة). ـ 8 ـ [فرانك ورومي. إنه يجلس بجانب المرأة الممدة فوق الصناديق رافعاً رأسها كالسابق. لا شيء سوى هذه الصورة. إنه ينظر نحو المرأة، ثم ينظر أمامه شارد الذهن. تفتح رومي عينيها وتنظر إليه طويلاً من دون أن ينتبه لذلك بداية. ثم:] فرانك: كيف حالك؟ هل أنت بخير؟ رومي: كنت أعرف أنك أخيراً ستأخذني إليك. أخيراً. فرانك: لا. رومي: بل فعلت. (برهة قصيرة). وإلا لما كنت هنا. (تفقد وعيها مجدداً. برهة. يبقى جالساً على الصندوق، ويبقى رافعاً رأسها. ثم يحملها بين ذراعيه ويذهب بها إلى غرفة آندي الخشبة فارغة. تعود كلاوديا مسرعة ومعها الضماد). كلاوديا: هاهو. (لا تجد أحداً، فتقف وحيدة في الردهة). ـ 9 ـ [فيما بعد أثناء الليل، نحو الساعة الثالثة والنصف فجراً. الردهة الفارغة. تخرج رومي من غرفة الابن والضماد حول رأسها، في شبه ظلام. تقف في الردهة من دون حراك. ثم تجلس على أحد الصناديق في الردهة. هدوء. يدخل آندي عبر باب المنزل الذي وضع و راءه مؤقتاً، بسبب كسر القفل، ثلاثة صناديق فوق بعضها بعضاً. يدفع الصناديق بمصراع الباب فيسقط الصندوق العلوي على الأرض، فيبعثر على الأرض بعض ألعاب الأطفال القديمة وبعض موديلات السيارات بحجم علبة الكبريت]. آندي: صندوقي، كان يجب أن يكون صندوقي. (أخذ يلّم أشياءه ويضعها في الصندوق). لماذا صندوقي أنا تحديداً. رومي: لا ترتعب. آندي: (مرعوباً) هه. (برهة قصيرة). (يتوقف آندي عن لمّ أشيائه). أين أبواي. رومي: نائمان. (برهة قصيرة). آندي: وماذا عنكِ؟ رومي: أنا مستيقظة. آندي: صحيح. رومي: وأنت؟ آندي: أنا أيضاً مستيقظ. رومي: من أين أنت قادم الآن؟ آندي: من الخارج. رومي: إنها الثالثة والنصف. ألست متعباً؟ آندي: لا. رومي: ألا تريد أن تنام؟ آندي: لا، لا. (برهة قصيرة). ألستِ متعَبَة؟ رومي: لا. (برهة قصيرة). آندي: السرير لكِ. رومي: لي أنا؟ (برهة قصيرة). لكنه سريرك. آندي: نعم، ومع ذلك. (برهة. لا أحد يتكلم. يستدير آندي فجأة نحو الجدار ويخرج من جيبه قلم تخطيط أسود ثخين ويرسم شيئاً ما على الجدار. ثم يستدير ثانية باتجاه رومي وينظر إليها. برهة). رومي: ما هذا؟ آندي: شعاري. رومي: شعارك، أي نوع من الشعارات. آندي: شعاري أنا، إنه مثل اسمي، فهو ملكي. رومي: ولأي سبب تفعل ذلك؟ آندي: هذا شعاري أنا، ومن يراه، يعرف، أني كنت هنا. رومي: هكذا إذاً. آندي: نعم. رومي: ولكن من الذي سيراه. آندي: ماذا. رومي: أنك كنت هنا. (برهة). آندي: لا أدري. (برهة قصيرة). غداً سنرحل من هنا. رومي: والساكن الجديد حتماً سيطلي الجدران. (برهة قصيرة). آندي: ومع ذلك، أنا كنت هنا. ـ 10 ـ تينا: لا يمكننا الذهاب إلى منزله، لأن المرأة هناك، تلك التي أصابها بحجر على رأسها، ولا يمكننا الذهاب إلى منزلي، لأن أبي يكرهه. أبي يقول إنه لا يطمئن لنظراته. إننا نلتقي كعادتنا دائماً عند المنحدر، ثم نذهب إلى السينما. وقصة الفيلم تحكي عن المرأة التي عليها أن تجد صندوق باندورا، قبل أن يقع في يدِ رجل سيهدّد به العالم كله. عملية المطاردة تعبر عدة قارات، من اليونان إلى إنكلترا عبر روسيا والصين حتى أفريقيا، مهد الجن البشري. ونحن نركب مع البطلة في غواصات وعلى دراجات نارية وفي سيارات جيب، ونسقط بالمظلات، ونركب السفن وعلى الخيول، ونتدلى من الطائرات المروحية. وبعد كل هذا نعود إلى البيت. يكون الوقت الحادية عشرة والنصف. ونعود كالعادة لنجلس عند المنحدر في الخارج. الجو بارد، وأنا لا ألبس ما يقيني من البرد. لكن الوقت ما زال مبكراً جداً كي ندخل إلى بيتي. عند الحادية عشرة والنصف لم أعد أحتمل البرد، فدخلنا إلى بيتي. دخلت من باب المنزل، وآندي كان ينتظر في الحديقة عند نافذة غرفتي. كان كل شيء في البيت معتماً وهادئاً. أبي وأمي ينامان في الطابق العلوي. وغرفتي تقع في القبو. تسلل آندي بهدوء عبر نافذة غرفتي. كل شيء هادئ. نستلقي بهدوء بجانب بعضنا في سريري الضيق وفي العتمة. بلا موسيقى. فوقنا ومن حولنا، كما في القبور العتيقة، يحاصرنا المنزل. في القبو هناك حمام صغير وغرفتي ومستودع الأدوات. في الطابق الأول هناك المطبخ وغرفة المعيشة. وفي الطابق العلوي هناك غرفة نوم والدّي وحمام آخر. وعراة كما كنا أخذنا نتجول في البيت. تجولنا في العتمة من دون أي صوت عبر الغرف فالردهة فالدرج صعوداً وهبوطاً. توقفنا عند باب غرفة والدي ثم تابعنا. خرجنا من باب المنزل عراة إلى الحديقة رغم البرد، مشينا على الحشيش ثم نزلنا إلى غرفتي. فجأة وجدنا والدي في الغرفة ببنطال البيجاما والقميص الداخلي، وصرخ: "اخرج، انقلع من هنا فوراً"، ثم أمسك بآندي وجره وراءه، مارّاً بأمي التي كانت تبكي وصعد به الدرج ثم ألقى به عبر باب البيت إلى الخارج. أسرعت على الدرج نحو الأسفل، وأغلقت باب غرفتي من الداخل، ثم لممْتُ ملابسنا وتسلقت النافذة إلى الحديقة. كان صوت أبي يلعلع وراءنا. على الطريق إلى منزل والديه أخرج آندي قلما. وصرنا نرسم شعارنا على كل جدار أو باب كراج أو مدخل حديقة. اسمه وبجانبه اسمي، آندي وبجانبه تينا. كنا نتناوب في الكتابة. لم نضع علامة زائد أو قلباً بين الاسمين، بل شعارينا فقط بجانب بعضهما في كل مكان على طول الطريق. وعندما وقفنا أمام بيت آندي، قال: إذاً. (برهة قصيرة). أحبك، لكننا لن نرى بعضنا مرة ثانية أبداً. فقلت: نعم، أعرف. حظاً طيباً. وداعاً. ـ 11 ـ [قبل يومين. البيت في حالة استعداد للرحيل. الوالدان يلمان الأشياء في صناديق. الابن يحمل صندوقه من غرفته ويضعه في الردهة. لا أحد ينتبه للأمر. يقف آندي هناك لبرهة. ثم يتوجه نحو الجدار ويكتب عليه بقلم أسود كبير ما يرمز إلى اسمه بحيث يشكِّل شعاراً]. فرانك: دعك من هذا. آندي: لماذا؟ فرانك: هذا لا يجوز. آندي: ما السبب. فرانك: إنك بهذا تخرب الجدران. آندي: الجدران. فرانك: نعم، الجدران. آندي: بعد غد ستأتي ورشة الدهان وستطلي كل شيء بعد تسعة عشر عاماً من التخريب. فرانك: تخريب؟ ليس في الجدران أي خراب، بعض الاهتراء، ربما، لكن ليس هناك خراب. أنت من يخربها الآن، فهذا الشعار لن يغطيه أي طلاء. آندي: سيكون الأمر أفضل هكذا. (يتناول فرانك سطلاً فيه سائل تحليل يمحو الألوان. يمرر الفرشاة الدائرية فوق شعار آندي على الجدار). انظر، شعارك لم يَمّحِ. (يمرر الفرشاة مرة ثانية فوق الشعار). ما زال كما كان، انظر. ـ 12 ـ 1. [بعد يومين. ليلاً بعد الثالثة والنصف بقليل]. رومي: (تتلمس الضماد على رأسها ببطء، وقد امتلأ بالدم). ما الذي جرى لرأسي؟ هل تعرف؟ آندي: لا. رومي: لا؟ آندي: لقد جُرحتِ. رومي: أعرف، لكنني لا أعرف السبب. لا بد أنني أصبت بشيء ما. (برهة قصيرة). آندي: (يهز بكتفيه) كنت خارج المنزل، لا أدري ما جرى قبل ذلك. رومي: كيف عرفت إذاً أني هنا؟ (لا جواب). كنت تعرف أني سأكون هنا، عندما رجعت. أليس كذلك؟ (لا جواب. آندي يتابع لمّ حاجياته المبعثرة ووضعها في الصندوق. يدقق النظر في بعضها الذي يعود إلى مرحلة طفولته. سيارات، هنود حمر، قطع ليغو. صمت. يمسك بيده سيارة بحجم علبة الكبريت). آندي: هذه سيارة سباق قديمة، بأجنحة. (يمثل حركة انفتاح بابي السيارة نحو الأعلى). البابان هما الجناحان. (يرمي السيارة في الصندوق). رومي: Who Know how long I've loved you You know love you still Will I wait a lonely lifetime If you want me to-I will. هل تعرفها. آندي: الأغنية؟ طبعاً. (برهة قصيرة). طبعاً أعرفها. (برهة قصيرة). وأنتِ، من أين تعرفينها؟ (يرمي الأشياء الأخيرة في الصندوق. لقد لمّ الآن كل شيء. الصندوق ليس ممتلئاً تماماً. يغلقه آندي ويرسم عليه شعاره بشكل كبير). أترين؟ رومي: ماذا؟ آندي: الشعار، قبل قليل كان هذا صندوقاً ما. والآن، الآن صار صندوقي. هذا هو معنى الشعار. الصندوق يخصني أنا. ليس لدي سواه، أنا لا أحتاج لأكثر من صندوق واحد. ـ 12 ـ 2. [بعد قليل في الليلة نفسها] آندي: كان حجراً. رومي: ماذا تقصد بحجر. آندي: ما أصابك كان حجراً. رومي: لا. آندي: بل كان حجراً، بهذا الحجم تقريباً، أصابك هنا في رأسك. رومي: وكيف عرفت ذلك؟ ـ 12 ـ 3. [قبل ذلك بقليل في الليلة نفسها: آندي يغلق الصندوق غير الممتلئ ويرسم عليه شعاره]. آندي: أترين؟ رومي: ماذا؟ آندي: الشعار، قبل قليل كان هذا صندوقاً ما. والآن، الآن صار صندوقي. هذا هو معنى الشعار. الصندوق يخصني أنا. ليس لدي سواه، أنا لا أحتاج لأكثر من صندوق واحد. رومي: هل عندك صديقة. آندي: نعم. رومي: ما اسمها؟ آندي: تينا. رومي: أين هي الآن؟ آندي: في بيتها. أو على الطريق إلى البيت. رومي: ولماذا لا تكون هنا؟ (برهة قصيرة). آندي: لا يوجد مكان. رومي: صحيح. (برهة قصيرة). ولماذا لستَ معها؟ آندي: كنت معها، حتى قبل قليل. رومي: هل تحبها؟ آندي: جداً. رومي: ما مدى جداً هذه؟ آندي: سأحبها إلى الأبد. رومي: إلى الأبد. رومي: وهل تعرف هي ذلك؟ آندي: نعم، تعرفه. رومي: هل قلته لها؟ آندي: نعم، قلته لها. رومي: أكيد؟ آندي: نعم، قلت لها، إني سأحبها إلى الأبد. (برهة قصيرة). رومي: ما شكلها؟ آندي: لو استطعت، لرسمتها، لكنني لا أستطيع. (برهة قصيرة). كنت سأملأ جداراً كاملاً برسمها، وجداراً آخر برسم جسدها. كنت سأرسم على الجدار غابة، غابة يكون جسدها فيها فروعاً وأغصاناً وأوراقاً، كل ما هو حي باقٍ، ينمو أمام عيني، وسيكون جسدها على الجدار، من أوراق زرقاء، لدناً ومنعطِفاً مع الطريق. جدار وغابة وجسد، عتمة مضيئة. هكذا يجب أن أتمكن من تصورها، عَصية ومحيّرة. هناك في الغابة حيوانات وأصوات. وهناك خضرة فاتحة مدهشة، كما لو استيقظت بجانبها. الخلفية سوداء. نمور وبباغاوات. مكانٌ يستحيل أن يوجد. يأس، جمال، ظلمة، هي في الوقت نفسه جسدها. ظلمة يستحيل أن يعيش الإنسان فيها. بضعة خيوط من أشعة الشمس تسقط على بحيرة. وهنا ثمة من يسبح، اثنان. هذا ما يجب رسمه على الجدار الكبير، الجذور والأسماك. هذا هو جسد صديقتي، شبابها وكل ما سيأتي بعد: رجال آخرون، حياة أخرى. أطفال. كيف تتحرك. لوحة جدارية، ليس فيها سوى غابة، جدار متخم بغابة، ليس فيه من ثغرات سوى نوافذ ضئيلة حفرها أحدهم ذات يوم. (برهة قصيرة). رومي: والوجه؟ آندي: الوجه. (برهة قصيرة). رومي: الوجه. آندي: الوجه هو السماء. السماء فوق المنزل، فوق الجدار. المداخن هي حلقها. الغيوم شعرها، سماء شفافة وعينان عميقتان. (برهة قصيرة). رومي: عجيب كم تشبه أباك. عندما كان شاباً. (برهة قصيرة). آندي: كان حجراً. رومي: ماذا تقصد بحجر. آندي: ما أصابك، كان حجراً. رومي: لا. آندي: بل كان حجراً، بهذا الحجم تقريباً، أصابك هنا في رأسك. رومي: وكيف عرفت ذلك؟ آندي: أعرف، لأنني أنا الذي رميته. رومي: أنت. آندي: أنا، نعم، أنا رميته. رومي: إذاً أنت أيضاً من أعادني إلى هنا. آندي: نعم، أنا. رومي: أنت أحضرتني، ليس أباك. آندي: لا، أنا، اعتقدت أنك ميتة. (تتوجه رومي نحو الشاب وتقبله بعاطفة جامحة). ـ 12 ـ 4. [قبل ذلك]. تينا: قال، إننا لن نرى بعضنا أبداً. قال، إنه يحبني، لكننا لن نرى بعضنا أبداً. (برهة قصيرة). ثم اختفى في البيت. وأنا، اعتقدت أنه سيرجع فوراً. صحيح أنه قال إننا لن نرى بعضنا أبداً، لكنه ماذا سيفعل، الآن، في البيت. حيث لا مكان له. لقد أشعل النور في الداخل، لكنني لا أرى أكثر من ذلك. أقف أمام البيت وانتظر أن يرجع إلي، الجو بارد. (برهة قصيرة). انتظر خمس دقائق، عشر دقائق، لكنه لا يأتي. أقف وحيدة في العتمة، عند أسفل المنحدر، مباشرة خارج بقعة ضوء عمود الكهرباء. الجميع ينام. لا سيارة. لا أصوات. فوقي في أعالي الجو هناك طائرة. كيف الوضع هنا، الآن، في الطائرة؟ لا أحد في الشارع. أتابع الانتظار. لكنه لم يرجع. ـ 12 ـ 5. [بعد قليل. الابن والمرأة في الردهة. لقد جامَعَتْه]. رومي: ماذا عن صديقتك الآن. آندي: ماذا عنها؟ رومي: أن تحبها إلى الأبد، ألم تعدها بذلك. آندي: (يضحك) قلت، نعم. (برهة قصيرة). رومي: إذاً؟ آندي: لكن لا أهمية لذلك. رومي: كيف لا؟ آندي: لأنني لن أراها مطلقاً. رومي: لن تراها؟ آندي: لا، لن أراها أبداً. رومي: كيف عرفت ذلك. آندي: أعرف ذلك. رومي: يمكنك أن تبقى هنا. (برهة قصيرة). أو أن ترجع. آندي: لا. رومي: لماذا لا؟ آندي: لأن القصة انتهت. بكل بساطة. (ينحني الآن نحوها ويقبلها. أثناء ذلك تمد يدها وتلتقط كيس النايلون الذي عليه صورة برج إيفل والذي سقط على الأرض سابقاً خلال البحث عن الضماد. يدخلان بسرعة إلى غرفته. ـ 12 ـ 6. [قبل عشر ساعات تقريباً]. كلاوديا: انظر. (ترفع الكيس بيدها). انظر إلى الكيس جيداً. (يحتاج للحظة كي يخطر بباله قراءة ما كُتب على الكيس. هناك على الكيس صورة مطبوعة لبرج إيفل. فرانك: لا. كلاوديا: أتذكر من أين؟ فرانك: احتفظتِ. (برهة قصيرة). احتفظتِ بها طوال هذه السنوات، طوال تسع عشرة سنة. ـ 12 ـ 7. [بعد عشر ساعات تقريبا]. (الابن والمرأة. بعد أن دخلا غرفته بقليل، يعودان ثانية. يقبلان بعضهما، هو يضحك ويحاول أن يقبلها مجدداً، في حين تحاول هي خلال ذلك أن تشد كيس النايلون لتغطي به رأسه. يغيبان في الغرفة مجدداً. يظهران مرة أخرى، وقد أوصلت الكيس الآن لما فوق عينيه، وهو يحاول خلال التقبيل أن يحرر نفسه، على الرغم من أنه لم يعرف بعد ما الذي يجري. يغيبان في الغرفة مجدداً. أثناء الظهور الثاني يحاول آندي تحرير نفسه، لكنه لا يستطيع لأنها غطت الآن كل رأسه بالكيس. يخبط الهواء بذراعيه. إنه يختنق، وسيموت. يعودان إلى غرفته، إنه يناضل، وهو يختنق ولا يرى شيئاً، كي يعود إلى الردهة، لكنها تشده إلى غرفته. من باب آخر تظهر كلاوديا وهي ترتدي سروالاً قصيراً وقميصاً داخلياً T.Shirt. إنها نعسانة كلياً. هل سمعتْ شيئاً؟). كلاوديا: آندي؟ (لا شيء. تتوجه إلى الحمام وتغلق وراءها الباب. أصواتٌ تصدر من الحمام. الابن الذي بلغ حالة النزع الأخير تمكن من العودة إلى الردهة، تصدر من الحمام أصوات السيفون، فتشد رومي آندي نحو غرفته. تخرج كلاوديا من الحمام وتدخل غرفتها. يزحف الابن للمرة الأخيرة فيصل بنصف جسده خارج غرفته، فتشده رومي إلى الوراء). ـ 13 ـ [في الصباح التالي. فرانك وكلاوديا في الردهة. شعار آندي على الجدار]. فرانك: لقد هرمتِ. (برهة). تبدين كامرأة عجوز. (برهة). كلاوديا: وأنتَ أيضاً. فرانك: عجوزاً ومستهلكة. كلاوديا: (بصوت منخفض) مثلَك. (برهة قصيرة). ولكن على نقيضك، أنا لست جبانة. فرانك: إنك عجوز، مستهلكة وبشعة. (برهة قصيرة). (ينشغل قليلاً بصندوق ما). لم يعد هناك الكثير لعمله. (برهة قصيرة). كلاوديا: ما هذا الذي تقوله. (برهة قصيرة). مثل هذا الكلام لا يقال لأحد أبداً، هذا الذي قلته لتوك، ولا حتى بعد تسع عشرة سنة من الزواج. (برهة قصيرة). هذا كلام لا يقال. ليس بعد أن ربيت ابنك حتى كبر. ولا يقال أبداً في مثل حالنا، نحن الاثنين، اللذين أرادا بدء مستقبل مشترك معاً. (برهة قصيرة). هذا كلام لا يقال. ـ 14 ـ [قبل بضع دقائق من الصباح نفسه. فرانك في الردهة. تظهر كلاوديا]. فرانك: هل نمتِ جيداً؟ كلاوديا: رأيت أحلاماً مزعجة. قضيت نصف الليل في أحلام مزعجة. (تفتح باب غرفة الابن). فرانك: لقد ذهبت. لا يوجد أحد هنا. كلاوديا: أين آندي؟ فرانك: آندي؟ ليس هنا، غرفته فارغة. كلاوديا: أين هو؟ فرانك: وما أدراني، حتماً عند تينا. كلاوديا: هذا غير محتمل، والدها يكرهه. فرانك: لا شك في أنه وجد مكاناً ما إذاً. (برهة). كلاوديا: أمر مؤسف. فرانك: هْمْ؟ كلاوديا: قلت إنه أمر مؤسف. فرانك: ماذا تقصدين. كلاوديا: أنها ذهبت، أنتَ حتماً تجد الأمر مؤسفاً. فرانك: لماذا تقولين هذا الكلام. كلاوديا: لأنه الأمر الواقع. فرانك: ماذا؟ كلاوديا: من المؤسف لك ح |