|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
اليهود والموسيقى بقلم الموسيقار ريشارد فاغنز ـــ ت.د.نوفل نيوف قبل مدّة قصيرة أثيرت في "المجلة الموسيقيّة الجديدة"(*) قضيّة "الذوق الفني اليهودي"، وسرعان ما نشبت الخلافات بهذا الصدد. فقد أسفر الدفاع عن الذوق الفني اليهودي والتشكيك به عن نقاش ساخن. ويبدو لي شخصياً أنه ينبغي الانتباه في هذا النقاش وبالدرجة الأولى إلى مسألةٍ مبدئية مهمة يؤسفنا أنّها قوبلت حتى الآن إمّا بصمتٍ من جانب النقد، أو نوقشت بحرارة وانفعال مفرط. على أنَّ مهمَّة النّقد في هذه الحالة كان يمكن أن تكون نبيلة على نحوٍ خاصٍّ ، لأنه دون الانحطاط إلى مناقشة ما اختلقه النقد نفسه، ودون الإساءة بذلك إلى جوهره بالذات، كان على النقد أن يكتفي بالتعامل مع الوقائع الأكيدة والظاهرة بوضوح. وبين الوقائع العالية القيمة التي تهمُّنا في هذه القضية هناك قبل كلّ شيءٍ النفور الداخلي العميق من كلِّ ما هو يهوديّ، وهو نفورٌ نعرفه جميعاً، ويميِّز الشعب بأسره، ويظهر جليَّاً على الدّوام. إننا نرغب هنا بتفسير هذا النــُّفور العميق من جانب الشعب إزاء اليهود وحدهم في الفنّ، وفي الموسيقى حصراً. وسنغضُّ الطرف عن مجالَي الدين والسياسة. فاليهود، من الناحية الدينية، أعداء ألدّاء منذ القدم، بل وغير جديرين حتّى بالكُرْه... أمّا في السياسة الصرف فإننا، وإنْ كنّا لا نتصادم معهم، مستعدُّون دائماً لتمكينهم من إقامة مملكةٍ جديدة في القدس. ويبقى لنا أنْ نعرب عن شديد أسفنا لكون الدّوق روتشيلد رفض بحذقٍ كبير شرفَ أنْ يكون ملِكاً لليهود، وفضَّل أن يصبح "يهوديَّ الملوك". ولكنْ حين غدت السياسة عندنا ملكاً للمجتمع خُيِّل للمثاليِّين أنّ وضْعَ اليهود القانونيّ المميز يستدرُّ العدالة الإنسانية. وأيّد هذه النظرة بالذات ما ظهر لدينا أنفسنا من طموحٍ إلى التحرر الاجتماعيّ. وهنا تحديداً ينبغي علينا أن نبحث عن أصل كفاحنا في سبيل تحرير اليهود، إذْ ظللنا في هذا السياق نكافح على الدوام في سبيل مبدأ مجرّد، في سبيل فكرة، وليس في سبيل تحرير اليهود كشيء ملموس. ويعود سبب ذلك إلى أنّ ليبراليَّتنا برمّتها لم تتكشّف إلا عن لعبةِ عقلٍ قصير النّظر، لأننا شرعنا بتحرير شعبٍ لا نعرفه، وبطبيعة الحال نتحاشى أيَّ علاقة معه. وعلى النحو نفسه تماماً فإنَّ حماستنا في الذَّود عن مساواة اليهود لم تكن تنبع إلاَّ من صبوتنا المثالية العامة، وليس من الشعور بالعطف على اليهود إطلاقاً. ومهما قيل من كلامٍ حميد، عن عدالةِ ضرورة مساواة اليهود فإنّنا، بعد احتكاكنا المباشر بهم، لم نتخلَّص من الشعور إزاءهم بأصدق أنواع النُّفور. وفي هذا النفور الغريزي من اليهود نصطدم بمسألةٍ لابدَّ من توضيحها، نظراً لأنّه يتعيَّن عليها أن تُفضي بنا إلى هدفنا. ولا مناص من الإشارة إلى أنَّ الانطباع السلبيَّ المنفِّر الذي يخلِّفه اليهود فينا يفوق بطبيعته وعمقِ قوّته سعينا الواعي للتخلص من هذا المزاج غيرِ الإنسانيِّ النّزعة. ولا نفعل إلاّ أنْ نخدع أنفسنا /وبوعيٍ كامل في هذه الحالة/ عندما نستسلم لسورة شهامة، وعبثاً نودُّ أن نُقنع أنفسنا والآخرين بأنَّ ذلك الشعور الطبيعيّ الذي يستدعيه اليهود فينا يجب أن يتميَّز بقدرٍ خاصٍّ من الإنسانية والأخلاق. ويبدو أننا شرعنا نصل في المدة الأخيرة إلى اقتناعٍ عاقل بأنّ الأحرى بنا هو أن نحرِّر أنفسنا من ضغط هذا الخداع الذاتيّ، وأن نتفحَّص برويَّةٍ كاملة موضوع "عطفنا" القسريّ. فعندما سنقوم متعقِّلين، خلافاً لضلالاتنا العاطفيّة، بتكوينِ مفهومٍ يحدّد كيف يجب أن تكون مواقفنا من اليهود وكيف هي الآن، سوف نستغرب إذ نرى أنّنا إبَّان كفاحنا من أجل منحهم المساواة كنّا معلّقين في الهواء على نحوٍ يثير الشفقة، وكنَّا نقاتل الغيوم ببسالة. أمّا المجال الرّائع البعيد عن مثاليِّينا المتهوِّدين، مجالُ الواقع الفعليّ، فقد استلفت أنظار أولئك الذين كانت تسلِّيهم قفزاتنا الهوائيّة المضحكة، ولكنَّها لم تكن تسلِّيهم بالقدر الذي يمنعهم من التخلّي لنا ولو عن جزءٍ منه مكافأةً لنا على بهلوانيَّتنا المثاليّة. على هذا النحو تماماً، وكما لو بشكلٍ عرضيّ كامل، أصبح "دائنُ الملوك" ملكَ الدائنين، ولا تبدو وساطات هذا الملك لتحقيق المساواة لليهود إلاّ جهوداً ساذجة في نظرنا، ما دام الأمر الأكثر إنصافاً وإلحاحاً الآن هو أنّ علينا نحن أنْ نطالب بمساواتنا مع اليهود. وتشهد وقائع العالم اليوم على أنّ اليهود أكثرُ من متساوين في الحقوق. إنّهم يسيطرون وسيستمرُّون في السيطرة ما دام للمال قوّة تعجز إزاءها جميع طموحاتنا وأفعالنا. ولا يتطلّب توضيحاً كونُ بني إسرائيل قد توفّروا على هذه القوّة القاهرة نتيجةَ الويلات التاريخية والفظاظة الوحشية التي ميّزت الحكام المسيحيين الجرمانيِّين[1]. وبخصوص تأثير اليهود على الفنون الجميلة تجدر الإشارة، قبل كل شيء، إلى أنّ الفنّ المعاصر بلغ في تطوّره درجةً من الكمال جعلت مواصلة تطويره متعذِّرة إلاّ بعد إرساء أسسٍ جديدة له. وقد استغلَّ اليهود هذا الظرف من أجل تزعُّم النّقد الفني وأَخْذِ زمام الفنِّ بأيديهم. فلنتوقّفْ عند هذه النقطة بمزيد من الاهتمام. إنّ كلّ ما حصل عليه أقوياء وأغنياء روما والعصور الوسطى من جهد قدّمه لهم الإنسان المستعبَد الذي كان يكابد أنواع العوز والويلات، كلُّ ذلك حوّله اليهود في أيّامنا إلى أموال. حقّاً، فمَنْ يستطيع أنْ يرى على الأوراق الماليّة البادية البراءة أنّها مجبولةٌ بدماء عددٍ لا يُحصى من العبيد؟ وكلُّ ما حقَّقه أبطال الفنِّ بجهودٍ لا حصرَ لها التهمتْ طاقتهم بل وحياتهم نفسها خلال صراعهم ضدَّ قوى الظّلام المعادية للفنّ على امتداد ألْفَي سنةٍ بائسة، كلُّ ذلك تحوّل في أيدي اليهود إلى موضوعِ اتِّجارٍ بالأعمال الفنِّيَّة. فمَن سيرى في ملامحِ تناغم الأعمال الفنية أنها وليدةُ جهودٍ شاقّة ومقدّسة بذلَتْها العبقريَّات على امتداد ألفَيْن من السنين؟ أمّا كونُ الفنّ الجديد كلِّه قد اتَّخذ سمةً يهوديَّة فمسألةٌ شديدة الوضوح للعيان، جليَّةٌ للشُّعور بحيث لا تتطلَّب برهاناً. لذا فنحن في غِنىً عن الذَّهاب بعيداً، ولا حاجةَ بنا للتعمُّق في تاريخ الفنِّ طلباً للبرهان على واقعة بيِّنة. يكفينا أنّنا توقفنا حيارى أمام حتميَّة ضرورة تحرير الفنّ من تأثير اليهود الطّاغي. إنّنا بحاجةٍ إلى قوّة لن نجدها إذا ما توقّفنا عند دراسة الظاهرة نفسِها والاكتفاءِ بتعريفها نظريَّاً. ولبلوغ هذه الغاية خيرٌ لنا أن نستطلع مزاجنا ومشاعرنا العفويَّة. إنّ السبب الحقيقيّ لنفورنا من اليهود سنجده في ذلك الشعور العتيد الذي يُنَفِّرنا منهم، وقد آن لنا أن نعترف به صراحةً. إذ ذاك نعرف، أخيراً، ضد من سنناضل. فقبل ذلك لن يكون بوسعنا أن نُمَنِّي أنفسنا بأنَّنا سنحرِّر الميدان من العفريت المعادي لنا، المرابطِ تحت ستارِ ظلمةٍ أمينة، كتيمة، قُمنا نحن، الإنسانيِّين الطَّيِّبين، بإلقائها عليه لنخفِّف من بشاعة مظهره. إنَّ اليهوديَّ الذي له ربٌ واحد، وهو ربٌ له وحدَه، يتبدى لأبصارنا في الحياة اليومية بمظهره الخارجيِّ قبل كلّ شيء. وهذا المظهر المميَّز سِمةٌ لا تنفصل عن اليهوديِّ أيَّاً كان الشعب الأوروبيُّ الذي يعيش بين ظهرانيه، وهو يمثِّل ملامح غريبةً وكريهة في نظر جميع الأوروبيِّين. إنَّنا تلقائيَّاً لا نرغب في أن يكون ثمَّة شيء مشترك بيننا وبين من له هذا المظهر الذي كان يجب أن يُعَدَّ حتى اليوم مصيبة بالنسبة لليهود. إلاَّ أنّنا نراهم اليوم سعداءَ بهذه المصيبة. وتدلُّ نجاحات اليهود على أنّ صفاتهم الفارقة تلك كما لو أنّها ميزات. وبصرف النظر عن ذلك التأثير الأخلاقيّ الذي تمارسه علينا الطبيعة بلعبةٍ كريهة بحدِّ ذاتها، يجب علينا أن نَلفت الانتباه في هذه القضية إلى ذلك المظهر الخارجي اليهودي الذي لا يمكن أبداً أن يكون موضوعاً للفن التشكيليِّ الصرف. وحين يرغبون في الفنّ برسم شخصيّة اليهوديّ نجدهم يستقون الصور من عالَم الخيال، وبحكمةٍ يخلعون عليها النُبْل أو يجرِّدونها تماماً من كلّ ما يميّز المظهر اليهوديّ في الحياة العادية. لن يتصدَّر اليهوديُّ خشبة المسرح أبداً. وما الاستثناءات بعددها وسِماتها إلاّ إثباتاً للقاعدة. فنحن لا نستطيع أن نتصوَّر يهوديّاً يمثِّل دور شخصيةٍ إغريقيَّة أو معاصرةٍ في مشهدٍ دراميّ، وإلاّ بلغت المفارقة حدّ الإضحاك في العرض[2]. وهذا فائق الأهميَّة، إذْ إنَّ الإنسان الذي لا نَعُدّ مظهره صالحاً لإيصال الجميل، يَفرِض علينا أن نَعُدَّه بشكلٍ عامّ غيرَ صالح لأن نُجسِّد جوهره فنياً. غير أنّ معالجة قضيةِ تأثير اليهود على الموسيقى تتطلب الالتفات أساساً إلى لغة اليهود، وإلى الانطباع الذي يخلّفه لدينا الكلام اليهوديّ. إنّ اليهود يتكلَّمون لغة الأمة التي يعيشون بين أبنائها، ولكنهم يتكلَّمونها كأجانب. ونحن لا ننوي الانشغال بدراسة هذه الظاهرة، ولكنَّنا لا نستطيع ألا نلقي بمسؤولية ذلك على الحضارة المسيحية التي فرضت على اليهود عزلة قسرية، مثلما لا نتْهم اليهود بعواقب الظاهرة نفسِها. ليس علينا إلاّ أن نُضيء الصِّفة الجماليَّة لهذه الظاهرة ونجلوها. ولابدّ قبل كل شيء من أن نأخذ بعين الاعتبار كونَ اليهوديّ الذي تعلَّم الكلام بجميع اللغات الأوروبية، ولكنه لم يتقنها كلغاتٍ أمِّ، ظلَّ محروماً نهائياً من أيِّ قدرة على التعبير بتلك اللغات بكامل الاستقلالية والخصوصية الفردية. فاللُّغة ليست مسألةَ فردٍ واحد، بل هي نتاج جماعةٍ تاريخية، ولا يستطيع الإسهام في إبداع تلك الجماعة إلاّ من نشأ وترعرع فيها. واليهود يقفون منبوذين خارج الجماعة التاريخية لتلك الشعوب التي يعيشون وسطها. إنّهم وحيدون بديانتهم القومية، وحيدون كقبيلةٍ معدومةِ الأرضية، منعها القدر من التطور داخل نفسها إلى حدِّ أنّه حتّى لغتها الخاصة لم تصلِ إلينا إلاّ كلغةٍ ميِّتة. وإلى اليوم كان الإبداع بلغةٍ غريبة متعذِّراً حتى على أنانيّة ضيقة تعبِّر عن نفسها في شكلٍ قبيح من الكلام اليهودي، وأنانية مضحكة وقادرة على إيقاظ أي شعور إلا شعور العطف على المتكلم. ويقتضي الإنصاف أن نفترض أنَّ اليهود في أمورهم اليهوديّة المحضة، وفي الحياة العائليّة يُعربون حتماً عن مشاعرَ إنسانيةٍ غيريَّة، إلاّ أنّنا لا نستطيع أَخْذَ ذلك بعين الاعتبار، نظراً لأنَّنا مضطرون أن نستمع إلى اليهود الذين يخاطبوننا نحن بالذات في الحياة والفن. إنّ خصائص الكلام اليهوديّ، المشارَ إليها أعلاه، تجعل اليهوديّ ـ كما نرى ـ عاجزاً عن التعبير بالقول الفنيّ عن أفكاره ومشاعره. وينعكس عجزه هذا على نحوٍ صارخ حين يتطلب الموقف التعبيرَ عن انفعالٍ رفيع... إنَّنا نتكلم عن الغناء، فالغناء كلامٌ انفعاليٌّ إلى درجةِ التوهج. والموسيقى هي لغة التوهج. وبوسع اليهودي أن يبلغ نوعاً معيّناً من التوهج المضحك في تأثيره، وليس التوهج الرائع الحميم، وعندئذٍ لا يُطاق إجمالاً، بصرف النظر عن الغناء. إنّ كل ما في مظهر اليهودي وكلامه من صفاتٍ تعافها أنفسنا إلى أقصى حدٍّ، يؤثِّر علينا في غناء اليهوديّ تأثيراً مُنَفِّراً تماماً، أللَّهم إلاَّ عندما نتوقَّف لدقيقة عند الجوانب المضحكة في هذه الظَّاهرة. لذلك، فبدهيٌّ أن يكون عجز اليهود الطَّبيعيُّ عن مكابدة الإلهام محسوساً بقوَّةٍ قصوى في العناء بوصفه التَّعبير الأكثرَ حياةً وصدقاً عن حالات الرُّوح. ولعلَّه ينبغي الافتراض بأنَّ اليهود قادرون أيضاً على تعاطي الفنون الأخرى، إنْ لم يكونوا قادرين على الغناء؟ إلاَّ أنَّ موهبة التَّأمُّل العاقلة لم تكن يوماً كبيرة لدى اليهود بالقدر الذي يجعل بيئتهم تتكشَّف عن فنَّانين عظماء. ومنذ أقدم العصور كان اهتمامهم موجَّهاً دائماً إلى أمورٍ ذاتِ مضمونٍ عمليّ أكثرَ ملموسَّيةً من الجمال والمضمون الرُّوحيّ لظواهر العالَم الواقعيّ غيرِ المادِّيَّة. إنَّنا لا نعرف حتَّى الآن معماريَّاً يهوديَّاً واحداً أو نحَّاتاً يهوديَّاً... ونترك لأهل الخبرة والاختصاص أن يحكموا على ما يصنعه الرَّسَّام اليهوديُّ في مجال الرَّسم. ولكنْ يبدو أنَّ الرَّسَّامين اليهود يحتلُّون في الفنِّ الإبداعيِّ المكانة نفسها التي يحتلُّها أحدث الموسيقيِّين اليهود في الموسيقى. وأيَّاً كانتِ الغرابة فلا بُدَّ من الإقرار بأنَّ اليهود المميَّزين بانعدام الموهبة تماماً في مجال التعبير عن كيانهم، سواءٌ في الكلام أو الغناء، قد هيمنوا على الذُّوق الاجتماعيّ وعلى قيادته في الموسيقى أكثرِ أنواع الفنّ الحديث انتشاراً. فلنتفحَّص إذنْ، قبل كلّ شيء، كيف أُتيح لليهوديّ أن يصبح النَّاطقَ باسم الموسيقى. لقد حدث في تاريخ تطوُّرنا الاجتماعيّ منعطف أدَّى إلى اعترافٍ شاملٍ برفع المال إلى مرتبةِ المبدأ الرائد. ومذ ذاك فإنَّ اليهود الذين كانت ممارسةُ الرِّبا مهنةً وحيدة لديهم تضمن لهم أرباحاً هائلة دون بذل جهد مكافئ مُنِحوا حقَّ أن يكونوا الأوائل في مجتمع على ذلك القَدْر من الجشع إلى المال، ولاسيَّما وأنَّ اليهود أنفسَهم جاؤوا بهذا الحقِّ معهم. لقد تبيَّن أنَّ التَّعليم المعاصر، المتيسِّر للطَّبقات الغنيَّة وحدها، متاح لليهود بالدَّرجة الأولى، وبذلك تحوَّل التَّعليم على نحوٍ مُهينٍ إلى موضوعٍ للتَّرف. ومنذ تلك اللَّحظة تنفتح أبواب حياتنا الاجتماعيّة أمام اليهوديِّ المتعلِّم، ويتعيَّن علينا أن نأخذه بعين الاعتبار خلافاً لليهوديِّ غير المتعلّم. وقد بذل اليهوديُّ المتعلِّم جهوداً خارقة للتَّخلُّص من الملامح البارزة الَّتي يتَّصف بها أبناء جِلدته. بل كان في كثير من الحالات يُقرُّ بأنَّ من الحكمة اعتناقَ المسيحيّة لغايةٍ واحدة هي التَّخلُّص من آثار أصله برمَّتِها. غير أنَّ هذا المسعى لم يُعْطِه أبداً إمكانيَّةً كاملة للوصول إلى النَّتائج المرجوَّة. ولم يكن يؤدِّي به إلاَّ إلى البقاء في عزلةٍ تامَّة جعلتْه إنساناً عديمَ القلب، الأمرُ الذي كان يرغمنا على التَّخلِّي حتَّى عن تعاطفنا السَّابق مع المصير المأساويّ لقومه. وعوضاً عن العلاقة الَّتي تَعَمَّدَ قطْعَها مع أبناء قومه لم يستطعِ اليهوديّ كَسْب علاقةٍ أخرى أكثرَ رِفعةً مع المجتمع الّذي كان يريد الارتقاء بنفسه إلى مستواه. إذْ حتَّى اليهوديّ المتعلِّم كانت علاقته تنحصر بمَنْ هو محتاج إلى ماله. إلاَّ أنَّ المال لم يكن يوماً بقادر تماماً على أن يُقيم بين الناسِ علاقةً ناجحة. لذلك يكون اليهوديُّ غريباً ولا مبالياً في مجتمعٍ عَصِيٍّ على فهمه أبداً. فهو لا يشعر بأيِّ تعاطفٍ مع ميول ذلك المجتمع وتطلُّعاته، ولا يعنيه تاريخه وتطوُّره. وقد رأينا المفكِّرين اليهود في هذا الوضع بالضَّبط، إذ إنَّ المفكِّر اليهوديَّ شاعر ينظر إلى الوراء، في حين أنَّ الشَّاعر الحقيقيَّ نبيٌّ يقرأ المستقبل. غير أنَّ هذا الإبداع التَّنبؤيَّ متعذِّر إلاّ بوجود أعمق أنواع التَّعاطف المفعَم بالصِّدق، التَّعاطف مع قوَّةِ الجماعة، القوَّة العظيمة الّتي يحسُّ بها الشّاعر دون وعيٍ. ولمَّا كان اليهوديُّ منبوذاً من هذه الجماعة الطَّبيعيَّة بسبب أصْلِه ومنقطعاً عن العيش مع قومه، فإنَّه، مهما كان ذكيَّاً، لا يستطيع إلاَّ أن ينظر إلى ثقافته كلِّها بوصفها مجرَّد تَرَفٍ، لأنَّه في نهاية المطاف لا يعرف ماذا يفعل بها. وقد أصبحتِ الفنون الجميلة جزءاً من هذا التَّعليم العالي. ولاسيَّما الموسيقى التي من السَّهل تعلُّمها دائماً خلافاً للفنون الأخرى. فالموسيقى، وحتَّى الموسيقى المنفصلة عن الفنون الأخرى، بلغتْ أسمى درجات القدرة التَّعبيريَّة بفضل جهود أعظم العباقرة. ولكنّها، بالمقارنة مع تلك الفنون، ليست قادرة على التَّعبير أحياناً إلاّ عمّا هو تافه ومبتذَل. إنّ ما أراد اليهوديُّ المتعلِّم، المطِّلع على الفنِّ، أن يعبِّر عنه في محاولاته لخلق أعمالٍ فنِّيَّة، كان من المتعذِّر أن يكون إلاّ تافهاً ومبتذَلاً، لأنّ الفنَّ نفسه كان بالنِّسبة له مجرّد مادَّةٍ للتَّرف. ثمّ إنَّ المزاج الّذي يُلهم اليهوديَّ في فنِّه مزاجٌ يقع خارج الفنّ، إذْ إنَّ اليهوديَّ لا مبالٍ بمضمون الأعمال الفنِّيَّة، ولم يعد يعنيه شيء إلاَّ الشَّكل. فاليهوديُّ لا يهمُّه ماذا يقول في العمل الفنِّيّ، وتبقى لديه قضيَّة هي كيف يقول، وهذه القضيَّة، في رأيه، هي الوحيدة الجديرة باهتمامه. إلاَّ أنَّه ما مِن فنٍّ غيرِ الموسيقى يفتح هذا الفضاء الواسع للإبداع خارج صورٍ محدَّدة ويكون بذلك عديم المضمون تماماً. لقد عبَّر عظماء العباقرة بفنهم عن كلِّ ما كان بالإمكان التَّعبير عنه في الموسيقى، بوصفها فنَّاً منعزِلاً، واستنفذوه. لم يبق بعدهم إلاَّ التَّقليد. ولكنْ يمكن أن يكون التَّقليد ناجحاً وصائباً كما تفعل الببغاوات في تقليدها كلامَ البشر، إلاَّ أنَّ التَّقليد في الفنّ عاجزٌ عن التَّعبير وعديمُ الحسِّ، شأنه شأن تقليد تلك الطُّيور التَّهريجيَّة. ذلك ما يمكن أن يقال بخصوص التَّقليد، وبما هو جدير بالقرود من محاكاةٍ لأساليب الإبداع الموسيقيّ على أيدي يهودنا "صُنَّاعِ الموسيقى" الَّذين ظلُّوا أوفياء لقومهم، بل تسعى جاهدة للبقاء أيضاً عند اليهوديّ المتعلِّم، أيَّاً كانت محاولته للخلاص منها. تلك هي قسمة اليهوديّ المتعلِّم البائسة، وقد تكوَّنت أيضاً بفعل خصوصيَّات وضعِه الاجتماعيّ نفسها. وأيَّاً كانت إلهامات خيالنا الإبداعيّ عفويَّة ومجرَّدة فإنَّها تظلُّ أبداً ذات صلة بالأرض الطَّبيعيَّة وبروح الشَّعب الَّذي تنتمي إليه تلك الإلهامات على الدّوام. إنّ الشّاعر الحقيقيّ، أيَّاً كان نوع الفنِّ الذي يبدع فيه، يجد دائماً محرِّضاتٍ وبواعثَ فنِّيَّةً لإبداعه في حياة شعبه الطبيعية التي يلاحظها ويدرسها بكامل الحبِّ. فأين لليهوديّ المتعلم أن يجد هذا الشعب؟ أيستعيض عنه بمجتمعٍ يؤدي هو فيه دور مبدع للأعمال الفنِّيَّة؟ حتّى ولو افترضنا أنّ للفنَّان اليهوديِّ أيّ نوع من الصِّلات مع هذا المجتمع، فإنَّ ذلك ليس صلة بالشَّعب، بل هو فرع منه بعيد عن الجذع المعافى. ولكنَّ هذه الصِّلة خالية من الحبِّ خُلُوَّاً يتجلَّى لليهوديِّ بألم إذا ما دقَّق النَّظر في هذا المجتمع، وعندئذ ليس المجتمع بالذات هو وحده الذي يصبح بالنِّسبة له غريباً وغامضاً، بل وسيواجهه المجتمع هنا بنفور لا إراديٍّ مهين في جلائه، فيدرك عندئذ أنَّ جميع حسابات الفئات الأغنى في المجتمع وإمكانيَّاتها عاجزةٌ عن تدمير هذا النُّفور أو إضعافه. ولمَّا كان مصدوراً صدَّاً جارحاً للغاية عن مشاركة الشَّعب حياتَهُ، وعاجزاً في جميع الأحوال عن فهم روح هذا الشَّعب، يرى اليهوديُّ المتعلِّم نفسه من جديد مشدوداً إلى جذور قومه حيث ما من شكٍّ في وجود قَدْرٍ أكبرَ من التَّفاهم على الأقلّ. ويكون عليه، شاء أم أبى، أن يمتح من هذا النَّبع، غير أنَّ النَّبع قد نضب، لأنَّ حياة شعبه فقدت مضمونها التَّاريخيّ. إنَّ اليهود الَّذين لم يكن لديهم فنُّهم، لم يكن لديهم كذلك حياة ذات مضمون فنِّيٍّ أبداً. لذلك لم يكن حتَّى الفنَّان الثَّاقب النَّظر بقادر على أن يستخلص من تلك الحياة إلاّ شكلاً للأعمال الفنية. وليس أمام الموسيقار اليهوديّ إلاّ أن يتعبَّد يَهْوَهْ خاشعاً، بوصفه التَّعبير الموسيقيِّ الوحيد عن شعبه. إنَّ الصَّومعة هي المصدر الوحيد الذي يستطيع اليهوديُّ أن يستقي منه مواضيع شعبيَّة يفهمها. فإذا ما رغبنا بأنْ نتصوَّر هذه العبادة الموسيقيَّة فائقةَ النُبل والسُّمّوِ في صفائها الأوَّل، كان أحرى بنا أن نعي أنَّ هذا الصَّفاء وصل إلينا عكِراً أبشعَ ما يكون العَكَر. إِذْ إنَّ قوى اليهود الحياتيَّة الدَّاخليَّة لم تعرف على امتداد آلاف السِّنين أيَّ نموٍّ متواصل، وإنَّما تجمَّد كلُّ شيء في مضمونٍ واحد وشكل واحد، شأن اليهوديَّة إجمالاً. وهذا الشَّكل الَّذي لا ينعشه تجدُّد المضمون أبداً يغدو بالياً. ولمَّا كانت المشاعر البائدة الميِّتة هي مضمونه كان الشَّكلُ عديمَ المعنى. أَثَمَّةَ مَنْ لم يقتنع بذلك وهو يستمع إلى الأناشيد الدِّينيَّة في أيِّ صومعة؟ وهل هناك مَنْ لم يتملَّكه أبشع شعورٍ ممزوج بالرعبِ والرَّغبةِ بالضَّحك لدى سماع تلك الحشرجات الَّتي تشوِّش الشُّعور والعقل، ذلك الأنين، تلك الثَّرثرة؟ ما مِن رسمٍ كاريكاتوريٍّ يستطيع أن يصوِّر بمزيدٍ من القبح ما ينشدونه هنا بصرامةٍ ساذجة ولكنَّها تامَّة. ويلاحَظ مؤخـَّراً سعيٌ حثيث إلى الإصلاح يحاول أن يعيد إلى الإنشاد صفاءه القديم، إلاَّ أنَّ كلَّ ما يمكن القيام به من جانب خيرة المثَّقفين اليهود في هذا الاتِّجاه سيكون عقيماً. إذ أنَّ إصلاحاتهم لن تصل بجذورها إلى جماهير الشَّعب. ولذلك لن يتمكَّن المثقَّف اليهوديُّ أبداً من أن يجد في شعبه ينبوعاً للفنّ الإبداعيّ. إنّ الشَّعب يبحث عمَّا يمكن أن يعيش به، عمَّا هو حقيقيٌّ بالنِّسبة له، وليس عن صورة الشيء أو عن شيءٍ تمَّ إصلاحه.... وما ذلك الشَّيء الحقيقيُّ بالنِّسبة لليهود إلاَّ ماضيهم المشوَّه. إنَّ هذا السَّعي باتِّجاه المنابع الشَّعبيَّة، سواءٌ من قِبل الفنَّان اليهوديّ أو أيِّ فنَّان آخر، يكون محسوساً وظاهراً بوصفه ضرورة لا واعية. فالانطباعات الّتي تكوَّنت بالقرب من هذه الينابيع أقوى من آرائه بالفنون المعاصرة، وتنعكس في جميع مؤلَّفاته. هذه الألحان والإيقاعات البائسة في أناشيد الصوامع تسيطر على الخيال الموسيقيّ لدى الموسيقار اليهوديّ، تماماً كما كانت الغنائيَّةُ المباشرة في أغنيتنا الشَّعبيَّة ورسمُ إيقاعها والرَّقص الشَّعبيُّ قوَّة خلاَّقة في إبداع ممثِّلي موسيقانا وغنائنا الفنِّيّ. لذلك فإنَّ قدرة المثقَّف اليهوديّ على الاستيعاب الموسيقيّ تعجز عن فهمِ كثيرٍ ممَّا في دائرة غنائنا الشَّعبيّ التَّأمُّليّ الواسعة. إنَّه لا يفهم إلاَّ ما يخيَّل إليه خطأً أنَّه متشابه مع الخصوصيَّات الموسيقيَّة اليهوديَّة. ولكنْ لو حاول اليهوديُّ تفهُّم أسمى إبداعنا الفنِّيّ لكان عليه أن يدرك أنَّه ما من شيء في فنِّنا يشبه أدنى شبهٍ الطَّبيعة الموسيقيَّة اليهوديَّة، ولَجَرَّده ذلك مرَّةً وإلى الأبد من الجرأة على المشاركة في إبداعنا الفنِّيّ. إلاَّ أنَّ اليهوديَّ ـ من حيث وضعه ـ بعيدٌ عن التَّعمُّق جدِّيَّاً في فنّنا إمَّا عَمْداً/ خوفاً من أن يعرف مكانته الحقيقيَّة بيننا/ وإمَّا لا إراديَّاً/ لأنَّه رغم ذلك عاجز عن فهمنا/، فهو يُنصت بسطحيَّةٍ إلى إبداعنا وينابيعه الحيَّة. ونتيجةً لذلك الموقف السَّطحيِّ من الموضوع توصَّل إلى استنتاجاتٍ طائشة أوْهَمَتْه بهذا التَّشابه الخارجيّ الّذي يراه أحد غيره. وعلى هذا الأساس فإنَّ السِّمات الخارجيَّة العرضيَّة، سواءٌ في الظَّواهر أو في حياتنا عموماً أو في فنِّنا، تبدو لليهوديّ جوهريَّة. وحين يجعل من هذه السِّمات أساساً لإبداعه الفنِّيّ يتَّخذ ذلك الإبداعُ طابعاً مشوَّهاً وغريباً وسمجاً. أمَّا المؤلَّفات الموسيقيَّة اليهوديَّة فيتساوى تأثيرها فينا مع تأثير قصائد غوته مترجمةً إلى لهجةٍ يهوديَّة ضيِّقة. وكما تختلط في لهجةٍ يهوديَّة ضيِّقة كلماتٌ وتعابيرُ تفتقر افتقاراً مذهلاً إلى القدرة التَّعبيريَّة، كذلك تتضافر في إبداع الموسيقار اليهوديّ أشكالُ وخصوصيَّاتُ أسلوبِ جميع الأزمنة وجميعِ الموسيقيِّين، فنجد في تجميعها ذاك وفي الفوضى المتعَّددةِ الألوان أصداءَ جميعِ المدارس. ومن الواضح أنَّ المسألة في هذه المؤلَّفات لا تنحصر كلُّها في المضمون ولا في المادَّة الَّتي تستحقُّ الكلام عنها، بل تكمن في طريقة التَّعبير نفسها تحديداً. فما الذي يمكن أن يكون طيِّباً في هذه الثَّرثرة إلاَّ كونُها فقط تستدعي في كلِّ لحظة جديدةٍ استثارةً جديدة للانتباه بتغيُّر تعابيرها العديمة المعنى؟ إلاَّ أنَّ الإلهام الحقيقيَّ، التَّوهُّج الحقيقيَّ، حين يتجسَّد يجد تعبيره من تلقاء ذاته. فاليهوديُّ، كما قلنا، محروم من التَّوهُّجِ الحقيقيّ، ذلك التَّوهُّج الذي يحرِّضه من تلقاء نفسه على الإبداع الفنِّيّ. على أنَّه ما من طُمأنينةٍ هناك حيث ينعدم التَّوهُّج. فما الطُّمأنينة الحقيقيَّة النَّبيلة إلاّ التَّوهُّج وقد هدأه نكران الذَّات حين لا تسبق الطُّمأنينةُ التَّوهُّجَ ليس ثمَّة إلاَّ الخمول. أمَّا نقيض هذا الخمول فهو القلق الشَّائك الذي نتلمسُّه في المؤلَّفات اليهوديَّة من أوَّلها إلى آخرها، باستثناء الحالات التي يتراجع فيها ذلك القلق أمام خمولٍ عديم الرُّوح والإحساس. ولتوضيح كلّ ما قلناه أعلاه نتوقَّف عند مؤلَّفات موسيقارٍ يهوديٍّ واحد أنعمت عليه الطَّبيعة بموهبةٍ مميَّزة قَلَّ مَنْ نَعِمَ بها قبله. إنَّ جميع ما رأيناه، خلال دراستنا لنفورنا من كلّ ما هو يهوديٌّ، وجميعَ تناقضات هذا الكائن، كلَّ عجزه عن الانخراط في حياتنا وفنِّنا اللَّذين قُدِّرَ على اليهوديِّ أن يعيش خارجهما حتَّى رغم سعيه إلى العمل الخلاَّق، كلُّ ذلك يتعاظم إلى درجةِ نزاعٍ مأساوي كاملٍ في شخصيَّة وحياة وفنِّ فيليكس مِندلسون ـ بارتولدي. لقد أثبت لنا أنَّ بوسع اليهوديِّ أن يتمتَّع بأغنى موهبةٍ مميَّزة، وأن يتمتَّع بثقافةٍ مرهفة متناسقة تبلغ الكمال، وبأرقِّ شعور بالشَّرف، ومع ذلك وبصرف النَّظر عن جميع هذه المميزات، فإنَّه ليس قادراً على أن يخلق فينا ذلك الانطباع الَّذي يسحر الروح والقلب، الانطباع الَّذي ننتظره من الفنِّ والَّذي كنَّا نكابده دائماً ما إنْ يتوجَّه إلينا أيٌّ من ممثِّلي فنِّنا ليتكلَّم معنا. ولنترك لبعض من النُّقَّاد، الذين ربَّما توصَّلوا إلى استنتاجٍ مماثل، إمكانيَّة أن يشرحوا بالتفصيل هذه الصِّفة الأكيدة في مؤلَّفات مِندلسون، أمّا نحن فنفترض أنَّه يكفينا انطباعنا العامّ المتولِّد عن مؤلَّفاته. والحقيقة هي أنَّه لم يكن في مقدورنا أن نُحِسَّ أنَّنا مفتونون بأيٍّ من مؤلَّفات هذا الموسيقار إلاّ عندما تقدَّم لخيالنا تسليات كتلك الَّتي يحبُّها خيالنا في العادة حبَّه توحيدَ وضفْرَ أرقِّ الأشكال الموسيقيَّة البالغة النُّعومة والتَّصنُّع الشَّبيهة بالمؤثِّرات الضَّوئيَّة المتبدِّلة في المِشكال. إلاَّ أنَّنا لم نكابد شيئاً حين كان مطلوباً من صور مِندلسون الموسيقيَّة أن تحرِّك فينا أعمق مشاعر القلب البشريّ وأقواها[3]. ومِندلسون نفسه يشعر بتلك الحدود الَّتي تنتهي عندها قدرته الإبداعيَّة الخلاَّقة. فحين يكون عليه، كما في الأوراتوريو(*)، أن يرتقي إلى الدّراما، لا يستطيع مِندلسون تجنُّب اللُّجوء إلى شكلٍ من التَّعبير سبقه إليه الموسيقار الَّذي اختاره قدوةً له وكان ذلك التَّعبير سِمَتَه الفرديَّة الخاصَّة. ومِندلسون نفسه يشعر بتلك الحدود الَّتي تنتهي عندها قدرته الإبداعيَّة المنتجة. وفي الوقت ذاته ينبغي أن نتنبه إلى أنَّ مِندلسون اتَّخذ لنفسه قدوة من الأسلوب الموسيقيّ لأستاذنا القديم باخ، فاستخدم أشكاله ليعوِّض بها عن لغته المفتقرة إلى القدرة التَّعبيريَّة. لقد تشكَّل أسلوب باخ الموسيقيّ في مرحلة من تاريخ موسيقانا كانت خلالها اللُّغة الموسيقيَّة الشّاملة ما تزال في بداية طموحها لبلوغ مزيدٍ من الفرديَّة. إلاَّ أنَّ التقاليد الموسيقية القديمة كانت في إبداع باخ ما تزال بعدُ على قَدْرٍ من الحضور الحيِّ والصَّرامة الشَّكليَّة والحذلقة بحيث أنّ العنصر الإنسانيَّ، الفرديَّ، كان في أوَّل تفتُّحه لدى باخ، وذلك بفضل ما تميَّزت به عبقريَّته من قوّةٍ عظيمة. إنَّ لغة باخ تنتمي إلى لغة موتسارت، وأخيراً إلى لغة بيتهوفن، مثلما ينتمي أبو الهول المصريّ إلى تمثال الإنسان الهيلينيّ، أي مثلما يطلع أبو الهول بوجهه البشريّ من جسدٍ مازال حيوانيَّاً، يطلع رأس باخ بوجهه البشريّ النَّبيل من باروكة(*) التّقاليد القديمة. إنَّ الفوضى الغامضة العديمة المعنى في الذَّوق الموسيقيّ المُنفلِت هذه الأيَّام تتمثَّل في كوننا نُنصت في وقتٍ واحد إلى لغةِ باخ وبيتهوفن ونتحدَّث عنهما وكأنَّهما لا يختلفان إلاَّ بأشكالِ الإبداع وبالفرديَّة، دون أن نلحظ الفرق الثقافيَّ التّاريخي الفعليّ بينهما. ومن السهل فَهْمُ سببِ ذلك، إذ إِنَّ لغة بيتهوفن لا يمكن أن يتكلَّمها إلاَّ إنسانٌ مخلصٌ صادق، لأنَّها لغة إنسان موسيقيٍّ كامل. فبحكم طموحه الطَّاغي للعثور على موسيقى مطلَقة، سبر أغوارها وملأها إلى أقصى الحدود، بيَّن لنا بيتهوفن طريق إخصاب جميع الفنون بوساطة الموسيقى، بوصف ذلك الطَّريق هو التَّوسيع النَّاجح الوحيد لمجالها. أمَّا لغة باخ فيسهل على الموسيقار البارع أن يقلِّدها حتى ولو دون أن يقلِّد باخ نفسَه. ويعود ذلك إلى أنَّ في إبداع باخ عناصرَ شكليَّة تفوق المضمون الفرديَّ الَّذي لم يكن له الصَّدارة في زمنه. إذ لم تكن تتشكَّل في تلك المرحلة إلاَّ طرق التَّعبير الموسيقيّ بِمَعزل عن مضمونها. أمَّا جهود مِندلسون الإبداعيَّة الرَّامية إلى جعل الأفكار الغامضة التَّافهة تجد تعبيراً ليس شائقاً فقط بل وصاعقاً للعقل، فقد كانت فعَّالة في التَّمهيد للانحلال والتعسُّف في أسلوبنا الموسيقيّ. فبينما كان بيتهوفن، بوصفه الأخيرَ في سلسلة أبطالنا الموسيقيِّين الحقيقيِّين، يسعى برغبةٍ عظيمة وقوَّةٍ خارقة للوصول إلى أكمل تعبير عن مضمون عصيٍّ على التَّعبير بوساطة شكلٍ مرنٍ بارز المعالم تميَّزت به صوره الموسيقيّة، كان مِندلسون يكتفي بأن يبثَّ في مؤلَّفاته هذه الصورة الناجزة لتكون ظلاً سائباً، غريبَ الشكل، لا يتأثَّر ببريقه الهيوليّ إلاّ خيالُنا العنيد؛ أمَّا الطُّموح الإنسانيّ المحض، الطُّموح الدَّاخلي المتوهِّج إلى التأمُّل الفنِّي، فلا يكاد يضيئه الأمل بالتَّحقق إلاَّ قليلاً. ولا يكشف مِندلسون نفسَه أمامنا على نحوٍ ذاتيٍّ لنرى فرديَّته المرهَفة التي تدرِك عجزها عن مقارعة المستحيل إلاَّ عندما يتملَّكه شعورٌ خانق بهذا العجز، على ما يبدو، ويُرغمه على التَّعبير عن إذعانٍ رقيق وحزين. وهذه هي، كما سبق أن قلنا، السِّمة المأساوية في شخصيَّة مِندلسون. على أنَّنا لو أردنا أن نخلع عطفنا على الشَّخصيَّة المحضة في مجال الفنِّ لما تجرأنا أن نُنكر هذا العطف على مِندلسون، على الرُّغم من أنَّ هذه المأساويَّة كانت ـ في الأرجح ـ لصيقةً به، ولكنَّها لم تكن لديه شعوراً مضنياً وضَّاءً. ولكن باستثناء مِندلسون لا يستطيع أيُّ موسيقار يهوديٍّ آخر أن يبعث فينا ولو عطفاً من هذا النَّوع. فثمَّة في أيَّامنا موسيقار. يهوديٌّ(*) ذائع الصِّيت، واسعُ الشُّهرة، قدَّم مؤلَّفاته لا بهدفِ ترسيخ الفوضى في مفاهيمنا الموسيقيَّة بقدر ما هو بهدف استغلال تلك الفوضى. لقد علَّموا جمهور الأوبِّرا المعاصرة لدينا على امتداد زمنٍ طويل، وخطوةً إثر خطوة، أن يكفَّ عن مَطالبه الَّتي كان ينبغي طرحُها ليس على المؤلَّفات الدّراميَّة الفنِّيَّة فقط، بل وعلى مؤلَّفات الذَّوق الحسن إجمالاً. إنَّ مقاعد التَّسلية في هذه القاعات لا تمتلئ أساساً إلاَّ بجزء من الطَّبقة الوسطى التي يعتبر الملل سبباً وحيداً لشتَّى أنواع نواياها. غير أنَّ مرض الملل لا يُداوَى بالمُتع الفنِّيَّة، لأنَّه لا يمكن تبديدُه عمداً، وكلُّ ما في الإمكان هو التَّعتيم عليه بشكلٍ آخر من الملل. على أنَّ ذلك الموسيقار الأوبِّرالي الشَّهير جعل من الانشغال بهذا التَّعتيم مهمَّته الفنِّيَّة في الحياة. ويبدو أنَّ من النَّافل تماماً استعراضُ تلك الأساليب التي استخدمها لبلوغ أهدافه الأهمّ. ويكفي أنَّه، كما تشهد نجاحاته، كان يُتقِن الخداع إتقاناً تامَّاً. حقاً، أليس بالخداع قدَّم لمستمعيه[4] المَلولين اللَّهجة الضَّيِّقة المعروفة جيِّداً ومنذ زمن قديم على أنَّها التَّعبير الدَّارج والمُغوي عن تلك الابتذالات التي كثيراً ما طالعتْنا جَهاراً في شكلها الطَّبيعيّ غيرِ الجذَّاب؟ ولقد اهتمَّ أيضاً باستخدام إمكانيَّات الهزَّات الدّراميّة والكوارث الحسِّيَّة، وهو ما ينتظره المَلولون بفارغ الصَّبر. فإذا ما تمَعَنـَّا في أسباب نجاحه لن نجد ثمَّة ما يثير العجب إزاء كونه يبلغ غاياته بسهولة. فبلوغه الغايةَ هنا أمر واضح ومفهوم لمن يدقِّق في الأسباب التي جعلت كلَّ شيءٍ متاحاً له في هذه الظُّروف. حتَّى إنَّ هذا الموسيقار المخادع يستمرئ الخداع فيخدع نفسه، وربَّما متعمِّداً أيضاً، مثلما يخدع مستمعيه المَلولين. نحن نصدِّق مخلصين أنَّه يرغب في خلق أعمال فنِّيَّة، وهو يعرف في الوقت عينه أنَّه عاجز عن ذلك. وللخلاص من هذا النِّزاع البغيض بين الرَّغبة والعمل يكتب أوبِّراتٍ لباريس ويوافق بسهولة على عرضها في جميع المدن الأخرى. وهذه في الوقت الحاضر أضمن طريقة لإقامة مجدٍ لنفسه دون أن يكون فنَّاناً. وتحت ضغط هذا الخداع الذَّاتيّ، وهو ضغط ينبغي ألاَّ يكون سهلاً تماماً، يتبدَّى لنا هذا الموسيقار في مظهر مأساويٍّ أيضاً. ولكنَّ مأساة الشُّعور الشخصيّ في اهتمامه المريض تتحوَّل إلى تراجيكوميديا. لكأنَّ هذا الموسيقار الشَّهير يقدِّم في مجال الموسيقى تلك الملامح المضحكة حقّاً التي لا تستدعي الشفقة، وتميِّز اليهود عامَّة. وهكذا، بعد مناقشة الظَّواهر السَّالفة التي يفترض بها أن تجعل نفورنا المؤسَّس والمسوَّغ والرَّاسخ أيضاً تجاه اليهود مفهوماً، يمكننا أن نشير إلى هذه الظواهر بوصفها أعراضاً لانحطاط المرحلة الموسيقية التي نعيشها. فلو أنَّ هذين الموسيقارين اليهوديِّين[5] أوصلا موسيقانا حقَّاً إلى قمّة الازدهار لتعيَّن علينا الإقرار بأنَّنا تخلَّفنا، وأنَّ تخلُّفنا كامن في عجزنا العضويّ عن الإبداع الفنِّيّ. فهل الأمر كذلك؟ بالعكس، إنَّ ما في زماننا من غنىً فرديٍّ موسيقيٍّ صِرْفٍ يبدو متعاظماً أكثر ممَّا هو متناقض بالمقارنة مع العهود الماضية. إنّ العجز كامن أيضاً في روح فنِّنا السَّاعي إلى حياةٍ أخرى، فنِّيَّة محضة هيهات أن تكون متوافرة له الآن. ويتَّضح هذا العجز في النشاط الفنِّي لدى مِندلسون، الموسيقار الذي يتمتَّع بموهبة من نوع خاص. أمَّا تُرَّهات الموسيقار الآخر /ماير بير ـ النَّاشر/ فتشهد بشكلٍ ملموس على تبعيَّة مجتمعنا الموسيقيَّة، وعلى افتقاره لطموحاتٍ فنِّيَّة حقيقيَّة. تلك أهَمُّ النِّقاط التي يجب أن تجتذب انتباه مَنْ يُثَمِّن الفنَّ. ويجب علينا أن نتدارسها وأن نسأل أنفسنا بشأنها بغية تكوين مفهومٍ واضح عنها. إنَّ من يخاف هذا العمل، من ينصرف عن هذا البحث ولا يشعر بضرورته، إنَّما يُبعِد عن نفسه فرصةً عاقلة للخروج من قوقعة الحياد القائمة على عادةٍ قديمة فارغة جامدة، وينتمي إلى "الموسيقى اليهوديَّة". لم يكن بوسع اليهود فيما مضى أن يحيطوا بهذا الفنِّ قبل أن تدفعهم الحاجة إلى اكتشاف وإثبات ما للموسيقى من قدرةٍ حياتيَّة سلبيَّة داخليَّة. وطالما كانت الموسيقى، كفنٍّ مميَّز، تنطوي على قدرة حياتيَّة، عضويّة فعليَّة، حتَّى في حياة موزارت وبيتهوفن ضمناً، لم يكن ثمَّة أيُّ موسيقار يهوديّ، وكان متعذِّراً تماماً على ذلك العنصر الغريب كلِّيَّاً عن هذا الجسم أن يشارك في تنمية حياته. وعندما أصبح الموت الدَّاخليُّ للجسم أكيداً، عندئذ فقط تمكَّن مَنْ كان خارجه من السَّيطرة عليه، لا لشيءٍ إلاَّ لإفنائه. أجل، لقد تفسَّخ جسمنا الموسيقيّ، فَمَنْ ذا الذي يستطيع وهو يرى تفسُّخه أن يقول إنَّه ما يزال حيَّاً؟ سبق أن قلنا إنَّ اليهود لم يعطوا فنَّاناً حقيقيَّاً واحداً. إلاَّ أنَّه لابدَّ من التَّذكير بهنريش هايني. فحينما كان يبدع بيننا كلٌّ من غوته وشيلر لم يكن ثمَّة أيُّ يهوديٍّ آخر. أمَّا حين انقلب الشِّعر عندنا كَذِباً، حين لم يبق لدينا أيُّ شاعر حقيقيّ، فإنَّ مهمَّة هذا الشَّاعر اليهوديّ /هايني ـ الناشر/ القويِّ الموهبة الشِّعريَّة تمثّلت في الكشف بسخريةٍ ساحرة عن هذا الكذب، عن هذا الذُّبول العديم القرار، عن النِّفاق الجزويتيّ في فنِّنا الذي كان يحاول عبثاً إضفاء شكل الشِّعر على نفسه. كان هايني يجلد أبناء قومه الموسيقيِّين اليهود بلا رحمةٍ جزاءَ إصرارهم السَّافر على أن يصبحوا فنَّانين، فما كان لخدعةٍ أن تصمد أمامه. لقد كان يطارده بلا كللٍ عفريتٌ لا يرحم هو عفريت النَّفي لكلِّ ما بدا له سلبيَّاً عبر جميع أوهام الخداع الذاتي المعاصر، حتى بلغ الأمر به شخصيَّاً أن كذب على نفسه بأنّه شاعر. لهذا أصبح له كذبه المنظوم الذي لحَّنه موسيقيُّونا. لقد كان هايني ضمير اليهود مثلما أنَّ اليهود هم الضَّمير الوسخ لحضارتنا المعاصرة. ويتعيَّن علينا أيضاً أن نذكر يهوديَّاً آخر قدَّم نفسه عندنا بصفته أديباً. لقد غادر عزلته اليهوديَّة وقصدنا طلباً للنجاة فلم يحظ بها، وأصبح عليه أن يعي أنَّه لن ينالها إلاَّ بنجاتنا، أي في صدق الإنسان، فأنْ يصبح اليهوديُّ إنساناً بيننا يعني، قبل كلِّ شيء، أن يكفَّ عن كونه يهوديَّاً. وذلك ما فعله بيرنيه. لقد علَّمنا بيرنيه أنَّ هذه النجاة متعذِّرة في الرَّفاه والتَّرف البارد اللاَّمبالي، ولكنَّها ـ كما هي بالنِّسبة لنا ـ تتطلَّب جهوداً مضنية وعوزاً وخوفاً وفيضاً من المصائب والآلام. إنَّنا نقول لليهود: قِفوا دون خجلٍ على الطَّريق الصَّحيح، لأنَّ تدمير الذَّات ينقذكم! عندئذٍ سنكون متَّفقين، وبمعنى ما، لا فرق بيننا! ولتتذكَّروا أنَّ ذلك هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن ينجِّيكم من اللَّعنة التي تَصِمكم، لأنَّ نجاة "اليهوديِّ التَّائه"[6] /AHASVERUS/ في هلاكه. الهوامش: [1] في القرن التاسع عشر لم يكن معروفاً بعد التاريخ الحقيقي لمن يسمون باليهود الذين لم يكن لشيء أو لأحد غيرهم ضلع "بمصائبهم الأبدية". [2] بوسعنا أن نقول الكثير عن أدوار الممثلين اليهود انطلاقاً من الخبرة التي تراكمت في المدة الأخيرة. إنهم لم يكتفوا باحتلال الخشبة بل يبدو وكأنهم تمكنوا من سرقة الصور الفنية من مؤلفها. ما من "نموذج" يهودي يكتفي بالسعي لتمثيل مخلوقات شكسبير أو شيلر، بل ويحاول أن يستعيض عنها بتعبيراته الخاصة المنحازة. ويخلف ذلك انطباعاً بأن الشخصية اليهودية فقدت وجه الإنسان الحقيقي واستعاضت عنه بوجه يهودي ديماغوجي. إن تزييف فننا، ولا سيما الفن الدرامي، وصل حد خديعة فظة جعلت الناس لا يتحدثون حتى عن شكسبير إلا من وجهة نظر صلاحية مسرحياته شرطياً للعرض. /الناشر الألماني/. [3] سنتحدث فيما بعد عن المدرسة اليهودية الجديدة التي تأسست بسبب هذه الصفة في موسيقى مندلسون وكأنما لتسويغ هذه الغرابة /حاشية فاغنر/. [4] إن من لاحظ ما تبديه الطائفة اليهودية من شرود وقح ولا مبالاة وهي تستمع إلى موسيقى الصلاة في الصومعة يستطيع أن يفهم لماذا لا يشعر موسيقار الأوبرا اليهودي بأنه مهان عندما يصطدم بهذا الموقف نفسه من قبل الجمهور المسرحي إزاء مؤلفاته، ثم لا يكل من متابعة عمله أمام ذلك الجمهور، لأنه جمهور يجب أن يبدو له هنا، رغم ذلك، أكثر حشمة مما في معبده. /حاشية فاغنر/. [5] يلفت النظر أيضاً كون الموسيقيين اليهود الآخرين، بل المثقفين اليهود عامة، يمثلون هاجساً إلى حد ما لكلا الملحنين الشهيرين. فأنصار مندلسون يرون في ذلك الموسيقار الأوبرالي الممتاز شيئاً شنيعاً. وبفضل إحساسهم الرقيق بالشرف يشعرون بمدى إساءته القوية لليهود، ولذلك فإن حكمهم عليه لا رحمة فيه. وبالعكس، فإن حزب الموسيقار الأوبرالي أكثر حذراً في حكمه على مندلسون، وينصت بحذر، على الأرجح، أكثر مما بنفور إلى السعادة التي بلغها في عالم الموسيقى الأعلى شأناً. أما الفريق الثالث، اليهود الذين يؤلفون الموسيقى فيبدو أنهم مهتمون بتفادي الفضيحة والاستمرار، دون تعرية الذات، في التأليف الموسيقي دون صخب زائد. ومع ذلك فإن النجاحات الأكيدة التي حققها الموسيقار الأوبرالي تبدو لهم جديرة بالاهتمام، إذ يجب أن يكون فيها قيمة ما، حتى وإن كان يمكن عدم تأييد كل شيء فيها وتقديمه على أنه "ذو شأن". حقاً إن اليهود على قدر من الدهاء يجعلهم يعرفون حقيقة الوضع الذي هم فيه. [6] "اليهودي التائه" أسطورة أدبية شعبية تصف اليهودي الذي سخر من السيد المسيح وهو في طريقه إلى الصليب، فقضى الله عليه أن يبقى تائهاً هائماً في الأرض إلى يوم الدين. وقد تناول هذه الأسطورة أدباء كثيرون بينهم غوته وشيلر والرومانسيون الألمان عموماً. /المترجم/.? (*) »Neue Zeitschrift Fur Musik«. (*) Oratorio مقطوعة موسيقيَّة دينيَّة وليس فيها تمثيل. (المترجم). (*) الباروكة هي الشعر المستعار. (*) المقصود هو مايربير. «الناشر». |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |