|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
دَيْر تِنْتَرن من شعر وليم وردزورث ـ ت.يوسف سامي اليوسف أولاً ـ تمهيد ولد الشاعر الإنجليزي وليم وردزورث (1770-1850) في منطقة البحيرات في الشطر الشمالي من إنجلترا. وقد درس في جامعة كمبردج، ولكن دون أن يكون طالباً متميزاً وفي سنة 1790 سافر سيراً على الأقدام إلى فرنسا وإيطاليا وجبال الألب. ثم عاد إلى فرنسا أواخر سنة 1791 حيث عاش سنة كاملة، وهناك عشق ابنة جراح في مدينة يلوا، اسمها أنيت فالون التي أنجبت له بنتاً. وتحمس للثورة الفرنسية الظافرة يومئذ، ولكنه كف عن التحمس للنزعة الجمهورية، وأصيب بخيبة أمل، بل بتشاؤم كئيب، حين رأى الإرهاب والمقاصل واستحالة الثورة إلى غولة تلتهم الناس. وفي سنة 1795 تعرف على كولرج الذي صار صديقه الحميم ولمدة طويلة جداً. وقد جاء كولرج ومعه زوجته إلى سومرست، قرية وردزورث، حيث عاشا سنة مع ذلك الشاعر ومع أُخته دُروثي. (والجدير بالتنويه أن وردزورث تربطه بهذه الأُخت التي تصغره بسنة واحدة علاقة إخاء حميم. وهي الأنثى التي يخاطبها في الشطر الأخير من هذه القصيدة وكأنها التجسيد الموضوعي لروحه أو لوجدانه). وفي عام 1798 أصدر الشاعران كلاهما ديواناً عنوانه "قصائد قصصية غنائية" وقد جاء هذا الديوان المشترك بمثابة تحول وإنعاش في تاريخ الشعر الإنجليزي، إذ أخذ ذلك الشعر يتجه اتجاهاً جديداً ابتداءً من تلك البرهة، فالشعراء الجدد قد نظروا إلى الحياة بحساسية أصيلة عميقة، وكذلك برؤية طازجة مفعمة بالحيوية والجوانية. ومما هو معلوم أن ذلك الديوان قد كان افتتاحاً للحقبة الرومانسية في تاريخ الشعر العالمي كله. ولقد سافر الشاعران معاً إلى ألمانيا في أواخر تلك السنة نفسها. وهناك بدأ وردزورث بكتابة سيرته الذاتية شعراً تحت هذا العنوان: «الاستهلال». كما كتب «روث»، و«لوسي غراي»، و«لوسي» وبعض القصائد الأخرى. ولسوف يكمل قصيدة «الاستهلال» سنة 1805، ولكنها لن تنتشر إلا بعد موته. وفي سنة 1800 أعيد نشر القصائد القصصية الغنائية» مع مقدمة كتبها ورد زورث تمحورت حول نظرية الشعر، إذ عرّف الشعر بأنه نتاج لفورة المشاعر والعواطف والمحتويات الوجدانية أو الداخلية جملة. وبعد سنتين نشرت المجموعة نفسها للمرة الثالثة، فكتب لها ورد زورث ملحقاً بين فيه موقفه من لغة الشعر التي قال بأنها ينبغي أن تؤخذ مما هومتخيّر من العبارات التي يتكلمها ا لناس في الحياة اليومية. وفي سنة 1802 تزوج وردزورث بفتاة اسمها ماري هتشنسن، من مدينة بزث القريبة من ضيعته. وبعد هذا الزواج بخمس سنوات انتقل من سومرست إلى قرية غراسمير حيث ظل حتى نهاية عمره. وفي سنة 1813 عُيِّن موظفاً في مكتب الطوابع براتب سنوي مقداره أربعمئة جنيه. كما راح يتجول في إنجلترا وبجوارها، فزار أسكتلندا أربع مرات، وتعرف على ولترسكوت، شاعرها الرومانسي الكبير.ولكنه قام بأسفار أخرى إلى أوروبا في عشرينيات القرن التاسع عشر. كما زار إيرلندا سنة 1831، وكذلك ايطاليا سنة 1837. واستقال من وظيفته سنة 1842 وصار يتقاضى راتباً تقاعدياً ثابتاً. وبعد سنة واحدة حل محل سذبي كشاعر للبلاط حتى وافته المنية عند انتصاف القرن التاسع عشر. ولعل في ميسور المهتم أن يلاحظ ما فحواه أن شعر وردزورث قد أخذ يذبل بعد سنة 1815، وأن أفضل شعره هو القصائد التي كتبها ابتداء من سنة 1798 وحتى سنة 1807. ولا غلو إذا ما زعمت بأنه أكثر الشعراء التزاماً بالطبيعة وبجمالها وأسرارها وقدسيتها. إنه الشاعر الذي رأى المشهد الطبيعي بعين خاصة جداً حتى لكأن فيه محتوى هو وقف عليه وحده دون سائر البشر. ولم يكتف بذلك بل توجه إلى الطبقة الشعبية، ولاسيما الفلاحين والرعاة، حيث وجد «حباً في الأكواخ التي يأهلها الفقراء». فمما هو واضح أن شطراً كبيراً من شعره يتخذ من الحياة الريفية البسيطة محتواه الأكبر. وقد جاء هذا التوجه بعد إيمان الشاعر بأن الصناعة الحديثة سوف تدمر انجلترا. (ليته قال بأنها سوف تدمر العالم). ولقد سماه بعض الدارسين باسم «ناسك غراسمير»، وكذلك باسم «اللاما العظيم لمنطقة البحيرات»، وذلك نظراً لتفرده في عبادة الطبيعة. ومما هو جدير بالذكر أنه كان سعيداً إلى درجة الغبطة. فهاهو ذا يقول: «أنا واحد من أسعد الناس». وفي قناعتي الخاصة أن وردزورث هو أعظم شاعر في اللغة الإنجليزية بعد شكسبير. فهو مأهول بإنسان كبير عطوف ونبيل، شأنه في ذلك شأن شكسبير الذي يتميز بثلاث خصال، هي الحب والحنان والرحمة، كما بينت كارولين سبيرجن في دراستها المتميزة عن «المجاز عند شكسبير». وفضلاً عن ذلك، يتميز وردزورث بالحكمة إلى حد مثير للإعجاب، فهو يستوعب خفايا الأمور استيعاباً قل أن يراه المرء لدى أي شاعر آخر. ولعل أهم مافي أمره أنه حساس تجاه الحياة بما هي تجربة تعاش على مستويين، داخلي وخارجي، أو قل إنه لا يفصل الداخل عن الخارج، بل يراهما في وحدتهما الإندغامية الخالدة. وبإيجاز: إنه فرد متفرد جداً من شأنه أن يرى الأشياء على نحو مختلف تماماً عن رؤية الآخرين. وههنا بالضبط يكمن سر المزية. ولقد امتدح بعض النقاد الغربيين قصيدة «الاستهلال»، بل قالوا إنها واحدة من أعظم القصائد التي كتبت باللغة الإنجليزية في العصر الحديث. كما امتدحوا قصيدة «العزيمة والاستقلال»، وقال أحدهم: إن وردزورث لم يكتب قصيدة أفضل منها. وهناك من امتدح قصيدة «لاوداميا» وكذلك قصيدة «ميخائيل» وقصيدة «النزاهة». وبوسعي أن أضيف قصيدة عظيمة جداً هي «علائم الأبدية» التي سبق لي أن ترجمتها ونشرتها قبل ثلاثين سنة، أو زهاء ذلك. كما أضيف قصيدة «ديرتنترن» الراهنة، والتي أترجمها اليوم، مع أنها كان ينبغي أن تترجم وتنتشر منذ زمن بعيد. *** لعل أبرز سمة بين سمات القصيدة الراهنة أنها محاولة جادة لتصويف الطبيعة أو لأسطرتها ورؤيتها بوصفها حشداً من المستورات الباعثة على البهجة، بل التي تصلح دواء للهموم والغموم. فلدى قراءة مناخها يملك المرء أن يراها وقد أولجت إلى جوف المرئيات عنصراً سرياً لطيفاً من شأنه أن يرفعها إلى مستوى المقدس، أو إلى مصاف الأسطوري الرهيف. كما أن من شأن قراءة مناخها أن تكشف في بنيتها ضرباً من ملغمة تلتغم داخل نسيجها، فتتآزر بحيث تنتج تأثيراً عظيماً حقاً. فلا يخفى على المستأني أن عبادة الطبيعة، وكذلك التوجه نحو الآخر بالحب والقبول، ثم الشعور بسرعة الزوال والانقضاء، أو بآنية الإنسان على الأرض، هي ثلاث بذرات تنشط فيها بغتة هذه القصيدة العظيمة. فليس من قبيل المصادفة أنها تبدأ بالسنوات الخمس التي تصرمت بعد الزيارة الأولى لنهر الواي، كما أنه ليس من قبيل المصادفة أيضاً أن ينبه الشاعر أخته دروثي، التي كانت معه على ضفاف النهر نفسه، إلى الأعوام الآتية حين قد لا يكون هو على قيد الحياة. فربما استطاعت قوة الحضور أن ترى في رعشة الزوال والامحاء ينبوعاً من الينابيع التي انبثقت منها هذه القصيدة المتميزة. وفضلاً عن ذلك، فقد أحيلت الطبيعة إلى هيف ولطف ودماثة، فصارت سعادة وفرحاً ومصدراً لأنبل المشاعر السامية بحيث يصبح القول بأن الفرق بين الداخل والخارج قد تلاشى تماماً، وذلك لأن الشاعر صار حين يتحسس الطبيعة، أو تفاصيلها، إنما يتحسس روحه حصراً، بل هو لا يجد نفسه إلا في المرئيات الطبيعية المعطاة للبصر قبل البصيرة. فبدلاً من أن يكون الوجود تجسيداً للشر، كما رآه معاصره شوبنهور، فإن وردزورث قد رأى فيه مصدراً للخير والسعادة المنبثقة من مسرات الجمال. وماكان لهذا كله أن يتم إلا بفضل الوجدان الدافئ الذي يؤسس ا لشطر الجيد من قصائد هذا الشاعر الكبير. وقد لا يعجز المتأني عن أن يلاحظ ما فحواه أن الشاعر يلوب ههنا على ما يجعل الحياة أصالة ونبلاً وطهراً، أو قل على ماهية من شأنها أن تولج الدهشة والحيوية إلى داخل التجربة الروحية المعيشة. وربما حالفني السداد إذا ما زعمت بأن الخلفية اللا شعورية لهذه القصيدة هي وحدة الوجود. فهي تعبير عن الالتحام بالكون، حتى لكأنها تمتّ بصلة إلى الأفلاطونية المحدثة التي ترى الإنسان بوصفه أخاً لجميع الكائنات الحية وغير الحية. وهذا يعني أنها سعي وراء العلاقة والبلوغ إلى الكائنات، أو لوبان على الاتصال في العمق؛ أو الوصول إلى مركز الأشياء قاطبة، حيث يرخم السمو الذي هو آخر بغية يبتغيها الإنسان. و يلوح لي أن هذا الاتجاه الحميم بالطبيعة هو صلة بالكلية أو باللامتناهي واللا محدود، حتى لكأن البذرة التي انبثقت منها القصيدة هي الرغبة في البلوغ إلى اللازمان، أو إلى حيث لا وجود للعدم بتاتاً، بل لا وجود لأي سلب مهما يك نوعه. ولهذا، قد يلاحظ المرء أن للقصيدة وجهاً أخلاقياً من شأنه أن يعلم الناس السمو والارتفاع بالروح إلى مستوى النظافة والقداسة. وعندي أن كل شعر حقيقي أو أصلي هو شيء وثيق الصلة بمناقب الأخلاق. ولقد جاءت لغتها خصيبة برزانة، وناجية من التعقيد والتجريد في معظم الحيان. ولعل من شأن هذا النقاء اللغوي أن يناسب حالة الطهر الروحي التي تؤسس الأرضية الخلفية للقصيدة، وأن تتجانس مع هدفها النهائي النبيل. ثانياً ـ القصيدة أبيات كُتبت على مبعدة بضعة أميال فوق ديرتنترن، وذلك لدى زيارة جديدة لضفاف نهر الواي خلال جولة سياحية في الثالث عشر من تموز سنة 1798. ـ 1 ـ مضت خمس سنوات، خمسة صيوف، وعلى مدى خمسة شتاءات، ومرة أخرى أسمع هذه المياه تتدحرج من ينابيعها الجبلية مصحوبة بخرير هادئ يجيء من جوف الأرض. ومن جديد أُبصر هذه الصخور الشاهقة المتحدرة التي تسبغ على المشهد البري المعزول أفكاراً عن عزلة أكثر عمقاً، وتلحم الأرض بهدأة السماء. هاقد جاء اليوم الذي أستكنّ فيه ههنا مرة ثانية، تحت هذه الجميزة، وأشاهد خطط هذه الأكواخ، وهذه الجنائن المشحونة بالجنى، أو بالفواكه الفجة، في هذا الفصل، يدثرها لوين أخضر، فتفقد نفسها بين الأيك والأحراج. ومرة أخرى أرى صفوف الأسيجة التي تكاد ألا تكون أسيجة، بل خطوطاً صغيرة من خشب مبهاج ينساب على نحو جامح. وها أناذا أشاهد أكاليل الدخان تنبعث بصمت من بين الأشجار، فلا تكاد العين تلحظها، تماماً مثل الرحّل المقيمين في الأحراج الخالية من البيوت، أو مثل دخان ينبعث من كهف ناسك يجلس وحيداً إلى جوار ناره المتقدة. ـ 2 ـ هذه الأشكال الجميلة، وخلال غياب طويل، لم تكن في نظري كما يكون المشهد الطبيعي لمقلة رجل أعمى، ولكنني في الغالب، سواء كنت وحيداً في غرفة، أو محاطاً بضوضاء المدن الكبرى والصغرى، قد اعتدت أن أحصل من تلك الأشكال، في ساعات الإنهاك، على مشاعر شديدة العذوبة، أشعر بها في دمي وفي فؤادي وتنتقل حتى إلى عقلي الأصفى، مصحوبة بالسكينة وهدأة البال، وبمشاعر أنتجتها مسرات منسيّة. وهي مسرات ربما كان لها أثر ليس بالتافه ولا بالطفيف على أفضل شطر من حياة رجل طيب، وعلى أفعاله الصغيرة المنسية والخاملة الذكر، والتي هي أفعال المحبة والحنان. وأحسبني مديناً لتلك الأشكال بمنحة أخرى أكثر سمواً، وهي ذلك المزاج المبارك الرزين الذي يجعل العواطف توجهنا برقة إلى أن تتعطل أنفاس هذا الإطار الجثماني، بل حتى تتوقف حركة الدم البشري، فينام الجسد ويصير نفساً حية، فتنظر إلى حياة الأشياء بعين هدّأتها قوة الانسجام وقوة البهجة العميقة. - 3 - ولئن كانت هذه عقيدة عابثة، فمع ذلك، آه ! كم مرة ـ في الظلام وبين الأشياء التي يكشفها ضوء الشمس العديم البهجة، وعندما يتحرك النكد بلا جداء، وتربض حمى العالم على خفقات فؤادي ـ كم مرة التفتّ إليك بالروح، يا نهر الواي الغابيّ، أنت يا جوّاب الأحراج، كم مرة التفتتْ إليك روحي! ـ 4 ـ والآن، ببوارق فكر نصف خابية، وتمييزات معتمة وخافتة، وحيرة حزينة إلى حد ما تنتعش صورة الذهن من جديد. وبينها أقف ههنا، ليس فقط بحس المتعة الراهنة، بل بأفكار مبهجة مفادها أنه في هذه اللحظة ثمة حياة وزوادة للسنين الآتية. ولهذا أراني أجرؤ على أن آمل، مع أنني قد تغيرت، دون ريب، عما كنت عليه حينما أتيت لأول مرة إلى وسط هذه التلال، عندما كنت كالظبي أطوف فوق الجبال، وعلى ضفاف الأنهار العميقة والجداول المعزولة، وحيثما قادتني الطبيعة؛ أشبه بامرئ يفر من شيء يخافه، وليس بمن ينقب عن شيء يهواه. ففي ذلك الحين كانت الطبيعة في نظري كل شيء تماماً. (لقد تصرمت مسرات صباي البدائية، وكذلك حركاتها الغريزية البهيجة.). ولست أملك أن أ رسم ماقد كنته يومئذ. فالشلال الهادر يسكنني كالهيام المشبوب. والصخرة الباذخة، والجبل، والحراج العميق المعتم، وألوانها وأشكالها، كانت في نظري تجسيداً للاشتهاء. وكانت شعوراً وعشقاً لا حاجة بهما إلى فتون أرقى ليستحضر لا العقل، ولا إلى أي رونق لا يستعار من مقلة العين. لقد ولى ذلك الزمن، وجميع مسراته الموجعة لم يعد لها وجود، وكذلك نشواته الثملة. ليس من أجل هذا الشيء الباهت أحزن أو أتذمر. فلقد تبعت ذلك أُعطيات أُخرى أحسبها كانت بمثابة تعويض سخي عن تلك الخسارة، فلقد تعلمت أن أنظر إلى الطبيعة، لا كما كنت أراها أيام الغناء العديم التفكير، بل أسمع في الغالب موسيقى الجنس البشري الساكنة الحزينة، لا جشاء ولا مزعجة، مع أنها وافراة القوة بحيث تملك أن تطهر وتسيطر. ولقد شعرت بحضور يهزني ببهجة الأفكار العالية. إنه حس راق بشيء ما مبثوث بعمق، أما مسكنه فهو الشموس الغاربة، والمحيط المستدير والهواء الحي، والسماء الزرقاء، وذهن الإنسان. إنه حركة وروح من شأنها أن تحرك جميع الأشياء المفكرة، وجميع موضوعات الفكر، وتنبت في الأشياء قاطبة. ولهذا، فإنني ما زلت عاشقاً للمروج والأحراج والجبال، ولكل ما نراه من هذه الكرة الأرضية الخضراء، ولجملة عالم العين والأذن الفاتن، سواء ما يخلقان حتى النصف أو ما يتلقيان، وإنني لمسرور لأنني أتعرف في الطبيعة واللغة على الحس بالمرساة التي ترسو عليها أنقى أفكاري، وأتعرف على المرضعة والمرشد وحارس فؤادي وجوهر كينونتي الأخلاقية بأسرها. ـ 5 ـ ولو لم أتعلم على هذا النحو، فربما تحتم عليَّ أن أقاسي تلفاً في مناقبي الأنيسة فها أنت ذي معي ههنا على ضفاف هذا النهر الجميل، أنت، يا أعز صديقة، يا صديقتي العزيزة العزيزة. وفي صوتك أبلغ إلى لغة فؤادي القديم، وأقرأ مسراتي الفائتة في الأنوار الدافقة من عينيك التواقتين. آه! أحتاج إلى هنيهة لأبصر فيك ما قد كنت ذات مرّة، يا أختي العزيزة العزيزة وإذ أقيم هذه الصلاة، أعلم أن الطبيعة لا تخذل الفؤاد المغرم بها. فمن خصائصها أنها طوال سنوات عمري بأسرها، تأخذ بأيدينا من فرح إلى فرح، فهي تملك أن تصوغ الذهن الراخم في داخلنا، وأن تشحنه بالسكينة والجمال، وأن تغذوه بالأفكار الراقية، فلا يعود في ميسور الألسن الشريرة، والأحكام المتهورة، وسخريات الأنانيين والتحيات الفقيرة إلى الإخلاص، وجميع أشكال الاتصال اليومي الموحش، أن تتغلب علينا بأي حال من الأحوال، أو أن تهز عقيدتنا الجذلى، والتي تتلخص بأن كل ما نرى مترع بالبركات. ولهذا، دعي القمر يسطع فوقك في نزهاتك الانفرادية، ولتكن الرياح الجبلية الضبابية طليقة في هبوبها عليك. وفي السنين الآتية، حينما ينضج هذا الوجد الجامح، وحين يصير ذهنك بهجة لأشكال الوسامة كلها، وذاكرتك موطناً لجميع الأصوات والألحان المفعمة بالعذوبة، آه! حينئذٍ، إذا تحتم عليك أن تكوني معزولة، أو أن يهيمن عليك الخوف أو الألم أو الحزن. فبأية أفكار شافية ومأهولة بالفرح اللطيف سوف تتذكرينني وتتذكرين نصائحي. ولئن تحتم علي أن أكون حيث لا أملك أن أسمع صوتك، ولا ألتقط من عينيك التواقتين بوارق وجودنا السالف، حينئذٍ قد لا تنسين أننا وقفنا معاً على ضفاف هذا الجدول المبهاج، وأنني، أنا المتعبد للطبيعة طوال زمن مديد، قد جئت إلى هنا غير متعب من عبادتي لها. بل إني لأعبدها بحب أكثر دفئاً ـ آه! بل بحماسة أكثر عمقاً، حماسة الحب الأقدس. ولعلك سوف لن تنسي يومئذ أنك بعد جولات كثيرة، وبعد سنين عديدة من الغياب، فإن هذه الأحراج المتحدرة والصخور الباذخة، وهذا المشهد البري الرعوي الأخضر، قد كانت غالية على فؤادي، من أجلها ومن أجلك أنت في آن واحد. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |