مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 131 صيف 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

مختــارات من شعر بوريس باسترناك ـــ ت.د.إبراهيم استنبولي

بوريس باسترناك‏

BORIS PASTERNAK‏

أن تعيش الحياة ـ ليس كما أن تعبر الدرب‏

كتبت الشاعرة الروسية الرائعة مارينا تسفيتاييفا: «... تأثير باسترناك يعادل تأثير النوم. نحن لا نفهمه. نحن نسقط فيه. نقع تحت تأثيره. نغرق فيه... نحن نفهم باسترناك كما تفهمنا الحيوانات..».‏

لقد وجدت أحداث مختلفة من القرن العشرين انعكاساً لها في إبداع باسترناك. كان مصيره صعباً للغاية، كما مصير الكثير من شعراء ذلك الجيل. لقد عاش فترات من النهوض، وأخرى من السقوط والإحباط، من الانكسارات والانتصارات... لذلك ربما كان الإبداع بالنسبة لباسترناك بمثابة المخرج والسبيل إلى النجاة، بل وربما طريقاً للهروب من الواقع السوفيتي المحيط به. كان الشاعر يؤكد باستمرار أهمية العمل المتواصل للقلب والعقل عند الأديب والفنان:‏

لا تنمْ، لا تنمْ، اشتغل،‏

لا تتوقف عن العمل،‏

لا تنم، حارب النعاس،‏

كما النجمة، كما الطيار.‏

لا تنم، لا تنم، أيها الفنان،‏

لا تستسلم للنوم.‏

أنت ـ رهينة الزمن،‏

أنت عند الخلود ـ أسير.‏

ولد بوريس ليونيدوفيتش باسترناك ـ الشاعر والكاتب والمترجم، في 10 شباط من عام 1890 في موسكو ابناً لعضو أكاديمية الفنون ليونيد باسترناك. لذلك كان محاطاً منذ طفولته بالموسيقى، بالفنانين والأدباء. وقد كانت الموسيقى من أولى اهتماماته حيث شغف بها جداً... فبتأثير الموسيقار الروسي الكبير سكريابين راح يدرس الموسيقى منذ سن الثالثة عشرة... ولكن بعد ست سنوات من الدروس المضنية هجرها إلى غير رجعة.‏

بعد تخرجه من الثانوية في عام 1909 انتسب إلى كلية الآداب والتاريخ في جامعة موسكو، وبرز لديه اهتمام كبير بالفلسفة.. ومن أجل زيادة معارفه الفلسفية وتطويرها، سافر في عام 1912 إلى ألمانيا، حيث تلقى دروساً في الفلسفة خلال فصل كامل في جامعة ماربورغ، ومن هناك قام برحلة إلى سويسرا وإيطاليا.‏

عاد إلى موسكو وأنهى دراسته الجامعية في عام 1913. بعد أن برد اهتمامه بالفلسفة، انغمس بالكامل في فن الشعر، الذي سيشكل لاحقاً المضمون الوحيد لكل حياته.‏

أصدر أولى مجموعاته الشعرية «توأم في الغيوم» 1914، «من فوق الحواجز» 1917.. وقد لوحظ التأثير الكبير لتيار الرمزية والمستقبلية futurism في شعره في تلك المرحلة.‏

كان باسترناك يقدِّر عالياً إبداع (بلوك) وموهبته الشعرية، إذ كان يرى في منظومته الشعرية «تلك الحرية في التعامل والتعاطي مع الحياة ومع الأشياء في هذه الدنيا، التي بدونها، أي الحرية، لا يمكن أن يكون هناك أي إبداع حقيقي وكبير».‏

في عام 1922 أصدر مجموعته الشعرية «أختي ـ أيتها الحياة»، التي وضعت الشاعر باسترناك على الفور في مصاف أساتذة الكلمة الشعرية المعاصرة. ومن هذه المجموعة انطلق باسترناك كظاهرة فريدة في عالم الشعر.‏

في العشرينيات من القرن الماضي اقترب باسترناك من التجمع الأدبي «Lef» (الجبهة اليسارية للفن), الذي أسسه ف. مايكوفسكي بالاشتراك مع ن.آسييف وأ. بريك وغيرهم. وقد كانت علاقته مع هذا الاتحاد الأدبي نتيجة الصداقة التي كانت تربطه مع مايكوفسكي... وقد انتهت علاقته بالتجمع في عام 1927.‏

خلال تلك الحقبة صدرت مجموعته الشعرية «مواضيع ومتغيرات» (1923)، وبدأ بكتابة رواية شعرية تدور حول حياته الشخصية وأنجزها في عام 1925. ثم كتب سلسلة شعرية بعنوان «المرض السامي»، روايات «عام 1905» و«الملازم شميدْت».‏

في عام 1928 ظهرت لديه فكرة العمل على موضوع نثري «صك الأمان» والذي أنهاه خلال عامين. وقد عدّ باسترناك عمله هذا «بمثابة مقتطفات من حياته بخصوص آرائه في الفن وماهية جذورها..».‏

في عام 1931 غادر إلى القفقاس جورجيا: وقد وجدت انطباعاته الجورجية انعكاساً لها في سلسلة من الأشعار باسم «الأمواج». هذه الأشعار صارت فيما بعد جزءاً من المجموعة الشعرية «الولادة الثاني»، وفيها يتوصل الشاعر إلى امتلاك البساطة الكلاسيكية للكلمة الشعرية.‏

في أعوام الثلاثينيات قلّ إنتاج الشاعر للأعمال المميزة.. لكنه أعطى اهتماماً كبيراً للترجمة، التي أصبحت ابتداء من عام 1934 منتظمة ومتواصلة حتى نهاية حياته (قام الشاعر بترجمة أعمال لشعراء من جورجيا، شكسبير، غوته، شيلر، ريلكه، فيرلين وغيرهم...).‏

قبل بداية الحرب الوطنية العظمى، في بداية عام 1941، تغلب الشاعر على الأزمة الإبداعية، وتبدأ لديه مرحلة جديدة من الصعود: كتب سلسلة أشعار «بيريديلكينو»(1).‏

قام في عام 1943 بجولة على الجبهة نتج عنها «في الجيش»، وأشعار «مقتل قناص», «اللوحة المنبعثة»، «الربيع»... هذه الأشعار دخلت فيما بعد كتاب «في القطارات المبكرة» وهو عبارة عن سلسلة أشعار كما هو الحال في «بيريديلكينو».‏

لقد استغرق باسترناك في كتابة رواية «دكتور جيفاغو» سنوات طويلة, وانتهى من كتابتها في نهاية الخمسينيات. نُشرت الرواية خارج الاتحاد السوفييتي السابق في عام 1958، ونال عليها جائزة نوبل للآداب. وقد سبب ذلك هجوماً حاداً وعنيفاً من قبل الجهات الرسمية ضد، الرواية والكاتب... وتم طرد باسترناك من اتحاد كتاب الاتحاد السوفييتي. ونتيجة للحملات المسعورة ضده اضطر الكاتب إلى رفض الجائزة. وقد كان لهذه القصة أثر سلبي كبير عليه كشاعر وكاتب، وساعدت على تقليص سنوات عمره:‏

لقد ضعتُ، كما الوحش في زريبة.‏

في مكان ما ـ بشر، ضوء وقرار،‏

من خلفي صخب المطاردة،‏

وليس من طريق أمامي للخروج.‏

لكنني، وعند حافة القبر،‏

واثق أنه سيأتي زمن ـ‏

تتغلب فيه روح الخير‏

على قوة الشر والرذيلة.‏

أعيد الاعتبار للشاعر والكاتب في عام 1987.. وتمت طباعة الرواية في روسيا في عام 1988 في مجلة «العالم الجديد». تؤكد الأبيات التي ينطق بها البطل يوري جيفاغو في نهاية الرواية على الحماسة الأخلاقية الفلسفية لمؤلف الرواية. فالرواية تحكي عن أحداث الثورة والحرب الأهلية، عن مصير أولئك الناس، الذين قُذِفَ بهم إلى خضم العنف والقسوة الثورية باسم الثورة والدفاع عنها.‏

في عام 1956 ـ 1959 ظهرت المجموعة الأخيرة من أشعار باسترناك «عندما يطيب اللهو».‏

في عام 1960 توفي الشاعر بعد معاناة طويلة مع المرض (سرطان الرئة) وذلك في 30 أيار من عام 1960.‏

من قصيدة «تعريف الشعر»:‏

هو ـ صفيرٌ حادٌ يملأ المكان،‏

هو ـ خشخشةٌ لقِطعِ جليدٍ تتكسرْ،‏

هو ـ ليل يُجمِّدُ الورقَ الأخضرْ,‏

هو ـ مبارزةٌ بين بُلْبلَين.‏

* ـ هاملت‏

[ من كتاب "دكتور جيفاغو ]‏

هَمَد الدويُّ.‏

خرجتُ إلى المنصة.‏

مستنداً إلى قائمة الباب،‏

رحت ألتقط بعيداً في الصدى،‏

ما سوف يحدث في عصري.‏

عتمة الليلِ مصوَّبة إليّ‏

بقوةِ ألفِ مكبّرٍ في المحور.‏

إذا كان بإمكانك، Avva Otche،‏

فاعفني من هذه الكأس.‏

أنا أحبُّ قصدَك الجموح،‏

وموافق أن ألعب الدور.‏

لكن دراما أخرى تجري الآن،‏

لذلك اطردني هذه المرة.‏

غير أن ترتيب الفصول مُقررٌ،‏

ونهاية الدربِ حتمية.‏

أنا وحيدٌ، كلُّ شيءٍ يغرقُ في الرياء.‏

أن تعيش الحياة ـ ليس كما أن تعبرَ الدرب.‏

II‏

* ـ إلى آنّا آخماتوفا‏

يبدو لي، أنني سأنتقي كلمات،‏

تشبه تكوينكِ الأول.‏

لا فرق عندي ـ إن أخطأت،‏

فأنا لن أتخلص من عادتي أن أخطئ.‏

إني أسمع أصوات السطوح المبلولة،‏

والضربات المنتقاة للنقش على الخشب.‏

ومدينة ما، معروفة من الأحرف الأولى،‏

تنمو وتتردد في كل مقطع.‏

الربيع من حولنا، لكن‏

الخروج من المدينة ممنوع.‏

ما زالت الزبونة البخيلة قاسية.‏

العينان تدمعان من التطريز على ضوء القنديل،‏

ينهض الفجر، ولا يستقيم الظهر.‏

تتنفس رحابات لادوج(2) الملساء‏

تسرع إلى الماء، مستسلمة لوهن قوتها.‏

لا فائدة من تلك المشاوير.‏

فالقنوات تفوح برائحة فاسدة من المجارير.‏

فيها يغطس، كما الجوز الفارغ،‏

الهواء الساخن وهو يهزّ أجفان‏

الأغصان، والنجوم، والمصابيح، والعصور،‏

وخياطة البياضات وهي تنظر‏

في البعيد من فوق الجسر.‏

قد تكون للنظرة حدة مختلفة.‏

قد يختلف وضوح الصورة.‏

لكن الذي يحلّ أقسى القلاع ـ‏

رحابٌ ليليٌّ تحت نظر ليلةٍ بيضاء.‏

هكذا أتخيل نظرتك وخيالك.‏

هو بالنسبة لي مهيبٌ‏

ليس بسبب عمود الملح ذاك،‏

الذي به أنتِ منذ خمس سنوات‏

قتلتِ الخوفَ من الهرب إلى القافية.‏

لكن، انطلاقاً، من كتبكِ الأولى،‏

حيث نَمَتْ حبات النثر الثاقب،‏

هو في كل شيء، كما الشرارة الدليل،‏

يُجبر على محاربة ما كان من أحداث.‏

1929‏

* * *‏

III‏

* ـ إلى مارينا تسفيتاييفا‏

كئيباً يطولُ يومٌ ماطر.‏

بلا عزاء تسيلُ جداول‏

على الجناح فوق باب المدخل‏

وعبر نوافذي المفتوحة.‏

خلفَ السياجِ بمحاذاة الشارع‏

تنغمر الحديقة العامة.‏

والغيوم تتمدد عشوائياً،‏

مُستلقيةً، كالدب في وجار.‏

يلوحُ لي كتابٌ في اليوم الغائم‏

عن الأرض وجمالها.‏

لكِ، على الورقة الأولى‏

أرسم «جنّية» الغابة.‏

آه، مارينا، حانَ من زمن بعيد،‏

وهو ليس بالعمل الشاق،‏

أن ينقل جثمانك المهمل‏

من ايلابوغ(3) مع موسيقى القداس الجنائزي.‏

لقد ابتكرتُ الاحتفالَ بنقلك‏

في العام الماضي وأنا‏

على ثلجِ نهرٍ متجمدٍ، حيث‏

الزوارقُ تمضي الشتاء.‏

ما زال صعباً عليَّ حتى الآن‏

أن أتخيلك ميتة.‏

كمليونيرة مُقتَّصِدة‏

وسط أخواتها الجائعات.‏

ماذا علي أن أفعل لأجلك؟‏

أخبريني كيفما كان‏

فأن ترحلين بصمت‏

ما هو سوى عتبٌ غير معلن.‏

الفقدان دوماً ملغز.‏

إني أعاني دون جدوى‏

في البحث عبثاً عن جواب:‏

ليس من ظلٍّ للموت.‏

هنا كل شيء ـ نصف كلمة‏

وظلال، أعراسٌ‏

وخداعٌ للذات،‏

من خلال الإيمان في البعث‏

فقط يوجد مؤشر ما.‏

الشتاء ـ كوليمة تأبين فاخرة:‏

أن تخرج من المأوى،‏

من أجل بعض الخبز لأجل الليل،‏

وأن تبلّه بالخمر ـ هو الدفء.‏

هناك أمام البيت، في الكثيب الثلجي‏

شجرة تفاح.‏

المدينة يلفها الثلج ـ‏

والشاهد الكبير على قبرك‏

قد تراءى لي طيلة العام.‏

وقد أدرتِ وجهكِ للرب،‏

تنشدين لقاءه من الأرض،‏

كما في تلك الأيام، حين لم يعلنوا‏

لكِ الحساب عليها بعدْ.‏

* * *‏

1943‏

(1) بيريديلكينو ـ منطقة في ضواحي موسكو... عبارة عن بلدة مؤلفة من عدد من البيوت ـ نظام فيلات.. حيث يوجد بيت الإبداع لاتحاد كتاب الاتحاد السوفييتي سابقاً، وحالياً هناك تقع متاحف عدد من الأدباء والفنانين بمن فيهم بوريس باسترناك. ومن بين الأدباء السوفييت والروس المعروفين الذين عاشوا هناك نذكر إلف Eilf وبتروف، بابل وباختين، سيمونوف ويفتوشينكو، اكودجافا واخمادولينا ـ المترجم.‏

(2) المقصود مجحموعة بحيرات لادوج في نواحي بطرسبورغ.. المترجم.‏

(3) ايلابوغ: مدينة في جمهورية تاتارستان الروسية ذات الحكم الذاتي... أسست عام 1780.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244