|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
أيدي السود (قصة من موزامبيق) ـــ لويس برناردو أونغانا ـ ت.شوكت يوسف (لويس برناردو أونفانا) كاتب موزابيقي معروف ولد عام 1942. صدرت مجموعته القصصية الأولى بعنوان "نحن نقتل الكلب الأجرب" عام 1964. أونفانا رئيس منظمة الصحفيين الوطنية، عضو قيادة رابطة الكتاب الموزامبيقيين، وسكرتير حكومي لشؤون الثقافة في بلاده. ما عدتُ أذكر المناسبة ولا متى على وجه الدقة، لكن السيد(1) المعلم قال ذات مرة إن راحات أكفّ الناس السود أو الزنوج أقل سواداً أو أكثر بياضاً من سائر أجزاء أجسادهم، لأن أسلافهم، قبل قرون عديدة، كانوا يدرجون، كما الحيوانات، على أربع، ولذا لم تتعرض أكفّهم للشمس التي سوّدت أشعتها بالمقابل أجسادهم. تذكرت هذا الأمر عندما قال لنا السيد الكاهن بعد قراءة «كتاب تعليم أصول الدين» إننا جميعاً لم نعد ننفع في شيء وإن السود في الماضي كانوا أفضل بكثير من الآن. وذكر آنئذ الأكف الكاشفة اللون التي صارت على ما هي عليه لأن السود في الأزمنة الماضية، كانوا أكثر خضوعاً وخشوعاً، وإيماناً شابكين أيديهم على صدورهم دوماً من أجل الصلاة. بدت لي هذه القصص حول أكفّنا طريفة، حتى رحتُ أطرح هذا السؤال على كل ما يمكن أن يقول لي شيئاً جديداً حول ذلك. (دونا دوريس)، على سبيل المثال، قالت إن الله خلق الأكف كاشفة هكذا كي لا يتلوث الطعام الذي يحضّره السود لأسيادهم وكي تبقى نظيفة، كما يجب، الأشياء الأخرى التي تلمسها أيديهم. أما السيد (أنطونيش كوكا ـ كولا) الذي لا يخرج من حانوته إلى شوارع القرية إلا بعد أن يبيع كل عبوات الكوكا ـ كولا المتوافرة لديه، فأخبرني بأن كل هذه التفسيرات هراء ولا قيمة لها. طبعاً، في البداية لم أوافقه الرأي، لكنه سعى جهده لإقناعي بوجهة نظره. وبعد حين عندما اعترفت له بقبول رأيه، روى لي كل ما عرفه عن أيدي السود كما يلي: ـ في قديم الزمان، قبل سنوات موغلة في القدم اجتمع الرب، ويسوع المسيح، ومريم العذراء، والقديس بطرس، وكثير من الملائكة والقديسين الآخرين، إضافة إلى الأموات الذين ارتفعوا إلى السماء وقرروا جميعاً خلق الناس السود. هل تعلم كيف حصل ذلك؟ تناولوا صلصالاً وصنعوا منه أشكالاً آدمية، ثم رفعوها لشيّها في الموقدة السماوية كما يجب. لكن نظراً لأن القديسين كانوا في عجلة من أمرهم، وحجم الموقدة لا يتسع لكثيرين دفعة واحدة لإتمام العملية فقد علق كثيرون فترة طويلة في أنابيب المداخن بانتظام دورهم. في هذه الأثناء تكاثف الدخان المتصاعد أكثر فأكثر، واسودّ كما الفحم كل من كان في هذه الأنابيب. أما الآن فلا شك في أنك تريد معرفة سبب بقاء أكفهم كاشفة اللون. طبعاً أثناء شيّ الصلصال على النار صار الجو حاراً وخانقاً، وهذا ما دفع كلاً منهم للتشبث بأخيه، وبهذا الشكل نجت أكفهم من السواد. هنا ضحك السيد أنطونيش وكذلك الآخرون الذين تحلقوا حولنا لسماع هذه الرواية. في ذلك اليوم ذاته، وبعد أن ذهب السيد أنطونيش ناداني السيد (فرانش)، وقال لي إن كل ما سمعتَه هنا فاغراً فاك من الدهشة محض هراء. فالقضية، في حقيقة الأمر، غير ذلك تماماً ـ هو وحده يعرفها وهي على النحو التالي: عندما فرغ الإله من خلق البشر أرسلهم للاستحمام في البحيرة السماوية، وبعد الاستحمام أصبحوا بيض البشرة. لكن ذلك حدث عند بزوغ الفجر، وفي ذلك الوقت كان ماء البحيرة بارداً جداً. وهكذا لم يجرؤ بعض الناس على الاستحمام في عمق البحيرة، بل اكتفوا بغسل أيديهم وأقدامهم قبل أن يرتدوا ثيابهم وينزلوا إلى الأرض. لكني قرأت أيضاً كتاباً أشير فيه عرضاً على أن أكف الناس السود بقيت كاشفة اللون، لأنهم عاشوا زمناً طويلاً محنيين يجمعون القطن الأبيض في الحقول. لم توافق (دونا ستيفانيا) على هذا الرأي، ورأت أن الأكف قد ابيضّت قليلاً لكثرة ما غُسلت بالماء والصابون. في نهاية الأمر صرتُ في حيرة بعد كل ما سمعته. فأيدي الناس السود حقيقةً ـ وحتى تلك العجفاء المتغضنة ـ أكثر بياضاً من سائر أجزاء الجسم الأخرى. تلك الحقيقة لا جدال فيها! أخيراً وحدها أمي قالت الحقيقة بخصوص أيدي الناس السود ولونها. في ذلك اليوم عندما جرى الحديث بيننا عن ذلك رويتُ لها كل ما سمعته من قصص فضحكت وضحكت.. ولم تجب على سؤالي آنئذ. وعندما ألححتُ بالسؤال ورأت أني مصرٌ على معرفة رأيها عاودها الضحك من جديد حتى سالت دموعها. ثم حكتْ لي ما يلي: ـ خلق الله السود لأن ذلك كان ضرورياً. كانت تلك ضرورة لا بد منها يا بنيّ... بعدئذ ندم الرب على ما فعل لأن الناس الآخرين صاروا يسخرون منهم، يتخذونهم خدماً في بيوتهم، عبيداً وأرقاء... لكن لم يعد بوسعه فعل شيء من أجل جعل جميع الناس بيض البشرة، لأن الناس البيض اعتادوا على استرقاق السود، استمرؤوا خضوعهم ولم يوافقوا على الامتناع عن ذلك. عندها قرّر الرب جعل راحات أكف السود كسواها لدى الناس الآخرين. هل تعرف لماذا؟ واضحٌ أن لا تعرف، ولا غرابة في ذلك، إذ كثيرون لا يعرفون أيضاً. فعل الرب ما فعل ليدل على أن كل ما يفعله الناس إنما هو، في المقام الأول، فعل بشر، فعل أيدٍ واحدة ـ أيدي بشر عليهم أن يفهموا أنهم قبل كل شيء بشر. يجب أن يفهموا أن أيدي السود هي تماماً كأيدي أولئك الفرحين بكونهم بيضاً لا سوداً. روتْ أمي لي ذلك وقبّلت راحة يدي. أما أنا فعدوتُ راكضاً إلى باحة الدار للعب بالكرة مستذكراً أني لم أشهد في إنساناً بكى هكذا دونما سبب ظاهر كما بكتْ أمي. (1) يُقصد بكلمة «السيد» هنا وفيما سيلي المستعمر الأبيض. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |