مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 131 صيف 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الفاّر El desertor ـــ خوسيّه ماريّا ميرينو ـ ت.علي إبراهيم أشقر

خوسيّه ماريّا ميرينو(1) Jos Mara Merino‏

الفارّ El desertor‏

الحبّ شيء خاصّ جدّاً، لذلك لم تشعر بأيّ خوف لمّا رأتِ الخَيَال قرب الباب مضاءً بسنا القمر، الذي كان يُضفي عليه بسبب شحّ ضوئه تحديداً، مظهر بقعة كبيرة مسطّحة بشعة. لقد علمتْ أنه قد عاد إلى البيت. وكانت عذوبة ليلة سان خوان(2) والسماء الشفّافة، ورائحة العشب الطريّة، وخرير الماء، وغناء العنادل تعيد التوازن إلى خير ما في طبيعتها إزاء الحضور المستردّ.‏

لقد كان مضى على الحياة الزوجية خمسة أشهر تقريباً لمّا انفجرت الحرب، فاستُدعي إليها؛ وكانت هي تعرف تذبذبات الجبهة من خلال السطور في تلك الرسائل القصيرة الملأى بالشطبات. لكنّ الرسائل التي كانت تشير في البداية، وإن بشكل غامض، إلى الأحداث والمشاهد، أخذت تقتصر أكثر فأكثر على التعبير البسيط عن النوستالجيا وعن رغباته في العودة؛ وصارت ترد من غير تشطيب مشبعةً بشوق معبّر عنه بشكل جدّ زهيد حتى كان يدفعها ذلك إلى البكاء كلّما قرأتها.‏

لم تكن حينئذ جدّ وحيدة، إنما كانت أمّه ما تزال تقطن معها. والعجوز وإن تكن مريضة جدّاً، كانت ترافقها بحضورها البسيط مهتمةً بأعمال صغيرة، أو بالأحاديث اليومية في التعليق على رسائله، وعن أخبار الحرب الغامضة. وبعد عام ماتت، فقد وُجدت على مقعد المطبخ ذاته وعنقودُ عنب في حضنها، وحبّة منه بين أصابع يدها اليمنى. وقد عرفت من رسالة أخرى من زوجها أن رؤساءه لم يروا ملائماً إعطاءه إجازةً لمّا وصله خبر وفاة أمّه، لأن عملية الدفن قد كانت تمّت منذ مدّة من الوقت.‏

ظلّت وحيدة في البيت صامتة معظم اليوم، إلا إذا ذهبت إلى بيت أختها لعقد محادثة قصيرة في قرية صامتة أيضاً، قرية كان يغيب عنها الفتيانُ والشبان المتزوّجون، وكانت تعيش هذا الغياب بعزيمة ذاهلة.‏

كانت تُغرق نفسها في أشغالٍ بإرادةٍ قويّة للنسيان، وهكذا كانت تؤدّي أعمالها اليومية بتوقيتٍ دقيق صار، بدءاً من تنظيف المطبخ والمغسل والإسطبلات ودورات أعمال الحقل المتتابعة من حصاد ونقل الأعشاب، وتعزيق الخضار، وتحضين الأشجار المثمرة وهرس الجاودار. هي وإن كانت تغرق في اللحظة الآنيّة التي ربما كانت تتطلب منها إضافة إلى الجهد الجسدي إيقاعاً خاصاً، فقد كانت تحسب غيابه حلمَ يقظة غائماً غير واقعي تماماً، وأنها ستخرج منه في استيقاظ وشيك.‏

لكن الزمن كان يمضي والحرب ما كانت تنتهي، حرب ما كانت تعرف أسبابها جيّداً جداً، وإنما كان الخوري يخاطبهم من منبره عن العدو كشرّ شيطاني مخيف ومُعدٍ كالوباء. وها قد كفّت الحرب والعدو عن أي يُشار إليهما إشارة حقيقة، وكأن المجهود الحربي كان هدفه الدفاع باستماتة لصد اجتياحٍ تقوم به كائنات مرعبة قادمة من بلد ما بعيد ومشؤوم، حتى أن مُريئة صاحت بمناسبة عبور قافلةٍ من الأسرى للقرية، وخروج الجيران لرؤيتهم بفضول حاد، صيحةً غريبة مبدية خيبة دهشتها إذْ تحققت أن الأعداء لا يظهرون بالمظهر الذي جعلهم يتخيّلونه ذمُّ الخوري لهم، وأخبارٌ أخرى عنهم:‏

ـ ليس لهم ذَنَب!‏

لم يكن لهم ذَنَب ولا أظلاف ولا قرون؛ بل كانوا بشراً محزونين قاتمي الوجوه، يرتدون معاطف قذرةً وسترات مهترئة، ويعتمرون قبعات جبلية وسيدارات عسكرية؛ وكانت لحاهم جميعاً تقريباً نامية على وجوههم الضامرة، وإن كانت تظهر خدود بعض الفتيان نظيفة حليقة.‏

أما هي، فقد جلبت إلى ذهنها رؤيةُ هؤلاء الجنود المُقموعين صورة زوجها ذاته الذي ربما يكون محمولاً في هذه اللحظات أيضاً على شاحنة مزدحمة، ومنكمشاً على نفسه تحت معطفه الرمادي، حتى حسبت أنها تعرفت في وجوه بعض منهم، إلى الوجه المحبوب. وغرقت في اضطراب مفاجئ ملأها بالقلق.‏

مضى الزمن وانقضى عام آخر، وما تزال القرية تفقد بشراً، ولم يبقَ فيها آخر الأمر غيرُ الأطفال والنساء والعجائز، وكفّت السهرات عن أن تكون مناسبة مفرحة لقصّ أساطير وتذكّر أحداث، وإنما صارت مدعاة للصلوات فحسب. وكانت سبحات وأوراد وصلوات تساعية وقداديس تشغل ساعات التواصل الجماعي.‏

لمّا حلّت ليلة سان خوان ما كانوا ينوون أن يتذكروا الزمن الذي كان فيه الشبّان مع ملكهم يوقدون ناراً كبيرة في الساحة. وجلبت النار الناس الذين تحلّقوا حولها. كانت ليلة صافية حارة من غير هبة ريح.‏

كان الأطفال يصيحون حول النار عند حدّ الوهج المستعر، وتذكّر الكبار فتيانهم لما كانوا يملؤون بالضوضاء والفوضى ليالي أُخَر من سان خوان. أما تلك الليلة فكانوا يحنّون إلى ما كان الشبان هنا يقبلونه بمزيج مُلزم من التسامح والاستياء الذي يجلبه الخضوع لطقس لا محيد عنه، وكأنّ جانباً من حياتهم قد بُتر منهم.‏

وما كانت توجد ضرورة ذلك العام ولا العام الفائت إلى حراسة البيض والذبائح والحلل، فلن يأتي أحد خَلْسة في الليل ليسرقها، ولن يطمس أحد الدروب، ولن يدنّس جذوة النار أحد. فقد خلت القرية من الشبان، وكان نفسُ الليل الحلو يضفي كآبة خاصة على تلك الحقيقة التي زادت ألماً بسبب الظروف الباعثة عليها.‏

وتفكّك اللقاء المرتجل لمّا انطفأت نار الحريق. فانصرفت هي إلى بيت أختها، وحيّت عائلتها بسرعة وذهبت إلى بيتها. حينئذ رأت الخيال قرب الباب. وإذْ تعرّفت إليه في الحال، شرعت تركض وعانقته بكلّ قواها.‏

كان قد تغيّر. فصار أكثر نحولاً وأشد شحوباً، واكتسب في حركاته نوعاً من البطء جلياً. وعلمت أنه فارّ. فقد كان دخل المشفى عقِب جرح بانفجار قنبلة يدوية، ولما تماثل للشفاء، واستعاد قواه صمم على الهرب، والعودة إلى البيت؛ وكان هرباً مرهقاً دام أسبوعاً، لكن، ها هو ذا يقف هنا صامتاً باسماً.‏

كان عليها أن تلتزم أتمّ الحذر. فأخفت فرحها واستمرّت تعيش حياتها المعتادة؛ وكان هو يختبئ في مكان ما من البيت خلال ساعات النهار، حتى إذا جاء الليل وستر الظلام كلّ شيء، كانا يخرجان إلى الجُنينة، ويجلسان جنباً إلى جنب، وهما يشعران بخفق النجوم المرتعشة، ووشوشة النهر، وبالعصافير تتنادى وسط أغصان غير منظورة.‏

واستعادت بين ذراعيه طعم أوقات الزواج الأولى، وشكوى القبلات والعناق الأخير. وإذْ كان الحبّ شيئاً خاصاً جدّاً فقد انتقلت إلى مقام ثانوي جداً المشاكلُ كلها سواء أكانت الحرب أم الجهد الفردي الذي كان يتضاعف في أعمال كثيرة، أم المبادلات المعقدة للحصول على كل ما هو ضروري من أجل حياة منتظمة.‏

وكان همها الوحيد الآن ألا يُكشف أمره؛ لكنها لما عادت ذات مساء مع حمولة من الحطب، وجدت الحرس في بيتها؛ وإذْ كانوا يحملون بلاغاً بسبب الفرار الذي ربما أُفصح عن وجهته كما يبدو وسط كوابيس الحمى في المشفى، فتشوا البيت. هم وإن كانوا غير قادرين على العثور عليه، فقد غمرتها تلك الزيارة غير المنتظرة بالقلق، لمّا فكرت أنهم ربما اكتشفوه ذات يوم، وقادوه مرةً أخرى فيُعاقب على هربه ربما بالموت.‏

وهكذا انقضى الصيف بين حلاوات وجوده في البيت ونوبات مخاوفها. وكانت تشرع أحياناً في الغناء من غير وعي منها. كانت القرية الصامتة الحزينة تستقبل موقفها بدهشة فيها اضطراب.‏

مع ذلك، كان شعور غريب يجعلها تستيقظ منتصف الليل، على إحساسها به إلى جانبها؛ فقد كان يعبر مخيّلتها قطيعٌ مشتت من المخاوف المضطربة، وكأنما المستقبل قد خُطّ وتمّت فيه كل أصناف الفأل المشؤومة.‏

ولم يكن إلى جانبها لما استيقظت في اليوم الأول من أيلول. كان يوماً قاتماً يفوح برائحة الرطوبة. فبحثت عنه في البيت وفي الحظيرة، لكنها لم تستطع أن تعثر عليه. وأثار فيها ذلك الغياب الذي أعاد إليها صورة الوحدة الطويلة هاجساً مخيفاً.‏

وعند صلاة العصر رأت الحرس قادمين، وكانت شرعت تمطر بقوة أشد حتى تغطّت معاطفهم المطرية بالماء.‏

لقد عثروا عليه. كان في قمة الهضبة بين الصخور وذراعاه مبسوطتان ليطلّ برأسه أقصى ما يمكن باتجاه القرية. لا ريب أن الجرح قد انفتح مرة أخرى في طريق الفرار الطويل. كان جسمه جافاً كسِلخ أفعى؛ وكان الحرس يقولون إنه قضى نحبه منذ ليلة سان خوان على الأقل.‏

(1) كاتب إسباني معاصر. وُلد في لاكورونيا عام 1941. بدأ كتابة الشعر، لكنه عُرف روائياً لمّا صدرت روايته: قصة آندرس تشوث عام 1976. من مؤلفاته: الحلة الذهبية ـ المسافر الضائع ـ أرض الزمن المفقود ـ الضِّفّة المظلمة ـ دموع الشمس ـ قصص مملكة السر، ومنها أُخذت هذه القصة ـ المترجم.‏

(2) هي ليلة 24 حزيران ـ المترجم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244