مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 131 صيف 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

موارد غير بشرية ـــ كريستيان برغزول ـ ت.عدنان محمود محمد

مسابقة القصة القصيرة في باراي لومونيال‏

السنة السادسة‏

الجائزة الثانية‏

تأليف كريستيان برغزول‏

عندما يتقمّص الإنسان لا يختار نقطة سقوط روحه. فقد يقرّر "أحدٌ ما" وهو يزن، كإله مصري، الثقلَ المَعيش من الخير ومن الشر. ولكني لا أتذكّر شيئاً يمكنه أن يبرّر حياتي كثقّالة ورق. أنا لا أذكر شيئاً، طبعاً لأني مجرّدٌ من اللحم والدماغ.‏

ربما بقي لي من أصلي حرق القالب القاسي الذي خرجتُ منه. قاسٍ؟ كلمة تترجّع في داخلي. أيَّ قالب اجتماعي، نفسي، إثني عرفت؟ قبل أن أكون خليطةً، هل كنتُ أولياً، بدائياً، عنصراً بدئياً: أم أخيراً، أخيراً في قائمة العار؟‏

بعد أن وُلدتُ من النحاس والتوتياء المُذابين، غالباً ما أفكّر بخرقة الصوف التي لمّعتني أولَ مرة. وعن أي رفٍّ اختارني أبوه أرتور؟ فأنا لم أعد أعرف اسم بائع الطرائف. كنتُ هدية عيد ميلاد، العيد السابع، عيد العقل.‏

كرهته منذ اللحظة الأولى: غالباً ما تكون الكراهية جامعةً بين الخوف والاشمئزاز. وكان هذا الصبي الصغير يوحي لي بهذين الشعورَين معاً. كان وجهه شبيهاً بكيس عظامٍ صدمته قبضةٌ منحرفةٌ قبل انغلاق يافوخه: الذقن، والوجنتان وقوساً الحاجبين البارزين بعيداً خارج التناسب واللذان يضعان العينين الرماديتين والباردتين والثابتتين والحسيرتان في حفرة، وتُحيط بهما كميةٌ ضئيلة جداً من اللحم.‏

ما إن أَمسك بي بيديه النحيلتين، حتى أحسستُ بمرارة كلمات شكره، وحموضة ابتساماته المعسولة. لا ريب في أن هذا الصبي كان عقرباً في عالمٍ لابدّ أني تعرّضتُ لمسّه فيه. وهذا الأرتور المسكين الذي يحسب نفسه محبوباً! الكراهية، كالزنجار، تمّحي. ولكنها ما تلبث أن تنبجس من جديد بعد قليل.‏

كنتُ كرةً كاملةً ملتصقة بطرف ذراعٍ من الرخام الأسود، متجمّداً في حركة جميلة شبيهة تقريباً بحركة رفع الخبز المقدّس، أو على الأقل، كنتُ كغنيمة النصر: كان أرتور يفكّر بأني أوحي بلعبة الجلة أو كرة القدم أو البلياردو.‏

لكنه كان يجهل أن ابنه الوحيد رأى فيَّ تجسيداً لطموحاته كلها.‏

سرعان ما لاحظ أوليفييه أن الأصابع التي تشكّل قاعدتي شبيهةٌ بأصابع يده اليمنى، وأن الكرة التي أسكنتُ فيها روحي شبيهةٌ بالكرة الأرضية. كان قد حسد شابلن، وسمع هتلر وصفّق لأحد خطاباته،‏

وتلقّى من والده النقابي صفعةً قوية، دون أن يفهمها. في تلك السنة، سنة الحرب المضحكة، كنتُ أبلور في شبكة ذراتي المتّحدة كلَّ التعطّش للقوة الذي لم يكن أوليفييه يستطيع التعبير عنه وهو يُبدي إعجابه رسمياً بديكتاتور.‏

كانت طفولة مالكي ضيقةً كأكتافه وكأفقه: ثقّلتُ دفاتره الأولى، كسّرتُ أعواد حطبه الجميلة، مسّدتُ رسومه المليئة بالزوايا والألوان الغامقة، وكوّمتُ علاماته القليلة الجيدة. قمتُ بسحق الأشكال التي كان يريد صنعها من المعجون، جُعولاً مأسورة، أو حتى ذيل (خـُلْد)(1) كان هديةَ عيد ميلادٍ مثلي: كان أوليفييه يريد أن يصيح هذا القارضُ من الألم.‏

بدلاً من الريش على الأماكن الغليظة أو الدقيقة، كان جان يستهلك كثيراً من الوقت، وقليلاً ما يستخدم يديه أو رأسه، في تتبّع أبيه في القاطرات. الموزييه يعيش من المستودع، منذ ثلاثة أجيال: كان خبث الفحم الحجري والبخار والشحم ضروريةً كلها للتنفّس الكبريتي لآخر قاطرة تمثّل هذا النوع.‏

كبر أوليفييه، أو بالأحرى، أكّد أنه وُلد مكتملاً، وقد أذبلته من الداخل الرغبات المظلمة. كنتُ أعرف بأية استدارات كان يفكّر عندما يداعبني. فهو، النحيل جداً، كان قد رضع من ثديي أمٍ سمينة فطمته باكراً جداً بسبب الدمامل. وعندما نضب الحليب، نضب الحب أيضاً، هذا ما كنتُ أفترضه على الأقل، بما أنني لم أصل إلى غبار البيت وقذارته إلا متأخّراً. لم تكن هذه الأم الرخوة تهتمّ كثيراً بهذا الابن الوحيد إلا عندما يشكو من الجوارب المحتاجة إلى ترقيع، ومن مفاتيح بيت العطلة، ومن البراغيث في شعره الملبّد. منذ ولادته، كان شعره القليل والجاف والقاسي والمعاند للمشط يجتذب الهوامّ. كان ينمو، ولكن كنبتةٍ سيئة التغذية وغير متناسبة، وينضج كثمرةٍ سيئة التكوين، وكان قاسياً كأبيه الأشعث على حاجز عام 1968، وانتهى به الأمر حليقاً مع الأمر الجديد، مستعداً دائماً للميل إلى حيث ينمو الأخضر، غير وفيّ لأية قضية ولأي هوىً ولأية موضة ولأية أيديولوجية، ولم يكن يؤمن إلا بنفسه، في السن التي كان فيها الآخرون يؤمنون، بسذاجة، بغدٍ أفضل.‏

كان محباً للمتع، فاتّبع سياسةً في التقلّب انساقت إليها نساءٌ تافهات تائهات. وكان قاسي القلب، متقلّباً، لا يهتم إلا بمستقبله.‏

ومن فرط بحثه عن بدائل أمومية لتلك المرأة الخمولة التي لم تكن تعيره إلا لا مبالاة كسولة، انتهى به الأمر بالزواج من البنت الثانية لكاتب محكمة وكانت سمينة وغنية، كانت قد أعجبتها مجاملاته المفرطة. وكما كان يجب عليه أن يعيش، اقتفى، مصعِّداً عقدة أوديب لديه، أثر أرتور في الخطوط الحديدية، قبل أن يصل إلى حد سن الوظيفة تماماً.‏

عندما وجدني، مختبئةً تحت أثقالٍ من الكتب، المحمّلة بألعابٍ مهجورة، تفاقمت كراهيتي: وضعني في خدمته كما كان هو في خدمة طموحه.‏

بأي سحرٍ استطاع أن يجتاز الحزام المشكَّل من أفراد الميليشيا الذي يزنّر البناء؟ وبأية خطة استطاع أن يُذهل الحرس الأقرب من السكرتيرات؟ كان أوليفييه ما يزال يتساءل، حين حرّك الرجل ذراعيه لكي يُطفئ المصباح، دون أن يستخدم القاطع، هكذا، بخفقٍ بسيط من ذراعيه، كما لو أنهما كانتا جناحين ليليين على شمعة.‏

وتجمّد كل شيء. وأوليفييه نفسه، لم يُبدِ حراكاً ، إذ كان مذهولاً تماماً، متوازناً على قدمٍ واحدة، بين الباب والمكتب.‏

تصاعد صوت الساحر، وكأنه يتمتم، يصفر عبر الجدران، ثم انحدر كهدير إلى أعماق الوعي، وبضغط بصراخ أجش، بصفير على الأرقام والمعاملات المرتبطة بحكمة بأسماء مشطوبة بالحبر الصيني على قوائم، وحدهما عيناه الحمراوان هذان المشعلان، كانا يتحركان في الظلام.‏

ثم تمتزج روائح قوية وأدخنةُ خلاصات استوائية عرفتُ منها أخشاب غابات مندثرة. ارتعشتُ، كما لو أن عطور الليل كانت توقظ فيّ ذكريات مناجم النحاس والتوتياء التي ولدتُ منها. ارتجفتُ لأن ذاكرة الأيادي العديدة والدامية، على قطع الفلزّات هذه، كانت تسيل كأعداد هائلة من النمل، ارتجفتُ لأن هذه الذكرى كانت قريبةً مني جداً في هذه البلاد التي أستشعر أني كنتُ قد عشتُ فيها، عبداً؟ أم مهرّب عبيد؟ القبضة موضوعة على رزمة من الأوراق المدمّاة لكي أضع علامةً، بعد الانهيار، على آخر اسمٍ من المظلومين الذين لم يعودوا يخرجون؟ ثقّالات ورق...‏

ارتجفتُ، على وجه الخصوص لأن الأصابع الخمس الرخامية السوداء تحتي تهتزّ بسبب توتّرٍ أصم أدركتُ فيه أن كراهيتي كانت تتعاظم. مفاجأةً، يدُ العبد، اليد المتجمّدة من حجر الأبنوس، اليد التي كانت تحرّكها نظرةُ الساحر الحرماء قذفتني نحو السقف. كنتُ أرتفع، ولاسيما روحي، افتداء؟‏

كلما كنتُ أرتفع، كلما كانت كراهيتي تتركّز. ثم..... السقوط.‏

وُجد أوليفييه منهاراً على مكتبه، في صباح اليوم التالي. كان نائماً، مُنهَكاً. لم يكن يتذكّر إلا وريدةً، قطرةَ دمٍ على قفا سترةٍ بالية، عند هذا الكادر الحادي والثلاثين الذي مات جدّه وهو يحرّر قريةً في فرنسا.‏

استقلّ أوليفييه الطائرة من جديد، تعباً، مجرَّداً من ذلك الإشباع اللحمي الذي كان يشعر بها عادةً، ومجرَّداً من ذلك الامتلاء لرجل لابدّ منه كما كان يظن نفسه. سافر بلا نوم، لا يعذّبه الندم بل القلق الخفي، القلق الذي لا يمكن التعبير عنه من أنه سيكون موضوعاً لانتقامٍ معيَّن.‏

قَبِل على مضضٍ الإدارة التي قُدّمت له مكافأةً على خدماته الطيبة والشريفة. أخذ يستمع أكثر من المعتاد إلى الأخبار العالمية. سرعان ما فهم أن مهمته قد أشعلت الأزمة السياسية التي هزّت البلد "الشقيق" في الحرب الأهلية، وهذا الركن من القارة في الحرب القبَلية. لم يشعر بشيء بما أن التعب حلّ محلّ تأنيب الضمير لديه. الآن، أخذ ثقلٌ يجثم على حركاته وأفكاره.‏

كان يحدّث نفسه قائلاً إنه وصل إلى قمة طموحاته، ويقول لمعاونيه إنه صار يتطلّع إلى السلام.‏

وبعد أن فهم أهمية الإفراط في المجاملة، رقي سراً، كجرذ، درجات مصطبة الوظيفة درجةً إثر أخرى. قلتُ مصطبة لأنه أصبح خبيثاً ككاتب مدينة بابل. أتقن اللغات الإدارية وأفانين الخداع والتملّق جميعاً.‏

بدأ بلصق تصويبات على المذكرات والأوامر والتعليمات، وقمتُ بإبقاء الصفحات ووصلاتها معا.ً‏

حيث تميّزتُ، عندما كان يصوّر في الممر، وكنتُ أثبّت الأوراق غير المنضبطة. فتيارات الهواء تبرّر في المشاريع الورقية وجود ثقّالة الورق.‏

بعد عشرين عاماً، تميّز في نظر مدير إقليمي، في أتمتة دائرة إخراج النصوص النظامية: تقليص خمس عشرة وظيفة، وما أجمل إبراز ذلك من أجل ترقية!‏

أُطلق عليه بقوة لقب "كادر"، وصار خبيراً في فن تقليم الهيكل الوظيفي، بموهبة مدهشة: مستخدماً اللغة النفسية ـ الاجتماعية، أخذ يحل النزاع مصارعاً مرؤوسيه الواحد مع الآخر، ويستغلّ إبداعاتهم لنفسه، ويُغرق معاونيه في شبكةٍ من الارتكابات المنتثرة والصفقات السريّة والتواطؤات الخفيّة لكي تأخذ كلمة "معاون" معناها التاريخي تماماً.‏

فهو الذي يناضل دائماً للتنويه بموظفي التنفيذ، ولكن مساعديه هم الذين يشلّون النظام دائماً، أو الذين يبالغون في الطلبات أو يؤوّلون الأمور تأويلاً سيئاً، وهم الذين يتهاوون بغباء عندما يتعلّق الأمر بزيادة أرباح الإنتاجية.‏

باختصار، كان يمارس هذه الإدارة الحديثة التي تسمح له بالتأكيد أن فريقه يعمل بأهداف وينتسب إلى استراتيجية اللحظة التي تشهد، بالإضافة إلى ذلك، إن لم يكن على المحبة، فعلى الأقل على احترام عميق. كان يؤكّد ولاسيما بطريقةٍ خفية أنه هو المحرّك. ولم يكن لوزيه، مديرُ الموارد البشرية الإقليمي الذي كان يعمل عنده، وبمجاملةٍ مفرطة أكثر من أي وقتٍ مضى، يُقسم إلا بمحرّك الرجال هذا.‏

من منجزات أوليفييه القاسي المحترف ثلاثة انهيارات عصبية واستقالة ودرج كامل من رسائل مغفلة استمعتُ بالإحساس من تحتي بفراش خيبتها. لقد كان أوليفييه نتاج افتسال فكري كريه.‏

في ما أسمته كتبه بوصفه عصامياً "التسلّط الوراثي" نتش" مسؤول منذور": نما في احترام النظام القائم، وهو لا يتوانى عن القيام بأحطّ الأعمال دون وازع، ماهر في ألا يكون إلا مسؤولاً، ولكنه غريب مذنب، متآمر إلى درجة أنه يحمل آلة تسجيل في جيبه لكي يسجّل أحاديث يحسبها سريةً، إنه يتحرّق من نفاذ الصبر. باختصار إنه سمكة قرش في حوضٍ تتكدس فيه ملفّات الوكلاء الذي يمثّلون "إمكانيات" رؤساء المؤسسات المقبلين.‏

أنا أعترف بأنه منذ بدء العمل عانى في استدراك التأخير المتراكم في سنوات الدراسة المتشرّدة: دروس مسائية، مواد جديدة غير معروفة سابقاً في عالم الخطوط الحديدية، حاول انتهاز الفرص كافة وضحك له الحظ. في سن الأربعين، كان بوسعه أن يتنافس مع جميع حَمَلة الديبلومات المدرسية الجديدة تماماً في الإدارة. وهو، يزيد عنهم بأنه يمتلك خبرة السلطة على الآخرين. كان يخدع مسؤوليه حول قدراته في تشغيل الإدارة التشاركية، آخر تقليعة حديثة، لكنه كان يعمل كمستبدٍّ مستنير بما يكفي للإقناع.‏

افتراضياً، كان خبيراً يمكن تصديره.‏

هذا ما حدث بالفعل عندما اضطرّ، كما يدّعي، إلى قبول آخر مهمة للتقطيع، قبل أن يرقى أخيراً إلى المنصب المرموق كمدير مؤسّسة.‏

قَبِل بتسرّع، ملأ بوساطة زوجته الوادعة حقيبةً صغيرةً من ربطات العنق والقمصان المناسبة لها التي تترك انطباعاً عند السكان الأصليين الذين يرتدون المآزر: أثارت ملامسةُ الحرير الخانق اشمئزازي طوال الرحلة.‏

كيف حصل على إدارة هذه المجموعة؟ كيف وزّع الأدوار على هؤلاء المهندسين البلجيكيين والإنجليز والسويسريين، المتخرّجين جميعاً من الهرم الوظيفي الأعلى في شبكة الخطوط الحديدية في بلدانهم؟ لا أعرف، فأنا لم أخرج من الحقيبة إلا في اليوم السابع: وكان كل شيء قد تقرّر. بَلَدان أفريقيان ارتبطا بهذه العصابة من الأفّاقين الأوربيين لكي يُقسَم إلى قسمين شعب الخطوط الحديدية الذي يستغلّ خطوط هاتين الأرضَين المستعمرتَين حديثاً.‏

في قفزة بطولية، من اللاوعي أو السادية المنتفخة، كان قد قرّر في ذلك المساء أن يعلن الحكم في حديث فردي، إلى الكادر المُجاز.‏

ونظراً لاهتمامه بالإخراج، أوجد مكاناً واضحاً على المكتب المصنوع من الأكاجو، وأسدل الناموسيات على حشرات شباط وترك المصباح مضاءً لكي يُضفي على الحديث نوراً غريباً بدا فيه، ونصفه في الظل، وكأنه لم يكن إلا صوت القدر.‏

أداة وحيدة على المكتب: أنا.‏

هكذا كان يستقبل المديرين الذين لم يكونوا ينتمون إلى إثنية رئيس البلاد، ونوّاب المديرين الذين لم يريدوا أن يرشوا الوزير، وأولئك الذين يرفضون وجود الأوربيين لإعادة البناء، وأولئك الذين كانوا صغاراً جداً في السن أو مسنّين جداً: كان يعلن الحكم، ويبرّر باقتضاب، ويتحمّل الدموع والصرخات وخيبات الأمل والشتائم، ويستمع إلى مماحكات بنظرته الرمادية الباردة التي تعدّ الملفّات، لاشيء غير الملفّات، كان الثامن بعمر ابنه، والخامس عشر يحمل اسمه الأول، والحادي والثلاثون، ما قبل الأخير، كان قد حصل على وسام الشرف، وها هو يُبرزه بلا أوهام. قبيل منتصف الليل، اجتاز البابَ آخرُ كادر من هذه الدفعة. شعر أوليفييه بالاشمئزاز، فقد كان الرجل شبه عارٍ، مغطّى بالرسوم الطقسية، وكان وجهه مقنَّعاً بقناع خشبي سرعان ما اكتشفتُ شكله الجنائزي المضحك.‏

أخذ رهينةً في الإضراب الكبير، أراد أن يفاوض وحيداً، وعند آخر دقةٍ من دقات منتصف الليل، استسلم على الجبهات كافة.‏

توقّف الإضراب، ولكنه، إذ رُفض من المدير الذي كان قد لاحظه سابقاً، كان مضطراً للاستقالة، وأن يتسلّم منصب إدارة مركزية، فخرية، ولكنها دون مسؤولية إدارية.‏

بدءاً من هذا التحول ـ الترقية ـ العقوبة، أخذ جسمه ينحُل، ثم شعر بوعكةٍ أولى، بفقدان وعي في القطار الذي كان ينقله كان يوم جمعة إلى قريته. أصيبت ملكاته العقلية، وقد أدرك ذلك. أحياناً، كانت زوجته، بينما يكون نائماً مساء الأحد صارت تتساءل ما إذا كان "قد فقد عقله"، وإن كان سيعود حياً من باريس يوم الجمعة القادم. كانت تجهل إن كانت كلمة كرة تسافر في حياته كطلقةٍ أُطلقت في حياته.‏

من إغماءة إلى إغماءة، اتُّخذ القرار بنقله إلى المشفى، وساءت حاله إلى درجة أن تدخّلاً جراحياً أُجري له على عجل، ولكن بعد فوات الأوان. فوسط عضلة القلب المنكمشة، المتيّبسة، وجد الجرّاح الكاميروني الذي كان يومَ الجمعة ذاك، الأخير على قائمة المقيمين المطلوبين، قد اكتشف مذهولاً كتلةً صغيرة من النحاس الأصفر.‏

وبعد أن فحصها عبثاً، استولى عليها وقدّمها لخطيبته معلَّقةً بنهاية سلسلة فضية. أكان هذا هو التماس بين المعادن المختلفة على الجلد الأسود للفتاة، هي لا تعرف شيئاً عن ذلك، بل كانت تحس باستمرار بهذه الدمعة المعدنية بين نهديها، هذه القطرة الباردة، الباردة جداً...‏

هل أتقمّص؟ لا، أنا لستُ جديرةً إلا بالمعدن. لقد اختار "أحدُهم" نقطةَ سقوط روحي. وَزَنَ الثقلَ المعيش من الخير ومن الشر، وأتذكّر. أنا أستحق حياتي كدمعة.‏

أنا على قلب فتاته، أنا على القلب الذي خفق قوياً لرجل عمري الذي انتحر. ذلك الذي رقص موتَه الاحترافي وموتي المبرمَج. الأخير في القائمة.‏

(1) الجرنب أو المرنب أو اليرنب (همستر) حيوان قارض لبون، قصير القوائم والذيل، شبيه بالجرذ، يحفر أوكاراً معقّدة في الأرض ويجمع مؤناً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244