مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 131 صيف 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

ليمت إسحاق الثاني (قصة أرمينية) ـــ سيمون سيمونيان ـ ت.نزار خليلي

سيمون سيمونيان:‏

من المهاجرين من صاصون. استقر في بيروت وأسس داراً للنشر باسم دار سيفان، وراح يكتب ذكرياته عن أهل صاصون وأحوالهم وما مر بهم من أهوال بعد تشريدهم وإخراجهم من ديارهم. بشكل قصص قصيرة من واقع حياتهم، جمعها في كتاب مؤلف من 472 صفحة من الحجم الكبير وضع عنوانه:‏

«الجبل والمصير»‏

وصدّره بعبارة: غروب شمس الجبليين‏

والقصة التالية هي واحدة منها بعنوان:‏

ليمت إسحاق الثاني‏

لقد خلق الله كل الناس على صورته، فيما عدا إسحاق الأعرج. فهو مع قصر قامته التي لا تحدد بمقياس، وعرج قدميه الغريب، وصغر إحدى عينيه وكأنه مغمضة، وزوال الأهداب عن العين الأخرى، ومع وجهه المعصور عصراً، وجلده المجعد ورأسه الأصلع، وأخيراً بكل أعضاء جسمه التي لا تمت إلى الطبيعة البشرية بصلة، لا شيء فيه من صورة الله.‏

ولد إسحاق الأعرج مرتين: المرة الأولى في عام 1897 والمرة الثانية في عام 1915. فهناك إذن إسحاقان. خلق الله إسحاق الثاني حسب قدر الأرمني عام 1915، أي بعيداً كل البعد عن الشكل الإنساني الصحيح. ومع ذلك كارمه الناس ولقبوه بإسحاق الأعرج متغاضين عن عاهاته الأخرى التي لا تحصى.‏

* * *‏

ولد إسحاق الأول في سفوح جبال صاصون الجميلة الوعرة، حيث تكثر الجحور العميقة السوداء، والغابات الكثيفة التي لا ترى الشمس تملؤها أصوات ذئاب تعوي وثعالب وبنات آوى.‏

وهناك تقع أعلى قمة في صاصون، قمة ماراتوك المقدسة. التي تعلوها كنيسة يزورها أهل القرية كل عام مرة. لتقديم النذور تحت جبل ماراتوك العالي تجثم قرية تدعى بيرشنك؛ بيرشنك هي مسقط رأس إسحاق الأول. في طفولته، انطبعت ماراتوك في روحه كأم حنون.‏

كان راعياً، عنده مخلاة ومزمار. يرعى قطيعه في سفح ماراتوك من الأعشاب الغضة بين عطر أزهار الموسم، وعند الينابيع الجبلية ينفخ إسحاق الفتى في مزماره لحن الرعاة، فيجذب إليه خرافه الطيعة بنغمه الحلو الحنون. يقولون إن إسحاق كان جميلاً جداً في فتوته؛ وليس قولهم هذا دعابة بل هو الحقيقة؛ حتى إنهم كانوا يشبهون رشاقة قامته بشجر السرو؛ وجمال طلعته بوجه القمر ذلك الجرم السماوي؛ ويشبهون عينيه بعيون المها الظريفة.‏

كانت تخفق له قلوب العذارى ذوات الشعر الطويل والعيون اللوزية. وتتلهف لرؤيته. وكانت بنات جبل ماراتوك في قرية بيرشنك يتنافسن على امتلاك قلبه؛ لكن ما كان في قلب إسحاق غير ماراتوك.‏

كان سعيداً في حياته في تلك الأيام وهو في أحضان الطبيعة الظريفة الآمنة. وظلمة الغابات الرائعة وخرير الينابيع الحلوة، وتغريد الطيور الصداحة، وسندس العشب الأخضر، ورائحة الأغنام الوديعة، أمام ماراتوك المقدسة وصورتها الغالية. كانت الطمأنينة تضفي على روح إسحاق حيوية تشعره بحرارة صدر أمه. وكان إسحاق نفسه جزءاً لا ينفصل عن سلام تلك الطبيعة البدائية.‏

ويبلغ إسحاق سن الثامنة عشرة. وتنفرد واحدة من بنات بيرشنك كمثل نجم الصبح عن قريناتها وتغزو قلب إسحاق وتملؤه بشعور غريب لذيذ! فيطوف في المراعي وهو يعزف على مزماره شمعي اللون ألحاناً يتردد صداها في الغابات المعتمة وشعاب الجبل الوعرة... وأحست خرافه بأنه لا يعزف لها، وأن مزماره إنما يتحدث إلى قلب فتاة.‏

كانت تنتظره عند الينابيع تنظر إلى الماء تحت ضوء القمر قلقة يحرقها الشوق لرؤيته فلقد تملكها الهوى... وكانت الخراف الوديعة تنتظر صوت مزماره ليجمعها ويسوقها قبل الغروب إلى القرية. لكن إسحاق كان غافلاً عنها غارقاً في أحلامه، والخراف تراقبه لتسبر غور أحلامه.‏

وتغلغل حب شوشان في قلب إسحاق حتى فاق حبه لماراتوك. شوشان، تلك الفتاة التي بزت كل فتيات بيرشنك في الحسن والجمال قد سلبت عقله فصار يرى في الثلج الذي يعلو قمة ماراتوك صورة حبيبته. التي شغلت روحه بالحب. ومع أنه حاول كتمان حرقة قلبه، إلا أن حبه كان يتفجر مثل رمانة كبيرة ناضجة...‏

لكنه لم يتوصل إلى الإفصاح عن حبه لأن السلام قد سقط وتحطم كما يتحطم مصباح منير سقط من عل.... إنه في العام 1914.‏

لم يعرف إسحاق كيف فارق قريته مع أهله ولجؤوا إلى الجبال مع كثير ممن هربوا من القرى المجاورة ناجين بأنفسهم من القتل... أما خراف إسحاق، خرافه المحبوبة فقد تشردت على صوت دوي المدافع. فقد بدأت الحرب، وسلط العدو الغاشم قواته على الشعب الأعزل. وامتزج الدم برطوبة الخريف. وقد نجا من الهاربين من تمكنوا من الوصول إلى أرمينية الروسية. ونجا آخرون لجؤوا إلى قرى كردية صديقة.‏

* * *‏

في أثناء القتال فقد إسحاق كل شيء. الأب والأم والأخت والأخ والأقارب. كذلك فقد شوشان، حبيبته. وبارح موطنه حاملاً معه الإيمان بقوة ماراتوك. وتاه في الجبال بلا حام ولا سند يقتات مما تنبت الأرض. وعاش. أي أنه لم يمت. متغذياً بما تلفظه الأرض البرية بين عواء الثعالب والذئاب ينظر بأعين دامية إلى ماراتوك التي غابت من بعيد بين السحب. انهمر عليه المطر والبرَد وآذياه بلا رحمة. كان في طريقة يصادف جثثاً متناثرة هنا وهناك لقد هدّه الجوع، وأضرت به الوحدة وبرح به الحزن على فقد الأحبة. وصار يمشي على غير هدى حتى وصل بعد لأي إلى مكان لا يعرفه، وقد تخلخلت عظامه وتغير شكلها. يمشي وهو يخبط خبط عشواء لعله يصل إلى أي مكان آمن.‏

بعد أسابيع وصل إلى قرية يقطنها أكراد. وصل إليها مريضاً منهوك القوى. ونزل ضيفاً على بيت رجل كردي طيب استقبله مشفقاً حانياً. كان إسحاق يتلظى من الحرارة المرتفعة، ويئن أنيناً موجعاً مستمراً. في تلك الأيام وفي عهد الأوائل لم تكن الاختصاصات الطبية موجودة بعد. فلو أنها كانت موجودة لوجد الأخصائيون في جسم إسحاق مجمعاً لجميع الأمراض. كانوا سيكتشفون عنده وجود السل، ترقق العظام، الجذام، والحمى الواضحة قبل كل شيء. كان إسحاق يذوب مثل شمعة أمام نار موقد. ينتظر الموت كل يوم.‏

لكنه لم يمت. وتخلص بعد ستة أشهر من كل الأمراض التي تركته بعدما طبعت على جسمه طابعاً ينم عن نوعها. فترقق العظام قوّس ظهره وساقيه، وقصّر قامته قصراً ملحوظاً، وجعل قدميه تعرجان مثل من يقفز في سيره قفزاً. وأطفأ التيفوس ألق عينيه، وهدر الجذام شعره الجميل. وتجعد جلده الذي كان بضاً واحتقن. أي أنه لم يبقَ له من جسمه شيء طبيعي؛ إلا روحه فقد بقيت صامدة طيبة مشبعة بتقديس الوطن المقدس: ماراتوك والإيمان به. ولم يبقَ من رابط بين إسحاق الأول وإسحاق الثاني غير الإيمان بماراتوك.‏

وهكذا خلق الله إسحاقاً الثاني حسب ما يقتضيه قدر الأرض. ولقب بإسحاق الأعرج فقط. وهذا طبعاً بعد التغاضي عن العاهات الأخرى التي شوّهته. وذلك تكرماً من الناس عليه.... ومات إسحاق الأول. إسحاق الذي خلقه الله على صورته وهو في الثامنة عشرة من عمره. ذلك الإسحاق الذي يشبه كل الناس، والذي كان من أجملهم. وفي العام 1915 ولد إسحاق الثاني البعيد كل البعد عن صورة الله والبشر.‏

إن صورة إسحاق الثاني تمثل بشَكْلٍ مفصل مآسي وآلام وشقاء الأرمن كلها وما حل بهم جماعات وفراداً. لقد أصبح جسمه ذكرى حية لأطلال المدن الأرمنية وخرائبها....‏

* * *‏

بعدما أَبِلَ إسحاق الأعرج من مرضه صار غلاماً لذلك الكردي. ولم يقتله الأكراد فلقد غاب عنهم أنه أرمني. واكتفوا منه بأنه كان أعرج، قبيحاً ومسكيناً مشوهاً.‏

وتنقلب العداوة والبغضاء القومية السابقة إلى شفقة على قميء أعمى ومجذوم تنقصه كل مقومات الكمال الإنساني الطبيعي، ودبت الحياة في إسحاق بالرغم من عاهاته وتشوهاته....‏

ويخدم الغلام إسحاق في بيت سيده: يتوجب مع ضيوفه فيقدم لهم القهوة، ويحضر المائدة، ويحمل الزاد إلى رعاته. وقد ينوب في العمل عن الرعاة المرضى أو المتزوجين. عندئذ يشعر إسحاق بالسعادة وإن كانت موقتة. ومع أنه لا يملك مزماراً إلا أنه يستطيع أن يصفر بشفتيه لحن معزوفته القديمة للخراف الكردية التي استأنست به، وراحت تصغي إليه مثل خرافه العزيزة عليه معزوفته التي كان يعزفها عند سفوح ماراتوك الزمردية... لكن ما كانت الخراف الكردية ولا كان صاحبها يدرك ما يحمله صغيرة من بؤس وشقاء وحزن على أحبائه المقتولين، وذكرى أليمة تعبر عن أسفه على فقد وطنه الآمن وصرخة شوق إلى عيني حبيبته وحسرة على ضياع مسقط رأسه وأعشابه الخضر وينابيعه الرقراقة، والصلاة التي تطلب العون من ماراتوك، وحياة سعيدة لن تعود.‏

وهكذا وبعد خدمة أربع سنوات عند الكردي هرب إسحاق عام 1919 بقدر ما تسمح له قدماه المرتخيتان، وجاء إلى ديار بكر، وانتقل منها إلى ماردين مع غيره ممن كتبت لهم الحياة من الأرمن المشردين، ومنها إلى سورية، ووصل إلى حلب الملاذ الآمن للأرمن المشردين.‏

في حلب بدأ إسحاق يعمل في فرن كغيره من المهاجرين الصواصنة يعمل طول النهار، ويكد بأجر زهيد. وكان للأعمال الشاقة والسنين المهدورة فعلها في تخفيف أحزانه.‏

أصبح إسحاق الأعرج من بين الأوائل من مواطنيه الذين أدركوا بسرعة وبإصرار بأن الشيء الوحيد القادر على المحافظة على كيانهم هو المال. وأحب إسحاق المال حباً جماً. وكانت وحدته التي لا سند له فيها وعاهاته الفظيعة سبباً في أن تجعل من الرجل المحب لوطنه، رجلاً محباً للمال. وأصبح مثل ذئب وسط قطيع من الغنم. لكنه مع ذلك لم ينس تقديسه لماراتوك التي لا توازيها أقوى مغريات المال. وينقي إسحاق الأعرج روحه المتلهفة إلى المال كل يوم بالصلاة إلى ماراتوك.‏

لقد عرفت عيناه الصغيرتان بسبب ما جرى له قديماً قيمة المال. لذلك بدأ يوفر، فلم يؤمن لنفسه سكناً بل اكتفى بالمبيت في الأفران التي يعمل فيها حارماً نفسه من الغذاء والرداء، ويبدو أن التقتير قد زاد من خشونة جسمه واسوداد لونه وقصر قامته.‏

بعد عشر أو خمس عشرة سنة صار مالكاً لفرن بالمال الذي ادخره. ومع ذلك استمر في العمل نائباً حتى عن العمال المأجورين. وربح كمعلم ووفر المال الكثير. وكان كلما اغتنى كلما زاد حبه للمال أكثر فأكثر. وزاد إيمانه بقدر المال.‏

لقد رأى من مواطنيه عرجاناً وعوراناً وصلعاناً وشيوخاً قد أثروا وتمكنوا بمالهم من الزواج من فتيات جميلات. وبدأ الذهب يرتفع كجبل أمام عينيه نصف المغمضتين بدلاً من ماراتوك، وصار إسحاق الأعرج أول رأسمالي بين الصواصنة...‏

وتشجع الراعي القديم، ووصل بفلسفة محبته للمال إلى ذروة لم يصلها أحد قبله من الصواصنة. وبفلسفته هذه راح يقنع الناس بأن المال يمكنه أن يعوض عن كل شيء حتى الشباب والجمال. مثله كمثل العربة والحصان...‏

لم يعد إسحاق الأعرج يخشى من بشاعته ومن قامته، التي زاد الدهر فيها تشويهاً وتقبيحاً. إنه الآن في الخامسة والثلاثين، ولا يشعر بأية غضاضة من هذا العمر. وبدأ كمثل شاب في العشرين من العمر يفكر بالاستعداد لزواج سعيد. وقرر أن يتم ذلك عندما يصبح مالكاً لـ 400 ليرة ذهبية رنانة.‏

في الأربعين من العمر تمكن من امتلاك 400 ليرة ذهبية رنانة.... أربعمائة ليرة رشادية رنانة... وعندما دلى الليرة الأربعمائة في جيب ثوبه المنسوج من قماش خشن، صار يؤمن بأنه قد تزوج ببنت في السادسة عشرة من عمرها... لكن ما حدث في تلك الأيام كان رهيباً. إذ استيقظ في صبيحة يوم ووجد أن الليرات الأربعمائة قد اختفت.... لقد سرقوها. ولم يعرف اللصوص. لم يعثر على سارقي الأربعمائة ليرة. لقد كان تقتيره المتطرف سبباً في أن لا يصنع لنفسه خزانة حديدية يحفظ فيها أمواله،‏

بعد فقد الذهبات تذكر إسحاق الأعرج من جديد أنه قبيح ومشوه. وأنه وصل إلى قمة الأربعين المريعة؛ عندئذ فقط تذكر إسحاق جماله في حياته الأولى. مثلما يتذكر مؤمنو الهند حياتهم الأولى من خلال حياتهم الثانية...‏

لكن إسحاق لم ييأس. فهو يملك فرناً. وتعلق بالعمل شغفاً. وبدأت الذهبات ترتفع من جديد شيئاً فشيئاً في جيبه القديم المعتم، وتتراكم بعضها فوق بعض مثل أحجار بناء، كلما زادت كلما تغطت عاهاته... واندلعت الحرب من جديد وازدادت أرباح أصحاب الأفران.‏

وبعد خمس سنوات من فقدان الذهبات الأولى صار إسحاق من جديد مالكاً لأربعمائة ليرة عثمانية رنانة جديدة. ولم يحاول أحد سرقة ذهباته هذه بعد الاحتياطات الشديدة التي اتخذها لتحميه من اللصوص.‏

لقد بلغ الآن الخامسة والأربعين من العمر. وهو واثق من أن لا أحد يعرف عمره الحقيقي غير بطاقة هويته الشخصية. لذا تمكن وبسرعة من العثور على موظف حكومي طيب القلب، وبمبلغ محترم، أدخل إلى هويته تصحيحاً بسيطاً صغّر سنه خمس عشرة سنة. وبهذه الشهادة الموثوقة أصبحت سنه لا تزيد على ثلاثين سنة. وبعد تصحيح سن هذا الشبح المشوه، أحب إسحاق هويته وخبأها في حرارة وحنان في جيبه الداخلي الرهيب المرعب. وأحس بحيوية شباب جديدة وأحس مرة واحدة فقط ولدقيقة واحدة أن قوة المال تعادل قوة ماراتوك. بل وجد أن المال هو أقوى من ماراتوك. لكنه عاد فرسم شارة الصليب على وجهه، وحاول طرد تلك الفكرة السيئة من رأسه الأصلع، واستمر في خداع نفسه الجبارة...‏

وقرر بإصرار تأسيس بيت والحصول على عروس صبية. وبدأ يبحث عن بنت اشترط على أن لا يتجاوز عمرها سبعة عشر عاماً. لم يدرك إسحاق الأعرج من الرفوض الأولى مدى بشعاته، ومدى الفارق الكبير بينه وبين العروس الصبية سناً ومنظراً... وتلتها رفوض مصحوبة بسخرية علنية. وأصبح زواج إسحاق الأعرج موضوع حديث مواطنيه اليومي، خصوصاً، إصراره على الزواج من عذراء صبية فقط.‏

ونصح له بعض مواطنيه الطيبين العقلاء بقبول الزواج من أرملة متواضعة تماثله في السن. لكنه غضب واعتبر نصح مواطنيه له عداوة. واستمر سنة كاملة يبحث عن عذراء صبية يتزوجها، ولم يتراجع عن قراره القطعي، ولكن الرفوض الحاسمة الموجعة المستمرة المتماثلة خففت بعض الشيء من خداع نفسه بأنه شاب جميل، واقتنع بعد سنتين طويلتين من البحث العاثر عن خطيبة، وبصعوبة وبالرغم منه قبل بأنه قبيح مشوّه بعيد عن سن الصبايا اليانع. ويئس من قوة الإيمان بالمال التي آمن بها بحمق. وتذكر أنه إنما تنكر لقوة ماراتوك وفضل عليه قوة المال، المال ضعيف‏

بطاقة هويته مزوّرة، لا تستاهل أكثر من أن يخرجها من جيبه يوماً ويطيح بها في أتون الفرن ليحرق أكذوبتها الخبيثة...‏

وعاد إلى حب ماراتوك حباً جديداً عنيفاً، ألهب إيمانه بحرارة لهب الشعلة الوثنية. فماراتوك وحدها تستطيع أن توصل المرء إلى غايته. إنها وحدها قادرة على أن تعيد إليه شبابه وجماله. كان إسحاق الأعرج يعتقد هنا في هذا البلد الغريب أن عمر المرء يمكن أن يصغر بالمال والرشوة. لكنه أدرك أن هذا إنما يتم في السجلات فقط. أما نبع الوطن ماراتوك فإنه قادر على شفائه وإعادة الشباب إلى طبيعته... إلا أن عبور الحدود التركية أمر صعب في تلك الأيام خصوصاً لرجل أعرج مثله.‏

بعدما أدرك إسحاق الأعرج على الرغم من امتلاكه المال، استحالة زواجه من صبية عذراء، غشيه حزن صامت عميق، راح يحمله مرغماً مثلما حمل حب شوشان سابقاً، وراح يستعرض حياته في موطنه بشوق. فيتذكر فتوّته الجميلة الحية وبنات موطنه المراهقات. ويتمزق قلبه من الألم عندما يتذكر فتيات قرية بيرشنك. وكانت فتيات قرية بيرشنك حلوات مثل ينابيع فجوات ماراتوك. كانت فتيات قرية بيرشنك يتمايسن مثل أشجار سرو غابات ماراتوك المظلمة. كانت فتيات قرية ماراتوك حاميات مثل مواقد الوطن. كان في بنات قرية بيرشنك دلال ورقص جذاب، وقوت كهمس الشمس. كن يخلعن على جبال صاصون حللاً من الزمرد. ويملأن الغابات عزفا ممتعاً. وعلى الينابيع نوراً بادي السطوع...‏

آه بات مستحيلاً عليه منذ اليوم أن يرى على وجه الأرض واحدة من بنات قرية بيرشنك.‏

* * *‏

لقد أثر رفض البنات العذراوات الزواج من إسحاق الأعرج، واستحالة هذا الزواج بالاعتماد على المال تأثيراً كبيراً في نفسه قضى على حلمه، وفقد ثقته في المال الذي وضع فيه كل أمله ودفعه إلى اليأس، ونفى فكرة الزواج من أصلها.‏

لكن الناس لم ينسوا أموال إسحاق الأعرج والأربعمائة ليرة ذهبية رنانة.. وكان السبيل الوحيد لسلب أمواله هو عرض مرشحات للزواج عليه. وراح الكهنة والخاطبات يعرضن عليه عذراوات عوانس أو أرامل مسنّات... لكن إسحاق الأعرج رفضهن كلهن بعناد صاصوني...‏

ومنذئذٍ بدأ بالترويج عن نفسه بالعودة إلى الإيمان العميق بجبال ماراتوك. فصار يفتح فرنه في الصباح داعياً: يا ماراتوك، ويغلقه عند المساء داعياً: يا ماراتوك، أيضاً، لكن صيت الأربعمائة الليرة الذهبية الرنانة التي يملكها، ظل يلازمه فينجذب إليه طالبات زواج بأسماء جديدة. كلهن أرامل أو عوانس بعضهن قبيحات.‏

مرة واحدة فقط حدثوه عن مرشحة في السابعة عشرة من عمرها يتيمة فقيرة وذات جمال. جمعت الكثير من ضريبة الجوع والحرمان. بعد موت أم البنت المسكينة، وكان أبوها قد مات من قبل، بدأت بالعمل في معمل للنسيج لا يكاد أجرها يكفي للعيش عند قريبة لها فقيرة أيضاً. لقد رشحتها له امرأة طيبة من مواطني إسحاق، وكانت جارة لها وعرفته بها.‏

منذ اللحظة الأولى أبدى إسحاق الأعرج عطفاً على البنت وأعرب عن موافقته على الزواج منها، وتم الاتفاق بين الطرفين بسرعة كان للذهبات دور كبير في إتمامه. يدعمه حال البنت من اليتم وعدم وجود ولي أمر لها. إضافة إلى وساطة العجوز الطيبة من مواطنيه. تمت الخطوبة في محيط ضيق. وفتح إسحاق جيبه القديم وبدأ ينفق ببذخ. فاشترى لها أساور ذهبية وخواتم وأقراط ماسية وأقمشة حريرية نادرة. أما هو فقد اشترى لنفسه سروالاً جديداً مكوياً. لأول مرة يلبس إسحاق سروالاً جديداً... مكوياً كم كان جميلاً. كان جميلاً بشكل مضحك في سرواله الجديد.‏

وارتأت الوسيطة المجربة أن يتم عقد القران بسرعة لتفادي تدخل الفضوليين، ومعاكسات الخاطبات الأخريات من منافساتها. خلال خمسة عشر يوماً ذاب قسم كبير من ذهبات إسحاق الأعرج التي جمعها قرشاً فوق قرش لتصبح بيتاً مؤثثاً وزينات وألبسة تخطف العيون.‏

العريس إسحاق الأعرج سعيد.‏

ولم تكن عروسه أقل منه سعادة.‏

كانت هناك شكليات لإتمام الزواج. فهو بحاجة إلى بطاقة هوية شخصية لإبرام الوثيقة. لذا كان لابد له من استخراج بطاقة جديدة بدلاً من تلك التي أحرقها في الفرن في لحظة غضب.‏

فذهب إلى دار الحكومة. وفي ظرف يومين حصل على البطاقة التي دون عمره فيها: ثلاثة وثلاثون عاماً العمر الذي دونه الموظف المرتشي في السجل العام بموجب التصحيح الأخير.‏

لكن هناك مشكلة أخرى هي الحصول على موافقة الكنيسة بغية إتمام العقد الديني. فلما مثل مع خطيبته أمام المطران رفض سيادته عقد مثل هذا الزواج نظراً لفارق السن الكبير بينهما. ولم تفلح كل الوساطات في ثني المطران عن قراره. فجاءه كاهن متمرس ونصح له بعقد القران في كنيسة يونانية كانت تتساهل في مثل هذه الأمور، فوقع في حيرة بين أمرين: أن يترك الخطيبة وهذا أمر سهله دون مشاكل: أولاً لقد تعلق قلبه بها. ثانياً لقد صرف عليها من ذهباته الشيء الكثير فكيف يتركه لها. لذا لم يجد مناصاً من عقد القران في كنيسة يونانية. كان حرمانه من عقد قرانه في كنيسة أرمنية يعادل نكبة الأرمن، لكنه اضطر إلى القبول بهذا الحرمان.‏

في الموعد المحدد كان إسحاق الأعرج بثوب العرس الأسود، وبرأسه الأصلع وبعينيه اللتين إحداهما أصغر من الأخرى وبعرجه الذي يشبه الوثب، يتأبط ذراع العروس المكللة بالبياض الذي يغار منه الثلج، يتقدمان إلى الهيكل.‏

كانت الكنيسة اليونانية تسطع بالنور، بعدما أشعل الكاهن اليوناني كل الأنوار بسبب الهبة السخية التي تقدم بها العريس الغني. وكانت الكنيسة وكأنها تضحك مثل كل شهود عقد الزواج.....‏

بكى إسحاق الأعرج ضمناً على الطقوس اليونانية الصامتة التي تفرض تكتيف الأيدي. وتذكر بحسرة صلوات كاهنهم في بيرشنك باللغة الأرمنية وسط عبق البخور اللذيذ... بينما يكلل هنا ابن ماراتوك العالي حسب الطقوس اليونانية.. كانت الصلوات والتراتيل اليونانية ترن في أذنيه كاللعنات. إلا أن حزنه كان يتضاءل كلما وردت مع الصلوات على لسان الكاهن والشماس كلمة اليلويا، أو كلمة أورتي بروسخومي، فيظن بأنها أرمنية وأنهم يرددونها على شرفه....‏

* * *‏

بعد الزواج برزت مشكلة جديدة حين لم يمن الله عليه بولد على الرغم من مضي ثلاث سنوات على زواجه. وجربت معالجات العجائز والعنايات الطبية الحديثة، ولم تنجح على الرغم من خروج الليرات الذهبية الرنانة من الجعبة القديمة.‏

وبقي إسحاق الأعرج بلا وريث.‏

وصار مثل "مهير" صاحب الخلقة الناقصة....، لكن إسحاق الأعرج لم يستسلم لليأس طالما لم تجرب قدرة ماراتوك بعد. لقد تزوج لكي يخلد اسم قومه، أو على الأخص اسم إسحاق الأول، الذي هو المثل الحي المشوه له....‏

* * *‏

في فصل الربيع، كنت مستلقياً على أرض معشبة، وعلى بعد خطوات مني يقف إسحاق الثاني، إسحاق الأعرج. تحت ثقل الخمسين من أعوام عمره، يحكي لي عن ماراتوك المقدسة يذكي ذكريات الوطن، وقوة ماراتوك وإيمانه بها تتعاون كل أعضاء جسمه المشوه على سردها. مع ما يتخللها من لعنات حانقة، يحكي إسحاق وهو واقف على رجلين عرجاوين، مغمض عينيه الزائغتين باسط ذراعيه مثل كاهن وثني يصلي حسب طقوسه.‏

ـ ماراتوك، هيي ماراتوك، إيه يا ماراتوك العالي، لا يوجد أعلى منه، إنك إن صعدت إلى قمته تبدو لك الدنيا بأسرها. ماراتوك هو نصف السماء.‏

إنك لا تستطيع الوصول إلى قمته إلا بطيارة. فهي وحدها القادرة على ذلك.‏

عندما حصل الطوفان صنع نوح فلكا. ولقد رسا هذا الفلك فوق قمة ماراتوك. وبعدما رسا أصابته صخرة ثقبته. فجاءت أفعى ولفت نفسها حوله حتى سدت الثقب لكي لا يتسرب الماء إلى داخل المركب من هذا الثقب. ثم انقلبت هذه الأفعى إلى خشبة، وصارت ذات سبع كرامات. خشبة واحدة بسبع كرامات. من كراماتها أنها صارت سريراً ذهبياً وعرشاً ذهبياً وماء للخلود وتفاحة للخلود، ولا يسمح لإنسان بأن يرى تلك الخشبة. لأنها إن تشع فوق ماراتوك مثل قنديل كنيسة مضاء. إنك لا ترى منبع النور. لا ترى غير النور فقط. تقترب منه لكنك لا تصل إليه، لأنك كلما اقتربت منه تراه يضيء من ناحية أخرى. لأنه غير مسموح لك أن ترى مصدره....‏

لماء الخلود وتفاح الخلود عند إسحاق الأعرج قوة إعجازية أكثر من أي شيء على برء عاهات الناس. وعلى إعادة جمالهم السابق الكامل إليهم، بهذا الإيمان الراسخ يمسح إسحاق بيده على عينه الصغرى لتعود إلى طبيعتها، وعلى رجله ليتخلص من عرجها، وعلى كامل جسمه كأنها صارت ذات مغناطيسية إعجازية. ويتحمس إسحاق، ويحكي لي عن المكان المقدس في قمة ماراتوك.‏

في كل عام يصعد السياح إلى قمة ماراتوك قادمين من شتى أنحاء العالم.‏

ـ كان يأتي إليها أناس من روسيا ومن موش. يأتي الآلاف ينذرون النذور، ويذبحون الذبائح، ويقدمون القرابين، ويطلقون العيارات النارية، ويرقصون رقصة الصاصونيين.‏

يوجد فوق قمة ماراتوك ضريح. في ساحة هذا الضريح توجد تربة. فلو أنك ارتقيت ماراتوك في يوم النذر، وأخذت من هذه التربة وتمسحت بها، فإنها تقيك من عضة الأفعى ولدغة العقرب ولا تمرض. في يوم النذر يطلق السياح العيارات النارية بكثرة. يطلقونها على بعضهم بعضاً ولكنهم لا يموتون...‏

ولكي يؤكد صحة رواياته يسرد إسحاق الأعرج واقعة شاهدها بأم عينه حسب قوله. وهي أنه في إحدى المرات عندما كان الحجاج عائدين، انزلقت صخرة من الجبل، ووقعت فوق امرأة اسمها خاطو وأخوها أرتين. وتدحرجت المرأة إلى الوادي. فخاف الحجاج وبدؤوا يبكون ويتوسلون إلى ماراتوك أن لا يصيبها بضرر. ثم ذهبوا وتجمعوا حول المرأة التي كانت ممددة على الأرض وكأنها ميتة. بعد ساعتين شفيت المرأة، ووقفت على رجليها، وبدأت ترقص رقصة الصاصونيين. لم يصبها أذى بفضل ماراتوك.‏

وينتهي إسحاق الأعرج من حكايته ويأتي ليجلس بالقرب مني على الأرض المعشبة وهو يلهث. ويغمض عينيه أمام أشعة الشمس. ويسود بيننا صمت طويل. فرحت أفكر في حكاياته عن ماراتوك، وأخمن ما يتوقعه. فسألته:‏

ـ إسحاق ماذا تنتظر من ماراتوك؟...‏

ـ سأشرب أنا وزوجتي من ماء الخلود في ماراتوك ونشفى...‏

وصمت من جديد. أعرف أنه كان غارقاً في أفكاره. وأنه يقوم الآن برحلة طويلة سريعة. لقد وصل إلى منكب ماراتوك مع زوجته وهما يصعدان الآن إلى المعبد كحاجين... وسيشربان من الماء. ماء الخلود، وسيحصلان على تفاحة الخلود.. وسيولدان من جديد، وسيرجع إسحاق الأعرج إلى إسحاق الشاب في الثامنة عشرة من العمر، وسيعود من جديد إلى رعاية خراف صاصون فوق المروج الزمردية وسط أريج الزهور الموسمية، وسيعزف على مزماره معزوفته القديمة لخرافه وإلى حياته الجديدة وإلى حبه لزوجته. وستولد زوجته أيضاً من جديد، وستعود عذراء وستعود فتاة في السادسة عشرة من عمرها تسمى شوشان، بشعرها الطويل وتتسلل عبر شعاب الجبل لتستمع إلى مزماره ومعزوفاته التي تشبه خرير مياه الينابيع... سيحبان بعضهما بعضاً مع تمايل أشجار الغابات المعتمة ورهبة عواء الذئاب. ثم يتزوجان ويقام لهما عرس كبير صاخب طوال اليوم، وسيحيط بهما الأحباء والشهود، وسيبارك إكليلهما كاهن أرمني. كاهن حاد الذهن من قريتهما. ويرقص فتيان قرية بيرشنك. يرقصون الرقصات الشعبية المعهودة. وسترقص فتيات قريتهما الرشيقات الجميلات اللواتي يتهادين بدلال من أجل إسحاق وعروسه شوشان. ويسيل النبيذ ويتدفق كينبوع وتصدح الأغنيات وتعزف المزامير وتقرع الطبول. هيا يا فتيان إلى الرقص يا عرائس ويا فتيات يا جدود ويا جدات ارقصوا أنتم أيضاً لإسحاق. فإن إسحاق الراعي يتزوج مرة واحدة....‏

أخيراً يعقب الصخب هدوء... ستنتهي ضجة الغناء والرقص، ويتفرق المحتفلون بالعرس بسلام مع تمنيات عظيمة مثل جبال صاصون...‏

بعد سنة سيكون إسحاق أباً لولد جميل، مثل نور الشمس، شجاع، وسيعمدونه في كنيسة ماراتوك يوم النذور، وسيأخذون حفنة من تراب أرض الضريح، وَيُقسُّون بها بدن الطفل، لكي لا تعضه أفعى ولا يلدغه عقرب ولا يصيبه مرض...‏

وأقطع الصمت الذي طال أمده وأنادي:‏

ـ إسحاق.‏

وينتفض إسحاق من نومه الحالم ويجلس... فأنظر إلى وجهه المشوه وإلى جسده المهدم، وينظر هو إليّ بسواد ونور فرح... و‏

يقول:‏

ـ ذهبت حياتي سدى.‏

فاستوعبت ما يريد أن يقوله. لقد انقضت حياته بلا فائدة. كان طيفاً لإسحاق القديم الجميل منذ 1915. كم كان يتمنى أن لا تعترض حياته سنة 915، بل أن تستمر من دون المرور بسنة 915، بئس الإنسان المنحوس فهو معرض للموت طالما لا يمكن منع ضربات الشر، أو محوها من جذورها....‏

ـ لكن يا إسحاق، سوف تعود وتعود إليك زوجتك الحبيبة، وسوف أعود أنا أيضاً، ويعود الجميع، ويقام لك عرس بهي، وتحضر الحج الأكبر، الحج الذي لا رجعة بعده. ستعزف المزامير سيرقص الراقصون. وسيكون الرقص فوق قمة ماراتوك، الذي يتصاعد منه الدخان من مدخنة الكنيسة الحارة اثنا عشر شهراً على الدوام...‏

وبجاه ذلك اليوم يعود شكلك إلى صورة الله.‏

فليتجلى الله بشكلك القديم وليمت إسحاق الثاني. إسحاق الأعرج. وليولد من جديد إسحاق الأول. إسحاق جديد. إسحاق ثالث أب لأولاد جدد. وأحفاد يشربون من ماء الوطن ولا تدوس بعد ذلك قدم قذرة حدود الوطن..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244