مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 131 صيف 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الفديــــه ( مسرحية تركية ) ـــ كاظم يداكجي أوغلو ـ ت.جوزيف ناشف

الشخصيات‏

علي: في الثلاثين من العمر.‏

الحاج محمد: في الستين من العمر.‏

الكاتب: في الخامسة والثلاثين من العمر.‏

الضابط: في الخامسة والأربعين من العمر.‏

الحارسان: في الخامسة والثلاثين من العمر.‏

الراعي: في الخامسة والثلاثين من العمر.‏

انكشاريان: في الخامسة والثلاثين من العمر.‏

اللصان: في الثلاثين من العمر.‏

أغا الوسطى: في الخامسة والأربعين من العمر.‏

المحضر: في الخامسة والثلاثين من العمر.‏

الفصل الأول‏

الديكور: "موقد الحداد في الجهة اليسرى... باب في الجهة اليمنى.السرير في مكان مناسب.. في وسط الغرفة كرسيان خشبيان. بجانب رأس السرير طاسه ومشربية.. هناك سيفان معلقان على الجدار. نافذة فوق الموقد.. الحداد يعمل بمفرده إلى جانب الموقد.. يضرب على قطعة حديدية موجودة فوق السندان.. يدا علي اسودتا ووجهه أيضاً.. علي يشد حبل منفاخ الموقد، وباليد الأخرى يحرك ما في الموقد. يدخل الإنكشاريان إلى الداخل).‏

المشهد الأول‏

(علي –الإنكشاريان).‏

الإنكشاريان: أمدك الله بالقوة يا معلم علي.‏

علي: دمتما أيها السيدان.. تفضلا.. اجلسا هنا.‏

(يشير إلى الكرسيين.. يجلس الإنكشاريان).‏

علي: مرحباً أيها السيدان.. قدمتما أهلا.‏

الإنكشاريان: مرحباً يا معلم علي.. سلمت يداك.‏

(علي منشغل بالضرب على قطعة الحديد الموجودة على السندان).‏

الإنكشاريان: يبدو أن لديك عملاً كثيراً يا معلم علي.‏

علي: نعم.. لقد أرسل آغا الوسطى خنجره، وسأحاول الانتهاء منه قبل المساء الآغا يريد أن أنهيه بسرعة، وقد قال لي: أريده اليوم، وأنا لم أستطيع قول أن لدي عملاً آخر.. أنا لا أدخن، ولهذا لا أستطيع أن أكرمكما بشيء... لا تؤاخذاني..‏

الإنكشاريان: أستغفر الله يا معلم‏

(ينشغل علي بتحريك النار في الموقد، ثم يضع الخنجر في الماء.. يقف أحد الإنكشاريان، ويقترب من السيف المعلق على الجدار. ينزل السيف ويقلبه، ثم يتحدث مع علي).‏

الإنكشاري 2: هل هذا السيف لأحد الزبائن، أم...‏

علي: نعم.. إنه لأحد الزبائن.. لا أعرف اسمه.. إنه رجل طويل القامة من الإنكشاريين... لونه أسمر، ويوجد على وجهه شامة هنا (يشير بيده إلى المكان) فقد اصبعين من يده اليسرى.. أحضره إلي منذ أيام‏

الإنكشاري 2: حتماً هذا عائد للآغا دون أصابع‏

(يقف الإنكشاري1، ويقترب من صديقه..علي منشغل بعمله).‏

الإنكشاري 2: المعلم علي بارع في صنع السيوف.. انظر إلى هذا (يهز السيف، وكأنه يحارب) يا معلم علي.. أليس لك ختم على هذا؟..‏

علي : طبعاً..‏

(الإنكشاري1 يأخذ السيف، ويقلبه، ثم يشير إلى مكان ما).‏

الإنكشاري1: هاهو.‏

الإنكشاري2: جئت إليك يا معلم، كي تصنع لي سيفاً كهذا، ولو أن هذا لم يكن ملكاً لأحد لاشتريته منك.. أعجبني كثيراً.. أريده مثل هذا تماماً.. أيمكن ذلك؟..‏

علي: سيكون أفضل من هذا.. اطمئن..‏

الإنكشاري2: ولكني أريده جاهزاً خلال يومين لا أكثر.‏

علي: لا يمكن .. لا أستطيع أن أعدك. أكون كاذباً.. كما ترى لدي أعمال كثيرة.‏

الإنكشاري1: (للثاني) لم السرعة يا صديقي؟.. لسنا ذاهبين إلى الحرب غداً يلتفت إلى علي) جهزه في الوقت المناسب يا معلم.‏

علي: لا أستطيع تحديد الزمن تماماً، ولكن إن شاء الله (يعد على أصابعه) اليوم هو الخميس أليس كذلك؟ الجمعة.. السبت.. الأحد.. سيكون جاهزاً يوم الاثنين القادم.‏

الإنكشاري 2: الا يمكن تجهيزه في وقت أسرع؟‏

علي: كما تريان لا أستطيع الجلوس، والتحدث معكما.. النهار قصير، وأنا أعمل بمفردي.‏

الإنكشاري1: صحيح يا معلم.. صحيح.. (يلتفت إلى الإنكشاري2) ياصديقي كما قلت لك: ليكن في زمن متأخر، وليكن جيداً.. هكذا يقولون.. ثم ما الداعي لهذه السرعة؟.. ليكن جاهزاً بعد أربعة أيام.. هل ستتحدث بأمور السعر؟ كم الساعة الآن؟ (يخرج ساعته، وينظر) أوه.. الساعة الآن العاشرة والنصف إلا خمس دقائق.. سنتأخر على صلاة العشاء.‏

الإنكشاري2: أوه.. لقد تأخرنا.. يجب أن أمر على العطار أحمد آغا، وأشتري منه الحلاوة.. هيا.. لنذهب.. (لعلي) يا معلم علي.. لا أرى داعياً للاستفسار عن الكلفة.. كما تأخذ من الناس، ستأخذ منا أيضاً..‏

علي: لا تهتم .. دعني أصنع السيف أولاً، وبعد ذلك أدفع ما تجود به نفسك.. كما تعرف.. أنا لست من هواة جمع المال..‏

الإنكشاري 2: نعم يا معلم.. نعم.. ولكن يجب أن أعرف.. الأصدقاء جميعاً يشكرون منك.. الجميع يحبونك، وممتنون من عملك.‏

علي: هذا من طيبهم يا آغا، ورغم ذلك، غمر الفولاذ بالماء مرتين ليس أمراً سهلاً.‏

الإنكشاري 2: فعلا الجميع ممتنون من عملك يا معلم علي.. دم سالماً، واصنع لنا السيوف، والتروس دائماً.‏

الإنكشاري 2: قبل قليل كنت تقول هيا، والآن بدأت تثرثر مع المعلم.. هيا يكفي.‏

الإنكشاري 1: لنذهب.. لنذهب (يلتفت إلى علي) اسمح لنا يا معلم.. لقد شغلناك عن عملك لفترة طويلة.. إلى اللقاء.‏

الإنكشاري 1: إلى اللقاء.. دمت سالماً (يسيران).‏

علي: مع السلامة.. مع السلامة.‏

(قبل خروجهما من الباب يعود الإنكشاري 2 إلى علي، ويضع يده على كتفه).‏

الإنكشاري 1: لا تنس أن تكتب اسمي على القبضة يا معلم.. كدت أنسى هذا.‏

الإنكشاري 1: (ينادي من الباب) ألم ننته بعد من قصة السيف هذا؟‏

علي: (للإنكشاري1) كما تريد.. كما تريد.‏

الإنكشاري 1: هيا يا معلم علي.. يجب أن ينسل اللعاب من أفواه أصدقائي عندما سيرون سيفي... يجب أن يقولوا يا سلام...‏

علي: لا تقلق..‏

الإنكشاري 2: إذن هيا.. أستودعك الله.. إلى اللقاء.‏

علي: مع السلامة..‏

(يخرج الإنكشاريان).‏

المشهد الثاني‏

(علي وحيداً)‏

(علي يعمل قرب الموقد.. يمسح عرقه بيده.. يبتسم لخاطر ورد إلى ذهنه يهز رأسه).‏

علي: الوسواس... (يضرب بالمطرقة ... يتنهد) ايه.. الحمد لله.. هذا أيضاً قد انتهى (يترك المطرقة ... يتراجع) أوف.. لقد تعبت كثيراً.. سأستريح قليلاً (يتهاوى على الكرسي)، حتماً نحن في وقت متأخر الآن (ينظر في أطراف المكان، ثم ينظر إلى النافذة الموجودة فوق الموقد.. يتنهد) آه.. آه.. من قال أن علياً لم يحتمل لطف عمه، وأتى إلى "أماصيا"، واستقر فيها، وتحول إلى حداد (يقف.. يتجول.. يشرب من المشربية، ثم يجلس على الفراش، ويفكر لفترة قصيرة، ثم يشد ذراعيه إلى الخلف) آه.. أحس بتعب كبير هذا اليوم (يقف يغسل يديه، ووجهه.. يخرج قطعة قماش من سرواله، ويمسح بها يديه ووجهه، ويأخذ معطفه المعلق على الجدار، ويرتديه... في هذه اللحظة يدخل آغا الوسطى).‏

المشهد الثالث‏

(علي-آغا الوسطى).‏

آغا الوسطى: السلام عليكم يا معلم علي.‏

علي: وعليكم السلام يا آغا.. تفضل.‏

آغا الوسطى: إن شاء الله أنهيت الخنجر، أليس كذلك؟‏

علي: أجل... كنت أنتظرك... لقد عملت عليه طوال النهار، حتى انتهيت منه، كي لا أكون كاذباً في وعدي.‏

آغا الوسطى: لا أنقصك الله يا معلم علي.‏

(يخرج علي الخنجر من خلف الموقد، ويعطيه إلى الآغا).‏

علي: تفضل يا آغا.‏

آغا الوسطى: (يأخذ الخنجر، وينظر إليه بدقة.. يقلبه... يبتسم... يحرك الخنجر ويستعمله)، فعلاً إنه رهيب يا معلم.. لقد أجادوا في مدحهم.. كم هو حسابنا؟‏

علي: بقدر ما تشاء، المهم أنك أعجبت به.‏

آغا الوسطى: لا.. لا يمكن هذا.. كم تريد؟‏

علي: ماذا سيحدث إن لم آخذ شيئاً؟ أهو كثير أن أصنع خنجراً للآغا؟‏

آغا الوسطى: (يجلس على الكرسي) فعلاً أنت إنسان طيب القلب يا معلم علي.‏

علي: هذا من أصالتك يا آغا.‏

(يخرج الآغا كيساً من وسطه، ويمده إلى علي).‏

آغا الوسطى: خذ يا معلم علي.. سلمت يداك... إن احتجت إلى أي شيء، فسأقوم بالواجب إن شاء الله... لقد سررت لهذا كثيراً (يخرج ساعته، وينظر) لقد اقترب موعد آذان العشاء... حتماً أنت أيضاً ستذهب إلى الجامع... ايه.. أستودعك الله((يقف، ويسير).‏

علي: مع السلامة يا آغا.‏

(يخرج آغا الوسطى).‏

المشهد الرابع‏

(علي وحيداً).‏

(يبقى علي وحيداً مرة أخرى.. يتقدم من الموقد).‏

علي: يجب إطفاء الموقد أيضاً (يصب الماء على الموقد، ويقترب من سريره) سأرتب الفراش أيضاً كي يكون جاهزاً عند قدومي.‏

(يمد الفراش.. يسير باتجاه الباب.. يغلق الباب جيداً، ويخرج.. نسمع صوت علي من الخارج).‏

ماذا سيحدث إن لم أقفل... ليس هناك في الداخل ما يؤخذ.‏

(يبقى المسرح فارغاً لمدة.. هناك ضوء خفيف على خشبة المسرح... بعد قليل ينفتح الباب، ويمتد رأس خائف إلى الداخل).‏

اللص1: (لصديقه الموجود في الخارج) اضبط أنفاسك قليلاً يا رجل.. قد يكون هناك أحد ما...‏

اللص2: (يدفع صديقه) قبل قليل كان متوجهاً نحو الجسر.. إنه هو... ألم تره؟ لم أنت خائف؟ (يدخل أحد اللصين، وهو يحمل في يده جلد خروف مبتلاً، وينظر في أطراف المكان).‏

اللص1: دعنا نجلس، ونتقاسم المال، ونرحل قبل مجيء الرجل (يجلسان على السرير).‏

اللص2: لم تمسك هذا الجلد في يدك؟ ارمه.. (يأخذ الجلد من يد صديقه، ويرميه إلى جانب الموقد.. نسمع من الخارج صوت وقع أقدام، وسعالاً خفيفاً).‏

اللص1: (بصوت هامس) اسكت.. بهدوء يا رجل.. حتماً كشف أمرنا... ترى أ هو قادم إلى هنا؟‏

(يسكتان لفترة.. يصيخان السمع باتجاه الباب: يبتعد صوت السعال).‏

اللص2: لا يا رجل... إنه أحد المارة.. يالك من جبان... هيا.. لنتقاسم المال، ونبتعد من هنا..‏

(يخرجان الأكياس من جيببيهما.. يأخذ اللص 2 كيساً، ويعطي كيساً لصديقه الثاني). لقد كان الراعي جباناً، وخائفاً.. عندما رآنا انغز اللسان في حلقه.‏

اللص1: هل حصتي كيسان فقط؟...‏

اللص2: وكم هو عدد الأكياس التي سرقناها؟..‏

(نسمع صوتاً قادماً من البعيد).‏

الضابط: من أنت؟‏

صوت علي: لست غريباً.‏

الضابط: من أ نت؟‏

صوت علي: علي.‏

الضابط: أي علي؟‏

(تخفت الأصوات، وكأنها تأتي من البعيد).‏

اللص1: جيد.. ولكن أنا الذي كنت واقفاً عند رأس الراعي.. كنت أخشى أن يلقي القبض علي.. كان رجلاً قوياً..‏

أصوات: إنه علينا ..إنه المعلم علي يا رجل.‏

ص الضابط: ماذا تفعل هنا يا معلم علي؟‏

ص علي: لا شيء.‏

ص الضابط: كيف لا شيء؟‏

اللص 2: إيه.. يكفي يا رجل.. أنت كنت تنتظر عند الراعي، وأنا دخلت الضيافة، وسرقت الأموال، ولو أنهم ألقوا القبض علي، ماذا كان سيحدث؟..‏

ص الضابط: ألا تعرف أن الآغا لا يريد من أحد أن يتجول في الطريق بمثل هذا الوقت؟‏

ص علي: أعرف.‏

ص الضابط: حسن.. ماذا تعمل هنا في مثل هذا الوقت من الليل؟ هل أ وقعت المطرقة في الماء؟‏

اللص2: (يحاول الوقوف) هيا يا رجل.. هيا.. لقد جلسنا طويلاً.. قد يعود الرجل إلى هنا، ويدخل رأسينا في المصيبة.‏

(يقفان).‏

اللص1: ألن تعطيني كيساً آخر؟‏

ص الضابط: هيا.. ابتعد من هنا، ولا تتجول.. لو كان أحد غيرك، لكنت تصرفت معه على نحو آخر.‏

اللص2: لنبتعد الآن.. غداً سنفكر.‏

اللص1: هل آخذ جلد الخروف؟‏

اللص2: يالك من رجل طماع.. قلت دعه هنا.. الذنب ذنبي لأنني أحضرتك إلى هنا (يُسمع صوت من الخارج.. صوت أقدام، وسعال).‏

لقد جاء الرجل.. سيلقى القبض علينا(يشد صديقه بهدوء خلف الباب، ثم يؤشر بإصبعه علامة السكوت).‏

إن دخل إلى هنا، سأضربه، وتهرب أنت إلى الخارج بسرعة. (يسترق السمع، وينتظر.. تقترب أصوات الأقدام.. يستعد اللصان.. تبتعد أصوات الأقدام. يفتح اللص الثاني الباب بهدوء. يهرب الاثنان إلى الخارج. يظل الباب مفتوحاً... تخفت الإضاءة قليلاً.. يظهر علي بالباب، ثم يدخل وهو شارد ومضطرب).‏

المشهد الخامس‏

(علي وحيداً).‏

علي: (ينظر إلى الباب) شيء غريب. يبدو أن الريح فتحته.‏

(يغلق الباب، ويجيل النظر في الغرفة، وهو يقول: أوف متطاولة.. العيش في المدينة نوع من الأسر، ولكني لا أستطيع العمل في الجبل.. هه.. لا تتجول في الطريق، ولا تقف عند رأس الجسر(يهز رأسه في اتجاهين متضايقاً من هذا الأمر) إيه يا علي.. إيه.. لم تركت المدرسة، وهربت من عمك؟ ربما كنت الآن عصا للفأس..‏

(يجلس على فراشه.. يخلع حذاءه، وبعد ذلك يخلع معطفه ويضعه تحت رأسه، ويتمدد على الفراش بعد فترة).‏

لقد جف حلقي.. الأفضل أن أرتشف قليلاً من الماء (يشرب من المشربية ويعود، ويتمدد على فراشه ثانية)، أنا في هذه المدينة منذ ثلاثة عشر عاماً بعيد عن الأم.. بعيد عن الأب.. بعيد عن الأهل.. لا أشعر اليوم بالنعاس (يشد اللحاف على نفسه.. يميل نحو ا ليسار، نحو اليمين.. بعد قليل يشخر.. يعم الظلام المسرح، بعد فترة نسمع ما يرد من أفكار إلى ذهن علي).‏

لا تهتم... ستتم الأمور... والله... ماذا سيحدث؟... هه..‏

(يميل إلى الجهة الأخرى) لا يمكن في الغد (يضاء المسرح بعد قليل تدريجياً.. نسمع من الخارج أصوات وقع أقدام، وسعال).‏

أصوات: هذا هو الاتجاه.. نحو دكان المعلم علي (تقترب الأصوات، والضجة).‏

ص الضابط: (من الخارج) ا نظروا إلى العتبة.. ليست هناك علامات.. حتماً هذا من فعله.. أخ.. أخ.. انظروا.. انظروا... كيس.. تمام.. إنه هو نفسه (يقرعون الباب بقوة)‏

علي: (يصرخ) تعال يوم الاثنين (يقرع الباب بقوة أكثر).‏

ص الضابط: يا معلم علي.. يا معلم علي.‏

(يقفز علي من فراشه خائفاً، وينظر في أطراف المكان مضطرباً) يا معلم علي.. هي أنت يارجل..‏

علي: (محتاراً) من هناك؟‏

ص الضابط: افتح الباب بسرعة.‏

علي: من أنت؟‏

ص الضابط:. أقول افتح الباب بسرعة.. ستعرف من أكون عندما تفتح الباب(علي ينتعل حذاءه).‏

علي: انتظر.. أنا قادم..‏

(يأخذ المعطف، ويضعه على كتفه، ثم يسير باتجاه الباب، ويفتح المزلاج وعندما يرى الضابط أمامه يقف محتاراً.. يدخل الضابط مع اثنين من الحرس).‏

المشهد السادس‏

(علي-الضابط-الحارسان)‏

الضابط: سنفتش الدكان يا معلم علي.‏

(ينظر علي إلى الضابط بحيرة، وتعجب... يريد أن يقول شيئاً).‏

علي: (متلعثماً) لم؟‏

الضابط: البارحة مساء حدثت سرقة في حظيرة السيد بودال.. تمت سرقة خراف من القطيع، وأموال من دار الضيافة.‏

علي: وما علاقتي أنا بهذه السرقة؟‏

الضابط: اللصوص ذبحوا الخراف تحت الجسر، ونسوا كيساً من النقود هناك.‏

علي: وما علاقتي أنا؟..‏

الضابط: لا تسألني.. استمع إلي فقط..لقد وجدنا كيساً آخر من تلك الأكياس أمام باب دكانك قبل قليل.. انظر إلى العتبة (يشير إلى العتبة) إنها مليئة بالدم.‏

(ينظر علي إلى العتبة بدقة، وحيرة.. تتغير سحنته، ويهز رأسه إلى الجهتين) لقد رأيتك ليلاً عند رأس الجسر.. ماذا كنت تفعل هناك؟..‏

(يتراجع علي وهو في حيرة).‏

علي: فتشوا....‏

الضابط: (للحارسين) فتشا الدكان (يتحرك الحارسان يمنة، ويسرة، ويفتشان الفراش، وينظران إلى أسفله.. يتقدم الضابط من الموقد، وفجأة يصيح أحدهما).‏

الحارس1: أخ.. انظروا.. انظروا..‏

(يرفع جلد الخروف من الأرض.. الضابط ينظر بحذر إلى وجه علي).‏

الضابط: ما هذا؟..‏

(علي لا يجيب.. يقترب الضابط منه، ويمسك ذقنه).‏

يالك من ماكر.. لقد وجدوه تحت مقعدك (بصوت أجش) لا تعذبنا، ولا تجعلنا نغلط بالحديث معك... لا تحاول التستر.. هيا أخرج الأموال، وقل لنا أين هي الخراف؟..‏

علي: أنا لم أضع جلد الخروف هنا.‏

الضابط: وهل أنا الذي وضعته؟ هيا أخرج الأموال.. الأموال.‏

علي: أنا.. أنا..‏

الضابط: (مقاطعاً) أنا لا أعرف شيئاً اسمه أ نا، أو منا يا معلم علي.. هيا قل أين أخفيت تلك الأموال، والأفضل أن تخرجها فوراً... عليك أن تنقذ نفسك بأسهل الطرق أنت تعرف أن الإنكشاريين يحبونك.. ربما فعلت هذا لأن الشيطان قد وسوس لك..لا تتعبنا.. هيا أخرج الأموال (علي يهز رأسه في حيرة).‏

علي: يارب.. أنت تعرف (بفقدان أمل) ما هذه المصائب التي تتوالى على رأسي؟ (يرفع رأسه داعياً) يا آغا...أقسم لك بشرفي، وناموسي بأنني لا أعرف أي شيء، ولا أعرف من وضع هذا الجلد هنا.‏

الضابط: (يلمز) يا معلم علي....‏

علي: أقسم بالقرآن يا آغا إنني لا أعرف شيئاً مما تقول.‏

الضابط: وكيف وصل هذا الجلد، وهذا الكيس إلى هنا؟ ماذا كنت تفعل عند رأس الجسر في ذلك الوقت المتأخر من الليل؟‏

علي: آغا... (لا يستطيع الكلام.. ثم يتابع) يا آغا... ماذا أقول لك؟ لا أعرف.. والله ليس لي علم بأي شيء.. حتماً هو واحد من الأعداء.. أراد الإساءة إلي. ليتني لم أذهب إلى هناك... كنت متضايقاً.. عملت هنا من الصباح وحتى المساء... تعبت كثيراً... أردت أن أستنشق قليلاً من الهواء عند رأس الجسر (يسعل).‏

الضابط: وضح الأمر.. لن تتكلم بالحسنى... كما أنني لا أستطيع أن أجعلك تتكلم مكرهاً (بلهجة قاسية) هيا سر أمامي، هناك ستدافع في المحكمة، ستدافع عن نفسك(يصاب علي بالضيق، ويحني رأسه.. يريد أن يقول شيئاً، ولكنه لا يستطيع.. يحني رأسه إلى الأمام، ثم يسير باتجاه الباب.. يلحق به الحارسان، والضابط، وخلال ذلك يسدل الستار ببطء شديد).‏

-نهايــــة الفصل الأول-‏

الفصل الثاني‏

الديكور (غرفة ا لقاضي. كرسي القاضي في الجهة اليسرى، في الجهة اليمنى باب.. هناك خمسة أو ستة مقاعد للمواجهة.. طاولة صغيرة أسفل الكرسي.. تقرأ المخطوطات التالية على الجدران: العدل أساس الملك-الكسب حبيب الله-العقوبة على أساس العمل.. عند فتح الستارة، نجد القاضي والكاتب في مكانيهما.. الكاتب منشغل بالكتابة... القاضي يضع نظارة على أ نفه، ويمسد شعر لحيته.. بعد أن يسعل يتحدث مع المحضر الواقف في زاوية الغرفة).‏

المشهد الأول‏

(القاضي –الكاتب-المحضر).‏

القاضي: يا حضرة المحضر نادهم، ودعهم يدخلون‏

(ينادي المحضر من الباب).‏

المحضر: الحداد علي سويلامز أوغلو.. الضابط حسين آغا.. الراعي أبرام‏

(يدخل الضابط أولاً، ثم علي، والحارسان، والراعي).‏

المشهد الثاني‏

(السابقون-الضابط-علي-الحارسان-الراعي).‏

(يلقي القاضي نظرة على الحاضرين من خلال نظارته).‏

القاضي: هم.. (يهز رأسه إلى الجهتين بطريق مقصودة، ثم يسأل، وكأنه لم يرهم).‏

هل حضروا يا ولد؟ (يعود ثانية للنظر إلى وجوه الحاضرين) أ خرج من هم شهود على الحادثة.‏

(يمسك المحضر بذراع الراعي، ويطلب منه الخروج، ويلحق به الضابط والحارسان).‏

المشهد الثالث‏

(السابقون –علي).‏

القاضي: (يتحدث إلى علي) ما اسمك يا ولدي؟‏

علي: علي.‏

القاضي: كنيتك؟‏

علي: سويلامز أوغلو‏

القاضي: اسم أبيك؟‏

علي: أحمد.‏

القاضي: كم عمرك؟‏

علي: ثلاثون.‏

القاضي: من أين أنت؟‏

علي: (يتلعثم) يا حضرة القاضي.. أنا لا أعرف من أين أنا..‏

القاضي: يا إلهي.. ألا يعرف المرء من أين هو؟ من أين أتيت إلى هنا؟‏

علي: جئت من "أرز روم"... ولكن...‏

القاضي: حسن.. ومن أين أتيت إلى "أرز روم"؟‏

علي: من القرية.. كنت عند عمي...‏

القاضي: ماذا كان اسم القرية؟‏

علي: لا أعرف.. لم أعد أتذكر..‏

القاضي: هل مضت فترة طويلة على فراق لعمك؟‏

علي: (يتنهد) أجل.. منذ فترة طويلة يا سيدي القاضي.‏

علي: ألم تزر عمك بعد ذلك؟‏

علي: كلا..‏

القاضي: هل حكم عليك سابقاً؟‏

علي: لا يا سيدي.‏

القاضي: ماذا تعمل؟‏

علي: أنا حداد يا سيدي القاضي‏

(يخرج القاضي علبة العطوس من جيبه، وفيما هو يفتح العلبة، يسأل ثانية).‏

القاضي: حسن.. أنت حداد إذن.. أين دكانك؟‏

علي: في حارة المشط..‏

(بعد أن ينظر القاضي إليه من نظارته، ويتفحصه.. يهز رأسه).‏

القاضي: هم.. (يمسد شعر لحيته، ثم يشم من العطوس، ويلتفت إلى الكاتب) حسن.. يا حضرة الكاتب افتح الدفتر، واكتب بناء على حادثة السرقة التي وقعت ليلاً، فقد أفاد المتهم بأنه جاء من إحدى قرى: أرز روم" إلى أماسيا، وفتح دكانه للحدادة في محلة المشط، وهو يبلغ من العمر الثلاثين، ويدعي أنه من عائلة سويلامز أوغلو (يخاطب علي) ما اسم والدك يا ولد؟‏

علي: أحمد.‏

القاضي: (للكاتب) اسمه علي بن أحمد، ويعمل حداداً، وقد دونت المعلومات من الهوية التي قدمها، وجرت التحقيقات معه حسب الأصول (يسعل.. يمسد شعر لحيته، ثم يخاطب علي).‏

نعم يا ولد... (يأخذ ورقة من أمامه، وبعد أن يلقي نظرة عليها) في منتصف ليلة الأمس، وفي الساعة 5، 3 حدثت سرقة.. فقد قام أحد اللصوص بتوثيق راعي السيد بودال، وسرق خمسة خراف، وقد تم ذبح أحد هذه الخراف تحت الجسر، ووقع كيس من المال هناك، ووجد الضابط كيساً آخر من المال أمام دكانك، كما وجد جلد خروف أيضاً في دكانك، وأكد الضابط أنه شاهدك ليلاً عند رأس الجسر(يخرج القاضي منديله، ويعطس، ثم يعيد المنديل على كتفه). حسن.. اشرح الآن كيف وثقتم الراعي، وكيف سرقتم البيت؟ من هم شركاؤك؟‏

علي: (يرفع رأسه المنحني أمامه) أنا لم اسرق يا سيدي القاضي، ولا أعلم لي بأي شيء.‏

القاضي: حسن.. أنت تقول: لا علم لك بأي شيء.. إذن كيف وجد جلد الخروف في دكانك؟ وكيف رأوا أحد الأكياس المسروقة على عتبة دكانك؟‏

علي: أنا لم أحضر هذه الأشياء.‏

القاضي: من الذي أحضرها إذن؟‏

علي: لا أعرف.‏

القاضي: حسن.. ماذا كنت تفعل عند منتصف الليل فوق الجسر؟‏

علي: لا شيء.‏

القاضي: كيف لا شيء؟‏

علي: كنت متضايقاً في ذلك اليوم، وقررت التجول كي أشم قليلاً من الهواء.‏

القاضي: وبعد ذلك؟‏

علي: عندما توجهت نحو الجسر رأيت الضابط قادماً.. لم أتعرف عليه في البداية، ولكني عرفته عندما تقدمت منه.. طلب مني أن أذهب، وأنام، وعدت فوراً إلى الدكان، وأغلقته بالمزلاج، ونمت، ولم أشعل المصباح نظراً لأن ضوء القمر كان ساطعاً.. (يتوقف عن الكلام)‏

القاضي: حسن.. حسن.. أكمل‏

علي: استيقظت في الصباح على أصوات ضربات قوية على الباب، ودخل الضابط، واثنان من معاونيه إلى الدكان، وفتشوه.. لم أكن أعلم أي شيء.. أحد الحارسين وجد جلد خروف ذبح حديثاً، وأخذني الضابط إلى الموقد (يحني رقبته)‏

القاضي: متى رآك الضابط عند رأس الجسر؟ كم كانت الساعة؟‏

علي: لا أعرف يا سيدي القاضي‏

القاضي: (للمحضر) ناد على الضابط يا حضرة المحضر‏

المحضر: (ينادي من الباب) يا حسين أغا‏

(يدخل الضابط)‏

المشهد الرابع‏

(السابقون ـ الضابط)‏

(يحضر المحضر كتاباً أخضر اللون من على الرف، ويقبله، ثم يضعه أمام القاضي)‏

القاضي: (ينظر إلى الضابط من تحت نظارته) ما اسمك يا ولدي؟‏

الضابط: حسين‏

القاضي: واسم والدك؟‏

الضابط: علي‏

القاضي: والحي؟‏

الضابط: كشكا أوغلوا‏

القاضي: الوظيفة؟‏

الضابط: مسؤول عن الحراسة‏

القاضي: (للكاتب) يا حضرة الكاتب.. اكتب في الدفتر ما يلزم من القيود (يلتفت إلى الضابط)‏

أنت الآن في العدالة يا ولد.. القضية معروفة.. ستقول الآن ما شاهدته، وما تعرفه من أجل إحقاق الحق، وإرضاء الله إذ يقول: لا تخفوا الحقيقة.. ستقسم الآن على قول الصدق.. اقترب من هنا (يتجه الضابط إلى القاضي) مد يدك اليمنى (يمد الضابط يده اليمنى، ويضعها على الكاتب) هل تقسم على قول الحقيقة كما حدثت، وكما شاهدتها دون إكراه، أو ضغط؟‏

الضابط: أقسم..‏

(القاضي يجعله يقسم ثلاث مرات)‏

القاضي: حسن.. عد إلى مكانك‏

(يعود الضابط متراجعاً إلى مكانه)‏

القاضي: كم كانت الساعة عندما صادفت علياً.. أتذكر ذلك يا ولد؟‏

الضابط: حوالي 3.5 يا سيدي القاضي‏

القاضي: (لعلي) أين كنت قبل أن يراك الضابط؟‏

علي: كنت أتجول في الطريق‏

القاضي: أي طريق؟‏

علي: الطريق الطويل‏

القاضي: ألم يكن معك أحد؟‏

علي: لا يا سيدي القاضي‏

القاضي: ألم تقابل أحداً، وأنت في طريقك إلى الجسر؟‏

علي: بلى يا سيدي.. شاهدت عند الجسر واحداً من أغوات الوسطى.. حياني، ومر ولكني لم أعرفه جيداً..‏

القاضي: (للمحضر) يا حضرة المحضر.. اطلب الراعي إلى هنا‏

(يتجه المحضر نحو الباب، وينادي)‏

المحضر: الراعي أبرام‏

(يدخل الراعي، ويحيي بطريقة غريبة)‏

المشهد الخامس‏

(السابقون ـ الراعي)‏

القاضي: أهناك آخرون؟‏

المحضر: هناك الحارسان يا سيدي‏

القاضي: أدخلهما‏

(ينادي المحضر من الباب)‏

المحضر: الحارسان‏

(يدخل الحارسان إلى الداخل)‏

المشهد السادس‏

(السابقون ـ الحارسان)‏

القاضي: (للراعي بعد أن يراقبه من تحت نظارته) ما اسمك يا ولدي؟‏

الراعي: أبرام‏

القاضي: من أين؟ (ينظر الراعي حوله مضطرباً) إني أتحدث معك يا ولد.. بماذا ينادونك؟‏

الراعي: ينادونني الراعي أبرام‏

(يهز القاضي رأسه إلى الطرفين، وكأنه منزعج)‏

القاضي: لا يا ولدي.. أنا لا أسألك عن مهنتك.. أريد أن أعرف كنيتك.. كنيتك.. هذا ما أريد معرفته‏

الراعي: أيسألني سيدي القاضي من أكون؟‏

القاضي: لا يا ولدي.. أريد أن أعرف اسم عائلتك‏

الراعي: هه.. فهمت يا سيدي القاضي.. يقولون عنا "جنق جي أوغلو"‏

القاضي: نعم.. هكذا (يغير من نبرة حديثه) ما اسم والدك يا ولد؟‏

الراعي: ايرزا‏

القاضي: أنت الآن في حضرة المحكمة.. الحادثة معروفة.. ستقول الآن ما تعرفه، وما رأيته.. تعال إلى هنا (يتقدم الراعي من القاضي) مد يدك اليمنى (يمد الراعي يده اليسرى (القاضي يمسك باليد اليمنى) مد هذه (يضع يد الراعي على الكتاب) لإرضاء الله.. قل والله سأقول الحقيقة دون إكراه، أو ضغط‏

الراعي: والله..‏

القاضي: حسن.. عد إلى مكانك‏

(يعود الراعي إلى مكانه)‏

هيا.. احكِ لنا يا ولد.. متى جاء اللصوص‏

الراعي: يا سيدي القاضي.. كنت وصلت حديثاً من الصلاة.. تمددت.. أغمضت عيني، وفجأة رأيت رجلين فوق رأسي‏

القاضي: (يقاطعه) حسن.. حسن.. (يلتفت إلى علي) يا ولدي.. عندما رآك الضابط عند رأس الجسر، وحذرك من التجول.. ماذا فعلت؟‏

علي: كما قلت قبل قليل يا سيدي القاضي.. عدت فوراً إلى دكاني، ولأن ضوء القمر كان ساطعاً، فإنني لم أشعل المصباح‏

القاضي: هل عدت إلى الدكان من الطريق نفسه؟ ألم تقابل أحداً؟‏

علي: لم أقابل أحداً أثناء العودة‏

القاضي: إذن أنت قابلت الضابط بعد وقوع حادثة السرقة بحوالي الساعة‏

(يمسد شعر لحيته، وينظر إلى وجه علي، ويهز رأسه)‏

إذن عدت من الطريق نفسه؟ أهناك من يثبت أقوالك هذه؟‏

علي: لا يا سيدي‏

القاضي: (للضابط) متى وجدت الكيس تحت الجسر يا ولد؟‏

الضابط: صباحاً يا سيدي القاضي، وبعد مضي ساعة وجدنا الكيس الثاني عند عتبة دكان علي‏

القاضي: هل كان وضعه غير طبيعي عندما صادفته؟‏

الضابط: تقريباً يا سيدي القاضي.. أجاب على أسئلتي بأجوبة مختصرة، وقصيرة.. لم يعطني أسباباً مقنعة..‏

القاضي: (يهز رأسه بشك) هم.. كيف كان شكل اللصوص يا ولد؟ (يشير إلى علي) هل كانا يشبهان هذا؟‏

الراعي: كنت مذهولاً يا حضرة القاضي.. كان الوقت متأخراً.. لم أرهما بشكل جيد.. كانا ضخمين.. أحدهما كان يشبه هذا‏

القاضي: (لعلي) هل تعرف هذا الرجل؟ أهناك عداوة سابقة بينك، وبينه؟‏

علي: (يرفع رأسه المنحني أمامه ببطء شديد، وينظر إلى الراعي) كلا‏

القاضي: (للراعي) حسن.. هيا.. استمر يا ولدي.. ماذا حدث بعد ذلك؟‏

الراعي: يا سيدي القاضي.. كنت قد وضعت الحيوانات في الحظيرة‏

(يمسح القاضي أنفه بالمنديل)‏

القاضي: حسن‏

الراعي: كنت مريضاً في ذلك اليوم يا سيدي القاضي.. بعد الصلاة أخلدت إلى النوم وعندما فتحت عينايّ وجدت رجلين واقفين فوق رأسي، وأنا مريض بالقلب قليلاً عندما شاهدت الرجلين فقدت وعيي، وبعد فترة طويلة استيقظت، ولم أجد أحداً عدت إلى وعيي ببطء، وعددت الخراف، فوجدت خمسة منها مفقودة.. أسرعت إلى البيت، وأخبرت الخادم بما حدث، وفي الصباح أخبر الآغا بما حدث، و..‏

القاضي: (يقاطعه) حسن.. يكفي.. يكفي..‏

(يأخذ الكتاب الموجود أمامه، ويقرأ، ثم لعلي)‏

يا ولدي كل الدلائل تشير إلى أنك المتهم، ولكونك لم تستطع إثبات تجوالك على الطريق أثناء حدوث السرقة، ولثبوت أنك كنت على الجسر، والحرس وجدوا كيساً تحت الجسر، وبالإضافة إلى ذلك وجدوا كيساً آخر عند عتبة دكانك، وجلد خروف داخل دكانك، وبما أن هذه الدلائل كافية للمحكمة، كي تقتنع بالتهمة المنسوبة إليك، فإن الحكم يوجب قطع ذراعك اليسرى، وذلك استناداً إلى الأحكام الواردة في قانون العقوبات..‏

(يأخذ الكتاب بين يديه، ويقرأ)‏

عندما يحاول إنسان سرقة إنسان آخر، فإن الشرع يفرض قطع إحدى ذراعي الفاعل، كعقوبة رادعة من أجل الحفاظ على الدالة.. هل تسمع يا ولد؟ هذه عقوبة رادعة لمن تسول نفسه ارتكاب مثل هذا الجرم مستقبلاً (يسعل) إن قيمة الذراع تساوي (100) كيس، إن استطعت تسديد هذا المبلغ، فإن الشرع، والقانون يصلان إلى حقهما.. ويقول الكتاب أيضاً وإذا تأكدت المحكمة أن من فعل جرم السرقة لم يقدم على فعل كهذا سابقاً، ولهذا السبب فإنها تفرض فدية، وتطلق سراحه، والفدية هنا يجب أن تكون (20) مثلاً من المال المسروق‏

(يرفع رأسه عن الكتاب، لعلي)‏

المال المسروق (5) أكياس، وإن نفذنا القانون، فالفدية تصبح (100) كيس، وهو المبلغ الذي يستوجب عليك تسديده.. ألديك ما تريد قوله بهذا الخصوص يا ولد؟‏

علي: (يرفع رأسه ببطء شديد) سيدي القاضي.. دع ذراعي، واقطع رأسي.. أرجوك‏

القاضي: لا يا ولدي.. العقوبة حسب الجرم.. أنا رجل شرع "العقوبة حسب الجرم" هكذا قالوا.. أنت لست قاطع طريق، وارتكبت جرم القتل كي أقطع رأسك.. أنت سرقت، ولو أنك ارتكبت تلك الفعلة لطار رأسك.. ماذا نفعل؟ هذا هو حكم القانون.. ستقطع ذراعك، ولكن إن سددت المبلغ، فسيفرج عنك.. ألديك المال؟‏

علي: (يتنهد، وبصوت خافت) لا..‏

القاضي: ألديك ما تقول؟‏

(لا يجيب علي.. يميل برأسه إلى الأمام، ويتنهد)‏

القاضي: انتهت المحاكمة.. غداً ستكون في المكان الذي سينفذ فيه الحكم.. ستكون إلى جانب الموقد (يعود إلى الكاتب) يا حضرة الكاتب.. يعطي مهلة يوم لتنفيذ حكم المحكمة.. أي إلى يوم الغد.. يبلغ هذا الأمر من يلزم لتنفيذه (يخاطب الحارسان)‏

هيا.. خذا هذا، واذهبا به (للضابط) وأنت أيضاً‏

(يؤشر بيده، كي يخرجوا.. الحارسان يمسكان علي من ذراعيه.. ويجرانه نحو الباب.. يسير علي، وهو يترنح من هول الصدمة.. يغلق الستار تدريجياً.. في هذه اللحظة يقترب الراعي من القاضي)‏

الراعي: وخرافي يا سيدي القاضي.. سيقتلني الآغا والله‏

(يشير القاضي بحركة، وكأنه يقول: اذهب.. يسدل الستار)‏

نهاية الفصل الثاني‏

الفصل الثالث‏

الديكور: في الأمام أريكة.. فراش في الزاوية.. درج صغير.. في الجهة اليسرى كرسي أو كرسيان.. في الجهة اليمنى باب.. الحاج محمد جالس على الفراش، منشغلاً بتقليب صفحات الدفتر الذي بين يديه.. بعد قليل يدخل اثنان من الانكشاريين)‏

المشهد الأول‏

(محمد ـ الإنكشاريان)‏

الإنكشاريان: السلام عليكم يا عمي الحاج‏

(يغلق اللحام الدفتر الذي بين يديه، يحاول الوقوف)‏

اللحام: وعليكم السلام يا أغوات.. تفضلا‏

(يجلس أحد الإنكشاريين على الفراش، والثاني على الكرسي)‏

مرحبا يا أغوات‏

الإنكشاري1: مرحبا يا عمي الحاج‏

الإنكشاري2: مرحبا يا عمي الحاج‏

اللحام: كيف حالكما؟ ماذا تفعلان؟ كيف مزاجكما؟‏

الإنكشاري1: لا تسأل عن مزاجنا يا عمي الحاج.. مزاجنا ليس جيداً‏

اللحام: خيراً؟ لم ليس جيداً؟ أهناك أمر ما؟‏

الإنكشاري1: ليس كما تتوقع يا عمي الحاج.. لقد وقعت مصيبة على رأس شخص يحبه الإنكشاريون..‏

اللحام: خيراً إن شاء الله‏

الإنكشاري1: ربما سمعت.. هناك معلم للحدادة في حي كجاجي أوغلوا.. يصنع لنا السيوف، والخناجر‏

اللحام: أجل..‏

الإنكشاري1: ستقوم المحكمة بقطع ذراعه‏

اللحام: ولماذا؟‏

الإنكشاري1: يا عزيزي.. منذ أيام حدثت سرقة في حظيرة، بيت السيد بودال.. لم يجدوا اللصوص، ومن الصدف أن حدادنا خرج في ذلك اليوم للتجول، وعند رأس الجسر صادفه الضابط الليلي.. اشتبه في وضعه قليلاً، ولكونه يعرفه إنساناً جيداً لم يقل له شيئاً.. علماً أن السرقة حدثت في الليلة نفسها، وقد وجدوا جلد خروف، وكيساً من المال في دكانه، ولهذا السبب ألقي القبض عليه، وسيق إلى المحكمة، والبارحة جرت محاكمته ولأن الأدلة تثبت أصابع الاتهام الموجهة إليه فقد قرر القاضي الحكم عليه بقطع ذراعه، أو يدفع فدية مقابل المبلغ المسروق، ونظراً لأنه لا يملك قيمة الفدية، فسيقطع ذراعه، ويبقى مشوهاً طوال حياته‏

اللحام: ليته لم يسرق يا عزيزي‏

الإنكشاري2: ما تقوله صحيح يا محمد آغا، ولكن المعلم علي رجل مسكين‏

اللحام طبعاً.. لو لم يكن سارقاً، فهل كانت المحكمة تحكم عليه؟‏

الإنكشاري1: هذا هو الوضع يا حج محمد آغا، أنت لا تعرف المعلم علي جيداً.. إنه إنسان لا يحب المال.. يصنع لنا السيوف دون مساومة، ولهذا السبب نعتقد أنه لم يقم بالسرقة‏

اللحام: أنا لا أعرفه جيداً.. لابد أن ذلك السكين (يشير إلى الجهة الأخرى) من صنع يده‏

الإنكشاري1: على أية حال الذنب يقع على رقبة القاضي.. الآن يجب أن تعرف لماذا أقلقنا راحتك (اللحام يغير من جلسته) كل الأصدقاء قرروا مد يد العون لهذا المعلم الطيب، والشريف، كي لا يصبح صاحب عاهة.. الرجل قدم لنا الكثير من المعروف، ولذلك جئنا إليك (اللحام يغير من وضعه، ويسعل) أنت يا عمنا الحاج تحب الخير، وتقدم المعروف.. جئناك راجين، ونحن على ثقة أنك لن تخجلنا، وتكسر بخاطرنا.. ولهذا السبب أرسلنا الأصدقاء كي نطلب منك تقديم المساعدة، ودفع الفدية عن ذراع علي‏

(تتغير سحنة اللحام، ويمسد شعر لحيته)‏

الإنكشاري2: يا حج محمد آغا.. إن ساعدتنا بهذا المعروف، فإنك ستقدم معروفاً ليس لعلي فقط، بل لكل أهالي "أماسيا".. ستدخل السرور إلى قلوبهم‏

الإنكشاري1: ومقابل هذا المعروف الذي ستقدمه لعلي، فإنه، وإلى أن تموت ـ أطال الله عمرك ـ سيبقى أجيراً عندك، ودون مقابل.. ما رأيك؟ موافق؟‏

اللحام: أقصد.. يعني.. كيف يمكنني أن ألقي بدكاني وأغراضي إلى رجل أقدم على السرقة؟‏

الإنكشاري1: كما قلنا لك يا أبانا الحاج.. إنه ليس مذنباً.. هل سمعت بقصة كهذه إلى يومنا هذا؟ علي طيب، وصادق، ولنفرض جدلاً أنه تصرف على نحو خاطئ، فنحن واثقون أنه لم يسرق.. بل ونكفله أيضاً‏

اللحام: حسن.. ولكن.. يعني (يسعل) أنا رجل عصبي المزاج و..‏

الإنكشاري2: لا تقلق من هذه الناحية.. علي شاب له فم، وليس له لسان.. سينفذ كل أوامرك‏

الإنكشاري1: سيحترم إحسانك هذا.. سيكون ممتناً مما فعلت.. إنك بحاجة إلى رجل يساعدك، وينفذ كل ما تريد، وعلى أحسن وجه‏

اللحام: وكم هي قيمة الفدية؟‏

الإنكشاري2: (100) كيس‏

اللحام: (يفتح عينيه مندهشاً) 100؟ هذا كثير‏

الإنكشاري2: هذا كثير بالنسبة لنا، أما بالنسبة لحجي آغا، فإنه لا يساوي أذن جمل‏

اللحام: والله لا أعرف ما أقول (يفكر قليلاً، ويغير من جلسته، ويمسد شعر لحيته) طبعاً.. أنا لا أستطيع أن أخجلكما، أو أخجل الأصدقاء، ولكن أريد أن تذهبا إليه، وتطلبا منه تنفيذ كل طلباتي‏

الإنكشاري1: لقد وعدناك بهذا مسبقاً.. لا تهتم يا بابا الحاج.. لا تقلق‏

(يمد اللحام يده إلى الدرج، ويخرج الأكياس، ويمدها إلى الإثنين)‏

اللحام: تفضلا.. سأعتمد عليكما‏

(الإنكشاري2 يأخذ الأكياس)‏

الإنكشاري2: لقد أمضينا هنا وقتاً طويلاً.. هيا نذهب قبل تنفيذ الحكم.. آه يا أبانا الحاج دمت.. كنت عظيماً.. سيأتي يوم، ونقوم نحن أيضاً بمد يد العون والمعروف لك.. يقولون: الباب الذهبي يحتاج إلى الباب الخشبي أيضاً نستودعك الله.. سنحضر علياً إلى هنا بعد قليل‏

(يسيران باتجاه الباب)‏

اللحام: مع السلامة.. مع السلامة‏

(يخرج الإنكشاريان)‏

المشهد الثاني‏

(اللحام وحيداً)‏

(يقف اللحام، ويتحدث مع نفسه، وهو يتجول)‏

اللحام: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. أنا أهرب من المصيبة والمصيبة تلحق بي، وكما يقال: تبصق إلى الأعلى شاربك، وتبصق إلى الأسفل ذقنك.. كان من الضروري مقابلتهم بالحسنى (يتجه إلى مكانه) لقد أخذ الرجلان مني المال، وأخشى أن يخدعاني.. انظروا إلى عقلي هذا.. تفو لم يقولوا عقل التركي يأتي متأخراً.. لماذا لم تأخذ أموالك بنفسك، وتدفعها لهم.. إنك من جهة ستتعرف على الرجل، وتتحدث معه، ومن جهة أخرى تعرف إن كانت القصة حقيقية أم لا.. حسن.. سأذهب الآن بنفسي‏

(يتجه نحو الباب مسرعاً، ويخرج.. نسمع من الخارج)‏

ص الإنكشاري1: لقد جئنا إليك‏

(يدخل اللحام أولاً، ثم الإنكشاريان، وعلي)‏

المشهد الثالث‏

(اللحام ـ الإنكشاريان ـ علي)‏

الإنكشاري1: انظر يا بابا الحاج.. لقد أحضرنا علياً‏

(يجلس الإنكشاري 1 على الفراش، ويجلس الإنكشاري2، وعلي على الكرسيين.. على منحنيّ الرأس.. ينظر إلى زاوية ما.. شارد.. وضعه سيء)‏

إن شاء الله ستسر من علي، سيكون مثل ولدك‏

الإنكشاري2: الناس لبعضهم.. يجب أن نرضى بما جرى لنا.. من كان يعرف أن الأمور ستجري هكذا مع علي؟ يصدر حكم بقطع ذراعه، ويتبرع الحاج محمد بتقديم يد العون، وإنقاذه من هذه المصيبة.. حتماً هناك حكمة في هذا.. هكذا شاءت الأقدار..‏

(يستمع علي إلى هذا الكلام، ويأخذ نفساً عميقاً.. يرفع رأسه، وينظر إلى نقطة ما)‏

لقد قلنا لعلي كل ما يتوجب علينا قوله يا بابا الحاج.. أدينا واجبنا، ولم يبق ما نفعله أليس كذلك؟‏

اللحام: لا‏

الإنكشاري1: إذن اسمح لنا بالذهاب (يقفان) يا بابا الحاج.. لقد قدمت اليوم ثواباً كبيراً إن شاء الله تأتيك الخيرات نتيجة ما فعلت‏

(يسيران نحو الباب.. يلتفت الإنكشاري1 إلى علي)‏

سنراك يا معلم علي.. لا تخجلنا (يلتفت إلى اللحام) نستودعك الله..‏

دمت يا بابا الحاج.. كن بأمان الله يا معلم علي‏

اللحام: مع السلامة (يخرجان)‏

المشهد الرابع‏

(اللحام ـ علي)‏

(يجلس اللحام في زاوية، ويظل علي جالساً على الكرسي.. يسعل اللحام عدة مرات، ثم يمسد شعر لحيته.. ينتظر الفرصة ليقول شيئاً)‏

اللحام: يا ولدي.. سأقول لك الآن ما يجب أن تفعله.. هذه غرفتي، وهناك الدكان (يشير نحو الباب) هناك ستجد الساطور، والسكين، وما يلزم. عندما يأتيك زبون تبيع له من اللحم المقطوع البقر بـ "5" والخروف بـ"8". سأذهب الآن إلى الصلاة، وحتى أعود عليك أن تكنس المكان جيداً‏

(يخرج ساعته من وسطه، وينظر)‏

أوه.. لقد تأخرت عن الصلاة (يقف، ويرتدي حذاءه، ويذهب باتجاه الباب يلتفت، ويعود، وينظر في الدرج، ثم يسير ثانية) لا تنس سنّ السكاكين، وتنظيف الساطور، وكفتي الميزان (وهو يخرج) إذا أتاك زبون بعه (يخرج)‏

المشهد الخامس‏

(علي وحيداً)‏

(يبقى علي وحيداً.. يفكر، يأخذ المكنسة من الزاوية، ويبدأ بتكنيس المكان ثم يخرج، ويعود ثانية، وهو يحمل السكين، والمسنّ الحجري.. يجلس على الأرض، ويبدأ بسنّ السكين)‏

علي: (لنفسه) ماذا سأفعل؟ ماذا سأفعل؟‏

(يعود اللحام بعد قليل.. علي لا يشعر بدخوله.. يبقى شارداً)‏

المشهد السادس‏

(علي ـ اللحام)‏

اللحام: ماذا تفعل؟ ألم تسنّ السكاكين بعد؟ آه منك آه (يلتفت إلى الخلف) لم تنظف الميزان، والساطور أيضاً.. لا يا ولدي أنا لا يمكن أن أستمر معك على هذا النحو.. يجب أن تنفذ كل ما أطلبه منك فوراً.. لقد مضت ساعة على ذهابي وأنت لا تزال تسنّ السكاكين (يجلس في مكانه) لا يجوز مثل هذا الأمر.. دعك من السكاكين، وافعل ما قلت لك..‏

(يضع علي السكين على الفراش)‏

يا ولدي.. هل السكين يوضع هناك؟ هل وجدته هناك؟ لا حول ولا قوة.. خذها (يأخذ علي السكاكين) خذها إلى مكانها‏

(يخرج علي "يقف اللحام، ويتجه نحو الباب")‏

المشهد السابع‏

(اللحام وحيداً)‏

اللحام: يا ولدي خذ قطعة القماش الموجودة في الزاوية، ونظف بها.. نعم.. هكذا.. ماذا هناك في الأسفل؟ دم، أم شيء آخر؟ امسحه.. (تسمع من الخارج أصوات تنظيف للأواني) الآن خذ الساطور، وامسحه جيداً.. لا ليس هكذا اضغط عليه جيداً.. اضغط.. أوه.. دعه.. دعه.. لا تستطيع فعل ذلك..‏

(يخرج منزعجاً من الباب، ونسمع صوته) هكذا يجب أن تفعل‏

(يعود اللحام إلى الداخل، ويجلس في مكانه غاضباً) كيف يمكن للعاطل أن يعمل؟ (ينادي) دعك منه.. لا تلعب لساعات.. تعال إلى هنا، وامسح وجه حذائي (يدخل علي ببطء إلى الداخل.. يأخذ الحذاء بيده، ويريد الخروج) إلى أين تريد أخذه؟ لم أطلب منك أن تأخذه إلى الخارج.. طلبت منك أن تحضر قطعة قماش، وتنظفه هنا.. الله.. الله.. إنه يستوعب كلامي بصعوبة‏

(يخرج علي)‏

المشهد الثامن‏

(اللحام وحيداً)‏

(تمر فترة يعود بعدها علي مع قطعة قماش جديدة)‏

المشهد التاسع‏

(اللحام ـ علي)‏

اللحام: آه يا إلهي.. يا ولدي إن قطعة القماش التي في يدك قذرة، ومليئة بالشحوم.. هل رأيت حذاء ينظف بقطعة قماش كهذه؟.. هيا أحضر قطعة نظيفة‏

(يخرج علي)‏

المشهد العاشر‏

(اللحام ـ علي)‏

(يعود علي بعد قليل)‏

اللحام: تعال، ولا تنزعج.. أيمكن أن لا يكون؟ إن لم تجد، فيمكنك أن تنظفه ببطانة معطفك (يمسح علي الحذاء ببطانة معطفه) لا يزال هناك غبار على الوجه نظفه جيداً (يستمر علي بالتنظيف) يكفي.. دعه.. دعه.. اسمعني الآن سأقول لك ما يجب عليك فعله في الغد.. اسمعني جيداً.. غداً، وقبل شروق الشمس تذهب إلى قرية "كراجا"، وتحضر من هناك خروفين، وتقوم بذبحهما وتجريدهما، وحالما تنتهي من ذلك تأتي إلى البيت، وتأخذ الحمار، وتذهب به إلى جبل الحطب، وتحمل من هناك حملاً من الحطب.. يجب أن تعرف كل ما يحتاجه البيت.. هه.. كدت أنسى.. تأخذ حملاً إلى المطحنة.. تطحن، وتعود لا تتأخر في الجبل، ولا تتسلّ في المطحنة.. أنا ذاهب الآن إلى البيت (يشير نحو الدكان) هناك قطعة لحم.. اطبخها، وكلها.. بيتي برأس الزاوية الأمامية.. ستنام هناك.. هل فهمت؟ أنا ذاهب (يخرج)‏

المشهد الحادي عشر‏

(علي وحيداً)‏

(يجلس علي على السرير، ويستند بذقنه على يده، ويبدأ بالتفكير)‏

علي: ماذا سأفعل؟ ماذا سأفعل يا إلهي؟ (يظلم المسرح تدريجياً.. يخرج علي.. يظلم المسرح نهائياً.. تمر فترة، ويضاء المسرح ثانية.. يدخل علي، وبيده مكنسة، وعندما يبدأ بتكنيس الغرفة يدخل اللحام)‏

المشهد الثاني عشر‏

(اللحام ـ علي)‏

اللحام: الآن بدأت تكنس؟ ماذا فعلت إلى هذه الساعة؟ لقد مضت ساعتان على إحضارك للطحين (يجلس في مكانه) الطحين خشن، وهناك نقص في الكمية (يتفحص الدرج) ألم تراقبهم في المطحنة‏

(علي لا يرد، وكأنه لم يسمع شيئاً.. اللحام يرفع صوته عالياً)‏

إني أتحدث معك.. ألا تسمع يا رجل؟ دع المكنسة، واسمعني (يترك علي عمله، ويستقيم) لقد جرح ظهر الحمار من حمولة الحطب.. يا للحيوان المسكين (ينظر علي بحدة إلى وجه اللحام) لماذا تنظر إلي هكذا، وكأنك تريد أن تأكلني؟ ألا يكفيك ما فعلت؟ لماذا تنظر إلي مهدداً؟ (يغير من جلسته غاضباً) لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (للمشاهدين) وهل يهمه هذا الكلام؟ جرح الحمار، والطحين ناقص، والحمولة قليلة (يلتفت إلى علي الذي ما يزال ينظر إلى اللحام منزعجاً) أنا الذي دفعت قيمة تلك الأشياء.. أنا.. انظروا إلى هذا الرجل، كأنه يريد أن يلتهمني بعينيه.. لم هذه النظرات؟‏

(ينحني علي برأسه إلى الأمام فجأة) لولاي لكنت الآن أكتب.. هيا.. لا تقف أمامي.. ابتعد.. انظر (يؤشر بيده نحو الخارج) هناك متوتر الأعصاب، ويغير من جلسته) هِي.. إني أتحدث معك.. ألا تسمع؟ هيا.. اذهب، ونظف تحت اللحم..‏

(يعود علي إلى وضعه السابق، ثم يخرج ببطء)‏

المشهد الثالث عشر‏

(اللحام وحيداً)‏

اللحام: لا حول ولا قوة (يقف.. يتجول قليلاً) لقد أقحمت نفسك بأمور تافهة يا رجل‏

ما علاقتك أنت؟ ليتك قلت لا، وأبعدت الهم عن رأسك (يهز رأسه، وينادي على علي، وهو يجلس) هِي .. انظر إليّ.. تعال إلى هنا‏

(يدخل علي ببطء، وهو شارد، ويصطدم رجله بغرض ما، فيترنح)‏

المشهد الرابع عشر‏

(اللحام ـ علي)‏

اللحام: هِي.. انظر أمامك يا رجل.. ألم تنته بعد؟ يا ويحك.. انظر إلي.. سأذهب إلى دكان عثمان آغا.. نادني إن طلبني أحد.. وإذا جاءك زبون فبعه.. هل فهمت؟‏

(يقف، ويفحص الدرج، ثم يتجه نحو الباب)‏

لا تنس أن تسنّ السكاكين، والساطور.. سأعود حالاً‏

المشهد الخامس عشر‏

(علي وحيداً)‏

(يظل علي لفترة شارداً، ثم يخرج، ويعود، ومعه الساطور.. يجلس على الأرض ويبدأ بسن الساطور)‏

علي: (يتنهد) أوف.. يا لحظي التعس.. آه يا إلهي.. ماذا سأفعل؟ ماذا سأفعل؟‏

(يشرد طويلاً.. يدخل اللحام، ويجلس في مكانه.. لا يشعر علي بقدوم اللحام)‏

المشهد السادس عشر‏

(علي ـ اللحام)‏

اللحام: يا للمسكين.. آه.. مضت فترة، وأنت تلعب بهذا الساطور.. ألم تسنّ السكاكين بعد؟.. هل سأل عني أحد؟‏

(يعود علي إلى وعيه.. يرفع رأسه، وعندما يرى اللحام يصاب بالحرج، ولكنه يحدق باللحام.. اللحام يخاف من نظراته مرة أخرى، ويثور غاضباً) ما هذا؟ هل جرحنا قلبك؟ لو كانت نفسك عزيزة عليك، لما لجأت إلى السرقة (يقع الساطور من يد علي، ولكنه يظل مستمراً بالنظر إلى اللحام.. ينزعج اللحام من هذه النظرات، ويقف على قدميه فجأة، ويسير باتجاه علي)‏

أنا الذي دفع (100) كيس فدية لذراعك.. نعم.. هكذا.. طق.. طق.. طق (لا يستطيع تتمة حديثه، عندما يرى علياً يأخذ الساطور من الأرض.. يظن اللحام أنه سيضربه، فيتراجع إلى الوراء خائفاً.. بينما يسرع علي راكضاً بالخروج)‏

المشهد السابع عشر‏

(اللحام وحيداً)‏

اللحام: نعم أنا (يؤشر بيده إلى صدره) نعم أنا الذي دفعت يا مسكين‏

(نسمع من الخارج صوت الساطور بقوة، وبعد ذلك يظهر علي)‏

المشهد الثامن عشر‏

(اللحام ـ علي)‏

(يتقدم علي خطوة إلى الأمام، وهو يمسك بيده الأخرى ذراعه المبتورة، ويرميها في وجه اللحام)‏

علي: (يتحدث بصوت مرتجف) خذ.. هذه هي الفدية التي دفعتها عني‏

(يقف اللحام مندهشاً مما يرى، ولا يعرف ماذا يفعل، أو يقول)‏

اللحام: آه.. آه..‏

(يخرج من الباب مسرعاً، ويسدل الستار ببطء)‏

النهــايــــــــــــة‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244