مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 131 صيف 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

نافذة على العالم ـــ مدير التحرير

لابدّ لكي يكون المنزل صحيّاً من أن تكون نوافذه وأبوابه مشرّعة لأشعة الشمس والنسيم العليل، ليتجدّد هواء الغرف، فينتعش السكّان بالدفء والراحة والاطمئنان. أما إذا كان بلا نوافذ ولا أبواب فإنَّه يتحوّل إلى ضريح واسع، ولكنَّه مغلق تتفاعل فيه الأنفاس، وتختنق شيئاً فشيئاً إلى أن يكون الموات.. وكم من أمة استهانت بذلك مدّعية بأنَّها الأكثر حضوراً، فكان مصيرها الزوال، لأنَّ البقاء دائماً للأقوى والصالح للحياة والساعي إلى معرفة ما يحيط به، والاجتهاد أمر مرغوب في ذلك كلّه، والإنسان عدوّ ما يجهل من جهة، وتوّاق إلى معرفة كلّ شيء ليميز الطالح من الصالح من جهة أخرى.‏

إنَّ معرفة الآخر ضرورة للعقلاء، ولذلك سعى الإنسان إليها في القديم والحديث، وكان السفر وسيلة إلى ذلك (اغترب تتجدّد)، سواء أكان السفر للتجارة، كما هي الحال في نشأة المسرح العربي على يدي المؤسس مارون النقاش، أم كان للعلم والمعرفة، كما هي الحال عند كثيرين ممن يوفدون إلى بلدان العالم غرباً وشرقاً للتخصّص في شأن ما، ويمكننا أن نضرب أمثلة كثيرة على ذلك في كتب الرحلات التي سعى أصحابها لاكتشاف الآخر في العادات والتقاليد والفولكلور والاطلاع على الإنجازات الحضارية، وكلّنا يدرك التحولات العظيمة التي حلّت في شخصية الشيخ رفاعة رفاعة الطهطاوي فتى مصر الذي رافق البعثة الأولى التي أرسلها محمد علي باشا إلى فرنسا، فقد عاد من هناك، وفي جعبته قسم كبير من المشروعات الحضارية، وحاول النهوض بالحياة المصرية وثقافتها في القرن التاسع عشر، وليس بعيداً عن ذلك، رحلة فرنسيس المراش في كتابه "رحلة باريس" وأثرها في فكره التنويري، وكذا شأن أحمد فارس الشدياق في كتابيه "الواسطة في معرفة مالطة" و"كشف المخبّأ عن فنون أوربه"، وعلينا ألاَّ ننسى هنا الروايات الكثيرة التي اتخذت موضوعات لها ذات صلة بالآخر، والفائدة من هذه الرحلات مزدوجة، فهي تبدأ من معرفة الآخر ومعرفة ما لديه من معارف وعلوم وتقانات إلى تَقَبُّلهِ والحوار معه.‏

ولا شكَّ أنَّ لدى الآخر حقولاً معرفية نحتاج إليها في نهضتنا الحالية، وهو في الوقت ذاته يهتمّ بما لدينا، ولاسيّما أنّ بلاد المشرق قد رأتِ النور أولاً، وحسبنا هنا أن نذكر كتاب "ألف ليلة وليلة" والفتوحات التي حقّقها في السرديات الأوروبية بعامة، والفرنسية منها بخاصة، بعد أن ترجمه أنطوان غالان إلى الفرنسية في مطلع القرن الثامن عشر، فنقل إلى الغرب روح الشرق، وصارت شهرزاد مصدراً ثرَّاً للحكايات المختلفة، وعلينا أن نتذكر في هذا المجال أنَّ مجد جبران خليل جبران الأدبي في الغرب في أنَّه كان يحمل إليه روح الشرق وأسراره العميقة.‏

كانت الترجمة وما تزال أهمَّ وسيلة اتصال معرفية، ومعرفة اللغات والثقافات ضرورة للمترجم الحاذق، ونضرب على ذلك مثلاً بسليمان البستاني الذي نقل "الإلياذة" إلى العربية شعراً، وكتب لها مقدمة نقدية واسعة، واشتغل عليها سنوات في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وقد كان يتقن خمس عشرة لغة عدّاً ونقداً، ويُروى أنَّه كان يهمّ بوضع أبجدية للغة الغجر غير أنَّ المنية عاجلته، كما يُروى أنّه في إحدى سفاراته للدولة العثمانية إلى بريطانيا دعاه الملك والملكة لزيارة القصر بعد أن أعجبا بلغته الإنكليزية، فقال له الملك: لاشكَّ في أنَّك تعلّمت هذه اللغة في بلادنا، فتيسّر لسليمان أن يجيبه بأنّ هذه أول زيارة له إلى المملكة، فقال الملك: إذاً تعلّمتها في مدارسنا التي أنشأناها في بلادكم، ولكنَّه أجاب: كلاَّ يا سيّدي، وإنّما تعلّمتها في مدارسنا الوطنية.‏

نحنُ اليوم أشدُّ حاجةً منّا من أيّ عصر مضى للإفادة من الحقول المعرفية المختلفة التي ينتجها الآخر لنهضتنا الثقافية المنتظرة، وبخاصة أنّ هذا الآخر مازال ينتج مزيداً من المعرفة النقدية والمناهج البحثية، ولذلك كانت مجلة "الآداب العالمية" منذ صدورها بعنوان "الآداب الأجنبية" إلى اليوم، وستبقى نافذة مفتوحة على الغرب والشرق في آن معاً.. نافذة مفتوحة على الإبداع.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244