مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 132 خريف 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

دم كاسر الإضراب (قصة من الفلبين) روخلـيو أوردونيس ـــ ت.د.شوكت يوسف

روخليو أوردونيس قاص وروائي فلبيني معروف. ولد عام 1940 في مقاطعة (كافيتي). يكتب باللغة التغالية. يعمل محاضراً لمادة الأدب في عاصمة بلاده (مانيلا). يعتبر من نشطاء حركة المثقفين التقدميين في بلاده.‏

كان هدير أنوال معمل النسيج وضجيجها الذي لا ينقطع ولو لثانية واحدة قويين يصمان الآذان. أحسّ (مندو)، وهو أمام نوْله، أن ذلك ليس سوى صرخات ما قبل الموت. بات هذا الضجيج كأنما يصرخ في أذنه، يطلب منه بإلحاح شيئاً ما، تماماً كحال ضربات قلبه والعرق المتصبّب من جبينه والحرارة المتسربة تدريجياً إلى دمه. خالَ الساعة الضخمة المعلّقة عيناً مفتوحة على اتساعها ترقب كل زاوية في سجن الآلات الكبير هذا وتنظر إليه مباشرة كذلك.‏

سُمع فجأة صوت ارتفع فوق ضجيج الآلة:‏

ـ اقترب الموعد يا أصدقاء!‏

أجابته أصوات عديدة أشبه بالصراخ:‏

ـ نحن جاهزون!‏

سأل آخر بصوت عال:‏

ـ هل من معارض؟‏

وعلى الفور دوّت في كل أرجاء المكان أصوات في صوت واحد:‏

لا أحد!‏

رفع مندو رأسه. كانت تعابير وجوه زملائه جديّة وصارمة انعكست فيها مشاعرهم وأحاسيسهم ـ الحماسة، الاندفاع، الاستعداد للكفاح، الحميّة الثورية. قرأ في عيونهم التصميم والعزم والإرادة الصلبة. أمّا هو نفسه فكان نهباً لمشاعر أخرى مختلفة تماماً عن مشاعر كل الزملاء.‏

الآلات تهدر بأصواتها دون توقف، والخيوط تدور لتصبح نسيجاً كاملاً. مؤشر الدقائق في الساعة الكبيرة المعلقة يتحرك ببطء شديد. العمّال ينظرون بقلقٍ وغضب نحو مندو، أما هو فيبدو عليه العناء... يحاول طرد الأفكار التي لا تني تطن في رأسه... رأسه يضجّ.‏

يهدأ تدريجياً ضجيج الأنوال. يشبه الآن أنين محتضر. حلّت أخيراً الدقيقة التي بقي فيها نول مندو وحده يخرق الهدوء.‏

عرف لماذا توقفت الآلات الآن عن العمل، وعرف كم الساعة دون أن يرفع رأسه: الثانية والنصف تماماً. انتظر الجميع بترقب حلول هذا الوقت. كذلك هيّأ مندو نفسه لذلك.‏

التفت مندو حوله. كان العمال يغادرون أماكنهم واحداً واحداً كما لو حلّت نهاية يوم عمل المجموعة. وكان كل واحد ينظر وهو خارج باستغراب صوب مندو.‏

مرّ من أمامه (كادو) قائد الإضراب الذي جرى الاستعداد له منذ زمن وصرخ في وجهه:‏

ـ أي يا زميل! حقاً رأسك يابس. أنت ضدنا جميعاً؟ لا تلم سوى نفسك!‏

ارتبك مندو للحظة: هل يعني ذلك أنهم قد صمّموا فعلاً على تنفيذ الخطة! لكنه أدرك حالاً أنه لا يمكن الآن قهر الإرادة التي تشكلت ونضجت خلال زمنٍ غير قصير والتي عبّرت عنها الآن نظراتهم وملامح وجوههم.‏

وضع شخص ما يده على كتفه. استدار فرأى مدير المعمل واقفاً أمامه. أطفأ مندو محرّك الآلة.‏

سأله المدير:‏

ـ ألستَ المدير:‏

ـ لا أريد أن يجوع أطفالي.‏

ـ هل يعني هذا أنك مستمر في العمل؟‏

ـ لا أستطيع ألا أعمل. أنا المعيل الوحيد للأسرة.‏

هزّ المدير رأسه باستحسان. المعمل طبعاً بأمسّ الحاجة الآن لمثل مندو. إذا تعطلت كل الأنوال توقف العمل في المعمل كله. سيفقد إذ ذاك كثيرون عملهم: عمال التفصيل والصباغة وعمال المستودع وسواهم. وخلال بضعة أشهر تصبح خسارة المعمل محققة.‏

ـ تابعْ عملك وسأدفع لك خمسين بيزو إضافة إلى أجرك الحالي، وحتى بعد انتهاء الإضراب. لكن أطلب منك بالمقابل أن تنفّذ المعدل المطلوب ـ خمسين ياردة يومياً وعندها سيبقى لدينا في المستودع كمية كافية من القماش. لن يهمني الإضراب عندئذ حتى لو استمر شهرين، إذ سيبقى بإمكاننا تلبية طلبات الزبائن. استأنف مندو عمله وعلا هدير الآلة من جديد. نول واحد في الورشة كلها. بدا كأنما يسخر من الهدوء. لبث مندو مرتبكاً طوال الوقت. يزداد اضطرابه في كل مرة تقع عيناه على ساعة الحائط. يتذكر نظرات زملائه المتوعدة وسواعدهم الجاهزة لتفريغ شحنة الغضب المكبوت. يتذكر أيضاً لسان كادو الحاد.‏

قال كادو ذات مرة بعد انتهاء الدوام:‏

ـ مصّاصو دماء! لأنّ طلبات الزبائن كثيرة يرغموننا على العمل زمناً أطول وفي أيام الآحاد، وفوق ذلك كله يفرضون علينا غرامات...‏

قاطعه أحد العمال:‏

ـ ما العمل؟ هل باليد حيلة؟ ألا تعرف أنه من الصعوبة الآن العثور على عمل... بصق كادو على الأرض. قطّب جبينه وقال:‏

ـ اعملْ إذن إلى أن تفطس! نحن نطعمهم بأيدينا ونجوع!‏

لم يجبه أحد. فهمه جميعهم جيداً. فهمه مندو كذلك. كادو محق طبعاً. قال ما كان يدور برأس كل منهم. تحمّلوا كثيراً من الأذى والمضايقات وصبروا طويلاً. يقضون نصف حياتهم في الورشة ويجوعون نصف حياتهم. قال كادوا الحقيقة: بالكاد يكفي الأجر للاستمرار على قيد الحياة. أرباب العمل يزدادون ثراء، أما نحن فلا نستطيع إعالة أُسرنا.‏

تابع كادو كلامه قائلاً:‏

ـ انظر إلى (تشوا) ـ صاحب معملنا. اشترى بعرق جباهنا ثلاث سيارات «كاديلاك». أما أنت وبعد عشرين سنة ستبقى أفقر من فأر.‏

كان كلام كادو عين الحقيقة. مع ذلك قرّر مندو ألا يأخذ برأيه ـ فليضربْ كادو ومن معه... خاف الرجل أن يخسر عمله. عنده زوجة وثلاثة أطفال، وعليه أن يفكر بهم في المقام الأول.‏

أدرك أنّ كادو محق وكذلك العمال الآخرون. أدرك أنه يتصرف بخسّةٍ ويخون زملاء العمل. لكنه يعيل أسرة! وعند الآخرين بالطبع أسر، فعلاً الأمر صعب على الجميع، لكن ما علاقته بالآخرين! لماذا عليه أن يسير في ركاب كادو وأضرابه؟ إنه مستقل، مسؤول عن نفسه... لن يهتم بأطفاله أحد سواه. يجب أن يعيش بأي ثمن...‏

عندما أشارت الساعة إلى الخامسة والنصف أوقف الآلة. لبث واقفاً في مكانه بعض الوقت. الهدوء الآن يخيّم على المكان... هدوء كما في المقابر. وأحسّ باضطراب داخلي كما لو كان في مقبرة. خرج إلى فناء المبنى. رأى من بعيد العمال المضربين متجمعين حول بوابة المعمل. رفعوا في أيديهم لافتات. صوّبوا نظراتهم نحوه كأنما ينتظرون خروجه. أحسّ بالخوف، لكنه صمّم على متابعة الشوط. تلفّت حوله. ليس ثمة طريق آخر.‏

اتجه كادو نحوه واضعاً يديه في جيبي سترته الجلدية:‏

ـ مندو! دقيقة من فضلك!‏

اقترب مندو منه. على الفور أحاط به جمع من العمّال. كان كادو عابساً محمر الوجه:‏

ـ حذّرتك منذ أيام يا حيوان! قلت لك لا تكن جباناً. تتصرف كما لو كنتَ عبد تشوا. هل يرضيك أن يثني عليك؟!‏

رفع مندو عينيه وقال بنبرة قوية:‏

ـ لا أحد يمنعكم من الإضراب. أما أنا فأرفض.‏

ـ حيوان! نذل!‏

لم تكد تصل كلمات كادو أسماع العمال الآخرين حتى أخذوا بتلابيب مندو. دفعه أحدهم، صفعه آخر... اندفع الجميع نحوه من كل الجهات. ولم يعد يُرى سوى قبضات الأيدي المرفوعة وسط دائرة مغلقة.?‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244