|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
ليسبِث راديارد كيبلينغ (1) ـــ ت.توفيق الأسدي «انظر، لقد نَبَذْتَ الحب! ما هي تلك الآلهة التي تأمرني بعبادتها؟ الثلاثة في الواحد، الواحد في الثلاثة! ليس الأمر كذلك! سأذهب إلى آلهتي. ربما ستمنحني من الطمأنينة أكثر من مسيحك البارد وثالوثك شديد التعقيد». من قصيدة «المهتدي» هي ابنةُ كلٍّ من «سونو»، ذلك الجبليّ من الهملايا وزوجته «جاده». في أحد الأعوام كان موسم الذرة سيئاً، وحدث أن أنفق دبّان الليل بطوله في حقلهما الوحيد المزروع بالخشخاش فوق وادي سوتلج مباشرة من ناحية كوتغار. لذلك، تنصّرا في الموسم التالي، وجلبا ابنتهما إلى مقر الإرسالية التبشرية لتُعمّد. عمّد قس كوتغار البنت باسم «إليزابث»، وهذا الاسم يلفظ «ليسبث» بلسان أهل الجبال أو بلغة «البهاري». فيما بعد حلت الكوليرا في وادي كوتغار وحملت معها سونو وجاده، وأضحت ليسبث نصف خادمة ونصف رفيقة لزوجة قس كوتغار. حدث هذا بعد عهد الإرساليات المورافية في تلك المنطقة، ولكن قبل أن تنسى كوتغار تماماً لقبها كـ«سيدة الجبال الشمالية». لا أعلم إن كانت المسيحية قد ارتقت بليسبث، أو أن آلهة شعبها كانت ستؤدي لها الخدمة ذاتها على أية حال. ولكنها كبرت لتصبح رائعة الجمال. حين تصبح فتاة جبلية رائعة الجمال، فإن التملّي من جمالها يستحق السفر مسافة خمسين ميلاً في أرض وعرة. كان لليسبث وجه إغريقي: واحد من تلك الوجوه التي يرسمها الناس غالباً، ولكنهم لا يرونها إلا نادراً. كان لون بشرتها عاجياً شاحباً، وقامتها طويلة جداً بالمقارنة مع بنات عرقها. كما كانت عيناها رائعتين، ولو لم تكن ترتدي تلك الملابس المصنوعة من القماش المطبوع التي تحبذها الإرساليات الدينية، لظننتها، لو أنك قابلتها فجأة على جانب التل، «ديانا» الأصلية، إلهة الرومان وقد خرجت للصيد والنحر. اعتنقت ليسبث المسيحية بيسر، ولم تتخل عنها حين بلغت سن النساء، كما هو شأن فتيات الجبال. كان أفراد شعبها يكرهونها لأنها ـ كما يقولون ـ أصبحت امرأة بيضاء تغتسل يومياً. كما لم تكن امرأة القس لتعرف ما تفعله بها. فلا يستطيع المرء أن يطلب من إلهة جليلة يبلغ طولها 178 سم أن تغسل الأطباق والصحون. كانت تلعب مع أولاد القس وتحضر الدروس في مدرسة يوم الأحد، وتقرأ جميع الكتب في المنزل، وتكبر لتصبح أكثر فأكثر جمالاً، شأن الأميرات في حكايات الجن. قالت زوجة القس إنه ينبغي على الفتاة أن تعمل في «سيملا» كممرضة أو تمارس أحد الأعمال «الأنيقة». ولكن ليسبث لم تكن راغبة في العمل. كانت سعيدة جداً في بيئتها. وحين كان بعض المسافرين ـ الذين لم يكونوا كثراً في تلك الأيام ـ يصلون إلى كوتغار، اعتادت ليسبث أن تغلق باب غرفتها على نفسها خشية أن يأخذوها إلى سيملا، أو إلى العالم المجهول. وفي أحد الأيام، بعد أشهر قليلة من بلوغها سن السابعة عشرة، خرجت ليسبث للتنزه. لم تكن تمشي بأسلوب السيدات الإنكليزيات ـ مسافة ميل ونصف والعودة بالعربة ـ بل كانت نزهاتها الصغيرة تتراوح بين عشرين وثلاثين ميلاً، وكلها بين كوتغار وناركوندا. في هذه المرة عادت والغسق في أوجه، وهي تهبط المنحدر الخطر باتجاه كوتغار حاملة شيئاً ثقيلاً بين ذراعيها. كانت زوجة القس تنام نوماً خفيفاً في غرفة الاستقبال حين وصلت ليسبث وهي تتنفس بصعوبة ومرهقة جداً بحملها. وضعت ليسبث الحمل على الأريكة، وقالت ببساطة: «هذا زوجي. وجدته على طريق باغي. إنه مصاب بجروح. سنمرضه وحين يتعافى، سيقوم زوجك بعقد قرانه عليّ» كانت هذه أول مرة تذكر فيها ليسبث رأيها في الزواج، وصرخت زوجة القس من الرعب. على أي حال، كان الرجل على الأريكة في حاجة إلى عناية أولاً. كان شاباً إنكليزياً أصيب بجرح عميق في رأسه بشيء مثلم. قالت ليسبث إنها وجدته على جانب التل وحملته إلى هنا. كان يتنفس بطريقة غريبة وفاقداً لوعيه. وُضِعَ في الفراش واعتنى به القس الذي كان يعرف شيئاً من الطب. أما ليسبث فراحت تنتظر خارج الباب في حال طُلِبَ إليها أن تمد يد المساعدة. وقد شرحت للقس أن هذا هو الرجل الذي كانت تنوي الزواج منه. وقد وبخها القس وزوجته بشدة بسبب سلوكها الشائن. أصغت ليسبث بهدوء، ثم كررت اقتراحها الأول. لا بدّ أن الكثير من المسيحية مطلوب للتخلص من الغرائز الشرقية الهمجية مثل الوقوع في الحب من النظرة الأولى. فبعد أن وجدت ليسبث الرجل الذي تعبده، لم تفهم لِمَ ينبغي عليها ألاّ تعبر عن اختيارها. كانت ستعتني بذلك الإنكليزي حتى يتعافى بما فيه الكفاية ليتزوجها. كان ذلك هو برنامجها. بعد أسبوعين من الحمى الخفيفة والالتهاب، استعاد الإنكليزي وعيه وشكر القس وزوجته وليسبث ـ وخاصة ليسبث ـ على لطفهم. كان مسافراً في أرجاء الشرق، كما قال، فما كانوا يتحدثون عن «جوّابي الكرة الأرضية» في تلك الأيام، حين كان أسطول البريد ما يزال جديداً وصغيراً. وكان قد وصل من «دهرا دان» بحثاً عن النباتات والفراشات في جبال سيملا. لذلك لم يكن هناك في سيملا من يعرف أي شيء عنه. وقد تخيل أنه قد سقط من على جرف وهو يحاول الوصول إلى نبتة سرخس على جذع شجرة عفن، وأن حماليه لا بد أن يكونوا قد سرقوا متاعه وفروا بعيداً. كان يفكر في العودة إلى سيملا حين يصبح أكثر قوة. لم يكن راغباً في المزيد من تسلق الجبال. ولم يتسرع في الرحيل وراح يسترد عافيته ببطء. اعترضت ليسبث على نصائح القس وزوجته. لذلك تحدثت زوجة القس إلى الإنكليزي وحكت له عما يحدث في قلب ليسبث. ضحك كثيراً وقال إن الأمر جميل ورومانطيقي جداً، ولكن بما أنه قد سبق وخطب فتاة في الوطن، فهو لا يتصور أن يحدث أي شيء. وبكل تأكيد سيتصرف بحذر وتحفظ. وقد فعل ذلك غير أنّه وجد الحديث مع ليسبث والسير معها مثيراً للبهجة، وراح يقول لها أشياء لطيفة، ويناديها بأسماء التحبب بينما كان يتعافى بما فيه الكفاية ليتمكن من الرحيل. لم يكن الأمر يعني له الكثير، بينما كان بالنسبة إلى ليسبث كل شيء في الوجود. كانت سعيدة جداً خلال فترة ذينك الأسبوعين، لأنها وجدت رجلاً تحبه. وبما أنها كانت غير متمدنة بحسب المولد، فلم تكن تحاول أن تخفي مشاعرها، وقد وجد الإنكليزي في ذلك بعض التسلية. وحين قرر الرحيل، سارت ليسبث معه صاعدة الجبل حتى وصلا ناركوندا، وكانت تشعر بالاضطراب والبؤس الشديدين. وكانت زوجة القس ـ المسيحية الصالحة التي تكره أي شيء يثير الاهتياج أو الفضيحة بعد أن كانت ليسبث قد خرجت عن طاعتها تماماً ـ قد أخبرت الإنكليزي بأن يقول لليسبث إنه سيعود ليتزوجها. قالت زوجة القس: «إنها مجرد طفلة، كما تعرف، وأخشى أنها ما تزال وثنية في أعماقها». لذلك، راح الإنكليزي طوال مسافة الاثني عشر ميلاً صعوداً في الجبل، يحيط خصر ليسبث بذراعه ويؤكد لها أنه سيعود ليتزوجها، وقد جعلته ليسبث يعدها المرة تلو الأخرى بذلك. وقد بكت على قمة ناركوندا حتى غاب هو عن نظرها على امتداد ممر موتياني. ثم جففت دموعها وعادت إلى كوتغار مجدداً، وقالت لزوجة القس: «سيعود ويتزوجني». لقد ذهب إلى أهله ليبلغهم بذلك. وقد واستها زوجة القس وقالت: «سيعود» بعد مرور شهرين على ذلك، بدأت ليسبث تفقد صبرها، وقد قيل لها إن الإنكليزي قد مضى عبر البحار إلى إنكلترا. كانت تعرف أين تقع إنكلترا، لأنها كانت قد قرأت بعض كتب الجغرافيا الابتدائية، ولكن لم يكن لديها أي تصور عن البحر، كونها ابنة الجبل. كان لديهم في المنزل خريطة قديمة على شكل أحجية. وكانت ليسبث قد لعبت بها وهي بَعْدُ طفلة. بحثت عنها حتى وجدتها، ثم راحت تنظمها في الأمسيات وتبكي بينها وبين نفسها، وتحاول تخيل مكان وجود رجلها الإنكليزي. وبما أنه لم يكن لديها أي فكرة عن المسافات أو عن السفن البخارية فقد كانت أفكارها جامحة نوعاً ما. وما كان مهماً قطّ أن تكون على صواب، فلم يكن في نية الإنكليزي أن يعود قط ليتزوج من فتاة الجبل. كان قد نسيها تماماً بعد وصوله إلى آسام ليصطاد الفراشات. كما ألف كتاباً عن الشرق فيما بعد، ولكن اسم ليسبث لم يرد فيه إطلاقاً. مع مرور ثلاثة أشهر، راحت ليسبث تحجّ يومياً إلى ناركوندا لترى إن كان رجلها الإنكليزي قادماً على طول الطريق. كان ذلك يبعث فيها الراحة. وكانت زوجة القس إذ تجدها أكثر سعادة، تظن أنها بدأت تتغلب على حماقتها الهمجية وغير المحتشمة إلى حد بعيد. وبعد فترة قصيرة، لم تعد المشاوير تريح ليسبث وبدأ مزاجها يفسد. وهكذا ظنت زوجة القس أن الوقت قد حان لتعرف الفتاة حقيقة الأمور: أي أن الإنكليزي الذي وعدها بالحب قد فعل ذلك ليبقيها هادئة، وأنه لم يكن يعني ما قاله، وأنه من الخطأ أن تفكر ليسبث بالزواج من رجل إنكليزي خلق من طينة أسمى، عدا عن أنه سبق له وخطب فتاة من قومه. قالت ليسبث إن هذا كله مستحيل حتماً، لأنه قال لها إنه يحبها، وإن زوجة القس قد أكدت لها بلسانها أن الإنكليزي سيعود من أجلها. سألت ليسبث: «كيف يمكن أن يكون ما قاله هو وقلته أنتِ غير صحيح»؟ قالت زوجة القس: «قلناه كعذر حتى نبقيك هادئة يا ابنتي». قالت ليسبث: «إذن، لقد كذبتما عليّ، أنت وهو». أومأت زوجة القس برأسها علامة الإيجاب، ولم تقل شيئاً. صمتت ليسبث أيضاً لبعض الوقت. ثم هبطت إلى الوادي لتعود في ملابس فتيات الجبل شديدة القذارة ولكن دون أن تضع حلقة الأنف وقرط الأذنين. كانت قد ضفرت شعرها في ضفيرة طويلة بواسطة خيط أسود كما تفعل فتيات الجبل. قالت: «سأعود إلى قومي. لقد قتلتم ليسبث. لم يتبق سوى ابنة جاده العجوز: ابنة باباري وخادمة تاركا ديفي. جميعكم كذابون أنتم الإنكليز». وحين شفيت زوجة القس من صدمة إعلان ليسبث بأنها عادت إلى آلهة أمها كانت الفتاة قد اختفت، ولم تعد قط. راحت تمارس عادات قومها القذرين بوحشية، كأنما تريد أن تسدد ما عليها من ديون متأخرة لقاء سنوات حياتها التي خرجت منها. وخلال وقت قصير، تزوجت من حطاب كان يضربها وفق أسلوب شعب الباهار، وذبل جمالها. قالت زوجة القس: «ليس هناك قانون تستطيع فيه تفسير تقلب أهواء الوثنيين، وأعتقد أن ليسبث كانت دائماً في أعماقها كافرة». ولكن لو أخذنا في الاعتبار أن الفتاة أدخلت إلى كنيسة إنكلترا في سن ناضجة بلغت خمسة أسابيع، فإن هذا التصريح ليس في مصلحة زوجة القس. حين توفيت ليسبث كانت قد بلغت من العمر عتياً. وظلت تتقن الإنكليزية بشكل كامل إلى آخر أيامها، وحين كانت تثمل إلى حد كاف كانت تستطيع أن تحكي قصة أول حب لها. كان من الصعب آنئذ أن يميز المرء أن تلك المخلوقة دامعة العينين مجعدة الوجه، الأشبه بلفافة من الخرق المحروقة هي « ليسبث فتاة إرسالية كوتغار». (1) راديارد كيبلينغ (1865 ـ 1937) شاعر وكاتب قصة وصحفي ومؤيد للاستعمار، وأحد أهم من أرّخ للتجربة الاستعمارية البريطانية في الهند. ولد في بومباي (الهند) عام 1865، لأب اسمه جون لوكوود كيبلينغ، كتب وزين بالرسوم كتاب «الحيوان والإنسان في الهند»، ولأم اسمها أليس كانت زوجة شقيق الرسام والمصمم السير إدوارد بيرن ـ جونز. في عام 1871، اصطحب كيبلينغ مع أخته الأصغر سناً إلى إنكلترا، حيث عاش خمس سنوات تعيسة مع قريبة عجوز في ساوثسي. في عام 1878، التحق كيبلينغ بمدرسة متوسطة مخصصة لأبناء الموظفين الكبار، وهناك بدأ يكتب الشعر ونشر كتاباً في عام 1881. بعد أن ترك المدرسة، عمل صحفياً في الهند 1882 ـ 1889، وخلال تلك الفترة كتب قصصاً وإسكتشات وقصائد نالت شهرة في إنكلترا التي عاد ليستقر فيها في عام 1889. وقد نشر عدة مجموعات قصصية وشعرية في الفترة التي تلت فترسخت شهرته كواحد من أهم الكتاب الإنكليز. في عام 1892 تزوج كارولاين باليستير ـ شقيقة ناشره الأمريكي، وأقام في السنوات الأربع التالية في فرمونت، الولايات المتحدة الأمريكية. وخلال وجوده هناك، كتب كيبلينغ أشهر كتبه «كتاب الأدغال»، وقد نال نجاحاً كبيراً بمجرد نشر عام 1894. عاد كيبلينغ إلى إنكلترا عام 1896 ليستقر نهائياً فيها. أما رائعته «كيم» فنشرها عام 1901. لم يتوقف كيبلينغ عن السفر وعمل مراسلاً حربياً في حرب البوير في جنوب أفريقيا في عام 1900. كانت تقاريره عن حرب البوير مذهلة، ولكن آراءه المتشددة فيما يخص العنف وتمتين عرى الإمبريالية أثارت عداوة المناهضين للإمبريالية في وطنه الذين اتهموه بالشوفينية وبأنه من مثيري الحروب. في عام 1907 كان أول كاتب إنكليزي ينال جائزة نوبل للأدب. قتل ابنه الوحيد في عام 1915. وقد كتب سيرة ذاتية غير مكتملة نشرت بعد وفاته. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |