مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 132 خريف 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

موت إلزا باسْكُلَيت للكاتب الألماني هايْنْرِشْ بُلْ ـــ ت.د.حسان الحاج إبراهيم

كان يستأجر السِرداب في الدار التي كنا نسكنها من قبل سمّان يدعى باسكليت، وكنا ما نفتأ نجد صناديق البرتقال في كل مكان من الأروقة التي تفوح منها روائح الفاكهة الخَمِجة التي كان باسكليت يعدها لصاحب القمامة لنقلها، كما كنا نسمع خلف غُبْشةِ الزجاج الأبيض اللبني صوت باسكليت الجافي بلهجته البروسية الشرقية وهو يشكو زمانه البائس. إلا أن باسكليت كان في صميمه مرح النفس، فكنا نعرف معرفة اليقين التي لا يعرفها إلا الأولاد أن تأففه وسبابه ما كانا إلا هزلاً. وكثيراً ما كان يرقى بضع الدرجات التي كانت تبلغ به السكة من السرداب وقد ملأ جيوبه بالتفاح والبرتقال الذي كان يُلَقّفُناه كالكرات.‏

وقد كان باسكليت إنما أثار اهتمامنا بابنته إلزا التي كنا نعلم عنها أنها تريد أن تكون راقصة، أو لعلها كانت آنذاك راقصة فعلاً، على أنها كثيراً ما كانت تمارس الرقص تحت في السرداب المطلي بالأصفر قرب مطبخ باسكليت، فتاة هيفاء شقراء شاحبة عليها لباس فَلوتٌ أخضر، تهفو على أطراف قدميها دقائق بطولها كأنها التَمّة(1) تطّوّف طوراً أو تقفز في الهواء منقلبة كالبهلوان. وكنت إذا أعْتَمْتُ أراها من كوة غرفة النوم، فأرى في الكوة المستطيلة الصفراء جسمها النحيل بلباسه الأخضر الناضر ووجهها المُتَقَبّض الشاحب ورأسها الأشقر الذي كان يهز المصباح المجرد أحياناً في أثناء قفزها، فيأخذ المصباح في التدلدل وتتسع دائرة ضوئه الأصفر وتمتد في الباحة الغبشاء لحظة أو لحظات. وكان يمر قوم فيصيحون عبر الباحة: «بَغِيّ»، ولم أكن أعرف ما البغيّ آنذاك، وكان غيرهم يصيح: «رجس الخنازير» وكنت أحسبني أعرف ما رجس الخنازير، ولكنني ما كنت أظن أن يكون لذلك صلة ما بإلزا. وكانت كوة باسكليت تفتح عندئذ فتحاً عنيفاً ويظهر من بين بخار المقلى رأس باسكليت الأصلع المخمور، ومع الضوء الذي ينساب من كوة المطبخ المفتوحة في الباحة، كان يرتفع صياح باسكليت في الباحة المظلمة وابلاً من السباب والشتائم مما لم أكن أفهم منه شيئاً. وقد سُترت بعد ذلك غرفة إلزا بقطيفة خضراء غليظة، فحجبت الستارة ما كان ينبعث من ضوء من غرفتها، ولكنني مع ذلك كنت كل ليلة أنظر نحو تلك الكوة الكامد بريقها وأراها وإن كنت في الحق لا أستطيع أن أراها: إلزا باسكليت بلباسها الفلوت الأخضر الناضر، نحيلة وشقراء، وهي تهفو لحظات تحت المصباح المجرد.‏

وقد هجرنا منزلنا ذاك من بعد، وكبرتُ وأدركت ما البغيّ وحسبت أنني أعرف ما رجس الخنازير، وشهدت الراقصات، ولكنني لم أجد بينهن راقصة ترضيني كما كانت ترضيني إلزا باسكليت التي لم أسمع عنها شيئاً بعد ذلك. وحططنا رحالنا في بلدة أخرى، واستعرت نار الحرب وطالت الحرب وما خطرت لي إلزا على بال، حتى بعد أن عدنا إلى البلدة الأولى. وقد جربت أعمالاً مختلفة أبعد الاختلاف إلى أن أصبحت قائد سيارة عند تاجر كبير من تجار الفاكهة، فكان تجوالي بالشاحنة خير عمل أستطيعه حقاً، فكنت أستلم قائمتي في الصباح، وأستلم صناديق التفاح والبرتقال وسلال الإجاص، وأنطلق بعدها في المدينة.‏

وذات يوم وكنت واقفاً على الحدود(2)؛ حيث تحمل البضائع على سيارتي وأنا أرقب الأحمال وأقابل بينها وبين القائمة معي؛ إذ جاء كاتب الحسابات من حِفْشِه(3) المغطى بإعلانات الموز وسأل أمين المخزن قائلاً: «أنستطيع أن نمد باسكليت؟».‏

ـ «فهل طلب شيئاً إذن، أعنباً أبيض؟».‏

قال كاتب الحسابات وهو يرفع قلم الرصاص عن أذنه وينظر إلى أمين المخزن في دهشة: «نعم».‏

قال أمين المخزن: «إنه يطلب أحياناً عنباً أبيض، ولست أدري مع ذلك لم لا نستطيع أن نرسل إليه ما يطلب». ثم إنه صاح بالحمالين في مباذلهم الرمد قائلاً: «هيا.. هيا». وعاد كاتب الحسابات إلى حفشه. أما أنا فلم أعد ألتفت إلى الحمالين أو أستوثق مما كانوا يحملون إلى السيارة من البضاعة أو أقابل بينه وبين القائمة معي، بل لم أعد أرى إلا كوة السرداب المستطيلة المضيئة، وإلزا باسكليت ترقص شاحبة نحيلة بلباسها الأخضر الناضر. وقد سلكت من بعد طريقاً غير ما كان ينبغي لي ذلك الصباح.‏

أما المصابيح التي كنا نلعب عندها فلم أجد منها شيئاً إلا مصباحاً واحداً مقطوع الرأس, وأما البيوت فكان أكثرها متهدماً. ومضيت تهدر بي سيارتي في حفر الطريق العميقة، وقد خلت السكة من الأولاد، وإن كانت لتعج بهم فيما مضى، إلا صبياً أدعج شاحباً قد قعد على عرقوبيه قائماً على أطراف أصابعه فوق أنقاض جدار وهو يخط أشكالاً على التراب الضارب إلى البياض، فرفع نظره إلي وأنا أمر أمامه ثم عاد فنكس رأسه، وأوقفت سيارتي أمام بيت باسكليت ونزلت، وقد اغبرت كوى العرض الصغيرة فيه، وانهارت أكوام صناديق الورق المقوى ولطخ الوسخ ورقها الضارب إلى الخضرة بالسواد. ورفعت رأسي أنظر في الجدار المصلح، وتمهلت وأنا أفتح الباب المفضي إلى الدكان وأنزل الدرجات في بطء، وما كدت أنزل حتى وجدت رائحة الأفاويه التي أصابها البلل وقد كَتِلَت(4) وتركت لدى الباب في صندوق من الورق المقوى. ثم رأيت ظهر باسكليت ورأيت الشيب تحت كُمّته، وشعرت بما كان يجد من ضيق إذ يصب الخل من دَنّ كبير في زجاجة، وإذ لم يحكم سد البُزال حتى جرى الحساء الحامض على أصابعه، وتجمعت قطعة منه حامضة نتنة الرائحة على الأرض فوق الخشب الذي كان يَصِرّ تحت قدميه. وكانت تقف إلى المصطبة امرأة نحيلة تلبس معطفاً ضارباً إلى الحمرة وترقب باسكليت في غير اكتراث، حتى فرغ بعد لأي من ملء الزجاجة وكمّها. فألقيت السلام عندئذ مرة أخرى بصوت خفيض بعد أن كنت ألقيته وأنا عند الباب فلم يرد السلام علي أحد. ثم وضع باسكليت الزجاجة على المصطبة ونظر إلى المرأة بوجهه الشاحب غير المحلوق وقال: «ابنتي ماتت... ابنتي إلزا».‏

قالت المرأة بصوت أجش: «أعلم ذلك، وقد علمته منذ خمسة أعوام. وأريد أيضاً بعض رمل الجَلْي».‏

قال باسكليت وكأنما يخبر المرأة بما لا تعلمه: «قد ماتت ابنتي». ونظر إليها في حيرة ولكن المرأة قالت: «من الرمل المنفرط زن لي ست أواق». وجذب باسكليت إليه من تحت المصطبة وعاء أدكن ثم أخذ يُنَقّر فيه بمرفَشةٍ من الصفيح وينقل بيدين مرتعشتين كتل الرمل المصفر إلى كيس من الورق الأرمد.‏

قال: «ماتت ابنتي». وصمتت المرأة. وأخذتُ أنظر حولي فلم أجد إلا رِزَم الإطْرِية(5) المغبرة ودن الخل الذي كان يقطر الخل من صنبوره، ورمل الجلي ولوحة مموهة بالميناء عليها صورة صبي كاشرٍ عن أسنانه يأكل قطعة شوكولا، مما لم يعد له وجود منذ سنين. ودفعت المرأة الزجاجة في كيسها المشبك ورزمت قربها الرمل ثم رمت ببضع قطع من النقد على المصطبة، ثم التفتت ونقرت بإصبعها على جبينها نقراً خاطفاً وهي تمر بي وابتسمت في وجهي.‏

وأطلت التفكر. وذكرت أياماً كنتُ فيها صغيراً لا يبلغ أنفي سطح المصطبة، وأنا الآن أنظر دون عناء فوق صندوق الزجاج الذي كتب عليه اسم شركة من شركات البسكويت، والذي لا يحوي اليوم إلا أكياس السميد المغبرة. وشعرت لبرهة وكأنما أتقلص لأعود صغيراً لا يبلغ أنفي سطح المصطبة المتسخ، وأتلمس الفلوس في يدي لأشتري بها السكاكر. ورأيت إلزا باسكليت ترقص، وسمعت الناس في الباحة يصيحون: «بغيّ» ويصيحون: «رجس الخنازير» إلى أن أيقظني صوت باسكليت وهو يقول: «قد ماتت ابنتي»، يقولها دون وعي ويكاد يقولها دون إحساس، وقد وقف أمام صندوق العرض وأخذ ينظر إلى السكة.‏

قلت: «أجل». قال: «قد ماتت».‏

قلت: «نعم»، ثم أولاني ظهره واضعاً يديه في جيبي مبذلته الرمداء الملطخة.‏

قال: «كانت تحب العنب الأبيض، ولكنها قد ماتت الآن». ولكنه لم يسأل: «هل تطلب شيئاً؟» أو: «هل من حاجة فأقضيها لك؟»، بل لبث واقفاً بالقرب من دن الخل الذي يتقاطر الخل منه عند المشوار ويقول: «قد ماتت ابنتي» أو يقول: «قد ماتت» دون أن ينظر إلي.‏

وشعرت وكأنما لبثت هناك دهراً، ضائعاً منسياً، والوقت ينساب من حولي، ثم لم أستطع أن أريم من مكاني حتى دخلت في الدكان امرأة أخرى قصيرة سمينة تمسك كيسها أمام بطنها، فالتفت باسكليت إليها وقال: «قد ماتت ابنتي». قالت المرأة: «أجل»، ثم اندفعت تبكي فجأة وقالت: «رمل جلي من فضلك، من النوع المنفرط، ست أواق». ومضى باسكليت وراء المصطبة ونَقّر بمرفشته في الوعاء، فخرجت عندئذ والمرأة في مكانها ما تزال.‏

كان الصبي الشاحب الأدعج الذي كنت وجدته قاعداً على أنقاض الجدار واقفاً على رِكاب سيارتي وهو ينعم النظر في رُكُبِها ويمد يده من خلال زجاجها المفتوح فيرفع مُشيرتها اليمنى فاليسرى، فما إن رآني أقف فجأة خلفه حتى ارتاع، فأمسكت به ونظرت في وجهه الشاحب الفزع وتناولت تفاحة من صناديق التفاح على سيارتي ونفحتها الصبي، ثم أرسلته. فنظر إلي في دهشة بالغة حتى ذعرت فأخذت تفاحة أخرى فثالثة فحشوت بالتفاح جيبه ودفعت به في سترته قبل أن أركب سيارتي وأنطلق في طريقي.‏

(1) التَمّة: واحدة التمّ (وقد تكسر) وهو الإوز العراقي، طائر من طير الماء.‏

(2) الحدود: المكان تنحدر منه، وهو هنا رصيف منحدر تحمل منه البضائع على السيارات والعربات.‏

(3) الحِفْش: البيت الصغير جداً، سمي بذلك لضيقه.‏

(4) كَتِل الشيء: تلزق وتلزج.‏

(5) الإطرية: ضرب من الطعام يعمل من العجين والبيض، وتصنع منه الشعيرية والمعكرونة وغيرها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244