مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 132 خريف 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

القصبة الهوائية المعدنية للكاتب الروسي ميخائيل بلجاكوف ـــ ت.كنينة دياب

ميخائيل أفاناسفيتش بلجاكوف (1891 ـ 1940)، كاتب روسي، ولد في مدينة كييف ـ أوكرانيا. تخرج طبيباً في العام 1916، تم إقصاؤه، بسبب الحرب، فوراً إلى مشفى في منطقة ريفية بعيدة. وإضافة إلى الإحساس بأنه أجبر على تعلم السباحة والخوض في يم عجيب عميق، وجد أنه وضع بين حضارتين تبعدان في الزمن إحداهما عن الأخرى (500) عام. بعد ذلك ترك الطب وتفرغ للكتابة. ونشرت قصصه التي تعتمد على تجربته المبكرة في الكتابة والتي نصفها سيرة ذاتية ونصفها الآخر من خياله، في العديد من المجلات، وتم جمعها في كتاب بعد سنوات من وفاته. حملت عنوان «يوميات طبيب في الأرياف»، ومنها هذه القصة «القصبة الهوائية المعدنية» التي ترجمها من الروسية إلى الإنجليزية مايكل جليني.‏

القصبة الهوائية المعدنية‏

وهكذا كنت وحدي، محوطاً بغمامة من عواصف ثلوج نوفمبر. البيت مختنق بها وصوتها يأتي من مدخنة الموقد. أمضيت أربعاً وعشرين سنة من حياتي في مدينة كبيرة وأنا أظن أن العواصف الثلجية تعوي في الروايات فقط. ويبدو أنها تفعل ذلك في الحياة الواقعية أيضاً. الأمسيات هنا طويلة بشكل غير اعتيادي، فاستغرقت في أحلام اليقظة، والتحديق في انعكاسات المصباح وظلاله الخضراء القاتمة على النوافذ. حلمت بأقرب مدينة على بعد اثنين وثلاثين ميلاً؛ حيث تتوفر الكهرباء وهناك أربعة أطباء يمكنني التشاور معهم. وفي كل الأحوال ستكون أقل رعباً من هذا المكان، غير أنّه لا أمل في الهروب. وفي بعض الأوقات كنت أحس أنه من الجبن أن أرحل. كما أنني أدرك، علاوة على ذلك كلّه، أنني من أجل هؤلاء تماماً، درست الطب.‏

«نعم، لكن على افتراض أنهم أحضروا لي امرأة إلى العيادة وكانت هناك اختلاطات، أو لنقل، مريض بحالة فتق مختنق؟ ماذا يمكنني أن أفعل إزاء ذلك؟ أرجوك تلطّف وأخبرني بذلك. منذ ثمان وأربعين ساعة فقط تخرجت بدرجة الامتياز، لكن الامتياز شيء والفتق شيء آخر. ذات مرة كنت أراقب البروفسور يجري عملية فتق مختنق. قام بها، بينما أنا أجلس في المدرج. كنت أحاول فقط البقاء حياً..».‏

أكثر من مرة كنتُ أتصبب عرقاً بارداً حتى عمودي الفقري بمجرد التفكير بعملية الفتق. كل مساء عندما أشرب كوب الشاي، أجلس في الوضعية نفسها: إلى يساري جميع كتب الجراحة التوليدية وعلى قمتها طبعة صغيرة من كتاب (دوديرلين)، وإلى يميني مختلف المجلدات المصورة عن العمليات الجراحية، كنت أتأوه وأدخن وأشرب الشاي دون حليب.‏

وفي مرة غرقت في النوم. أذكر ذلك المساء تماماً، كانت ليلة 29 نوفمبر. أفقت على طرقٍٍ قوي على الباب. وبعد خمس دقائق كنت أسحب بنطالي وعيناي مسمرتان على تلك الكتب المقدسة التي تشرح خطوات إجراء العمليات الجراحية.‏

استطعت أن أسمع صرير الزلاجات الزاحفة في الساحة، أصبحت أذناي حساستين بشكل غير طبيعي. بدت الحالة أصعب بكثير من حالة الفتق أو حالة الجنين الذي يكون بالعرض. في الساعة الحادية عشرة مساء تم إحضار فتاة صغيرة إلى مشفى (موريوفو). قالت لي الممرضة ببرود:‏

ـ «الفتاة الصغيرة واهنة، إنها تحتضر.. هلا أتيت إلى المشفى، من فضلك..... يا دكتور».‏

أذكر أنني عبرت الساحة باتجاه المشفى، مشدوهاً بوميض ضوء مصباح الكيروسين. الأضواء تنير غرفة العمليات وكل معاونيّ كانوا بانتظاري، يرتدون لباسهم الخاص: دميان لوكيتش، شاب صغير لكنه قوي، وقابلتان لهما خبرة طويلة، (آنا نيكوليفنا) و(بيلاجي إيفانوفنا). عمري أربع وعشرون سنة ومتخرج من شهرين فقط، سلّموني مسؤولية إدارة مشفى (موريوفو).‏

فتح الفتى الباب بجدية فدخلت الأم إلى الغرفة أو بالأحرى أنها طارت إليها تنزلق على حذائها الطويل المغطى بالثلوج، والثلج على وشاحها لم يذب بعد، تحمل بين يديها حزمة، حيث يصدر صوت هسيس رتيب وصفير أيضاً. كان وجه الأم مطرقاً تبكي بصمت. حيث فتحت اللفة التي بين يديها ونزعت معطف جلد الخروف والوشاح، رأيت طفلة صغيرة في حوالي الثالثة من عمرها. في البداية جعلني منظرها أنسى العملية الجراحية، وأنسى وحدتي، والكم الهائل من المعرفة عديمة الفائدة التي تعلمتها في الجامعة: كلّ ذلك تلاشى أمام جمال هذه الطفلة الصغيرة.‏

كيف يمكنني أن أصفها؟ وبماذا أشبّهها؟ يمكنك رؤية مثل هؤلاء الأطفال فقط على علب الشوكولاته ـ الشعر مجدول بشكل طبيعي إلى ضفائر كبيرة بلون (الجاودار) الناضج، وعينان واسعتان بلون أزرق غامق، ووجنتان كوجنتي دمية.‏

يرسمون الملائكة عادة بهذا الشكل. لكن في أعماق عينيها غشاوة غريبة. وعرفت أنه الخوف، لأن الصغيرة لم تكن تستطيع التنفس. فكرت: «ستموت خلال ساعة»، فكرت بالتأكيد بذلك وأنا أحس بوخز الألم الحاد لشدة شفقتي على تلك الطفلة.‏

كانت حنجرتها تتقلص مع كل نَفَسٍ تأخذه، وعروقها متورمة، وجهها يتحول من الوردي إلى الليلكي الشاحب. أدركت فوراً ماذا يعني هذا التلوّن. قمت بأول تشخيص لي، والذي لم يكن صحيحاً فقط، بل الأهم من ذلك أنه تمّ في هذه اللحظة نفسها التي أدلت فيها القابلتان بكل خبراتهما الطويلة: «إن الصغيرة تعاني من نوع من أنواع الدفتيريا. حنجرتها قد غصت بالغشاء وسوف تختنق تماماً».‏

سألت: «منذ متى هي مريضة؟» وكسرت بسؤالي حدة صمت معاونتيّ.‏

أجابت الأم وهي تحدّق إلي بعينين جافتين: «منذ خمسة أيام».‏

قلت لمساعدي الشاب بأسنان مطبقة: «دفتريا»، والتفت إلى الأم:‏

ـ «لماذا تركتموها كل هذه المدة؟»‏

سمعت في تلك اللحظة صوتاً يغص بالدمع خلفي:‏

ـ «خمسة أيام يا سيدي، خمسة أيام!»‏

تلفت حولي فوجدت امرأة مسنة بوجه دائري قد دخلت الغرفة خلسة. «أتمنى لو أن هاتين المرأتين العجوزين لا وجود لهما أصلاً»، فكرت بيني وبين نفسي. قلت وأنا بهاجس المعاناة من المشكلة:‏

ـ «اهدئي يا امرأة، أنت تعيقين طريقنا فقط».‏

وكررت سؤالي للأم:‏

ـ «لماذا تتركينها كل هذا الوقت؟ خمسة أيام؟ همْ؟»‏

وبحركة مفاجئة سلَّمت الصغيرة إلى الجدة وجثت على ركبتيها أمامي. قالت وهي تضرب جبهتها على الأرض:‏

ـ «أرجوك أعطها بعض الدواء، سأقتل نفسي لو ماتت.»‏

أجبتها:‏

ـ «انهضي فوراً، وإلا فلن أكلمك».‏

نهضت الأم واقفة بسرعة وحفيف تنورتها الواسعة يصدر صوتاً، وأخذت الصغيرة من الجدة وبدأت تهزها. اتجهت المرأة العجوز إلى عمود عند الباب وبدأت تصلي، بينما ما تزال الصغيرة تتنفس بصوت يشبه فحيح الأفعى.‏

قال مساعدي وهو يهز شاربه:‏

ـ «كلهم متشابهون في ذلك، هؤلاء الناس!».‏

سألتْ الأم:‏

ـ «هل يعني ذلك أنها ستموت؟» وهي تحدق إليّ بغضب عارم، بدا لي واضحاً.‏

قلت بهدوء وحزم:‏

ـ «نعم، ستموت».‏

التقطت الجدة حاشية تنورتها ومسحت عينيها. صرخت الأم بصوت أجش:‏

ـ «أعطها شيئاً! ساعدها! أعطها بعض الدواء!»‏

استطعت أن أرى ما هو مخفي وبقيت حازماً.‏

ـ «ما هو الدواء الذي يمكن أن أعطيه لها؟ هيا أخبريني. الصغيرة تختنق، وحنجرتها محصورة. لمدة خمسة أيام تبقونها أميالاً بعيدة عني. والآن ماذا تريدونني أن أفعل؟»‏

ـ «أنت الذي يجب أن تعرف».‏

قالت المرأة العجوز ذلك بصوت مؤثر وهي إلى جانبي عند كتفي الأيسر، جعلني ذلك أمقتها، قلت لها:‏

ـ «اسكتي»!‏

والتفت إلى مساعدي وأمرت بإخراج الصغيرة بعيداً. ناولت الأم صغيرتها إلى القابلة وبدأت الصغيرة تنازع، تحاول البكاء، لكن صوتها غير مسموع. حاولت الأم أن تقترب منها لتحميها، لكننا أبعدناها وحاولت أن أفحص حنجرة الصغيرة على ضوء مصباح الضغط. لم أر سابقاً مرض الدفتريا إلا في حالات خفيفة يسهل نسيانها. حنجرتها مملوءة بمادة كثيفة لزجة بيضاء. فجأة زفرت الصغيرة وخرج بصاقها على وجهي. كنت منشغلاً جداً فلم أجفل.‏

قلت وأنا مندهش من هدوئي:‏

ـ «حسنٌ، هذا هو الأمر الآن، حالتها متأخرة، والصغيرة تحتضر. لن يساعدها شيء سوى إجراء عملية».‏

كنت مخيفاً واستغربت كيف قلت هذا، لكني لم أتمالك نفسي من قول ما قلت. لقد لمعت الفكرة في ذهني: «وماذا لو وافقت الأم عليها؟»‏

سألت الأم:‏

ـ «ماذا تعني بذلك؟» أوضحت لها:‏

ـ «سأفتح حنجرتها في أسفل رقبتها وأدخل أنبوباً فضياً بحيث يمكنها أن تتنفس، فربما يمكننا حين ذلك إنقاذها».‏

نظرت الأم إليّ نظرة غريبة وكأنني مجنون، وانحنت فوق الصغيرة لتحميها مني، بينما راحت المرأة العجوز تتمتم من جديد.‏

ـ «يا لهذه الفكرة! لا تدعيهم يجرحوا الصغيرة! ماذا؟ يجرحون حنجرتها؟»‏

قلت لها بحقد:‏

ـ «ابتعدي، أيتها المرأة العجوز». ثم أمرت مساعدي:‏

ـ «احقن بالكافور!»‏

رفضت الأم أن تسلم الصغيرة عندما رأت الحقنة، لكننا أوضحنا لها أنه لا خطورة في ذلك.‏

سألت:‏

ـ «هل يمكن أن يشفيها هذا؟»‏

ـ «لا، لن يشفيها على الإطلاق».‏

ثم انفجرت الأم باكية. قلت لها:‏

ـ «توقفي». ثم أخرجت ساعتي، وأضفت قائلاً:‏

ـ «أعطيك خمس دقائق لتقرري. إن لم توافقي خلال خمس دقائق سوف أرفض القيام بها».‏

قالت الأم بحدّة:‏

ـ «أنا لا أوافق على ذلك».‏

قلت بصوت أجوف:‏

ـ «الأمر يعود لكما».‏

ثم فكرت: «حسنٌ، هكذا إذن. ذلك يسهل الأمر عليّ. قلت كلمتي وأعطيتهما الفرصة. انظر كيف تبدو القابلتان مذهولتين. لقد رفضتا وأنا تجنبت التورط». ولم يكد يمضي وقت قصير حتى خرج صوتي وكأنه من كائن آخر:‏

ـ «اسمعي، هل جننت؟ ماذا تعنين بأنك غير موافقة! أنت تقضين على الفتاة تحكمين عليها بالموت. يجب أن توافقي؟ أليس لديك رحمة؟»‏

صرخت الأم من جديد: «لا».‏

فكرت بيني وبين نفسي: «ماذا أنا فاعل؟ سأقتل الطفلة؟»‏

لكنني قلت:‏

ـ هيا! هيا، يجب أن توافقي. يجب ذلك! انظري، لقد تحولت أظافرها إلى اللون الأزرق.‏

ـ «لا، لا».‏

ـ «لا بأس، خذوهما إلى الجناح الآخر. فلتجلسا هناك».‏

تم اقتيادهما عبر المدخل تحت الضوء الخافت. استطعت سماع نحيبهما وشخير الصغيرة. عادت الممرضة فوراً وقالت:‏

ـ «لقد وافقتا!»‏

أحسست بدمي يسري بارداً في عروقي، لكني قلت بصوت واضح:‏

ـ «عقّمي المبضع، والمقص والكلاّبات والمجسّ، فوراً».‏

بعد دقيقة كنت أجري عبر الساحة، في العاصفة الثلجية التي تعمي الأبصار.‏

اندفعت إلى غرفتي أعدّ الدقائق، أمسكت بكتابي، وبحثت في صفحاته لأجد الصور التي تشرح عملية خَزْع الرغامى. كل خطوة كانت واضحة ومبسطة. الحنجرة مفتوحة والسكين منغمسة في القصبة. قرأت النص، ولم أستوعب شيئاً منه، الكلمات تقفز أمام عيني. لم أشاهد في حياتي تنفيذ عملية خَزْع رغامى. قلت لنفسي: «جيد، لقد فات الأوان الآن»، ثم نظرت بحسرة إلى القنديل الأخضر والرسوم التوضيحية. أحسست بأنني أحمل أصعب عبء وأقساه. ثم رجعت إلى المستشفى متجاهلاً الرياح والثلوج.‏

في غرفة العمليات، اقترب مني صوت يختلط بحفيف ثوب، همس قرب أذني:‏

ـ «كيف يمكنك يا سيدي أن تشق حنجرة طفلة صغيرة؟ كيف؟ لقد وافقت لأنها حمقاء. لكنك لم تأخذ إذني، لا، أنا لم أوافق، أنا أوافق أن تعطيها دواءً، لكني لن أسمح بشق حنجرة الصغيرة».‏

صرخت:‏

ـ «أخرجوا هذه المرأة من هنا!».‏

ثم تابعت بعنف:‏

ـ «أنت الحمقاء! أجل أنت. وهي الذكية. على كل حال، لم يسألك أحد اخرجي من هنا!».‏

أمسكت إحدى القابلتين بالمرأة بقوة ودفعت بها خارج الغرفة.‏

قالت المساعدة فجأة:‏

ـ «جاهز؟»‏

دخلنا قاعة العمليات، بدت الأدوات اللامعة، في ضوء المصباح المزعج قرب غطاء النايلون، وكأنها تنتمي لعالم آخر.‏

حين خرجت إلى الأم للمرة الأخيرة، كانت تمسك بالصغيرة بين ذراعيها. قالت بصوت فيه حشرجة:‏

ـ «زوجي في المدينة بعيداً عن هنا. عندما سيعود ويعرف ما فعلت سوف يقتلني».‏

قالت المرأة العجوز وهي تردد كلماتها كالصدى وتنظر إلي برعب:‏

ـ «نعم، سوف يقتلها».‏

قلت:‏

ـ «لا تدعوهما تدخلا الغرفة».‏

وهكذا تُركنا وحدنا في غرفة العمليات، أنا، ومساعدي (وليدكا) الصغيرة. جلست، عارية مثيرة للشفقة، على الطاولة وبكت بصمت. مدّدوها بشكل مستقيم، نظفوا رقبتها ودهنوها باليود. التقطت المبضع، وأنا مازلت أسأل نفسي: «ما هذا العمل الجنوني الذي أقوم به؟» خيم السكون. رسمت شقاً عمودياً أسفل الحنجرة المتورمة البيضاء. لم تنبعث أيّة قطرة دم. وسحبت السكين من جديد عبر الخط الأبيض الذي برز في الجلد. لا أثر للدم أيضاً. وبهدوء وأنا أحاول أن أتذكر الرسوم التشريحية في كتابي، بدأت بفتح طبقات الجلد الدقيقة بواسطة المجسّ. فاندفع فوراً دم قاتم اللون من أسفل الجرح، يفيض ويتدفق إلى أسفل رقبتها. بدأ مساعدي يوقف النزف بالقطن لكنه لم يستطع. استدعيت لذهني كل ما شاهدته وتعلمته في الجامعة، شرعت في ضم طرفي الجرح بالكلاّبات والملاقط، ولم ينجح ذلك أيضاً.‏

تبرد جسدي وتندّى جبيني بالعرق البارد، وأسفت وندمت بشدة أنني درست الطب ورميت بنفسي في هذه البيداء. في حالة غضب يائسة، لكزت الملاقط مصادفة في منطقة الجرح، فانجذبت وأغلقت بشدة فتوقف النزف فوراً. مسحنا الجرح بقطع من الشاش وبدا الآن أمامي نظيفاً ومريحاً تماماً.‏

لم تكن هناك قصبة هوائية ظاهرة في أي مكان. لم يكن الجرح في الفكر النظري يشبه أي تشريح عملي. أمضيت الدقيقتين أو الدقائق الثلاث التالية أفكر بالجرح دون هدف، أو بالمبضع ثم المجس، باحثاً عن القصبة الهوائية. وبعد دقيقتين من ذلك، يئست من إيجادها. فكرت: «هذه هي النهاية، لماذا أفعل ذلك؟ ما كان علي أن أطرح فكرة العملية، كان ينبغي لليدكا أن تموت بهدوء في الجناح. وبما أنها ستموت بجرح مفتوح في حنجرتها فلن أستطيع إثبات أنها كانت ستموت حقاً، ولذلك لم يكن من الضروري جعل الأمر أسوأ..»‏

مسحت القابلة جبيني بصمت. «توجب علي أن أضع المبضع من يدي وأقول: أنا لا أعرف ماذا أفعل بعد هذا». وبينما أفكر بذلك تصورت الأم بعينيها الدامعتين.‏

التقطت السكين من جديد وأدخلتها في العمق، داخل رقبة (ليدكا). تفتحت الأنسجة، ولدهشتي ظهرت القصبة أمامي. خرج صوتي كشرخ في حجر:‏

ـ «ملاقط».‏

ناولني مساعدي الملاقط. أَنْفَذْتُ ملقطاً في كل طرف وسلمته واحداً منها. أستطيع الآن رؤية شيء واحد فقط: حلقات القصبة الهوائية بلونها الرمادي. أدخلت السكين فيها وتجمدت من الرعب. خرجت القصبة من الجرح الصغير وبدا مساعدي وكأنه فقد كل ذكائه ومهارته، فكاد يمزقها ليخرجها.‏

وقفت القابلتان خلفي تلهثان. رفعت نظري فعرفت ما يجري: أغمي على مساعدي بسبب الحرارة المفرطة وما يزال يمسك بالملقط، ويمزق القصبة. قلت في نفسي: «إنه قدر، كل شيء ضدي، لا بد أننا قد قتلنا (ليدكا) الآن». وأضفت: «فور عودتي إلى غرفتي، سأطلق النار على نفسي».‏

أسرعت القابلة الأكبر سناً بنزع الملقط من يد مساعدي، وقالت وهي تصرّ على أسنانها:‏

ـ «تابع يا دكتور...».‏

سقط مساعدي على الأرض منهاراً، لكننا لم نلتفت إليه. حشرت المبضع داخل قصبة الرئة، ثم أدخلت أنبوباً فضياً، انزلق بسهولة لكن (ليدكا) ظلت دون حراك.‏

لم يجر الهواء في قصبتها كما يجب. تنهدتُ بعمق ثم توقفتُ، فعلتُ ما استطعتُ، بدوت وكأنني أطلب الغفران من أحد ما، لأنني اخترت دراسة الطب دون تفكير.‏

عمّ السكون. رأيت الصغيرة تزرقّ. كدت أستسلم وأبكي، عندما انتفضت الصغيرة بقوة، وأفرزت نبعاً من المواد المتقيحة اللزجة من خلال الأنبوب، وبدأ الهواء يصفر في قصبتها. حين بدأت تتنفس، بدا صوتها أشبه بالعواء. في تلك اللحظة نهض مساعدي على قدميه، شاحباً متعرّقاً. نظر إلى حنجرتها برعب ظاهر ثم شرع يساعدني في خياطة الجرح.‏

مبهور البصر، وغشاوة من العرق على عيني، رأيت وجهيْ القابلتين. إحداهما قالت: «أنجزت العملية بشكل رائع يا دكتور».‏

ظننت أنها تسخر مني، فعبست وتجهم وجهي. ثم فتحت الأبواب ودخل هواء منعش. حُملت (ليدكا) إلى الخارج ملفوفة بالأغطية. ظهرت أمها فوراً عند المدخل. نظرت بعينين كعيني وحش. سألتني:‏

ـ «ما الأمر؟»‏

عندما سمعت صوتها، انساب العرق على طول ظهري بارداً، وخمنت ما يمكن أن يحدث لو أن (ليدكا) ماتت على طاولة العمليات. لكنني أجبتها بصوت هادئ:‏

ـ «لا تقلقي، ما تزال على قيد الحياة. وستبقى كما آمل لها. إنما لا يمكنها التكلم حتى ننزع منها القضيب الفضي، ولا يشغل ذلك بالك!».‏

بعد ذلك ظهرت الجدة من حيث لا أدري. نظرت إلى مزلاج الباب، ثم نظرت نحوي، ثم إلى السقف. لم أفقد أعصابي هذه المرة معها، لكني أمرت أن تُعطى (ليدكا) حقنة كافور، وطلبت من الموظفين التناوب على مراقبة حالتها وحراستها. ثم خرجت عبر المساحة متوجهاً إلى القسم الذي أقيم فيه. تذكرت المصباح الأخضر المشتعل في غرفة مكتبي، و(الدوديرلين) الموجود هناك، وكتبي المبعثرة في كل مكان. اتجهت إلى الأريكة بكامل ملابسي، ارتميت، وغرقت فوراً في نومٍ دون أحلام.‏

مر شهر وآخر. أصبحت أكثر خبرة. ومرت حالات أمامي أصعب من حالة (ليدكا) وحنجرتها التي تمر بذاكرتي دائماً. الثلوج في كل مكان حولنا، وخبرتي تزداد وتنمو يومياً.‏

في بداية السنة الجديدة، جاءتني امرأة إلى غرفة العمليات تمسك بيدها طفلة صغيرة، ملتفة بعدد من طبقات الملابس، فبدت مثل برميل صغير. وعينا المرأة تشعان فرحاً. نظرت جيداً، واستطعت أن أميزهما.‏

ـ «آها! ليدكا! كيف الحال؟»‏

ـ «كل شيء على ما يرام».‏

أزاحت الأم الشال عن عنق (ليدكا). رغم أنها خجولة، وتتمنع وتبتعد، تدبرت أمري ونظرت إلى رقبتها الزهرية اللون، وعليها خط أفقي بني، وعلامات القطب الدقيقة.‏

قلت:‏

ـ «كل شيء جيد، لا لزوم لأن تأتي مرة أخرى».‏

قالت الأم:‏

ـ «شكراً لك يا دكتور، شكراً لك».‏

ثم التفتت إلى (ليدكا) وقالت:‏

ـ «قولي له شكراً!»‏

ولم يكن لدى (ليدكا) أية رغبة بالتكلم معي. ولم أرها بعد ذلك أبداً. نسيت أمرها تدريجياً. وظلت خبرتي تنمو، حتى جاء اليوم الذي وصل عدد مرضاي إلى المائة وعشرة. نبدأ العمل في التاسعة صباحاً وننتهي في الثامنة مساءً. ذات يوم بينما أنا أترنح من شدة الإرهاق والتعب، وأنزع عني رداء العمليات، قالت لي كبيرة القابلات:‏

ـ «إنها عملية الرغامى، هي التي جلبت لك كل هؤلاء المرضى. هل تعرف ماذا يقولون في القرية؟ فالحكاية تدور بالقرية، ويقولون إنه حين كانت (ليدكا) مريضة، وضعت لها أنبوباً معدنياً بدلاً من قصبتها الهوائية ثم خيطتها. ويذهب الناس إلى قريتها خصيصاً ليروها. لك شهرة جيدة يا دكتور. فهنيئاً.»‏

سألت مستفسراً:‏

ـ «إذن هم يظنون أنها تعيش بقصبة معدنية الآن، أليس كذلك؟»‏

ـ «هذا صحيح، لكنك كنت بارعاً، يا دكتور. قمت بها بكل برودة أعصاب وهدوء. راقبناك بكل تقدير».‏

ـ «آه، حسنٌ، لا أترك القلق يتملكني، أنت تعرفين».‏

ولا أدري لماذا قلت ذلك. كنت متعباً جداً ولا أقوى حتى على الشعور بالخجل، لذلك تمنيت لها ليلة سعيدة وعدت إلى البيت. كان الثلج يتساقط بقطع كبيرة ويغطي كل شيء، والمصباح مشتعل، وبيتي يبدو صامتاً، متوحداً وثقيلاً. حين دخلته ، كانت تسيطر علي رغبة واحدة فقط ـ النوم.‏

* * * * *‏

سيرة ذاتية‏

ـ الاسم: كنينة دياب‏

ـ مواليد: 28 /2/ 1948م‏

ـ مكان الولادة: جبلة ـ اللاذقية ـ الجمهورية العربية السورية.‏

ـ المؤهلات العلمية: ليسانس آداب ـ قسم اللغة الإنجليزية ـ ترجمة /1972م.‏

ـ المؤلفات: قصص أطفال، قصص قصيرة، قصائد شعرية نثرية، قصص مترجمة عن الإنكليزية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244