|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
كل عنده مينوتاوروس مارجريت يورسونار ـــ ت.ناديا الشربيني Quin’a pas son minotaure? Marguerite yourcenar كل عنده مينوتاوروس ملهاة مقدسة في عشرة مشاهد Marguerite yourcenar (1903-1987) حياتها: اسمها الحقيقي Marguerite de Crayencour كاتبة فرنسية معاصرة. ولدت في «بروكسل» عام 1903، من أب فرنسي وأم بلجيكية. ماتت أمها وهي طفلة وتولى أبوها مهمة تعليمها، وتلقت تحت إشرافه ثقافة كلاسيكية عميقة. نشأت «مارجريت يورسونار» في كنف عائلتها الميسورة في شمال فرنسا. لكنها قضت جل حياتها في بلدان أخرى مثل إنجلترا واليونان وإيطاليا، والولايات المتحدة الأمريكية. في عام 1934 التقت «مرجريت يورسونار» «بغريس فريك» Grace Frick الأمريكية، وأصبحتا رفيقتين حميمتين. وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية في العام 1939، استقرت «يورسونار» في جزيرة «ماونت ديزرت» Mount-Desert، على الساحل الشمالي الشرقي من الولايات المتحدة الأمريكية، حيث عملت أستاذة للأدب المقارن بكلية «سارا لورنس» Sarah Lawrence College؛ وحصلت على الجنسية الأمريكية عام 1947. في عام 1986 حصلت على وسام الشرف الفرنسي Légion d`Honneur وميدالية الشرف في الأدب من نادي الأدب الأمريكي. وأخيراً توجت «يورسونار» تاريخها الأدبي بانتخابها عام 1980 كأول امرأة تدخل الأكاديمية الفرنسية. أعمالها: اكتسبت «مارجريت يورسونار» في أثناء فترة شبابها ثقافة هيلينية واسعة قوية، ولم تتوقف قطّ عن اكتساب المزيد منها. في أعمالها الشعرية حاولت «يورسونار» إعادة بعث الأساطير الإغريقية القديمة إلى العالم الحديث، فكتبت: «حديقة الأوهام» Jardin des chimères (1921)؛ «الآلهة لا تموت» Les dieux ne sont pas morts (1922)؛ «نيران» Feux (1936)؛ «رأفة ألسيب» Les Charités d’Alcippe (1956). كما أصدرت ترجمات رائعة لمختارات من الشعر الإغريقي القديم مثل: «التاج والقيثارة» La Couronne et la lyre (1963). ألفت «يورسونار» عدة مسرحيات استقت موضوعاتها من تاريخ الإغريق والرومان، على نسق «جيرودو» Giraudoux ومنها: «الكترا أو سقوط الأقنعة» E´lectre ou la chute des masques (1954)؛ «أسطورة ألست» Le mythe d’Alceste؛ «كل عنده مينوتور» Quin’a pas son minotaure?(1963). أما اهتمامها بالتاريخ الروماني فقد بدا جلياً في روايتها: «مذكرات هادريان» Mémoires d’Hadrien التي صدرت في العام 1951. هذه الرواية هي الأكثر شهرة بين أعمال «يورسونار». وتميزت هذه المذكرات بتعانق الثقافة والجمال والحرية، في محور واحد هو عشق الامبراطور «هادريان» «لأنتينوس» Antinoüs. ثم عرضت تاريخ خلفائه من الأباطرة في بحث جيد بعنوان: Sous benefice d’inventaire(1962). وكانت أول أبحاثها التي تضم مختارات من الآداب القديمة تحمل عنوان: Pindare (1932). بدت اهتمامات «يورسونار» المتعددة في معالجتها للأفكار التي كانت سائدة في عصر النهضة في أوروبا: L’CEuvre au noir (1968)، والتي نالت عنها جائزة Prix Femina وعرضها لثقافات أخرى متنوعة في: «قصص شرقية» Nouvelles orientales (1938). وقيامها بترجمة رواية «الأمواج» The Waves «لفرجينيا وولف» Virginia Woolf (1937) و What Maisie Knew «لهنرى جيمس» Henry James (1947)، و أشعار «كافافي» Cavafy (1958)، وبحث حول «ميشيما» أو «رؤية الفراغ» Mishima ou La vision du vide (1981). كما أنها أصدرت أعمالاً روائية تتناول أجزاء من التاريخ المعاصر: (1934) Denier du rêve، التي تدور أحداثها في روما أثناء الحكم الفاشي، وتبرز فيها الفرق بين الحلم والحقيقة و Le Coup de grace (1939)، التي تتناول الصراع بين البيض والحمر في بلدان البلقان أثناء الحرب الأهلية الروسية، والذي تحول إلى فيلم سينمائي من إخراج «فولكر شوندورف» Volker Sch?ndorff. جمعت الكاتبة المقابلات التي أجريت معها حول حياتها وأعمالها في كتاب يحمل عنوان: Les Yeux ouverts: entretiens avec Matthieu Galey (1980). وقد نشرت «مارجريت يورسونار» سيرتها الذاتية في ثلاثة أجزاء: «تيه العالم» Le Labyrinthe du Monde. ويحمل الجزء الأول عنوان: «ذكريات وروعة» Souvenirs pieux (1974)، والجزء الثاني: «أرشيف الشمال» Archives du Nord (1977)، والجزء الثالث والأخير: «ماذا؟ الأبدية؟» Quoi? L’?ternité (1988). ولكنها توفيت قبل إكمال الجزء الثالث. قيمة «يورسونار» الأدبية: ما يميز «مارجريت يورسونار» هو جرأتها في تناول الموضوعات المحرمة أو «التابو» فشخصيات روايتيها الأوليين Alexis ou Le Coup de grace, le traité du combat ترضخ بسهولة لرغباتها الجنسية الشاذة، على نمط شخصيات «جيد» Gide. ويبدي الامبراطور «هادريان» الميول نفسها بلا مواربة، وهو ينظر إلى كل الأمور وإلى نفسه ببصيرة نفاذة ونظرة ناقدة لا ترحم. أما «زينون» Zénon، بطل L’CEuvre au noir، فهو المثقف الباحث عن الحقيقة بعيداً عن كل فكر مسبق. اختبرت «مارجريت يورسونار» قوتها ككاتبة في جميع أعمالها. وجعل منها تنوع إنتاجها وغزارته وسعة ثقافتها وتوثيقها الفائق لأعمالها هذا الاسم الكبير في عالم الأدب. كما تميزت بتمكن كامل من ثقافتها الكلاسيكية واهتمامها بالإنسان ودوافعه. أسطورة قديمة ورؤية حديثة.. الأسطورة التي تتناولها «يورسونار» في مسرحيتها هي أسطورة إغريقية قديمة، تشكل إحدى مغامرات البطل الإغريقي «ثسيوس» أو «ثسيوس» (كما يُنطق في اللغة الفرنسية). هذه المغامرة هي مواجهة «ثسيوس» للوحش المسمى «بالمينوتاوروس» أو «المينوتور» وتخليص الأثينيين منه. وهي أسطورة ترتكز على ثلاثة محاور: تاريخ «المينوتور» نفسه وتاريخ «ثسيوس» ثم مواجهتهما الواحد للآخر والحب الذي ربط بين البطل وأخت الوحش ونهاية هذا الحب. ولنبدأ «بالمينوتور» وهو الذي حملت المسرحية اسمه. هذا الوحش لا تأتي على ذكره الأساطير إلا مرفقاً باسم «ثسيوس». وليست له مغامرات أو بطولات أو حتى جرائم ملصقة به، اللهم إلا القرابين البشرية التي كانت تقدم إليه كل سنة. من أين أتى هذا الوحش إذن؟ تبدأ القصة بانتصار «مينوس» ملك كريت على «أثينا» مستفيداً من الوباء الذي اجتاح المدينة. وأراد الملك أن يثبت لشعبه أنه مفضل من الآلهة، فطلب من «بوسيدون» Poséidon أو «نبتون» (إله البحار والمحيطات) أن يمنحه إشارة، فأهداه «بوسيدون» ثوراً جميلاً خرج من قلب البحر، واشترط عليه أن يقدمه إليه قرباناً. لكن «مينوس» انبهر بجمال الثور الأبيض ولم يضحِّ به للإله. وجاء انتقام الإله، حين جعل «باسيفاي» Pasiphaé، زوجة «مينوس»، تغرم بالثور بجنون، و تضاجعه بمساعدة المهندس العبقري «دايدالوس» Dédale الذي كان يعمل في بلاط زوجها الملك، وتنجب منه وحشاً نصفه الأعلى ثور ونصفه الأسفل إنسان، وكان هذا هو «المينوتور»، ولمداراة عاره، يطلب «مينوس» من «ديدالوس» أن يبني له سجناً لهذا الوحش. ويشيد المهندس الحاذق قصر التيه (اللابيرنت) الذي يصبح عرين الوحش. ويجبر ملك «كريت» أهل «أثينا» المهزومين على أن يدفعوا له جزية سنوية عبارة عن سبعة فتيان وسبع فتيات ليُقدموا قرباناً «للمينوتور». وهنا يبدأ دور «ثسيوس» ابن «إيجيه» ?gée ملك «أثينا»، حين يقرر القضاء على الوحش وتخليص بلاده من مذلة دفع الجزية «لكريت». أما السبب الذي دفع «ثسيوس» لأن يصبح واحداً من القرابين البشرية المقدمة «للمينوتور» فقد اختلف حوله الرواة. فمن قائل إنه تطوع بإرادته، أو إن أهالي «أثينا» تذمروا لأن القرعة التي كانت تجرى بينهم لاختيار الضحايا كان يستثنى منها اسم ولي العهد، مما اضطر الملك لأن يضع اسم «ثسيوس» ووقعت القرعة عليه. وينجح «ثسيوس» في القضاء على«المينوتور» بفضل مساعدة «أريادنى» أو «أريان» Ariane أخت الوحش، التي تعطيه خيطاً لكي يدله على طريق الخروج من المتاهة كيلا يضيع في دهاليز قصر التيه وممراته المتعددة. ويقال إن «دايدالوس» هو الذي أوحى إليها بالفكرة. وتقع «أريان» في حب «ثسيوس» من أول نظرة. لكن حبهما لم يُكتب له النجاح بعد انتصار «ثسيوس» على الوحش. وهنا أيضاً تختلف الروايات: «فثسيوس» الذي عاش حياة حافلة بالمغامرات العاطفية التي كانت موازية لبطولاته، لم يستطع البقاء على إخلاصه «لأريان»، فخانها مع إيجلى Aeglé، ابنة «بانوبيه» Panopée. أما «هوميروس» فيروي أن «ديونيسوس» Dionysos أو «باخوس» Bacchus (إله الخمر) أمات «أريان» بواسطة أسهم «أرتيميس» Artémis. أما الرواية الأكثر شهرة فتقول إنه بعد رحيل «ثسيوس»، اختطف «ديونيسوس» «أريان» على مركبته الخرافية ليجعل منها زوجته المقدسة. أما باقي الروايات فتجنح إلى تفسيرات عقلانية لعلاقة «ثسيوس» «بأريان»، فيقال مثلاً إن أحد الكهنة ويدعى «أوناروس» Oenaros تزوج «أريان» بعد خيانة «ثسيوس» لها. ورواية أخرى تحكي أن «ثسيوس» تصارع مع «ديونيسوس» على قلب «أريان». وهناك رواية يسوقها الكاتب القبرصي «باون» Paeon أن وفاة «أريان» كانت بسبب مرض أصابها أثناء حملها، وأنها توفيت هي والطفل عند المخاض. أيا ما كانت التفسيرات التي تبرر هجر «ثسيوس» «لأريان»، فقد أضحت تلك الأخيرة رمزاً للحبيبة المهجورة المظلومة. و«ثسيوس» البطل ذو الأصول الإلهية لا يضيره قلب مجروح تركه على الطريق؛ فتاريخه حافل بالقلوب الجريحة. نذكر منها «أنتيوب» Antiope أميرة الأمازونيات، التي أسرها «ثسيوس»، بعد أن انتصر على الأمازونيات، وأنجب منها ابنه «هيبوليت» Hyppolyte. أما مغامرته مع «هيلين» Hélnèe، جميلة جميلات «طروادة» والتي اندلعت بسببها الحرب الشهيرة، فتضاف إلى قائمة بطولاته. قصته معها تبدأ حين قرر هو وصديقه «بيريتوس» Pirithoos الزواج من بنتين من بنات «زيوس» (أنصاف آدميين ـ أنصاف آلهة). ووقعت «هيلين»، ابنة «ليدا» Léda من نصيب «ثسيوس». لم يكن عمرها في ذلك الوقت يتجاوز الاثني عشر عاماً، حين قام الاثنان باختطافها وتركاها في عهدة «أيثرا» Aethra أم «ثسيوس». أما «بيريتوس» فقد اختار «بيرسيفوني» Perséphone زوجة «هاديس» Hadès (إله العالم السفلي) للزواج منها. وينزل الصديقان على العالم السفلي لاختطاف «بيرسيفوني». وهناك يستقبلهما «هاديس» بكل احترام ويدعوهما للجلوس على «كرسي النسيان». أما «بيريتوس» فقد ظل مقيداً بهذا الكرسي للأبد. ويروى أن «ثسيوس» لاقى هو أيضاً المصير نفسه. لكن النهاية الأكثر شهرة تقول إن «هرقل» Héraclès خلصه من هذا القيد المرعب. ثسيوس البطل الأسطوري الهش: اختارت «يورسونار» إذن سيرة هذا البطل الإغريقي. لكنها عوضاً عن أن تبرز لنا بطولته وفداءه من أجل شعبه، فضلت أن تعرض لنا صورة لإنسان عادي، لم يختر البطولة، وإنما اختارها له الآخرون: وسائل الإعلام ـ فهو يقول «لأريان» عن قضائه على «المينوتور»: (لا تذكريني بتلك الرواية التي اخترعتها الدعاية الأثينية) [المشهد الثامن]؛ والده؛ واجبه الحتمي نحو سلالته الملكية ومتطلبات عرشه ـ يقول لأوتوليكوس: (سواء كنت مطيعاً أم متمرداً، فإنني أمارس اللعبة نفسها التي مارستها أسرتي. هل لي في مخرج ثالث؟) [المشهد الثالث]. من هو «المينوتاوروس»: «ثسيوس» البطل نفسه يحتقر مغامراته التي رفعته عالياً في أعين الآخرين. يرى نفسه صغيراً، قبل أن يتيه في دهاليز نفسه أو دهاليز التيه. هذا القصر الجهنمي يعريه من كل أكاليل غاره، ويحيله إلى مخلوق بشري هش. يرى حقيقته، يلمس ضعفه، يواجه مخازيه وهفواته وخطاياه. و«المينوتور» ما هو إلا «ثسيوس» نفسه، أو الوجه المظلم للإنسان. لم يكن هذا هو المعنى الوحيد الذي ساقته الكاتبة «لوحش كنوسوس»، وإنما أطلقت عليه، على لسان «أريان»، «مصدر كل الشرور». رغم ذلك «فثسيوس» لا يواجه شرور العالم بل يواجه شرور نفسه هو. «المينوتور» هو الشرّ الذي يكمل دورة حياة الكون. دونه لا خير. والضحايا ليسوا ضحايا إلا بقدر كون «ثسيوس» بطلاً . و«يورسونار» تجرد «ثسيوس» من كل هالات البطولة، كي يظهر عارياً من جميع أقنعته الأثينية الخلابة، على يد «أريان» وعلى يد أخيها الوحش، معادله الموضوعي العكسي. فإذا كان «ثسيوس» هو الخير، «فالمينوتور» هو الشر بمنطق الحدوتة القديمة، إلا أن «ثسيوس» لا يحارب في التيه إلا «ثسيوس» ألم يقل «باكوس»: («ثسيوس» أبصر «ثسيوس») [المشهد التاسع]. وعندما يسألون «ثسيوس» عن عدوه الوحش، يجيب في حيرة صادقة: (هو غير مرئي) [المشهد السابع]. «فثسيوس» لا يرى؛ وحدها «أريان» تملك نفاذ الرؤية والبصيرة. في النهاية تصبح «فيدرا» هي «مينوتور» «ثسيوس» الجديد. ويبدأ في مواجهة، يظل جاهلاً بها، مع الشر والقدر. وهنا تعرض المؤلفة لمعنى جديد «للمينوتور»؛ وهو القدر، المجهول، مخاوف الإنسان، عجزه وضآلته أمام اتساع الكون الرحيب. فهو جزء ضئيل من كل ضخم وعليه لعب دوره حتى النهاية. «فيدرا» هي «المينوتور»، تقول بفخر: (إننا نحمل الدماء نفسها في عروقنا، هو وأنا. هو وُلد من رعونة أمي، من نزوة امرأة. عيناه واسعتان كعيني هاتين، ولكنهما أكثر لمعاناً وأشد حزناً. وكتفه ليس أقل نعومة من كتفيّ هاتين.) [المشهد الرابع]. «فيدرا» تقول هنا إنها تشبه أخاها الوحش في جماله وشقائه. إنها مخلوق يثير الشفقة، رغم أنها ظلت ولعصور طويلة رمزاً للحب المحرم. «يورسونار» تضيف لشخصيتها الحاملة بذرة الخطيئة في أعماقها بعداً جديداً. إنه التيه الجديد الذي على «ثسيوس» أن يدخله في أواخر حياته، كي يصير قدره المحتوم. والحتمية تظهر بجلاء في مشهد التيه، عندما يرى «ثسيوس» نفسه شيخاً هرماً ملوث اليدين بدماء ابنه البريء. لكن رؤية «ثسيوس» ليست رؤية معرفة أو اختيار، إنها رؤية سراب. رؤية الغافل. لأن هذا القدر الآتي هو حتمي ولا مهرب منه. أخرجت «يورسونار» إذن سيناريو كاملاً لأهم أحداث حياة «ثسيوس» في اللابيرنت. وجعلته يشهد ماضيه وحاضره ومستقبله، في تتابع قاس. وكل صراع البطل انحصر ضد هذا العدو غير المرئي. حتى ركام التيه لم يكن إلا ركاماً قبيحاً دون البريق والرهبة اللذين رافقا قصة الوحش المخيف. هذا الركام ما هو إلا أطلال بطولات «ثسيوس». هذا لا يعني أن الكاتبة تتخذ من البطل موقفاً سلبياً، أو أنها تدينه بشكل مباشر وسطحي؛ بل هي تقرن البطولة بالصفات البشرية وتخلع عنها الهالة الأسطورية التي قد تكون خادعة للكثيرين كما حدث مع «أريان». أختا الوحش: وجها الحب البشري: «أريان» و«فيدرا». الأبيض والأسود، الضياء والظل، الروح والجسد. «أريان» لا تستغني عن ظلها، عن السواد. إنها ثنائية التكامل بين الأبيض والأسود. «أريان» تتوحد مع ظلها، لدرجة الإعلان أنها إن لم تكن توجد «فيدر» لأصبحت هي«فيدرا». إنها مرة أخرى حتمية الشر، لأنه المكمل لقانون الكون. قسوة «فيدرا» نحو «أريان» قسوة ضرورية بل حتمية. إنهما تتآخيان بقدر تآخي الضوء والظل. عندما تتساءل «فيدرا» عن حملقة «أريان» المتواصلة في وجه الشمس، وتعلن أنها تفضل نعومة الظل في الغابات، فإن وجودها هنا يصبح وجود النصف المكمل لا النصف المناوئ. وعندما تجر «أريان» «فيدرا» الخاطئة وراءها، فهي لا تقدم تضحية ما، أو تتخذ موقفاً نبيلاً متسامحاً من أختها الخائنة، بل هي ببساطة تصطحب الجزء المظلم من «أريان» الذي دونه لا تكون «أريان»؛ لذلك تقول «لثسيوس»: (لن أترك نصف حياتي على هذا الشاطئ المجهول)[المشهد السابع]. عند «يورسونار» «ثسيوس» هو العاشق الأناني. إلا أنه غير مدان، بل هي تمنحه رفيقاً، «أوتوليكوس»، يحاكمه طوال الوقت بغرض تطهيره. ضعفه نحو «فيدرا» يأتي طبيعياً، بما أنه لا ينشد إلا حباً بشرياً يناسب البطل المنتصر الذي يفوز بأجمل الجميلات. «ثسيوس» ما هو إلا ملك يغريه العرش والسلطة وينشد ملكة تشاركه طموحاته وشهواته. أما حب «أريان» فيفوق طاقاته المعنوية والروحية. يقول لها: (لم أكن أبداً متخصصاً في الحب العظيم).[المشهد الثامن]. من الطبيعي أكثر أن يحب «ثسيوس» «فيدرا»، هكذا ترى «يورسونار». فحب «أريان» «لثسيوس» حب موؤود من البداية. فهو عندما يهبط «كريت» لأول مرة لا يرى إلا «فيدرا»، ويقوم «أوتوليكوس» بتنبيهه إلى وجود القد الأنثوي الآخر الأبيض الذي يلوح في البعيد. وبعد مواجهته «للمينوتور» في اللابيرنت وبعد أن يستعيد وعيه يسأل عن «فيدرا»، فهي الحب الطبيعي بالنسبة له، أما حب «أريان» المثقل بالمثاليات فهو عبء رهيب. العشق الإلهي: تختار «مارجريت يورسونار» نهاية الأسطورة التي يعوض فيها «باخوس» «أريان» عن خيانة «ثسيوس» لها بالاقتران به أي بالإله. وهي تقرر أننا لا نحب إلا سعياً وراء التوحد مع الإله. و«أريان» تصل إلى هذه الحقيقة التي تحمل خلاصها في النهاية عندما تلتقي «بباخوس» (الذي تسميه «يورسونار» الرب وتقصد إلى ذلك بالفعل). يقول لها: (أنا من كنت تبحثين عنه في «ثسيوس»، ولم يكن «ثسيوس» إلا صورة مبدئية مني.) [المشهد التاسع]. والطريق إلى الله يمر بالإنسان. يقول لها «باكوس»: «أي ثسيوس» من قادك إلى هذه الجزيرة. وما كنت لتصلي إليها بمفردك). [المشهد التاسع]. «أريان» أيضاً عبرت تيهاً خاصاً بها. كان ذلك ماضي أسرتها، حبها «لثسيوس»، عذابها بخيانته، مشاعرها المرهفة. لقاؤها «بباخوس» كان مكافأة للخير، ولقاء «ثسيوس» «بفيدرا» عقاباً للشر. وبذلك تتحقق العدالة الشعرية في النهاية. Quin’a pas son minotaure? Marguerite yourcenar كل عنده مينوتاوروس ملهاة مقدسة في عشرة مشاهد الشخصيات: ثسيوس الأصوات: صوت ثسيوس طفلاً صوت ثسيوس شاباً صوت ثسيوس شيخاً صوت أوتوليكوس صوت أنتيوب صوت هيلين الصغيرة صوت إيجيه شيخاً صوت لاشيس صوت أريان صوت فيدرا صوت هيبوليت أريان فيدرا أوتوليكوس الملك مينوس باخوس (الإله) الضحايا الأربع عشر. الخيار متروك للمخرج لعرض هذه المسرحية مع الاستعانة بديكور أو عرضها على خشبة مسرح بلا ديكور. من جهتي، أتصور أن تكون مناظر المسرحية كالتالي: نهار كامل بألوان بارزة وغياب شبه تام للأشكال: الأحمر الناري لثرى «كريت» والأبيض للرخام وزبد البحر والأزرق لسماء وبحر «ناكسوس»، والأزرق الغامق للمشاهد التي تدور في عرض البحر، شراع أبيض للمشهد الثالث وأسود للمشهد العاشر. ومن الأفضل لو أن قمة الصاري وأسفله، حيث يقف «أوتوليكوس»، هما اللتان تظهران فقط في المشهد الأول. هذا الصاري، ومقدمة المركب [المشهد الثالث والعاشر] والبرج [المشهد الرابع] ومدخل قصر التيه [المشهد الخامس] مجرد موجودات رمزية، بلا جنوح نحو الواقعية الأثرية أو سواها. أما بالنسبة للمشهدين اللذين يدوران في الليل، كالمشهد الثاني في قاع السفينة، فيمكن إضاءته بمصباح ضخم، يتدلى ما بين جسرين والذي تكفي أرجحته للإيحاء باهتزاز السفينة. يمكن أن يدور في المشهد الرابع في قصر التيه في ليل لا يشقه سوى الأصوات، إلا أنه يمكن إضاءة بعض أنحائه بكشافات النور، أو أن تدور مجموعة شخصيات، لا يبين منها سوى الظلال، حول «ثسيوس» الذي لا يكاد يظهر هو الآخر. بالنسبة للملابس، يمنح النص« ثسيوس» المخمل الأحمر والريش الأبيض والدرع الذهبي الذي يميز الأبطال الإغريق كما يصورهم رسامو «الباروك»، عموماً في أسوأ الأحوال قد يناسبه زي عسكري. يمكن للبحار «أوتوليكوس» أن يرتدي الزي البني المميز لعبيد العصور الغابرة، أو أن يرتدي زياً أزرق، وأنصح بشدة أن يرتدي «مينوس» التاج الملكي الورقي الخاص بالنهار. وليس مهماً كثيراً إن كانت «فيدرا» ترتدي بيوم «الملوك» الملابس الكريتية أو الملابس الباريسية، ولكن من الجلي أن ثوباً من الكتان يليق مع «أريان». وأخيراً يجب، إن أمكن، أن يكون «باخوس» الإله وسيماً. المشهد الأول عند قمة الصاري أوتوليكوس، وحيداً أسفل الصاري أوتوليكوس: كم السماء زرقاء! إن زرقتها شديدة لدرجة أنها تكفي نفسها بنفسها. وتحت ذلك الأزرق السائل السماوي، هناك الأزرق الصلب، أزرق الأمواج الكثيف. إن السفينة التي أسهمت في بنائها (إذ أنني عملت في ورش «أثينا»)، ذلك الكون المغلق، السجن الذي يحوي المحكوم عليهم بالموت، تتقدم، تدفعها الريح نحو قدرها المحتوم، وتحمل على متنها أقدارنا كبشر. لم يكن الطقس صحواً يوم كنا في مركب «أوليس»، لقد كدت أفنى في العاصفة. وهو ليس بالشيء الهام إذ أنني أجيد السباحة. ولم يكن الطقس صحواً في ذلك المساء حين أبحرت مع الأرجونوتيكيين(1) كي نستعير بضع قطع من النحاس تساوي تماماً ثمن الفروة الذهبية(2). ها قد مرت علينا خمسة أيام منذ شهدنا ابتعاد قمم الهيمتوس(3) البنفسجية والبارناس(4) الرمادية والتمثال الصغير للآلهة التي تمثل «أثينا». خمسة أيام من الإبحار المضطرب والسفينة تتمايل من جانب إلى آخر، خمسة أيام تحت رحمة هذه الفوضى التي تمثل النظام الأبدي «لنبتون». الأربع عشرة ضحية المقدر لهم السقوط بين أنياب «المينوتاوروس» يسبون ويتضرعون في قاع السفينة النتن، حيث تدفعهم حركة السفينة تارة وتهدهدهم تارة أخرى. أما «ثسيوس» السامي، فالريح تلفحه حيث يحتل مركزه فوق مقدم السفينة كما لو كان يعتلي عرشاً، ويتفكر في الموت بصورة أشد مأساوية (من يدري) من سجناء العنبر، لأنه المنوط به اختياره، وعليهم فقط تقبله... انظروا، إنه يشعر بالبرد: يغطي ركبتيه بذيل معطفه... كم تبدو تلك الحركات البشرية صغيرة من أعلى الصاري! إن ضغطة ذراعي القابضة على هذا الحبل هي فقط الضرورية، وزاوية قفاي هي فقط الحتمية، وقطرة الدم التي تسيل على ذقني هي فقط الخالدة... الخراف تذهب إلى المرعى، كما يقول الآخر، والضحايا إلى مراسم الدفن... وماذا عن الأبطال، هيه؟ إلى أين يذهبون؟ أنا، الرجل البسيط، أول القادمين، «أوتوليكوس» لن أذهب إلى أي مكان، أنا هنا... بحار سفينة لم أشحن حمولتها، متفرج على دراما لا تعنيني، أرفع كأسي نخب الممثلين. المشهد الثاني في قاع السفينة الأربع عشرة ضحية الضحية الأولى: مرت الزوبعة والغثيان أسوأ من الخوف. اهتزاز السفينة لم يعد يدفع بنا إلى جوانبها. حتى داخل هذا العنبر، في قلب الظلمة، نشعر أن الشمس مشرقة في الأعلى. الضحية الثانية: شمس لن نراها أبداً بما أن ضحايا «المينوتاوروس» لا يلقون حتفهم إلا ليلاً! أيتها الشمس الملعونة أنت لا تمنحين ضياءك إلا للأحرار! الضحية الثالثة: نعم... نعم... الوقت يمر... ستكون بقية الرحلة هادئة. سوف نعتاد على كل شيء حتى الظلمة... سأقضي بعد أوقاتاً سعيدة. الضحية الثانية: ما يهم المحكوم عليهم بالموت إن كانت الرحلة جميلة أم لا؟ بقي أمامنا يوم أو يومان على الأكثر ونصل إلى الشاطئ الآخر القاسي: حيث ينتظرنا «المينوتاوروس» منذ بداية القرون. كل ضربة مجداف تقربنا منه. الضحية الثالثة: كنا سنكسب وقتاً أكثر لو عم الهدوء. الضحية الرابعة: غير مؤكد. فقد تهب عاصفة جديدة وتبتلعنا جميعاً. الضحية الثانية: إنه الموت دائماً. الضحية الخامسة: أما أنا فمستمتعة: هذا الجسد المنذور للقربان يتذوق الحياة بكل أنسجته. أحيانا يمر نسيم عَطِر بعفونة هذا العنبر. أحمل بين يدي هاتين هذه الأصابع الرقيقة، وهذا الكف الوديع لضحية معشوقة مثلي على وشك الموت والتي يحلو الفناء معها. الضحية السادسة: أيها الحب، ما أبكي إلا عليك! لماذا التقينا في ظلمات الأمواج المطروقة تلك؟ بذلك أموت مرتين. الضحية الثانية: إنني أبصق عليكم، ما أنتم إلا متع بشرية معروضة في النور الخفيف، ملذات شعور متلامسة، إغراءات أذرع ممدودة! إنكم تثيرون اشمئزازي بقدر ما أشمئز من نفسي، أيتها الجثث المستقبلية، يا أحبائي الهالكين! الضحية السابعة: أنا لا أفكر في سواه. ما غضبه ربما إلا اختبار لي. وقلقي ما هو إلا نتيجة لدناءتي. الضحية الثامنة: أنا أكيد من أنه يحبني. جوعه لن يلتهم سوى المذنب أو العديم النفع. منذ طفولتي، حدثتني أمي عن طيبة الإله؟ الضحية الثانية: أين أمك؟ الضحية الثامنة: ماتت. فهي اختيرت للرحيل على متن إحدى الرحلات السابقة. الضحية التاسعة: لقد تم اختيارنا واحداً واحداً. نحن الصفوة. يا للروعة! الضحية العاشرة: إن تضحيتنا تنقذهم جميعاً. فالدولة لن تقوم لها قائمة دوننا الضحية السابعة لابد من وجود ذريعة لإشعال هذا الكم من /المحارق/. دعونا لا نحكم عليها: فلنلتزم الصمت، نحن جماعة المحكوم عليهم! الضحية الثانية: سكين! حبل!.. لقد سئمت أنا من هذا الموت الطويل قبل الموت! الإله لا يستطيع شيئاً حيالي أكثر مما أستطيعه لنفسي... آه! أنا أقطع، أشرِّح، أفتح لحياتي باباً أحمر!... أنا حر أخيراً!... فقد أبطلت حيل الإله... الضحية الأولى: ماذا يفعل؟ قيدوا يديه! إنه لا يعي ما يفعل! إنه يتمنى الموت! الضحية السابعة: فات الأوان! هذا التعس استسلم لإغراءات اليأس. لن يغفر له «المينوتاوروس» أنه حل محله. الضحية الثالثة: استغيثوا! ابعثوا في طلب الحراس! فليلقوا به في اليم! أنا أخاف الموتى. الضحية الحادية عشرة ألن تخرسوا أيها الحمقى؟ ما لهؤلاء يصرخون هكذا؟ نحن نقبع مطمئنين في الركن نلعب الورق... فمن السهل للغاية التظاهر بأنه غير موجود. الضحية الثانية عشرة: لو طالت الرحلة بعض الشيء، سوف أتمكن من إنهاء قصيدتي. الضحية الثالثة عشرة: وأنا أنتهي من حساب معدل الأمواج. الضحية الثامنة: لو لم يكن يحبنا، ما كان طلبنا. الضحية السابعة: فلتنفذ مشيئته! الضحية العاشرة: سوف يتذكرنا أبناء وطننا. سنصبح خالدين. الضحية الرابعة عشرة: سنفنى وسينسوننا. الضحية التاسعة: لقد انتزعونا قسراً من وضاعة ورشنا وحوانيتنا، من فظاظة الشمس، من سماجة السعادة. فليتبارك اسمك أيا ثور الجيوش! الضحية السابعة: يا سكرات الخوف القاتلة! أنفاسه السوداء تبعث فيّ القشعريرة! فليأت الإله الذي يقتلنا لمساعدتنا! الضحية الأولى: سوف يسحقنا تحت نعليه المصنوعين من الجليد والظلام. قرناه يشبهان مخروطاً من ظل الكواكب السيارة. وفي أعماق عينية تطفو ذرة من نجوم. الضحية الثامنة: سوف يتعرف على مريديه. الضحية السابعة: قلوبنا غير مستقرة يا سيدنا حتى تستريح «فيك». المشهد الثالث فوق الجسر ثسيوس وأوتوليكوس ثسيوس: هذا مؤثر. أوتوليكوس: هذا ليس سوى هذيان. ولا يستحق الإنصات إليه. ثسيوس: هل يبكون هكذا طوال الوقت؟ هل ينوحون دائماً بالترانيم نفسها؟ أجبني أيها البحار المخضرم. أوتوليكوس: إنهم يتهتهون جميعاً بأي شيء. ليس لدينا وقت للإنصات إليهم، فنحن مشغولون كما ترى بربط الحبال.. البحر يزبد والريح تتغير والشعاب تهز قاع مركبنا.. واجبي يتلخص في إيصال الشحنة سليمة إلى الشاطئ. في الوقت الحالي، لا يجب أن يموتوا. ثسيوس: يبدو أن أحدهم قد انتحر. وهم الآن لا يزيدون عن ثلاثة عشر. من سيكون الرابع عشر؟ أوتوليكوس: لن يكون أنت يا «ثسيوس» الشاب. أنت تعشق الحياة ولن تحتك بالمينوتاوروس. ثسيوس: لا تناديني «بثسيوس». هذا الاسم العادي، كم من الناس يحملونه في «أثينا»، هذا الاسم الذي جرجرته ورائي منذ خرجت من القماط، ثم منذ خرجت من المدرسة ومن الكتب ومن حياتي التي رسمها لي أبي، هذا الاسم الذي لا يحمل كثيراً من المجد والذي لا أستطيع الاعتقاد بأنه لي، ظل على طرف شفتي، كمثانة ـ مِبْوَلة فارغة أملؤها من أنفاسي، جهود مهدرة! في هذه اللحظة يصبح اسمي مغفلاً. وعندما أفكر أن بعض الرجال يسمون «هرقل» أو «بونابرت»... أوتوليكوس: انتبه! ثسيوس: لماذا؟ ألسنا نبحر في البحر المتوسط الشهير؟ أما مغامرات الرجال الذين ذكرتهم فهي مغامرات فريدة، تتميز عن المعتاد في التاريخ تميز ضوء الشهب عن اللمعان الموسمي للنجوم العادية. أنا مربوط بقسمي كولي للعهد، تعرقلني البنود السرية لمعاهدات السلام.. لقد وافق أبي على دفع تلك الجزية، على تقديم هؤلاء الضحايا إلى الموت. لا بد من أنه يعي ما يفعل. أوتوليكوس: عرفت بعض حراس البهائم من «أناطوليا» مهمتهم مرافقة البهائم المنقولة إلى سلخانة «أثينا». كانت الحيوانات تهبط من المركب وألسنتها مدلاة، وقد أرهقها الحر وقلة الماء، تكاد تكون مخنوقة أو مصفاة الدماء قبل ضربها بالهراوات أو ذبحها بالساطور. هؤلاء الحراس كانوا يؤدون، أيا أميري الصغير، مهمتهم المفيدة بإمداد القصابين بما يلزمهم بتكلفة أقل مما تفعل أنت. ثسيوس: أتعتقد أنني كنت أقبل بهذه المهمة القذرة لو لم تتمخض عنها فرصة مجد أو سبب للوجود أو مخاطرة أخوضها؟ أنا، مثل كل الناس، عندي مشاريعي الخاصة. كنت أشعر أنني ولدت للقضاء على «المينوتاوروس». أوتوليكوس: كنت تشعر؟ لطالما فاجأتك على سلم المركب، مشغولاً باستشارة النجوم والتأمل، تكاد تستل سيفاً سماوياً. شاهدت إرادات غير إرادتك تضعف خلال هذه الرحلات. ألم تكن الرائحة المنبعثة من الأجساد المكومة لتجعلك تشمئز من وظيفة المنقذ؟ ثسيوس: لقد استمعت طويلاً للأصوات المنبعثة من قعر السفينة. لقد رحلت لأجل إنقاذ هؤلاء الضحايا، هؤلاء الشهداء. هل هذا هو دوري؟ هل من واجبي منع الناس من خوض خطرهم المحتوم؟ أوتوليكوس: هم لم يختاروا «المينوتاوروس». ثسيوس: ولكنهم قبلوه. «المينوتاوروس» يملأ أرواحهم، وكذلك فكرة أنهم صنيعة العالم؛ وهم لا يرون لوجودهم من هدف إلا ذلك الجوع الجهنمي. لذلك عليهم أن يجاهدوا، لا ضد الوحش بل ضد أنفسهم. هل أجاهد أنا من أجل الإبقاء عليهم على متن السفينة؟ هل أمنعهم، من أجل أن أثبت ذاتي؟ ربما أسُد عليهم مخرجهم الوحيد نحو العظمة. أوتوليكوس: فم الوحش؟ ثسيوس: وأسُده كذلك في وجه من سيأتون فيما بعد. أقف في وجه فصول الربيع المقدسة للسنوات القادمة. حين يُقتل «المينوتاوروس»، ماذا سيبقى لأولئك البشر الذين ينشدون الموت؟ فليُقتل، ولكن كي يولد من جديد. كي يظل هناك حتى آخر الزمان وحوش تكفي لمولد الأبطال وأبطال تكفي للقضاء على الوحوش. أوتوليكوس: لم أعد أفهم بوضوح، ولكني لا أعتقد بأنك خائف. ثسيوس: هل أملك حق تفضيل هؤلاء الضحايا على السلام بين شعبين؟ ربما يكون دوري بوصفي سفيراً يضحي براحة ضمير مؤثرة بدرجة تضحيتهم نفسها. أوتوليكوس: لا تعوِّل على أي إجابة. إذا كان الناس الذين على شاكلتي يكتفون بمكانة دنيا، فذلك لأنهم يفضلون ترك شرف حمل المسؤوليات لأناس من صنفك. ثسيوس: لو تأكدت على الأقل من أنني أعبِّر بالفعل عن إرادة شعبي.. لقد استشرت النبوءات بلا جدوى. أمرني «دِلفي» بالقيام بالواجب، كما لو كان الحق يأتي مصحوباً بدليل يثبته؛ أما «تروفونيوس» فقد نصحني بأن أكون نفسي، كما لو كنت أعرف من أنا. عندما أعطاني أبي هذه التعليمات، كان يمنحني بخبث وسيلة التمرد عليها: ملك مهزوم، ذليل تحت وطأة المطالب الكريتية، يستطيع دائماً القول بأنه لو كان مكاني وفي مثل عمري، لكان فسر واجباته كأميرال وكولي للعهد بشكل مغاير. بكم من القلق راقبت، يوم الرحيل، رؤوس موظفي الجمرك والحمالين والصرافين الذين يبدِّلون العملات وملمعي الأحذية! ووجه ذلك التاجر، المحني فوق شرابه البارد في أحد مقاهي الميناء، وجسد ذلك البحّار ذي الأنف الأفطس ينهض نحوي من قلب فلوكة تنأى رويداً رويداً مع ابتعاد مركبنا في عرض البحر. لكن لا: فجميعهم، بما فيهم الأغبياء، تركوا لحُكمي فرصة إثبات وضاعتهم أو إلغائها، مع حفظ حقهم في لومي لأنني جلبت السلام أو الحرب، لأنني سلّمت هؤلاء الضحايا أو لأنني أنقذتهم.. آه، هؤلاء الفتيات اليانعات كزهور الأرض التي غادرناها، وتلك المجموعة من الشبان الشاحبين تكاد تماثل شحوب فرقة من الأطفال تسافر في إجازة؛ وهذا الكورس المُذْهِل من الآباء المنهكين من النحيب بصوت عال... وفوق رقبة أكثر الضحايا نضارة، دموع أبي «إيجيه» الهرمة... أوتوليكوس: تلك الدموع التي تجعلهم يذهبون. ثسيوس: دائماً يظلم المرء أباه، ولا يعرفه بالفعل إلا بعد أن يشيخ. أين كنت أنت عندما كان «إيجيه» شاباً، يقتل الوحوش التي يتدثر بفرائها اليوم عند النوم؟ لقد رحلت رغماً عنه.. من ذا الذي يتحمل رؤية نفسه في الستين قبل الأوان؟ أوتوليكوس: يا للمجد الذي سيجنيه إن أنت انتصرت على الوحش! وإن سقطت فيا لها من تضحية! وإن عدت إليه، كابن طائع، وضابط لا يعرف سوى التعليمات، وفي جيب زِيّك العسكري صيغة معاهدة السلام، بأية خطبة عصماء سيثني بها على نبوغك المبكر كرجل دولة! هاهو متأكد، حتى آخر أيامه، بأنه سيعاد انتخابه كرئيس «لأثينا»... ثسيوس: هذا بالضبط ما يقلقني. سواء كنت مطيعاً أم متمرداً، فإنني أمارس اللعبة نفسها التي مارستها أسرتي. هل لي في مخرج ثالث؟ أوتوليكوس: ليس هناك إلا طريق على اليمين وطريق إلى الشمال يا أميري «ثسيوس». ثسيوس: ماذا منحني شبابي، غير مكاسبي التافهة كجندي في الفرقة المرسلة إلى المستعمرات، مغامراتي العاطفية في المدن التي تتمركز فيها قوات الحماية أو في المدن التي فتحناها، «هيلين» (تلك الماجنة الصغيرة التي رحلت مرتدية قلادتي)؛ والأمازونية (تلك الشقراء القاسية التي كان عليّ ترحيلها إلى بلادها، بعد سأمي من ملازمة جسد ينضج حقداً تسميه هي حباً).. وابني، ذلك الصبي العابس والذي بدأ يشابه أمه التي أتمنى بشدة نسيانها.. آه، كل شيء مُختار لي سلفاً، السعادة والتعاسة.. من أبي إلى ابني، أحس بأنني لست سوى حلقة عديمة النفع.. كما ترى، يا «أوتوليكوس»، فإن أميرك طالما حلم، هو أيضاً، بفرحة الأبواب السوداء. أوتوليكوس: ما بين دور المنقذ ودور المتواطئ مع الجلاّد، أشعر أكثر أنك لا تصلح لدور الضحية. أنت لست، يا بن «إيجيه»، من الطينة التي يصنع منها الأربع عشرة ضحية. ثسيوس: الإفلات إلى الأبد من مصير «ثسيوس» الرخو الذي لم يتكون بعد.. الاستسلام لمتاعب يفرضها نصر افتراضي... العثور في الهزيمة على يقين لا نعثر عليه في النصر.. أن أدع هذا الموت الجهنمي ينهشني مع هؤلاء الفتيان والفتيات، بعد رحلة بحرية قصيرة كانت ستغدو الحياة بكاملها العمر كله.. وبدلاً من إنقاذهم، أهلك معهم.. أهلك مع تلك الغجرية السمراء الحارة، كخشخاش الطرقات البري، ذات الأصل التافه، التي أسرت أثناء إحدى الغارات مع مجموعة من الضحايا بلا أوراق هوية، ضحايا لم ترحمهم الصحافة.. إن الدم الذي يجري في عروقي ليس دم الضحية؛ والوجه الذي يطالعني في المرآة ليس بوجه ضحية.. وسيلتي كي أكون مؤثراً في حياتهم، هو أن أنقذهم.. أنا لا أقول إن تدمير الوحش هو الفعل الأكثر انتشاء والأكثر حسماً؛ بل هناك شيء آخر أفضله أكثر من قتل «المينوتاوروس». أوتوليكوس: وما هو؟ ثسيوس: أن أكون «المينوتاوروس»... بالمناسبة، لم نعد نسمع صراخهم. أوتوليكوس: لم نعد نسمعهم، لأنك تتكلم. أنت تعلم أن ضجيج العامة لا يصلح إلا لملء الصمت. ثسيوس: أقول: إنني، عندما صعدت إلى المركب، بدا واجبي واضحاً بالنسبة لي! كنت أمسك به بين يدي كما أمسك سيفاً. لكن ما لبثت الأمور أن اختلطت بعضها ببعض مع ابتعاد الشاطئ. هنا، في عرض البحر، بين هذا البحر الذي يمكن أن نغرق فيه، وهذه السماء التي لا نستطيع إدراكها، إذا سمحت لنفسي أن أقول: إنني أقل يقيناً. كل شيء يتأرجح: الصاري، بالنسبة إلى السماء؛ والسماء، بالنسبة إلى الصاري. ألا تجد هذا التأرجح بين موجتين شيئاً مقدساً؟ أوتوليكوس: أجده ممتعاً، ليس أكثر. يجب أن تتذكر أنني بحار محترف. ثسيوس: الريبة لذيذة، لحسن الحظ أننا مازلنا بعيدين عن الأرض. أوتوليكوس: إن نظري أقوى من نظرك. إنني أرى الشاطئ. أرض مجدبة.. متاريس صفراء على شاطئ بُني. إنها «كريت».. من الممكن أن تكون أي أرض. ثسيوس: الأرض... هذا غريب؛ يبدو أن حديثي عن الشكوك، قد خلصني منها. من بين كل السلوكات، من يدري ربما تكون البطولة أسهلها جميعاً؟ أي وظيفة أكثر تعقيداًَ من وظيفة السفير؟ أوتوليكوس: وماذا عن صوت ضميرك يا أمير «ثسيوس»؟ وسلام الشعوب؟ وحق الضحايا في التصرف بحرية؟ هل أنت متأكد أن هؤلاء الأفراد الأربعة عشر يستحقون أن تنقذهم؟ ثسيوس: صوت ضميري؟ لم يعد عندي وقت إلا للهبوط إلى الشاطئ. أصوات الضحايا: الأرض.. كيف «المينوتاوروس»... ماذا ترون في الأعلى، أيها الحراس؟ آه، هذا العَدْو... هذا الخوار في المساء الذي يهبط.. الموت.. الموت... ثسيوس: في المساء الذي يهبط؟ إننا في الظهيرة. أوتوليكوس: إنهم يتقدمون قليلاً لا تنسَ، يا أميري أنهم خرجوا لتوهم من حدود الزمن. المشهد الرابع برج على شاطئ البحر، له سلم يؤدي إلى الشاطئ، «أريان» و«فيدرا» تقفان في الشرفة أعلى البرج. أريان، فيدرا، ثم ثسيوس وأوتوليكوس، ثم مينوس فيدرا: «أريان» أختي، أنا لا أرى شيئاً قادماً أريان: إذا ظللت تميلين هكذا طوال الوقت، فسينتهي بك الأمر إلى السقوط. فيدرا: إنني أشير إلى المراكب التي تمر.. ولكن فلوكات الصيادين وسفن التجار تحرص كل الحرص على تجنب جزيرتنا, لا توجد هنا تسلية سوى شحنات المساجين التي تصل إلينا بانتظام. والصفوف الطويلة للتعساء الذين يهبطون ورقابهم ملوية، ونظراتهم منكسرة، وهيئاتهم مضحكة كبهائم أكلت آخر حصة لها من الحشائش. لا أحد يرى وشاحي، وتضيع ابتسامتي هباء. أريان: لقد تخطوا مرحلة العزاء عند أقدام النساء. إنهم يقبلون على منيتهم، كما نقبل نحن على الوحدة. فيدرا: الأمر كله يتعلق بتعزيتهم! من بين هؤلاء البلداء، لا بد من وجود واحد يملك من البراعة ما يجعله ينجو بنفسه عن طريق اختطاف «فيدرا». لكن فليسرع، قبل أن ينتهي شبابي. أريان: كم يبلغ عمرك؟ فيدرا: سؤال غريب بالنسبة لأخت! إننا نشيخ أسرع في سن السابعة عشرة. أريان: أنا لا أحس بعمري. تحية إلى النسمة البحرية الشابة التي تشبهني بالرياح الصافية التي تزيل رائحة الموت! فيدرا: إن همك الوحيد هو أن يكون الهواء الذي يدخل أنفاس «أريان» نقياً. فأنت لا تهتمين كثيراً لأمر هؤلاء الضحايا مثلي تماماً. أريان: أنا مستعدة لبذل ما في استطاعتي لإنقاذهم، لكني أتجنب أن يلوث هذا الجو الكريه «أريان». كما أن لدي ما يشغلني عن الهذيان مع من يهذون، أو الانخراط في البكاء كل يوم مع من يبكون. فيدرا: إلى من ستهدين ذلك النقاء الذي تراعينه بكل هذا الحرص، بينما أضع أنا جل جهدي في استثارة الآخرين كي يغووا «فيدرا» إن فضيلتك المستوحشة هي في مثل عدم جدوى شهوتي. لن تستطيعي إقناعي بأنك لا تنتظرين أحداً. أريان: من؟ لا تقولي إني أنتظر، بل أستعد: فأنا لست أكيدة من أنني أستحق بعد حق الانتظار. لكني أنتظر، ولا أخجل من الانتظار. أشعر وكأنني أتسلق درجاً من الرخام الأبيض. كلما صعدت رأيت أبعد، ولكن كي يتضح لي أن البحر خاو. كل درجة تزيدني يقيناً، وتجعلني أقل منالاً في الوقت ذاته. إذا لم ينته صعودي، فلن يبقى أمامي سوى الاتحاد مع الإله. فيدرا: ألا تتعبين أبداً من الحملقة دائماً في ضوء الشمس؟ كم ستكون ظلال الغابات ناعمة بعد بياض هذه الشرفة الذي يعمي الأبصار... آه لو كنت دُعيت لرحلات الصيد التي يقيمها المينوتاوروس! أريان: هل تودين التهام أحد؟ فيدرا: بالتأكيد. بدلاً من عض الأنامل. أريان: إن أخانا الوحش يزأر من المساء وحتى الفجر، لم تشبعه ضحاياه الألف. أتعتقدين أنك ستجدين السلام في ممارسة جوعك؟ فيدرا: أنا لا أبغي إلا فريسة واحدة. وجهاً واحداً, فماً واحداً، صدراً واحداً ذهبياً يحتضن سعادة «فيدرا» أو شقاءها.. وسوف يأتي وسوف أراه، ذلك المخلوق الذي يناديني من أعماق غيابه، والذي دونه لن يفهم أحد أبداً لماذا عاشت «فيدرا». وفي التصاق جسدينا الحميم لن يدري أحد ما إذا كنت أحتضر أو أنشب أنيابي، أو ما إذا كنت أحتضن فريستي أم صيادي. أريان: أنا هواء وأنفاس. أنتظر رياحاً تنتزع جلدي كتلك السحب في السماء. فيدرا: البحر يبكي داخلي كما يبكي في صدور الحوريات الحزانى.. آه أن أكون الموجة التي تنثني وتتكسر وعندما تتدفق على الشاطئ تُغرق رجلاً.. انظري إني أرى شراعاً! أريان: إنه ينحرف ثم يدور حريصاً على الدخول في «الميناء الأسود». فيدرا: لا بد من أنهم الضحايا الذين يرسلونهم إلى المينوتاوروس. ليس أمامنا من خيار إلا بين الحيوانات أو الجزارين. أريان: إنهم يهبطون. رجل يرتدي درعاً يقفز إلى اليابسة محدثاً قرقعة الذهب. فيدرا: إنه يلمحنا؛ يتردد تخيفه الوحدة ووجود نساء لا يعرفهن. أساوره ومعطفه تدل على أنه أمير.. غريب! أريان: لو أنه من تعتقدين ، فسوف يصعد من تلقاء نفسه. فيدرا: (نهبط السلالم) الهبوط دائماً أسلم. أضع قدمي اليمنى بخفة فوق هذه الدرجة، ثم قدمي اليسرى فوق الدرجة التالية. وأعرف بغريزتي أن هذا ستعجبه حركة أردافي تحت ثوبي الشفاف، واهتزاز صدري الذي لا يكاد يدرك تحت ثقل ذهب قلادتي. ثسيوس: (على الشاطئ): امرأة. يا «أوتوليكوس»، حورية الجزر!.. فلنتقبل بحبور هذا الفاصل من الغزل وسط مغامرتنا الكبرى، في اللحظة التي يتضاءل فيها قدر الإنسان إلى استدارة قدٍّ عار. أوتوليكوس: إنهما اثنتان، يا سمو الأمير. هذا الوجه ـ الشكل الصغير المتواري تحت الغِلالة يستحق أيضاً نظرة من خبير مثلك. فيدرا (في أسفل البرج): اسمي «فيدرا». من تكون أنت؟ ثسيوس: إنها تتكلم اليونانية. لغتي الأم تخرج ناعمة من بين هاتين الشفتين اللتين لم أتوقع منهما سوى رطانة بربرية.. أوتوليكوس: إنه يدعى «ثسيوس» أمير «أثينا». إن تصدير الأواني والضرائب المفروضة على الزيتون وأعمال السخرة في مناجم «لوريون» تسمح له برفاهية ارتداء الأساور والخفوف الذهبية ووضع ريش النعام في خوذته. فيدرا: ممتاز، نحن إذن ننتمي إلى العالم نفسه. حدثني عن «أثينا». ثسيوس: ماذا يجب القول عنها يا «أوتوليكوس»؟ أوتوليكوس: قل لها إن لا شيء يوازي بهاء قضاتنا المدثرين وجنودنا العراة. إن عبقرية معماريتنا تتغلب على قساوة الأشكال العمودية، إن الحب والرياضة يحتلان مكانة أعظم من مكانة أي تصورٍ ذهني صاف. وقل لها إن أعظم أعمالنا لن تجد التقدير الذي تستحقه إلا بعد عشرين قرناً. ثسيوس: إن «لأثينا» عندي صورة أقل سمواً وأكثر دلالاً. أحب أن أؤكد لك يا «فيدرا» أن شفقها البنفسجي وأن مياهها النقية، ونبيذها المعطر بالراتينج، وخبزها المتبل ببذور السمسم لها مذاق لطيف لا نجد مثيله في أي مكان آخر، وأن نساءها بقلوبهن المثقلة وشعورهن الناعمة المعقدة، يرقصن في السماء على شاطئ البحر. فيدرا: إن كان الحال كذلك، فلم لا تبقى مع نسائك الأثينيات لتذوق نبيذكم وزيتونكم الناضج؟ إن إلهنا يلتهم شبابكم، وجزيرتنا تهلك محبي الحياة السهلة. وبحارتكم يعرفون ذلك حق المعرفة إلى درجة أنهم يجرؤون على الهبوط إلى اليابسة، فكل سنة، يلقون بلهب قواربهم ذات البيرق الأزرق الباهت في عرض البحر، ويضطر الضحايا، تحت ضربات السياط التي تدفع بهم في اتجاه الشاطئ، للسباحة لملاقاة حتفهم. ثسيوس: من الآن فصاعداً سيستغني إلهكم عن الضحايا المغمورين بمياه البحر. فأنا لا أخفي عليك أنني حضرت لقتل المينوتاوروس. فيدرا: الوحش الجميل؟ إننا نحمل نفسها الدماء في عروقنا، هو وأنا. هو وُلد من رعونة أمي، من نزوة امرأة. عيناه واسعتان كعيني هاتين، ولكنهما أكثر لمعاناً وأشد حزناً. وكفله ليس أقل نعومة من كتفيّ هاتين. ثسيوس: إنك بهذا تحثينني على المضي قدماً على ما عزمت عليه يا «فيدرا» الصغيرة. إن وحشاً يشبهك لحريّ بأن يغريني. أوتوليكوس: ألا ترى فيها فتاة البحارة، الفخ الكلاسيكي المنصوب في موانئ القتال؟ قليل من الحذر أيها القائد. كان من الواجب أن تنفرك تجاربك السابقة في «بيره» و«سيباستوبول» من الفساتين التي يكرمشها النسيم ومن الشفاه الملطخة بالأحمر القرمزي. فيدرا: وأنا التي كنت أظنك أميراً!... أسكت هذا الخادم الوقح، هذا البحار الذي لا يحمل رتبة أو نجوماً. قد ذكر لي والدي أن أعداء المينوتاوروس سيتجمعون من زَبَد الموانئ ومن أراذل السوقة في المدن. لكنك وسيم: ولا أرى على ذراعك العصابة السوداء أو الخضراء التي يضعها الصعاليك والرهائن. أنت تملك ما يحتاجه المرء من قوة في عالم لا يهاجم فيه المينوتاوروس سوى الضعفاء، وتصبح تعاسة المهزومين خبزاً للأمراء والآلهة.. وأنا موجودة، وأنت تصل إلى ذلك البستان في موسم اتحاد الياسمين بالورد، أنت أول رجل أشعر برغبة في جعله يبتسم وفي تعذيبه، في أن أطرده من حضرتي وأن أضمه إلى قلبي. أمي أخبرتني أن هذه هي علامات الحب. ثسيوس: في هذا المركب توجد ثلاث عشرة ضحية أعطيتهم وعداً بإنقاذ حياتهم. وأنت لن ترغبي في رجل جبان. فيدرا: ولا أرغب أكثر في رجل كسيح أو مقتول يُحمل في الفجر على محفة. أفضل رجلاً حيّاً على رجل منتصر. ثسيوس: إن المينوتاوروس يتخبط في هذه اللحظة، خافضاً رأسه، في ممرات قصر التيه. إنه جوعان.. وهو يحس باقتراب ساعة الإعدام والإشباع.. إن أمامنا يا «فيدرا» العمر كله للمتعة، أما هذه الليلة فهي للشجاعة.. ولن أحتمل سماع زئير الوحش ممتزجاً بأنّات التوجع «أثينا» وبأنفاس أخيرة تبصق على اسمي.. أوتوليكوس: قبل أن يأخذ الحديث بينكما منحى حميماً أو قبل أن يحتدم النقاش، انظرا إلى هذا الرجل ذي الكرش يتقدم بهدوء فوق رصيف الميناء، كبرجوازي عائد لتوه من نزهته الصغيرة في الشمس في إحدى الحدائق العامة. إن حماك في المستقبل، يا «ثسيوس»، وصل في الوقت المناسب لمباركة العاشقين اللذين تشابكت أناملهما، في اللحظة نفسها التي يهرع فيها مصورو الميناء. مينوس (يدخل): هيه؟ من أنت؟ أنا لا أحب الغرباء كثيراً. ثسيوس: أنا سفير «أثينا». مينوس: أنت ممثل «أثينا»؟ حسن جداً. لست بحاجة إذن لسؤالك عمن تكون. «أثينا».. لقد حُددت الضريبة المفروضة على «أثينا» بأربع عشرة رهينة فيما بين الثامنة عشرة والأربعين. لا شك في أن مركبك يحوي الجزية السنوية المقررة للمينوتاوروس؟ ثسيوس: أربعة عشر تعساً يدفع بهم الرأي العام الأثيني آسفاً إلى أنياب وحش أجنبي، أربع عشرة ضحية أمسك بمصيرهم بين يدي، ولا يوافق شعبنا العظيم على تقديمهم قرباناً إلا احتراماً للمواثيق الممهورة. مينوس: إن رهبة المخاطرة واحترام العهود والمواثيق يشكلان ألف باء حكمة الشعوب. أنا مثلك تماماً، أشجب القرابين البشرية التي تخضب جزيرتنا بالدماء في أوقات ثابتة، وإن كانت أقل عدداً مما يُشاع. ولكن لغز التيه أعقد من أن يستوعبه المثاليون والغرباء والملحدون والمتدينون.. وإن كانت الروابط التي تجمعني بالمينوتاوروس معقدة بشكل واضح. فنحن نتعاون بشكل أو بآخر: حيث يفيد خنجره في شحذ أقلام المُشرّعين. واسمح لي بالقول: إن الرأي العام الأثيني يغالي في قيمة البضاعة؛ فهؤلاء الأفراد، وإن كانت لهم أهمية كمحكوم عليهم بالموت، إلا أنهم ربما يكونون تافهين كأناس، ومشاغبين كمواطنين. إن الحنق، أيها الشاب، لا يُنصح به في مهنة السفير. ثسيوس: أنا لا أحنق إلا أمام الجريمة. أنا لا آمل إلا بأن يسود النظام في عالم شرور. مينوس: يسعدني أن أرى أننا نتفق على المبادئ الأساسية. كل شيء سوف يمضي تبعاً للأصول وبرضى أكثر مما تتوقع أنت نفسك. فمطبخنا شهير وسباقات الثيران عندنا لا مثيل لها في العالم. سوف تطلعك ابنتي على مباهج العاصمة. حيث تشكل حفلات الإحراق التي تتبعها الألعاب النارية جزءاً من العروض التي نستقبل بها زوارنا من أمراء الدول الأخرى. أوتوليكوس: إن من مهامي أن أفشي الأسرار. لذا أحب أن أحذرك، أيها الملك «مينوس»، أن سيدي كان يفكر هذا الصباح في قتل المينوتاوروس. مينوس: هراء...! طيش شباب.. خنوع.. عندي ثقة في صلابة الأسوار ومتانة الأقفال وسحر النساء وهيبة القوانين. إن أربعين عاماً من التجارب السياسية علمتني أن الأبطال نادراً ما يزعزعون أمن الدولة. ثسيوس: إن دعوتك تشرفني يا صاحب الجلالة.. ولكن من تكون تلك المخلوقة الصغيرة المحجبة التي تبتعد دون أن تدير رأسها، ممسكة بمغزل في يدها، كعاملة تعود إلى بيتها عند حلول المساء؟ فيدرا: إنها «أريان» أختي... إن حياتها تمضي في أعمال مفيدة. وهي تهتم كل يوم بتنظيم كل شيء داخل حجرتها الصغيرة. المشهد الخامس صخور على جانب الجبل، باب ضخم موصد. أوتوليكوس وثسيوس، ثم أريان أوتوليكوس: إنه مغلق. ثسيوس: لا بد من أنه أغلق من تلقاء نفسه. يا لها من ليلة مليئة بالكوابيس! آه، لا تقدر أن تتصور.. أوتوليكوس: أنت تنسى أني كنت هناك. ثسيوس: أنت لا تستطيع أن تتصور مقدار الرعب الذي أصابني لأنه بسبب خطئي فاتتني ساعة الهبوط على المجد. كنت مذعوراً كمسافر تركه مركبه على رصيف الميناء، وأخذت أنظر إلى الخلود يفر عني مبتعداً. أوتوليكوس: للأسف، هذا الإهمال يُعَدُّ كارثة بالنسبة لصعاليكنا الثلاثة عشر المساكين، على فرض أنهم كانوا يفضلون الحياة. ثسيوس: على الرغم من ذلك، كانت عزيمتي صلبة، وما كانت تثنيني المساعي أو النفوذ... كنت عازماً حتى النهاية على إنقاذ هؤلاء الهالكين. أوتوليكوس: ولم تكن أقل عزماً على التمتع «بفيدرا» ثسيوس: وهل توجد تبعات للتورط مع فتاة؟.. وكل هذا كي أَستيقظ في منتصف الليل في الكابينة المعبقة برائحة الياسمين، وأجد أن السارقة قد اختفت، والبحارة يغطون على الجسر، ومفتاح العنبر الموجود به الضحايا قد اختفى من تحت الوسادة.. آه، أنا لم أتوقع هذا الخدر القوي ولا هذا النعاس العميق.. أوتوليكوس: هذا النعاس سرعان ما تبدد حين رششتك بماء البحر. ثسيوس: لماذا تتعاطف فقط مع العامة؟ كنت واقفاً؛ وكنت ساهراً؛ لم تتعرض للغواية من قبل أحد. وشهدت اختطاف الضحايا دون أن ترفع إصبعاً للدفاع عنهم. إن جبنك يثير اشمئزازي أكثر من ضعفي. أوتوليكوس: أنا لا أملك المكاسب التي تحققها الغواية ولا تلك التي يحققها المجد؛ فدع لي على الأقل ميزة الحياد. على الرغم من ذلك فأنا الذي قادك على هذه الدرب الضيقة المطلة على الهاوية. ولولا ذراعي ما استطاع أبداً رأسك الضعيف أن يحتمل الدوار. ثسيوس: كان البحر غارقاً في الضباب، وكنا نكبو فوق تلك الدرب التي سار فيها الضحايا كالمنومين.. كل شيء حدث كما لو كنا في حلم.. لا بد من أن هؤلاء الحمقى قد عَدوا أن الاستسلام بلا مقاومة شرفاً، لا بد من أنهم آمنوا بقوة علوية، كما يقولون.. إن الصمت مطبق! لا نسمع صراخاً، أو صرير الباب الذي يفصل بين عالمين.. لدرجة أن سكرات موتهم ماتت.. لقد وصلنا متأخرين بعد وقوع الجريمة، وصارت هذه المذبحة بالفعل في ذمة التاريخ. أوتوليكوس: اعترف أنك مسرور الآن في حضرة القدر. وسوف تفسر لك «فيدرا» غداً أن ليس في الإمكان أفضل مما كان في «كريت»، أفضل ما يمكن من البلاد. ثسيوس: ما «فيدرا» إلا بغي ـ عاهرة، وما أنا سوى الزبون الذي يستيقظ فيجد أن حقيبته قد اختفت. إن أذيعت هذه القصة، سأصبح مضحكة «أثينا». أوتوليكوس: إِبقَ إذن في «كريت»، ولن ترى الضحكات الأثينية إلا عن بعد. وسوف تعود إليك «فيدرا» غداً، رقيقة، رخوة كوردة، على أتم استعداد لدفع ثمن لحظات خداعها إياك. إن حبيب «فيدرا» أو زوجها لديه حظ أوفر للتمكن رويداً رويداً من تكميم «المينوتاوروس». أما علاقتكما فما زالت بعد في مرحلة التراضي. ثسيوس: هذا صحيح يا «أوتوليكوس»: ولكن أعد ثقتك في أميرك، بيّن له أنه من بين رماد البطل يولد المصلح والقائد. قل له إن «فيدرا» بعد أن تتم معرفتها والسيطرة عليها، يمكن أن تصبح بين أيدينا شيئاً جميلاً، أداة جميلة.. في بداية أي لعبة، ما يهم إن فقدنا بعض البيادق؟... إن تقديم هؤلاء الضحايا قرابين لن يضيع هباء إذا كان خليفة «مينوس»... على الرغم من أن آخرين سواي قد بدؤوا بداية سيئة.. ربما ما زال أمامي بعض الوقت كي أصبح رجلاً عظيماً. أريان (تدخل حاملة مصباحاً في يدها): ها قد جئت. ثسيوس: هذا الضياء. يا للآلهة، كم هي شقراء! إنها أخت «فيدرا». أريان: ماذا تفعل هنا بلا مرشد في هذا المكان المقبض؟ أين الضحايا؟ ثسيوس (حرجاً): أي ضحايا؟.. أنا كنت بانتظارك. أريان (برقة): أنت تكذب. ثسيوس: كنت بانتظار من تأتي. هذا ما فعلته طوال حياتي. أريان: ولم يأتين؟ ثسيوس: بل عاودن الرحيل. بعضهن، مثل أختك، رحلن مبكراً، حاملات معهن في جيوبهن مدخرات المحارب الضئيلة بعد أن اختلسنها بعجلة. أريان: لكل دورها. أختي تميل إلى هدمك، بالضبط كما يسرني أنا أن أخلقك. ولكنك اخترت أن تحب «فيدرا». ثسيوس: نحن لا نختار النساء اللائي يقدمن أنفسهن. إن «فيدرا» كانت أول امرأة تقدم لي نفسها على رصيف ميناء عالم جديد. أما لو كنت أنت من سبقت أيتها المخلوقة النقية الطاهرة.. كان صمتك يدلّ عليك، وظلك على الرمال كان ليشير إلى بدء عمري.. ولكن «فيدرا» انتزعت مني حق التفوّه بالكلمات التي تفتح لي قلب «أريان». أريان: أنا أنتظر أن أهب نفسي لمن يشير إليّ. تلك فطنة تميز النساء العفيفات حقاً. ثسيوس: إن كان الأمر كذلك ما الذي دعاك إلى أن تقفي في منتصف الليل على عتبة هذا الوكر؟ أنا لم أفكر في أن أصيح باسمك من أعماق عاري. أريان: إن الممرضة التي تستيقظ قبل الفجر تودع الجندي الذي يتأهب للقاء العدو. سوف تواجه حالاً مصدر كل الشرور. ثسيوس: هذا الصراع المؤجل صار على الأخص بلا فائدة. لقد ارتكبت خطيئة. ومات أصدقائي. أريان: فكر في ضحايا المستقبل. إنهم الهالكون أنفسهم. سوف تنقذ أصدقاءك من ميتة ثانية. ثسيوس: كيف؟ إن الباب قد أغلق مرة أخرى؛ والأسوار منيعة. إن الراغب في دخول الجحيم لا يلجه. أريان: انظر إلى هذا الشرخ الرمادي، الذي يتسع لمرور كتف إنسان.. لقد فُتح الباب مرة أخرى من لحظة حضوري هنا دون أن تلاحظ أنت. ثسيوس: لم يبق أمامي إلا أن أستسلم للبطولة. الأمر شاق. وبالتيه تعقيدات أسوأ من الموت ووحشة أمضى من الحرب. أنا خائف من أن أضل. ولست متأكداً من أنني لن أنسى نفسي. أريان: خذ هذا الخيط. إن نسيجه أمتن من أكثر الأفكار الإنسانية صلابة؛ وطوله يتكيف تماماً مع خطواتك القادمة. ومهما حصل، فأنت متصل بي كما يتصل الوليد بأمه. ثسيوس: كيف سيتعرَّف بعضنا إلى بعضنا؟... أنا متأثر للغاية يا «أريان»... حتى هذا اليوم عشت وحدي. والنساء كن فخاخاً أو أحياناً أشباحاً.. والرجال زملاء أو منافسين أو أعداء.. حتى ابني نفسه.. وأبي أيضاً... لكن ليس عندي وقت للكلام معك عن أبي أو عن ابني.. سوف أدخل التيه متصلاً بك عن طريق خيط لا ينقطع؛ وسوف أسير نحو الموت متصلاً اتصالاً عذباً بالمستقبل.. سيصبح لأكثر الاستعارات تفاهة معنى: ويسيل نبع ويضاء مصباح في حياتي. آه، لم أتوقع من قبل مثل تلك السعادة مع امرأة.. أريان: أنا لست امرأة، أنا امرأتك. ثسيوس: أنا لا أستطيع أن أتصورك امرأة. صديقتي، كم سأحبك! أريان: القمر غائب، وفي الضباب لا نلمح سوى قرن واحد من قرون ذلك الوحش الشاحب. السماء سوداء وجامدة كالحديد وكالشجاعة. اذهب يا قلبي. ثسيوس: ابقي على روحي. «أوتوليكوس»، أنا أتركها في رعايتك. هل أخدع نفسي؟ إن كل شيء يبدو أسهل مما يجب. المرأة. الخيط.. يختفي. أريان: لقد رحل. أوتوليكوس: ما يفسد دورك في نظري هو أنك لا تتعرضين لأيّ مخاطرة. أريان: أنا أخاطر بأن أخدع نفسي بشأنه. أوتوليكوس: هذا تم بالفعل: أنت ترين فيه رجلاً عظيماً. أريان: لا توقظه من وهمه إن كان يفتخر به. وماذا يكون البطل في البداية إلا رجلاً يرتعد؟.. ربما يكون نوعاً من الكبرياء من قِبَلي أن أعلق مصير مخلوق بخيط من علٍ، إلا أنني أجنبه بهذا الشكل هموماً لا طائل من ورائها. سوف يعثر على نفسه حين يعثر عليّ. أوتوليكوس: أتعتقدين أنه وجد المينوتاوروس؟ نحن لا نسمع شيئاً. أريان: أنت لفت نظري لهذا. سأوصل غطاء محارة لهذا الخيط و... أوتوليكوس: هذا الجهاز مدهش. هل ينقل الصور أيضاً؟ أريان: سيحدث ذلك بعد عدة قرون. ولكن لا شيء يمنعنا من التخيل. في هذه اللحظة يمكننا التنقل في قلب التاريخ. أوتوليكوس: هل أستطيع أن أجرب؟... إن الصور مشوشة؛ هذا بلا شك لأننا في الليل.. على عكس الأصوات.. أعتقد أن «ثسيوس» هو من يتكلم... أريان: انتظر... كلا: في هذه اللحظة، «المينوتاوروس» هو من يتكلم. أوتوليكوس: أتسمحين لي؟.. هذا غريب: إن نبرة صوتيهما متشابهة. المشهد السادس داخل المغارة ثسيوس، ثم الأصوات ثسيوس: لقد ضللت الطريق في هذا المكان.. الظلمة حالكة وكأنني في عرين الأسد. لا شيء أكبر إنهاكاً من الصراع مع الليل. فهو لا يمحو العالم الخارجي. أحس وكأنني أغرق في ظلمات أعماقي، وتلافيف التيه تذكرني بأحشائي. هل سأعثر على «المينوتاوروس» في نهايته؟ إن لم يكن له وجود فسأصبح أضحوكة. صوت ثسيوس طفلاً: لقد بقيت هنا مدة طويلة. عندما يمر سأفتح الدولاب، وسوف يتملكه الخوف! ثسيوس: أسمع صوت أحدهم.. كلا لا يوجد أحد... مازلت أتحدى غياباً.. هل سيكون الفراغ هو الخطر الحقيقي؟... آه، إن.... إن هذا بشع.. لو كنت اخترت لنفسي عدواً من لحم ودم. صوت ثسيوس طفلاً: نتفت ريش العصفور.. إِذهب أيها الحيوان القذر! مت! إنه ينزف... اصطاد بابا أمس ثماني بطات بريات... عنده بندقية تعمل «بلوف»! هيه! إذا انطلقت البندقية، وغمرت ثمار الريباس الحمراء أبي.. ثسيوس: من يكون هذا الصبي الذي يتسلق ساقي؟... أطفال في هذا المكان السيئ.. إنه يشبه.. أبي! صوت ثسيوس طفلاً: لطالما تمنيت أن أعض يده.. لماذا عاقبني يوم كذبت بخصوص كمثرى البستان؟ ثسيوس: كان طعم تلك الكمثرى يشبه طعم الشبّ! كنت مخطئاً بالطبع. لكن يجب الاعتراف بأن خطب أبي الرنانة كانت سخيفة.. صوت ثسيوس طفلاً: خطبه الرنانة.. وعندما كان يتدخل لمساعدتي في ترجمة الأشعار اليونانية... ثسيوس: أشعار يونانية؟ صوت ثسيوس طفلاً: بالطبع، أشعار يونانية.. لغة لا فائدة لها.. صوت ثسيوس شاباً: هل يتخيل أن بمقدوري أن أعيش بخمسة آلاف دراخمة في الشهر؟ المسألة لا تتعدى حفل أمس مع الغجريات... سيكون من السخف أن أنفق نقوداً أقل من «لاشيس».. : صوت أوتوليكوس: مقتنعاً: طبعاً يا سيدي. من حق ولي العهد أن يمتلك سيارة سباق.. وإذا ما اضطررت أن تستدين.. ثسيوس، محتجاً: لقد دفعت ديوني. صوت ثسيوس شاباً: أبي دفع. فهو يحب أن يدفع ديوني في القمار إمعاناً في إذلالي. لكن مرابي «أوديسا» غالى في طلباته لدرجة تثير الاشمئزاز.. فقط لو لم تكن هناك تلك الجواهر المسروقة من إحدى المقابر الإسكيثية(5)... صوت أوتوليكوس: عفواً يا سيدي. نحن لا نسرق، نحن نهتم بالآثار، كما تقول سموّك.. وسوف تلتحق بالمعهد عندما يتقدم بك العمر... ثسيوس: كم كانت جميلة تلك الأساور الذهبية الإسكيثية فوق تلك البشرة البيضاء.. وجدائل الذهب العذري.. شعر «أريان».. والحاجبان المقطبان كحاجز فوق الجبين الصغير.. عذراء بكل تأكيد.. عذراء حمراء، كولونيل على رأس كتيبة من الأمازونيات... أسيرة ذات نظرة تصعق حراسي.. لو لم أكن أعرف كيف أتصرف مع النساء.. صوت ثسيوس شاباً: أين وضعتها؟ لم أقل لك أن تحبسها في كهف رطب، فوق القش النتن.. لم تأكل؟ لم تأكل شيئاً؟.. سترى أن صحف «أثينا» ستهاجمنا لأننا نسيء معاملة أسيراتنا. صوت أوتوليكوس: ثم ماذا بعد؟ كانت تحكم كل شيء. ماذا تود أن تفعل مع همجية مثلها؟.. أنت تتحدث الروسية يا كابتن، فسّر موقفك مع تلك الجندية. ربما كانت تود أن تنجو بنفسها مثل الأخريات. صوت ثسيوس شاباً: أخرجها. أفضل أن يجري كل هذا في الهواء الطلق. صوت أوتوليكوس: ألا تفكر في الأمر؟.. إنها تصرخ.. وتعض.. إنها ترغي وتزبد. نحتاج إلى زمرة من الجند على الأقل لتهدئتها. أتعتقد أنني أبالغ؟ انظر بنفسك عبر هذا الشرخ في الحائط. صوت ثسيوس شاباً: ليس من عادتي أن استرق النظر من شق الباب. صوت أوتوليكوس: يجب اتخاذ الاحتياطات كافة. ساقاها جميلتان بكل تأكيد.. أستأذنك يا كابتن لتناول طعام الغذاء. ثسيوس: أفّ! لا أعرف كيف احتملت هذا الرجل كل هذه المدة الطويلة.. لو لم يتركني وحدي في تلك «الإيسبا»(6) مع تلك الفتاة.. ألفاظه ألفاظ بائع روبابيكيا وأخلاقه أخلاق قواد. صوت ثسيوس شاباً: إنها تنزف، وهي ممدة على القش.. زيها أصبح أسمالاً بالية.. ساقاها ترتعدان.. شعاع الشمس هذا فوق هذا الشعر الأشقر المنكوش. هل أنت خائفة مني؟ لن يؤذيك أحد. صوت أنتيوب: أنا جندي. وجنود بلادي لا يهابون أحداً. صوت ثسيوس شاباً: لماذا تضعين يديك خلف ظهرك؟ هل قيدوا يديك؟ إن خصلات شعرك تغطي عينيك.. دعيني أبعدها.. على الرغم من ذلك فأنا لا أحمل ملامح الجلادين. صوت أنتيوب: أنت تحمل ملامح العدو. وأنا أبصق على العدو. صوت ثسيوس شاباً: أنت تبذلين كل ما في وسعك لإراحة ضميري يا صغيرتي.. أي، يا لها من أنياب ذئبة!.. اللعينة! فمي ينزف.. انظري! انظري!.. آه، أنت تترنحين؟... لم تعد تتحرك.. لقد أغشي عليها.. هذه الأزرار لا يمسكها سوى خيط.. دمك.. صدرك.. تشيوس: أي رجل في مكاني كان فعل الشيء نفسه.. بيضاء كالثلج.. جامدة كالرخام.. رغم كل شيء فقد أحبتني على الفور. صوت أنتيوب: أين أنت يا «أتالانت» يا رفيقتي؟ تفصل بيننا أسوار وجيوش.. وأنا أسيرة، أخذت بالقوة، أنا سبية.. أحياناً، أتمنى دخول الجيوش الحمراء وحرق المدينة، كما أتمنى موته؛ أنا لا أستعيد شكلي الإنساني إلا بفضل كراهيتي إياه.. وأحياناً أخرى أحبه: ماذا سأصبح إن لم أكن أحبه؟ عندما يمل مني؛ سأنتقل إلى «لاشيس»، إلى «أوتوليكوس».. سيشعر بالعار لاحقاً لرغبته العنيفة في عدوةٍ له.. يمتعني... آه إن لم يمتعني، هل كنت أظل في هذا العالم؟.. لم أعرف في نفسي من قبل هذا الوحش الشره الذي يهفو لممارسة الحب... وبطني تثقل، والزي العسكري الذي أحاول ارتداءه سراً من وقت إلى آخر في المساء لا يمكن إغلاقه. لست أملك الشجاعة اللازمة لقتل هذا العدو.. ولا أستطيع العودة إلى بلادي مع ابن غير شرعي من يوناني... ثسيوس: طائشة، مجنونة.. أم غير طبيعية، نافرة.. لم تكن حتى ترغب في الاحتفاظ بطفلها. صوت ثسيوس شاباً: على الرغم من ذلك فقد أحسنت التصرف. كنت قد اقترحت عليها رغم ذلك أن تقترن «بلاشيس». آه لو عادت إلى حقولها المزروعة كرنبا، إلى ثكنتها، إلى قريتها التي يكسوها الثلج... كانت أقل جمالاً في زينة نساء المدينة عنها في زيها الذي يرتديه حراس القوزاق. من حسن الحظ أن العجوز تولى تربية الطفل. سليل الملوك وأمل العرش... أخيراً.. كل ذلك ربما يجنبني مشقة الزواج بأميرة ملكية. صوت أوتوليكوس: يالمتعة العودة مرة أخرى للعاصمة!... لا شيء يقال، يا سيدتي، إنهم ينظرون إليك.. بطبيعة الحال، البطل الشاب، فاتح «كريمته»(7)... تبدو على أبيك البلادة بقبعة الأميرال تلك التي يرتديها. صوت ثسيوس شاباً: .. أتقصد أثناء العرض العسكري؟ هل أنت متأكد من ذلك؟ متأكد من أن الإرهابيين ينوون انتظارها أثناء مرور «الباناثينيه»(8)، عند مفرق شارعي «الإستاد» و«الجامعة»؟... ماذا تريدني أن أفعل حيال هذا؟.. أأغير خط سيرها؟ عندما تطرأ فكرة ما في رأس أبي، فإنه يصر على تنفيذها.. إن مهمة السهر على أمنه هي من اختصاص البوليس.. لا أملك أن يبدو عليّ الخوف طوال الوقت. صوت ثسيوس: لم يحدث شيء على أية حال... بطبيعة الحال، مع مرض القلب الذي يعاني منه، لم يكن ليحتمل انفجار قنبلة.. وحتى اليوم، إن حدث ووصلت إلى مسامعه أخبار سيئة.. لذلك مراعاة له، سوف أحرص على ألا أعرِّض نفسي.. صوت هيلين الصغيرة: إنه يختلس النظر إليّ.. كم هو وسيم. حليق الذقن.. وهذه القلادة الذهبية المدلاة برقبته.. فلنمشِ معاً الهوينا.. يبدو أن الرجال يحبون أن نتهادى في مشيتنا قليلاً.. إن هذا الرجل يعجبني... كما لو كنت لا أفهم لماذا ينظر إليّ بهذه الطريقة.. حكى لي «أوليمب»، أنه بعد ما حدث له مع ابن البستاني... صوت ثسيوس شاباً: مليحة تلك الصغيرة.. وقاحتها بادية.. هذان الساقان المجرّحتان من العوسج(9)... طريق «ميسترا»؟.. أتعرفين كيف نذهب إلى «ميسترا»؟.. أجل، معي، سيكون هذا أسهل. هاك يدي.. واحد، اثنان، ثلاثة، اقفزي، هيا!.. إن ثوبها الصغير يصل بالكاد إلى منتصف أردافها.. أتخافين من الحصان؟ أيتها القطة الصغيرة، اذهبي. إنها ليست خطرة في مثل تلك السن.. رغم ذلك فإني أتساءل ما إذا كان من الممكن.. بشرط ألا تثير لنا العائلة مشاكل.. صوت هيلين الصغيرة: أنا أيضاً، سيكون عندي أشياء أقصها على «أوليمب»... لا، أنا لا أبكي: أنا فتاة كبيرة. لو كانت ماما تعلم.. لحسن الحظ أن ثوبي ليس «مكرمشاً» كثيراً... إنه لا يشعر بأصابعي التي تتحسس قلادته.. جوهرة بديعة تلمع.. أضعها في جيبي، اسمع!.. إنهم ينتظرونني في البيت.. أنت لطيف حقاً.. نعم، كل يوم، آتي على الطريق نفسها من أجل رعي العنزة. صوت ثسيوس شاباً: انطلقت عبر الحقول دون أن تنظر خلفها.. لكنها ستظل ذكرى طيبة. قلادتي.. المجرمة الصغيرة خطفت فروتي الذهبية، القطعة النادرة التي أهداها لي «هرقل»... هذا يعطيني درساً ألا أتنزه وأنا في كامل زينتي. صوت إيجيه العجوز: ... وبالتحديد أثناء فترة الانتخابات.. «ثسيوس» يا بُنيّ، إن طيشك يُعَدُّ جريمة.. في «ميسترا» عند حلفائنا الإسبارطيين، مع ابنة أسرة عريقة.. أمن الدولة، سمعة العائلة المالكة.. ولماذا بحق الآلهة! لدينا في «أثينا» بنات أفضل من تلك. صوت لاشيس: سمعة العائلة المالكة تتطلب عزل عجوز مخرف... أنت لن تقوم بنفي نفسك، يا مولاي، في المستعمرات.. هذه الحرب العبثية.. والإنذار الأخير للحكومة الكريتية.. بالطبع لا توجد انقلابات بلا مخاطر. ولكن الجيش في العادة يأخذ صف ولي العهد. ثسيوس: أحسنت صنعاً إِذْ لم أستمع لدسائس «لاشيس». عندي ضمير. ومن ثم، فمن غير الممكن التنبؤ بالنتائج: فقد نبدأ بتنحية أحدهم، فإذا بنا ننتهي بإشعال فتيل الثورة.. أشعر بألم في قدميّ.. سأعود من المستعمرات مكللاً بالمجد.. عظام أموات خفيفة، وجماجم مهذبة تشبه الصدف... بل، مركبات في حالة سيئة، وشظايا زجاجات.. أين الضحايا؟ كل ذلك يبدو لي كما لو كان معداً مسبقاً. هذه الحلبة الخالية من الثور تثير السخرية.. صوت أريان: أنت تحارب أصل كل الشرور.. خطواتك المقبلة في المستقبل... سوف يجد نفسه حين يجدني... ثسيوس: أف!.. ذراعي متشنجة... لا شيء يقال، هذا الخيط يضايقني.. لكن لم يكن بمقدوري أن أجرح شعورها برفض اختراعها البسيط... لا نعرف على وجه التأكيد، فقد ينفع.. لكن لماذا ترتمي كل النساء حول رقبتي بهذا الشكل... صوت فيدرا: أنا أتوق إلى «ثسيوس»... أحترق شوقاً إلى «ثسيوس»... ثسيوس راضياً: أف!...إن «فيدرا» الصغيرة تحترق شوقاً إليّ... أنا ألومها بعض الشيء لتورطي رغماً عني في قضية الأربعة عشر شخصاً المقدمين قرابين.... هؤلاء المساكين!... لا يساوون الكثير كعينات بشرية... إذا وضعت نفسي مكانها... قصة قذرة.. مؤامرة من فتاة صغيرة تحب مشاهدة القطار يخرج عن القضبان.. إنها تعبدني رغم ذلك.. تحس نحوي حناناً، كي تمنعني من أن أريق ماء وجهي.. هذا واضح وضوح النهار: قبلاتها لا تخدع. صوت فيدرا: عيناه صافيتان.. متكبر... متوحش... كم أنت فتيّ.. لم أر في حياتي شخصاً في مثل فتوتك... ثسيوس: متوحش.. لكن فتيّ. على كل حال... سن الثامنة والثلاثين ليس سن الهرم... صوت هيبوليت: اغربي عني! اغربي عني! حرارة النساء، رائحتهن، طراوتهن، وامرأة أبي.. أبدا! أبدا! صوت ثسيوس شيخاً: متكسر ومرتعد: كانت تقاومه.. لقد أخبرتني بذلك.. ولكن هل تملك المرأة أن تقاوم؟.. أنا أتذكر عندما كانت «أنتيوب»... لكن الأمر كان مختلفاً: فهي كانت سلافية وعدوة.. زوجة أبيه. هذا الابن العاق المرائي.. التعس سأصفي الحساب معه.. السجن، البلطة... مثل «بطرس» الأكبر.. لكن.. سمعة العائلة تتعارض مع كون ملك يقوم بإعدام ابنه، يمكننا أن ندبر الأمر بحيث يبدو كما لو كان حادثاً... لو أن فرسه تجنح كما لو كانت بمحض المصادفة ويُشج رأسه مرتطماً بحجر... صوت هيبوليت: إن أعماق قلبي نقية نقاء النهار... أنا لا أشبهه، لن أحمل بعد اليوم هذا الوجه الفاحش، الفظ، وجه زير النساء.. أمي السلبية المجبرة المهانة.. كانت بطلة، محاربة حتى النخاع.. وهذه الزيجة مع تلك الغريبة البشعة التي تحملق في بعينين كعينيّ الذئبة.. ثم هجره «لأريان»... ثسيوس: أهجر «أريان»؟... أنا؟.... حبيبتي... من صاحب هذا الصوت؟ من يجرؤ على السماح لنفسه بكلام كهذا؟... سأقتل هذا الصوت. صوت ثسيوس شيخاً: لقد قتلت ابني... ابني الوحيد.. أمل العائلة المالكة. على جانب الطريق بين «إيلوزيس» و«دافني».. ابني الذي ينزف... دماً على قارعة الطريق.. ابني البريء.. وإن كان ما قالته صحيحاً، وإن كانت تراجعت عن قولها لتعذبني أكثر، لتجعلني أعتقد أنني قتلت ابني البريء... آه، ومن ثم إن كان بالفعل قد... كان من الممكن أن نتوصل لحل ثلاثتنا.. كان من الممكن أن أتظاهر أنني لا أعرف شيئاً. ابني مات... كما لو كنت قد قتلت نفسي في سن العشرين... القتال بالعصي، الاعتراف في الميدان العام.. علينا ألا نبالغ على الرغم من كل شيء.. سأكون موضع سخرية. سأصبح أضحوكة «أثينا».. ابني، أيها السادة، طفلي المسكين.. شكراً... أنا ممتن غاية الامتنان لتعازي مجلس الشيوخ.. القدر.. ثسيوس: ماذا يقول هذا العجوز؟ قتل ابنه؟ تمثيلية معدة سلفاً. إما هو وإما أنا، إن «لاشيس» على حق. لكن أي حجة سيسوقها، قصة امرأة؟ لا بد من أنها تلك الفنانة الشمطاء التي زالت عنها الأضواء، نجمة حانات «بيرا» التي تزوج بها دون إعطائها لقباً ملكياً العام الماضي.. هذه الناقة العجوز ربما تكون قالت له ذلك حقداً.. من الواضح أنها ما كانت لتطلب أفضل من ذلك... ما كنت لألمسها بطرف أصابعي.. امرأة أبي.. إنني أضحك من اللعنة التي أصابته.. هذا العجوز القذر. أن يتخلص منها.. وكم هو قبيح! انظروا إليه قليلاً، انظروا إلى رأس هذا الرجل الفاسد.. انظروا إلى هذا الأنف! انظروا إلى هاتين العينين! عندي رغبة في تحطيمه من زمن طويل.. لقد شذب لحيته الرمادية كي تشبه لحيتي الشقراء. وتلك الندبة في ركن عينه. إنه يحاكي ندباتي الآن! ابنك هيه؟.. يداي تنزفان.. لقد تخبطت بشدة. سكين حادة... أن ننتهي. إما هو وإما أنا، كما يقول «لاشيس».. من العائلة.. خذها في رقبتك!... هذه الرقبة القذرة المجعدة كرقبة ديك رومي... آه يا للتعاسة! يبدو لي أنني أنا من يموت. يسقط فوق ركام من الخشب والزجاج المكسور محدثاً ضجة عظيمة. المشهد السابع أرض موحلة على شاطئ البحر. أوتوليكوس، أريان، فيدر، ثسيوس أوتوليكوس: لا يوجد أحد. نحن هنا في العراء: ملصقات ممزقة، حديد خردة قديم. وكأنه ميدان الاحتفالات صبيحة يوم الخامس عشر من يوليو(10). أريان: ألمح جسداً ممدداً على الرمال، ولحية شقراء، ونطاقاً ذهبياً. أسرع يا «أوتوليكوس»! لقد سقط «ثسيوس» لتوه، سحقه ثقل التيه المتهاوي فوقه. إنه يختنق، مقيداً داخل عُقَده هو، أسير الخيط الذي منحته إياه كي يهديه السبيل. هكذا: إِرفع رأسه؛ إِقطع الرباط الذي يخنق شريان الحياة برقبته. وأنت، يا «فيدرا»، قربي منه زجاجة العطر هذه. أيتها الأخت التائبة، هذا الصباح اسمك «مادلين» (11).. أوتوليكوس: عفواً سيداتي. ما تبقى من قصر التيه الشهير هذا ليس رائعاً أبداً. هل حارب «ثسيوس» حقاً هذه الأسوار الورقية، وهذه الحيطان المكسوة بالمرايا المشوهة؟ إن البطل المنهار يشبه كثيراً جباناً مغشياً عليه. وسرعان ما سيُصلب. أريان: اصمت أيها المتهكم المسخ.. هاهو الرجل.. شفتاه تتحركان.. وفقاعات الذكرى تنفجر على السطح.. الرؤى تصبح أضغاث أحلام مرة أخرى. دع الشجاعة بداخله تنتصر على جُبنه. ثسيوس: يستعيد وعيه: أين أنا؟ أوتوليكوس: أنت في عالم يحيا به «ثسيوس»، ومازال يحوي بين جنباته «أريان». أي تعريف آخر لا لزوم له. ثسيوس: «فيدرا»؟ أوتوليكوس: «فيدرا» أيضاً تواصل الوجود. وأنا كذلك من أجل خدمتك. أنت ترى أن لا شيء تغير. أريان: إن صوت الانفجار دلنا على مكانك في الصباح بعد ليلة قضيناها في الصلوات. إن انهيار التيه لهو علامة. ما كان مخيفاً أصبح قبيحاً. أنت قتلت «المينوتاوروس». ثسيوس: هيه؟... بالطبع... دعوني أحاول أن أرى مرة أخرى، أحاول أن أعيش الحدث ثانية.. لقد مشيت طوال الليل في دهاليز مليئة بالفخاخ. رأيت وحوشاً وأهوالاً. و«المينوتاوروس»... أوتوليكوس: هل هو بشع؟ ثسيوس: هو غير مرئي. هجم علىّ جيش لم أر له قائداً.. كنت أسير، متفادياً كتائب من الأرواح الشريرة.. تبعت هذا الوحش عديم الشكل خطوة خطوة، هذا العدو الذي كانت خططه العسكرية تنحصر في التراجع دائماً، ووقعت في شرك تلك الأنفاس المخيفة المقرفة كأنفاس حيوان مفترس.. وجرني حتى هذا الشاطئ.. بحر ساكن وأمواج زجاجية شفافة.. كان «المينوتاوروس» يلتصق بي مُضيّقاً في كل لحظة المساحة اللازمة لرئتيّ ولقلبي.. ضربت بقبضة يدي. وبقبضة السيف... كنت كسجين في سجن من زجاج يحاول أن يهرب منه بالبحث عن نجمة.. عضني الوحش. انظروا إلى جبيني، انظروا إلى يديّ. لقد سمعت انهيار الزجاج الذي انفتحت من تحت أكثر من هاوية. ولكني لا أملك دليلاً على المعركة سوى هذه البركة الحمراء.. أريان: إنني أصدقك يا «ثسيوس»، بما أن دماً حقيقياً ينزف من جروحك، وأنه ما من سحر يفوق التوضؤ بالدم الذي ينزف. لقد مات «المينوتاوروس» بما أنك تنزف. لقد انتهى حكم الشر بما أننا نسير بحرية على تلك الأرض التي طالما جالت بها الأشباح. سامحني لأنني شككت في قدراتك وهرعت لمساعدتك، حين ربطت يديك بوقاحة بهذا الخيط عديم النفع. لقد عادلت قوتك بمفردها قوى الشر جميعاً. أوتوليكوس: «ثسيوس» انتصر، فليكن، ولا يجدي الآن أن نذكّر بأن الوحش قد التهم ضحايانا. نصيحتي، يا سمو الأمير، أن نغادر هذه الأرض المليئة بالمشاكل على وجه السرعة. واستعداداً لكل شيء، أمرت بحّارتك برفع المرساة نحو هذا الشاطئ. ثسيوس: إذا كنت قد رغبت في الحياة، فمن أجل أن أشم عطر العسل في شعر «أريان»، من أجل أن أنصت من جديد لثوبها الكتاني يهفهف بنعومة في ريح البحر.. هل ستتبعينني إلى نهاية العالم، أنت يا من دونها أفقد جزءاً من نفسي؟ أريان: إلى نهاية العمر، إن لزم الأمر. وإلى حيث تحب أن تأخذني يا «ثسيوس».. فيدرا: وأنا؟ و«فيدرا»؟ أختي «أريان»، أعرف أنني ارتكبت خطيئة. ولكن ألم تنجبني أمي العاصية إلى العالم من أجل أن أرتكب الخطايا؟ ألم تُخلق روحي موسومة بتلك البقع السوداء التي تزين جلد الفهود؟ هل ستتركونني وحيدة وسط عالم كان جميلاً، وحطمتموه أنتم، لأنكم رأيتم فيه الشر؟ أريان: سوف نصحبك معنا يا «فيدرا». لن يُقال بأن سعادتنا الأنانية بدأت بالتضحية بإنسان، لن يُقال: إننا اثنان أبحرنا نحو كمال لم تكوني جزءاً منه. ربما تنتظرك حقيقة جديدة وإله مجهول بين أنوار «أثينا». ثسيوس: كلا يا «أريان»! لقد نلت كفايتي من ليلة امتحان واحدة. لا أرغب في اصطحاب حية جميلة على متن مركبي. أريان: ماذا يكون الانتصار الذي لا يتجدد كل ليلة، الاختيار الذي لا يولد من جديد مع كلّ صباح؟ «فيدرا» تستمد مني ضياءها؛ وأنا أحتاج إليها كما أحتاج إلى ظلي. لن أترك نصف حياتي على هذا الشاطئ المجهول. ولن أؤمن بحبك «لأريان» إلا إذا اصطحبت «فيدرا». ثسيوس: لا تصري، يا فتاتي الصغيرة! ولا تمزجي، أيتها البريئة، سموماً لا أدري كنهها بعطورك النقية. إنني أعرف «فيدرا» أفضل منك. أنت لم تريها وهي عاشقة، ولم تريها وهي خائنة. أريان: أتعرف يا «ثسيوس»، إذا لم تُخلق متع «فيدرا»، وخياناتها من صمت «أريان» ومن براءتها الملتوية، ومن خفر عينيها المغلقتين؟ إذا لم تخلق فيدرا لأصبحت «أريان» هي «فيدرا» بلا شك. أوتوليكوس: لا تطل النقاش، يا سمو الأمير «ثسيوس». لا بد من أن ضجيج الانفجار قد دوى في الجزيرة كلها. ولا تنس أن البطل الذي يلقي البوليس القبض عليه ما هو في نظر القانون إلا متهم. أريان: فلنرحل! وماذا تهم هذه الفتاة الصغيرة التي تتبعك، هذه الكلبة الصغيرة التي داعبتها ذات مرة.. نحن في تلك الساعة من النهار حين يبدو من المستحيل أن يهبط علينا الليل.. ماذا تهم بقعة سوداء؟ إن ضياءك يبهرني، يعمي بصري... أنا لم أحب أبداً سوى «أريان». أريان: اتبعينا يا «فيدرا»... وأنت يا «أوتوليكوس»، أعط ذراعك للبطل الذي ما زال يترنح، إلى الجندي الجريح.. لكن ماذا هنالك يا فتاتي الصغيرة.. أنت تخفضين رأسك؟ أتلتقطين شيئاً ما من على الأرض؟ فيدرا: شيء تافه للغاية، يا «أريان».. لعبة.. انظري: نصل صغير منسي فوق الرمال.. سيف أطفال. المشهد الثامن أحد الشواطئ في «ناكسوس» ثسيوس وأريان ثم فيدرا ثسيوس: لقد هدأت الرياح يا «أريان»: إنه موسم تعشيش «الألسيون»(12). سنظل هنا أسابيعَ أو شهوراً أو إلى لأبد. أريان: لم تكن «كريت» سوى سجن؛ كل «سيكلاد»(13) نقف عنده في أثناء الرحلة ليس إلا وقفة قصيرة للتموين قبل الرحيل. ولكن الهدوء الذي يمنعنا من الحركة، والشراع المطوي، فوق هذه الجزيرة المهجورة، عند سفح هذا الجبل الأجرد، يدشنان عصراً خالداً لنا. السعادة المطلقة، والصمت الكامل يسودان هنا كمنتصف نهار صافٍ. ثسيوس: الجزيرة مهجورة، ولكنها ليست مجدبة. أدهشني وجود منابع وفيرة بها. ماؤها بارد لكنه شافٍ. أشجارها غير مطعمة، تحمل ثماراً غريبة، ليست مغذية مع ذلك كتفاح الوطن عديم الطعم. أريان: هذه الشواطئ المستطيلة تأخذ شكل قيثارة، شُدت أوتارها من قرون، وكأنها بانتظار أنشودة. ثسيوس: عندما كنت أسبح هذا الصباح، عثرت على كمية من الذهب تكفي لإقامة «بانثينون»(14) أو لشن حرب في «صقلية». أريان: سوف نسير حافِيَيْ القدمين على هذه الرمال بلا ماضٍ، بمحاذاة هذه الصخور بلا ذاكرة.. وسوف تعكس صفحة البحر تتابعنا من الشفق والغسق، ومواكب من الثريا(15)، لكن أقدارنا المحتومة لن تتغير إلا قليلاً كصخرة راسخة. ما من نسمة ستغير مسار الأريج المنبعث من حقول الناردين؛ ما من ألم سيشوه حبنا، الذي سيظل ساكناً في السماء كغيمة ذهبية كبيرة. وإذا اشتدت الريح، وإذا ما كان هذا الهدوء ليس إلا فاصلاً في دراما عالم أقل منا حكمة، فماذا يهم يا «ثسيوس»؟ لقد وصلنا، نحن في المركز.. كلمة الرحيل لا تعني شيئاً، ولم أعد أفهم كلمة عودة. كل صخرة هي قاعدة؛ كل جزيرة تخرج من قلب البحر هي بالنسبة لنا مثل سواها من الجزر. إن قلق الإنسان وحده هو الذي اخترع «كريت» وبنى «أثينا». ثسيوس: لماذا تذكرينني «بأثينا»؟ إن إقامتنا على هذه الجزيرة ستسبب ألف مشكلة سياسية. أنا لا أستطيع أن أنسى أنني ولي العهد. أريان: وأنا وحيدة، أشعر أنني ملكة. لكنك ستقول لي إن ذلك في غاية السهولة. ثسيوس: بالضبط. نحن لم نحل المشكلات، بل بسّطناها. بسبب هذا التجرد، سينتهي بنا الأمر إلى التلاشي. أريان: أتعتقد أنني مفتونة بسعادة مرسومة على بطاقة بريدية؟ إن الحياة هنا ليست أقل قساوة، ولا المشاكل على هذه الجزيرة بأقل تعقيداً من أي مكان آخر. فهناك «أوتوليكوس». وهناك بحارتك. ولست أحتاج أن أذكرك بوجود «فيدرا». ثسيوس: لم أرها منذ مدة طويلة. ترى أين هي؟ أريان: إن «فيدرا» تحتل أفكارك بلا انقطاع، ولا أحد يعلم أكثر مني أنها في أحلامك دائماً. حتى في هذه اللحظة، أراك تنظر خلسة، تحاول أن تعثر على جسد بلون الظلال فوق الشاطئ الأصهب. ثسيوس: «فيدرا»، تلك البقعة المسطحة أسفل الصخرة، ذراعان، وساقان ممددان، وجديلة الشعر الأسود؟ إن أختك، يا «أريان»، تشبه من بعيد نجمة بحر. أريان: هل أنا عمياء؟ لقد دلني «أوتوليكوس» على الأثر الذي تركه جسدان فوق الرمال، دلني على جذر الشجرة حيث قام ثغران بقضم الثمرة نفسها. أنا تعبة من الابتسامات الخادعة ومن القبلات الكاذبة. لقد تركت لك الخيار بيننا وليس الكذب. ثسيوس: إن كان الأمر كذلك، فما معنى أنشودة الحب التي ألقيتها على مسامعي منذ قليل، وما معنى الإعلان عن سعادة مطلقة أشعر بالعار لعدم التظاهر بها؟ ادعائي الحنان وادعاؤك الكبرياء يستند أحدهما إلى الآخر يا «أريان» وهذا هو الأساس المتين الذي ترتكز عليه غالباً العلاقة بين الرجل والمرأة. أريان: أنا أجتهد للمحافظة على صورة السعادة التي يمكن أن تكون. ماذا يمنعك أن تكون قوياً، أن تكون مخلصاً، أن تكون عفيفاً؟ «ثسيوس» المثالي هذا، الذي أدافع عنه باستمرار ضدك، يعتمد عليك وحدك للوجود. ثسيوس: وصورة «ثسيوس» المثالي هذه هي ما أهرب منها بالضبط في أحضان «فيدرا» وبين ساقيها. إنها فتاة سهلة. ولا تتوقع مني سوى رذائل أو فضائل عادية. إذا كنت ترغبين في إله، فلماذا تتوجهين إلى الإنسان؟ أريان: لأن معظم النساء ينتظرن الرب في صورة الإنسان. فكر أنني وجدت فيك أفضل ما يمكن أن أحبه، وأنني في لحظة ما كنت أفضل ما تبحث عنه في صديق. ثسيوس: أنت لم تبحثي إلا عن تلك الشخصية المثاليّة التي تحتاج إليها كل النساء كي يمارسن الحب بلا خجل تقريباً. إن عنايتك ليست خالية من الأغراض إلا بقدر ما يكون دلال الممرضة عند فراش الجريح خالياً من الأغراض. ما نفع حميمية الزواج، إن لم يكن من أجل أن نأخذ راحتنا، أن تَحلي أنت «الكورسيه» وأخلع أنا درعي؟ إن عمري ثمانية وثلاثون عاماً. وزمن بطولتي يقارب على نهايته، ولم أكن أبداً متخصصاً في الحب العظيم. أريان: كيف يمكن لما لم يكن أبداً أن تكون له نهاية؟ أنت لم تقتل «المينوتاوروس». ثسيوس: لا تذكريني بتلك الرواية التي اخترعتها الدعاية الأثينية، تلك القصة البلهاء التي تورطت بها رغماً عني. أعتقد أنك مستنيرة ولا يمكن أن تؤمني بوجود الوحوش. أريان: إن كنت قتلت «المينوتاوروس»، هل كنت لأتمنى موت «فيدرا» وموتك وموتي هاهنا؟ نحن لم نخرج من التيه. حبي أصبح كراهية، وذلي وضاعة، وتسامحي فساداً. إنني أحصي القبلات؛ وأتباهى بانتصاري على شهوات الجسد. لعبك بالكلمات يضحكني؛ إنني أتقبل قصص الصيد التي تقصها عليّ؛ لقد كنت أنا أكذوبتك. إن الأمل العقيم في أن تبدو عظيماً في نظري يشعرني بالتضاؤل. وكلما لمحت «فيدرا» غافية على الرمال أو متمددة في الشمس، تنتابني رغبة في أن أسحقها بحجر. ثسيوس: وأنت تعجبينني هكذا، أفضلك هكذا على «فيدرا».. عند هذا الصدر الذي يخفق تحت هذا الجوخ الأبيض الممل، يقل ندمي على تسجيل اسمي في سجلات البلدية، في «سيكلاد» لم أعد أعرف مكانها. أيا تمثال اللحم، إن جرأة «فيدرا» لا تساوي تأنيب ضميرك المحطم.. على كل حال، أنا لم أتزوجك كي تشاركني فراشي معلمة مدرسة أو حاميتي «أثينا». أريان: لا! سأوقف، بينما ما زال أمامي متسع من الوقت، ما كان بالنسبة لي مغامرة إنسانية؛ لن انتصر على «فيدرا» بأن أصبح «فيدرا». لا أود أن أتحول بطريقة غير محسوسة إلى عشيقة مجربة، يتقدم بها العمر، وتنال ثمن خدماتها أوراق بنكوت وقلائد. ولا أود كذلك أن أكون زوجة محل إعجاب، بسحنة مقلوبة، وشفتين تعبران عن المرارة، ونظرات تدل على أنها تعرف أكثر مما تظهر. أنا لن أنتقل من اليأس إلى الحنق، ومن الحنق إلى الاحتقار. خذ «فيدرا» مثلاً: لقد خُلقت من كل الأبدية لمتعك ولنكباتك. ارفع المرساة؛ ارحل مع أختي إلى بلادك حيث «بيريه» و«الأكروبول»، واتركني على شاطئ هذه الجزيرة المهجورة، كفراش واسع حيث أتمكن في نهاية الأمر من النوم فيه بمفردي. ثسيوس: لا تنس أن سكون الريح هو ما اضطرنا للبقاء هنا. أريان: أنت مخطئ. الريح تهب: انظر كيف تهتز حزمة الفرفحين(16) هذه. ها هي «فيدرا» إن قدرك يقترب منك منتعلاً أصغر حذاء في الوجود. كل عنده «مينوتاوروس»: في هذه اللحظة، أنت تسير في اتجاه أكبر الأخطار دون أن تدرك ذلك. فيدرا: تدخل: الملل، ياله من وحش! يمل المرء من تلك الإجازات الخالية من الأحداث على شاطئ البحر المتوسط حيث المياه من الرخام الأزرق. إن كنت أعرف أن تلك العطلة فوق هذه الجزيرة ستطول، لكنت أحضرت المزيد من المتاع. أريان: أترى أنكما متفاهمان تماماً. هي لا تستطيع الاستغناء عن زينتها وأنت عن زيك كي تلعبا حتى النهاية دور الملكة «فيدرا» والملك «ثسيوس». ثسيوس: سنرحل يا «فيدرا». فيدرا: «أريان» ستبقى؟ أريان: أنا وصلت. ثسيوس: «أريان»، أنا أتجنب قدر المستطاع أن أكون قاسياً مع النساء.. لكن الوقت يمر. إذا كنت راغبة بشدة في قضاء الصيف على هذه الجزيرة، فليس لديّ الحق في معارضتك. مع ذلك فالجزيرة ليست معزولة كما نعتقد.. فهناك فلوكات الصيد... عموماً افعلي ما يحلو لك. لقد بذلت ما في وسعي كي أحبك. فيدرا: «أريان»، إنها ليست غلطتي. أريان: إنها غلطتي أنا يا «فيدرا». تذكريني بعد مضي زمن طويل. وامنحي «ثسيوس» بهجة تعويضه عما ستتسببين فيه من آلام في المستقبل. فيدرا: أنا لا أفهم. لا تعجبني ضحكته الخشنة التي تدل على جهله بالنساء. وهو ليس في مقتبل العمر.. يعوقه وجود ابن... لكن لا بد من أنه كان وسيماً عندما كان في العشرين.. وهو أول من لاحظ «فيدرا» الصغيرة.. وأنا لم أُخلق للصفوف الثانية.. المهم أنني أحبه بالقدر الذي يكفي لجعله يخون «أريان». أريان: بالقدر الذي يكفي لجعله يخونني، ولكن ليس بالقدر الذي يمنعك من خيانته. لكن إذا لم يكن «ثسيوس» قدرك، فهو على الأقل بدايته. فيدرا: هل كنت تحبينه؟ أريان: أكثر مما كنت أعتقد، وأقل مما كنت أصرح به. فيدرا: الوداع أيتها الأخت الطاهرة.. قبليني، لأننا بلا شك لن نتقابل إلا في عالم الأرواح، حيث لن تكون لقبلاتنا شفاه. إن الريح تشتد؛ أشعر بهبات تنبئ بالعاصفة تجذبني.. لكن ماذا، أتبكين؟ أريان: لا شيء، «فيدرا»، ليس هذا سوى أنفاسي الأخيرة كامرأة. علي أن أمنحكما شيئاً في لحظة الرحيل. إن المتعة الوحيدة التي يتوقعها مني «ثسيوس» بعد هي بالتحديد تلك الدموع التي أذرفها. المشهد التاسع شبه جزيرة في «ناكسوس» أريان ثم باخوس (الإله) أريان: أيتها الوحدة.. لقد عرفت في جميع الأحوال، في الانتظار، في الحب، في الألم، وفي الندم على الألم. الآن أنا أرتشفك خالصة.. إن الهواء في غاية الشفافية إلى درجة الاعتقاد أنني أتنفس فراغاً. تنبثق جزيرة المرمر من قلب المياه السائلة ثابتة ثبوت الماضي، كاملة كمال الذكرى: الجزيرة العمودية ترتفع إلى أعلى حتى لا ندري ما إذا كانت الأمواج التي تحتضنها سماوية أم بحرية. أيها الصمت، لن يحاول أنيني أن يدنسك: سيصعد غناء انتصاري الحزين صلباً ومتفرداً مثلك أيها الصمت. لكن الطقس بارد رغم حرارة الشمس! وسط هذه التحفة المائية الخلابة، سينتهي بي الأمر إلى الذهول، دموعي تتجمد. ضربات قلبي تزداد ندرة وتتباعد. لا بد من أن الدماء التي تجري في عروقي قد صارت الآن في مثل زرقة السماء. باخوس: حان الآن دوري يا «أريان» للظهور على خشبة المسرح. أريان: شخص آخر؟ لن أعرف السلام إذن أبداً. باخوس: أنا «باخوس». أريان: مولاي، أرشدني إلى طريقك. الوحوش المستأنسة ما عادت تثير اهتمامي، وكل نبيذ العالم صار له مذاق مر مخيب للآمال. باخوس: يا لعزة نفسك يا «أريان»! أنا من كنت تبحثين عنه في «ثسيوس» إلا صورة مبدئية لي. أريان: كنت أظن أن الإله أكثر ذكاءً في هذه اللحظة، ليس الشبه مع «ثسيوس» هو ما يسحرني في أي وافد. باخوس: دعينا لا نتكلم بالسوء عن «ثسيوس». فهو من قادك إلى هذه الجزيرة. وما كنت لتصلي إليها بمفردك. لا تتخذي هيئة الحبيبة المهجورة بهذا الضيق وهذا الشحوب التقليدي الذي يبدو عليك. ولا تحاولي إقناعي بأنك لم تجبري هذا الرجل المسكين على الرحيل. أريان: لقد عملت ما اعتقدت أنه واجبي. ومن جهة أخرى، هو ما كان ليبقى. باخوس: رحيله أتاح لك فرصة لقاء الإله. أريان: لا تسرف في استعمال هذه الكلمة. أنت أقصر إجابة يمكن تقديمها على أسئلة الإنسان. باخوس: أتعرفين إجابة أفضل؟ أريان: نعم.. كلمة عدم قصيرة مثل كلمة إله. باخوس: مم!.. لا يبدو عليك الشك، يا «أريان»، إن في مقدوري أن أمنحك الخلود. أريان: إني كذلك /خالدة/ بالفعل. إنها ميزة تشاركني فيها كل ذرة. «أريان»، أخت النار، ابنة الهواء والصخر. باخوس: أنا أمنحك الخلود الواعي. أريان: شكراً. أحب بالقدر نفس أن أغفو. باخوس: أنت نائمة بالفعل. حياتك كلها لم تكن سوى حلم. أريان: والقول: إننا لا نختار أحلامنا! مع أب سفيه، وأم دنسة، وأخ متوحش، وحبيب لم يستحق حبي، وأخت الجريمة قدرها. لا تندهش إذا كنت أفضّل أن أغلق عينيّ. باخوس: بين كل تلك المخازي، أين تضعين «أريان»؟ أريان: «أريان» الفاضلة، الحيية، عزيزة النفس التي كانت تظن أنها لا تستحق أقل من الكمال؟... أنا أيضاً أشعر بالملل من «أريان»... إذا كنت قد اخترت أن أحيا في تلك الوحدة، فذلك كي لا أسمع اسمها ينطق به أحدهم. باخوس: هذا ما يطمئنني. بدأت أعتقد أنك لن تطرديني، بدوري، من على هذه الصخرة. أريان: كنت قد اخترتها جرداء تقريباً، وأتيت أنت كي تفرض عليّ وجوداً غير محتمل. كنا نظن الكائن الذي تماثله غير مرئي، ونعلم أنه صامت منذ أمد طويل، أما أنت فتتكلم. ولك شكل. أجدك بشرياً بشكل مزعج. باخوس: دققي النظر. ألا تلاحظين أن الشعر الأبيض على صدري يرسم شكل نجمة؟ وألا ترين، تحت هذا الشعر الملون بلون العنب الناضج، هذه النتوءات الصغيرة التي تقربني من حيوانات الحقل ومن الهلال؟ ألا تسمعين في صوتي إلا النغمات السبع لصوت البشر؟ وأنفاسي هذه، يا «أريان»، أليست أكثر عمقاً وأكثر دفئاً من الأنفاس البشرية.. أريان: إنكما تشكلان واحداً؟ باخوس: على رسلك.. المشكلة التي تثيرينها هنا هي من التعقيد بحيث يصعب عليّ أنا نفسي حلها أحياناً. أريان: أنا على الأقل أفهم أنني لا أفهم. لكني ربما أكون قد أخطأت حين دفعت «ثسيوس» لمحاربتك. باخوس: يجب محاربتي قبل معرفتي. معظم الضحايا وقعوا في الخطأ نفسه. فقد تصوروا أن كل المطلوب منهم هو أن يموتوا. أريان: لماذا إذن تركت «ثسيوس» طوال الليل دون أن تعطيه فرصة المعركة التي تنادي بها الآن؟ لم تتكرم بالظهور. أما هو فقد عبر العتبة. المسكين ظل متماسكاً بأقصى ما في وسعه.. لماذا تندهش أنه لم يخرج مقتنعاً؟ باخوس: «ثسيوس» رأى «ثسيوس». إنها ليست المرة الأولى التي يصورني فيها الإنسان على صورته. لكن لا تيئسي من خلاص حبيبك السابق. يوماً ما، سوف يكتشفني، ربما في صورة رجل عجوز أعمى أو شاب يعاني سكرات الموت.. طالما هناك رب، هناك أمل. أريان: أنت تملك القرون، زمنك أبدية. أما «ثسيوس»، في أحسن الأحوال، أمامه خمسون عاماً. وإذا ضل الطريق في تلك الدهاليز التي تخترقها أبواب عديدة متشابهة؟ أنت من يدير المحل المتنقل؛ والدعاية تعتبر مسئوليتك. هل سترشده إليك؟ هل ستمنحه، في وقت الإغلاق، خمس دقائق إضافية؟ باخوس: لا تتدخلي فيما لا يعنيك، يا «أريان». ولا تنسي أنه ممنوع إلقاء الأسئلة على الآلهة وعلى الملوك. أريان: لكن مصير «فيدرا» يعنيني. هل ستقابلك؟ أريان: شيء مريع! باخوس: كلا. سوف تجدني «فيدرا» جميلاً. أريان: لدرجة أنني لا أمتاز عنهم بلقائك. حتى دروب الشر تؤدي إليك. باخوس: أيضايقك هذا؟ أريان: لا. لكن ماذا عن الضحايا الأربع عشرة؟ لقد تركناهم يتعذبون كوديعة محفوظة في محطة قطار. أنا لا أرغب في سعادة أصغر من أن تستوعب أن تكفي ملايين الموتى. باخوس: مشكلة أخرى دون حل. لا ترفضي السماء التي تنفتح لك أيتها المخلوقة الصغيرة. حقيقة أنها ربما ما كانت لتنفتح لك إذا لم تطرحي هذا السؤال. |