مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 132 خريف 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

جونتر جراس يقشّر البصل في سيرته الذاتية ـــ مراجعة: حصّة منيف‏

جونتر جراس هو أشهر الأدباء الألمان المهاجرين والحائز على جائزة نوبل للآداب للعام 1999، ولكن ما علاقته بتقشير البصل؟؟‏

هل احترف الطبخ أيضاً إلى جانب احترافه الكتابة الأدبية والرسم والنحت كما هو معروف عنه؟‏

«تقشير البصل» هو في الواقع عنوان سيرته الذاتية التي صدرت في العام الماضي، وأثارت حينها ضجة كبيرة وجدلاً بين من هاجم جراس هجوماً مقذعاً نظراً لاعترافه في هذه السيرة بأنه خدم كجندي مدفعية في الجيش النازي، وبين من دافعوا عنه باعتبار دوره هذا كان هامشياً جداً. أما استخدامه تعبير «تقشير البصل» كعنوان لسيرته فقد كان كناية عن محاولته نزع طبقات جلده طبقة بعد طبقة للوصول إلى لبّ الحقيقة في داخله.‏

يبلغ جونتر جراس هذا العام الثمانين من عمره، وستجري احتفالات في أنحاء مختلفة من ألمانيا بهذه المناسبة. أما سيرته الذاتية هذه فهي لا تتناول مجمل مراحل حياته بل الفترة منذ طفولته في مدينة «دانزيج» الواقعة على الحدود الألمانية ـ البولندية وحتى عام 1959. في هذا العام صدرت رواية «طبل الصفيح» التي رفعت جونتر جراس إلى قمة الشهرة فَجأة، ونال عليها جائزة نوبل للآداب بعد مرور أربعين عاماً على صدورها.‏

ترجمت سيرة حياة جراس إلى اللغة الإنجليزية مؤخراً، وبذلك تجدد النقاش والجدل حولها. ومن ينتقدونه لا يتحدثون فقط عن حقيقة خدمته في الجيش النازي؛ بل كذلك عن إخفائه هذه الحقيقة لما يزيد عن خمسين عاماً، أما المدافعون عنه فهم يمتدحون صراحته وصدقه؛ خصوصاً وأن فترة خدمته في الجيش النازي اقتصرت على أشهر قليلة، حين كان مجرد فتى صغير في السابعة عشرة من عمره، وتمت في الفترة الأخيرة من الحرب، في الوقت الذي كان فيه الجيش الألماني يتداعى وينهار.‏

كما يعلن هؤلاء أن جراس تناول سنوات الحكم النازي مشرحاً كل دمويته ولا إنسانيته والدمار الذي أحدثته حروبه في جميع الكتابات التي صدرت له قبل أن ينشر سيرته الذاتية. ولذا فإنه نقل الصورة، في رأيهم، بكل بشاعتها قبل أن يكشف عن دور له فيها.‏

تختلط الحقيقة بالخيال في سيرة جونتر جراس كما أوردها في «تقشير البصل». فهو يتنقّل بين رواية الأحداث بصيغة المتكلم إلى روايتها بصيغة الغائب وكأنه مجرد شخصية متخيّلة في قصة تتدفق وهو يروي أحداثاً يرتاب هو نفسه في دقائقها؛ حوادث شاهدها شخصياً أثناء الحرب، ثم ما يلبث أن يشكك فيها إن كان قد رآها حقيقة أم أن خياله رسمها له.‏

يقول «وليم جرايمز William grimes» في استعراضه للكتاب في ملحق صحيفة نيويورك تايمز لمراجعة آخر الإصدارات: «إن جونتر جراس كان لا يجيد ركوب الدراجة العادية، وربما كان هذا ما أنقذ حياته. ففي المرحلة الأخيرة من الحرب في عام 1945 كان ذلك الجندي اليافع البالغ السابعة عشرة من عمره، واسمه جونتر جراس يجثم مرتعداً من الرعب في قبو بألمانيا الشرقية. وبينما كان القتال يجري من بيت لبيت في القرية، صدرت الأوامر لفصيله بأن يمتطي كل منهم إحدى الدراجات المعلقة في السقف وينطلق في محاولة للنجاة بحياته. غير أن جراس لم يكن يتقن ركوب الدراجة، ولذا بقي في مخبئه على أن يغطي هروب رفاقه، ولكنه ما لبث أن أخذ يرقبهم وهم يتساقطون أمام المدفعية الروسية التي حوّلتهم إلى كومة من الجثث المرتعشة.‏

يتساءل جرايمز فيما إن كان ما رآه جراس حقيقة؟ وهو يجيب بكلمات جراس نفسه في سيرته إذ يقول: «غير أن هذا الوصف للمذبحة إنما هو صورة مسرحية تخيلتها فيما بعد لأنني غادرت نافذة القبو قبل بدء إطلاق النار القاتل، ولم أرَ شيئاً ولم أكن أريد أن أرى شيئاً».‏

«تقشير البصل»، كما يقول جرايمز، عمل باهر، وإن كان يثير الغيظ أحياناً. فهو يعجّ في الآن ذاته بالنقد الذاتي، وبالمراوغة الضبابية وإعادة نظر خجولة في ماضٍ يصرّ جراس على أنه يدور في مخيلته على صورة موكب من الصور الخيالية والقصص التي تقدم نفسها طالبة معالجتها.‏

حقيقة واحدة تبدو مؤكدة في رأي جرايمز وهي أن جراس خدم كمدفعي في سلاح المدرعات للجيش النازي. والكشف عن هذا الأمر أحدث صدمة وغضباً في بلاده نظراً لأن جراس جعل من نفسه ضميراً لألمانيا في فترة ما بعد الحرب، والناطق الملحاح الذي كشف عن الحقائق الكريهة حول الحقبة النازية، ولكن هذا الناطق نفسه أخفى ماضيه. ويضيف أنه، بترجمة هذه المذكرات إلى الإنجليزية، أصبح بإمكان قرائها أن يحكموا بأنفسهم على هذه القضية وعلى مختلف سمات حياة جراس، لا بصورة مجتزأة، كما أثيرت، بل كما ترد في سياق سيرته، وكما أوردها وهو يقشر طبقات بصلته بنفسه طبقة بعد طبقة. وفي الواقع فإن جراس يعنّف نفسه تعنيفاً مفرطاً نظراً لإيمانه غير العاقل حينذاك بهتلر وبالحزب النازي. ويتساءل جرايمز فيما إن كان يمكن لطفل في ظل ألمانيا النازية أن يكون غير ذلك. جراس نفسه كان طفلاً متمرداً مشاغباً لا يظهر الكثير من الاكتراث لأي ضرب من ضروب النشاط المنظم، سواء في الانتظام في المدرسة (حيث طرد منها مرتين بسبب اصطدامه مع المعلمين) أو في منظمات الشبيبة الهتلرية.‏

ويضيف: إن انضمامه للجيش كان في الواقع بدافع الهروب من حياته الرثة في بيته، ومن والديه اللذين كانا يديران حانوتاً يوشك على الإفلاس.‏

بعد أن يوقع جراس على نفسه العقوبة القاسية ينزلق من جديد في أسلوبه المفضل الذي يقوم على الغموض في سرد مغامراته أثناء فترة الحرب؛ هذا الأمر ربما كان قد حدث، وربما لم يحدث.‏

فتجارب جراس في القتال، كما تسردها سيرته، هي عبارة عن سلسلة كابوسية من الانطباعات الذهنية غير المترابطة.. وحين يدنو جراس من المعركة الأولى التي يخوضها، يشهد أجساد الجنود الألمان وهي تتدلى من جذوع الأشجار وقد أعدمهم ضباطهم وعلقوا على جثثهم الرقع الكرتونية التي تصفهم بالمخربين والجبناء، غير أن مسحة من الكوميديا توشّي الفصول التي تصوّر الحرب؛ حيث تصيبه شظية في فخذه وكتفه، فيعتقد أنه أصيب بجرح قاتل وأن الدم أخذ يبلّل سرواله.‏

إلا أنه يكتشف أن ما يسيل هو مربى الفاكهة من «المرطبان» الذي يحمله في المحفظة التي تتدلّى عند جانبه.‏

الفصول التي تصور الفترة الوجيزة، وإن كانت حارقة، للتجارب التي مرّ بها أثناء الحرب واحتجازه في معسكر أميركي للأسرى تقدّم، في رأي جرايمز، أغنى الفصول في الكتاب، ولا يضاهي هذه الفصول إلاّ تلك التي تصوّر أيام طفولته في دانزيج. أما الفصول التالية التي تصوّر حياة التجوال التي عاشها فيما بعد؛ حيث عمل في مهن عديدة منها عامل منجم، وبنّاء للحجارة، وشاعراً، فهي تعطينا ملمحاً عن تكوّن حساسيته الروائية وهي تأخذ في التكون شيئاً فشيئاً..‏

بل إن ملامح تشكّله كروائي تبدأ منذ فترة مبكرة من حياته حين كان ما يزال في العاشرة من عمره، وهو يصعد ويهبط أدراج بنايات دانزيج محاولاً تحصيل ما تجمّع من ديون الحاجيات التي ابتاعها سكان تلك البنايات من حانوت أبيه. فمن خلال ذلك بدأ يجمع الصور الذهنية التي ستكوّن منه روائياً، وستغذّي صفحات قصصه المستقبلية. وهو يقول: «لقد تعلمت باستخدام حواس الشم والسمع والبصر، وبخوض التجارب». ويضيف بأنه استوعب ملامح حياة الفقر والقلق الذي تعيش في ظله عائلات الطبقة العاملة، وغرور موظفي الحكومة وعنفهم، أولئك الذين يرفضون دفع ما يستحق عليهم من فواتير، ويعتبرون ذلك حقاً مكتسباً لهم.‏

يقول جراس: «إن للبصلة جلوداً عديداً وفيرة. فإن قَشَّرتها فهي تجدد نفسها. أما حين تقطّعها فهي تدفع الدموع لتتدفق من عينيك. بالتقشير وحده تعبّر البصلة عن الحقيقة.. وما حدث لي قبل انتهاء أيام طفولتي يدقّ على البوابة بحقائق تلحّ عليّ لكي تقال وتمضي إلى أبعد وأسوأ مما تدعو إليه الرغبة، وتدفع بي للتعبير عنها بهذا السبيل مرة، وذلك السبيل مرة أخرى، والنتيجة هي قصص مطوّلة».‏

أما «سيباستيان فوكس» (Sebastian Faullks) فهو ينقل عن سيرة جراس في استعراضه كتاب «تقشير البصل» في مقال بصحيفة التايمز اللندنية قوله: «إن الجهل الذي أدّعيه (كمتطوع مراهق) يجب ألا يخفي عن عينيّ حقيقة أنني انتظمت في صفوف نظام خطّط ونظّم وارتكب جرائم إفناء الملايين من بني البشر.‏

وحتى لو لم أتّهم بالتواطؤ الفعلي فإنه يبقى لديّ حتى اليوم بقايا مما يوصف عامةً بالمسؤولية المشتركة، وهو أمر سأبقى أعيش معه لبقية أيام حياتي».‏

ويضيف فوكس قائلاً: «غير أن هذه السيرة المكتوبة بحرفيّة عالية هي في واقع الأمر مذكرات تستهدف الوصول إلى النسيان. وأفضل مقاطعها إنما تصور كابوساً بتفاصيل آسرة. ولكن الكاتب يبدو في أحيان أخرى وكأنه عاجز عن أن يتذكر، وبذلك فهو يهزّ كتفيه تعبيراً عن عدم الاكتراث ويمضي في سبيله».‏

ولد جونتر جراس في مدينة «دانزيج» في عام 1927 من أبوين أوروبيين شرقيين. فهو ليس بولندياً خالصاً ولا ألمانياً خالصاً. كان أبوه يملك حانوتاً في أحد الأحياء، وكان يرسل ابنه بعد ظهيرة كل يوم جمعة ليجاهد من أجل تحصيل مدفوعات من مشترين يبتاعون حاجياتهم دَيْناً من حانوت أبيه. أما البيت الذي تربّى فيه فكان عبارة عن شقة ضيقة غير صحية (بحيث كان يحرجه أن يدعو أصدقاءه إلى بيته). وقد طوّر ذائقته الفنية بتجميع نسخٍ عن لوحات كبيرة كانت توزع مع علب السجائر. وعلى الرغم من أنه أظهر القليل من الجدارة في تحصيله المدرسي إلا أنه كان شغوفاً بالقراءة التي أشبعها من المجلدات التي كانت والدته تستعيرها من نادي الكتاب في البلدة.‏

ولكن لماذا اختار جراس هذا العنوان الغريب لسيرته؟‏

يقول فوكس: إنه إنما يومئ بهذا العنوان لقبو البصل (وهو قبوٌ صوّره الكاتب من قبل في روايته «طبل الصفيح» والذي كان يذهب إليه الناس ليذرفوا الدموع في الماضي). فرغبة منه في الهروب من جو مسكن أبويه القذر، وبفعل الدعاية التي تبثها الأفلام الإخبارية القصيرة التي كانت تعرض في دور السينما قبل عرض الأفلام، ونظراً لإحساسه بأن بلاده تتعرض لهجوم من قبل تحالف غير طبيعي. كل هذه الأسباب قد تكون مقبولة، وقد تكون سيئة، وإن كان يمكننا القول بأنه لا توجد دائماً أسباب منطقية تكمن وراء تصرف الشبان أو عدم تصرفهم. وجراس كمراهق كان يؤمن بالنازية، وقد انزلق كمراهق من المنظمات المدرسية التي نظمتها النازية ومن الإعجاب بالبزة العسكرية (وأحد الأسباب هو أن الفتيات يعجبن بهذه البزة)، انزلق من ذلك إلى التطوع في صفوف الجيش. ولكنه كجندي لم يظهر فعالية واضحة، وإن كانت تجربته هذه قد مكّنته فيما بعد من رسم صورة ارتجاعية رائعة حول انهيار الجبهة الألمانية الشرقية وتراجع الجيش النازي والمدن المدمّرة، وحول شعب ألماني أخذت ثقته تتداعى شيئاً فشيئاً، وبدأ يدرك الواقع المرّ الذي يواجهه.‏

يقول سيباستيان فوكس في مقاله: إنه من خلال الترجمة الإنجليزية المتميزة لهذه السيرة يبرز جراس كإنسان يثير الإعجاب بنزعته الخاصة للتمرد على المألوف. إنه إنسان مغرم بالطعام والفن والتبغ، بعيد عن الانفعال ولكنه يمتلئ إحساساً باحترام النفس، عملي ولكنه يبقى متمسكاً بالمثل والقيم، غير أنه ما أن يتخذ قراره فإنه يظل أميناً لقضيته «الجوع»، يضيف فوكس، هو موضوع رئيس في سيرة جراس في سنوات ما بعد الحرب، حين كان أسيراً لدى الأميركيين أولاً، ثم في السنوات التي عمل خلالها كعامل في منجم، ثم كبنّاء يعمل في بناء حجارة النصب التذكارية. غير أن للحرمان وجهه الإيجابي أيضاً حيث يقول: «كلما تقلصت معدتي نمت مخيلتي أكثر فأكثر؛ ومن خلال الرسم أولاً، ثم ببناء الحجارة والنحت، نمت طموحات جراس الفنية. أما إبداعه الأدبي فقد بدأه شعراً. غير أنه ليس من الواضح كيف ابتدع أسلوب الواقعية السحرية الأوروبية منذ عام 1959 في روايته الأولى «طبل الصفيح». يبدو أنها أتت كنوع من الانفجار المفاجئ لإبداعه أكثر من كونها كانت نابعة عن استراتيجية خطط لها. لم تتميز هذه الرواية، في رأي فوكس، بالتجديد فحسب، بل وكذلك بتقديم موقف فوضوي من الحياة يمكنه أن يسمح لبلده ألمانيا بأن يتعامل بصدق مع ماضيه النازي.‏

قد يكون التوتر الذي عمّ قصة حياته بعد الحرب كما تصورها سيرته، وهي السنوات التي قضاها متنقلاً، أقل من التوتر الذي عمّ سنوات تجربته أثناء الحرب. غير أن سنوات الترحال تلك تضم لحظات آسرة؛ حيث شهدت بروز الأفكار التي ستعبّر عنها كتاباته اللاحقة ـ ولكنها لا تبرزها كأفكار بل كمجرد دمدمات وصور متخيلة وأوجاع. وعلى هذا فإن الأهم لا يصبح ما فعله أثناء الحرب بل ما فعله بعدها. فقد استخدم موهبته المذهلة والمكانة التي حققها كأديب مبدع لكي يعنّف رفاقه الألمان بكل عنف لإخفاقهم في الاعتراف بالجريمة التي نتجت عن أفعالهم ـ وإن كان قد ظلّ طوال الوقت يخفي طبيعة ماضيه هو نفسه.‏

إنه يصوّر، في رأي فوكس، الحياة التعسة حقاً للقرن العشرين والتي تتمثل له ككابوس يسير على قدمين يقوم على الإبادة الجماعية وعلى محاولة النسيان. والطعم الذي يتركه في نفوسنا هو شعور بالقلق العميق ـ وهو الطعم الذي يتعمد الكاتب خلقه لدى القارئ، ومن يدري كم من الدموع ذرفها في قبو البصل الذي يسكن في فؤاد الكاتب نفسه؟؟‏

الروائي الأميركي «جون ايرفنج» يقول في مقال له حول «تقشير البصل»: إنه حين قرأ رواية شارلز ديكنز «توقعات كبرى» عندما كان في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من عمره قرر أن يصبح كاتباً. غير أن قراءته لرواية «طبل الصفيح» حين كان في التاسعة عشرة والعشرين من عمره هي التي بيّنت له كيف يمكن له أن يصبح كاتباً بالفعل. فجونتر جراس، كما يقول، بيّن له كيف يمكن لكاتب معاصر أن يكتب بعاطفة توازي في اتساعها ما استطاع ديكنز أن يعبّر عنه، وبلغةٍ تتدفق دون أن تقف في وجهها أية كوابح. فقد كان جراس يكتب بغضب وحب وسخرية وعنف هازئ، وبتعاطف.. ويعبّر عن كلِ ذلك بضمير لا يرحم.‏

يقول ايرفنج إنه ما لبث أن قرر في عام 1963 أن يذهب للدراسة في فيينا ليتعلم الألمانية وليقرأ «طبل الصفيح» كما كتبها جراس بالألمانية. وحينئذ فقط أخذ يرى نفسه كروائي؛ بل إنه حفظ عن ظهر قلب بعض المقاطع من الترجمة الإنجليزية لطبل الصفيح.‏

يستعرض الروائي الأميركي في مقالته هذه الرواية فيقول: إن بطلها «أوسكار ماتزيرات» يرفض أن يكبر. ونظراً لأنه يبقى طفولياً ضئيل الحجم وبريئاً ظاهرياً فإن الأحداث السياسية للحقبة النازية تتجنبه في حين يموت الآخرون. ولكنه وإن استطاع البقاء على قيد الحياة باعتباره ظلّ صغيراً لا يستطيع الهروب من الشعور بالذنب. وما يلبث أن يبدأ يكبر من جديد في النهاية بعد الحرب.. وبحكم كونه طبّالاً موهوباً جداً فإنه يعزف على طبله في نادٍ ليلي يسمّى «قبو البصل» حيث يقوم الزبائن بتقشير البصل لكي يذرفوا الدموع التي تنهمر من عيونهم.. ولكن أوسكار نفسه لا يحتاج للبصل كي يتمكن من البكاء، بل يكتفي بالقرع على طبله وهو يتذكر الضحايا الذين شاهدهم.‏

يقول الكاتب إن «طبل الصفيح» ظفر بأكبر ترحيب تظفر به رواية في ألمانيا في سنوات ما بعد الحرب؛ حيث اعتبر رفض أوسكار أن يكبر إنما يرمز إلى شعور البلد بالإثم. وفي هذه الرواية الاستثنائية، في رأي الكاتب الأميركي، يظهر جراس أن لديه الكثير مما يتوجب عليه التكفير عنه. وصوت القرع على الطبل إنما يعبّر عن ذلك التكفير.‏

انتظم جراس في العاشرة من عمره في سلك الشبيبة. ولم يكن قد تجاوز السابعة عشرة، كما أسلفنا، حين أصبح جندياً، وما لبث أن أسره الأميركيون. ويقول ايرفنج: جراس كان طفلاً حين غزت ألمانيا بولندا، وإنني لأتساءل: لم يشعر بالذنب؟ لقد منحه سكان مدينة دانزيج (التي تسمى الآن جدانسك) لقب مواطن شرف. وقصة أوسكار في «طبل الصفيح» ـ ورفض هذا أن يتقدم في العمر ـ هو في نظري عمل بطولي.‏

يشير الكاتب الأميركي إلى أنه كان هناك المزيد من البصل ومعه الشعور الجماعي بالذنب في رواية جراس التالية «القط والفأر»، وهي بمثابة اعتراف بالجريمة (وإن كانت الجريمة بالنسبة لجراس هي مجرد إغفاله لها وعدم اعترافه بها). وهو ينقل عن جراس قوله: «لو أنني فركت آلتي الكاتبة فركاً سطحياً بعصير البصل فقد تطرح رائحة البصل التي لوثت كل ألمانيا في تلك السنوات لتمنع رائحة الجثث من أن تنتشر لتعم الجو برمته».‏

ويضيف ايرفنج قائلاً: ينظر الكثيرون من الألمان والنمساويين لجراس على أنه قاضٍ لا يرحم، وسلطته معنوية لا تقيدها أية قيود.‏

ولم تعالج أية رواية بمفردها موضوع التكفير عن الذنب، بل إنه كان ناقداً قاسياً لألمانيا فيما بعد الحرب في مجمل أعماله.. فقد ظل يعنّف الجميع، وليس السياسيين وحدهم، بل ولقد اكتشفت أن تعنيفه لم يقتصر على الألمان وحدهم. وإثر رحلة له إلى نيكاراجوا قال جراس إنه شعر بالعار لأن بلاده حليف للولايات المتحدة، وتساءل: «إلى أي درك من الفقر يجب أن يبلغ بلد ما حتى لا تعتبره الولايات المتحدة تهديداً لها؟».‏

بل إنه يقول في إحدى مقالاته: «إن المسيحيين كأفراد وكمجموعات قاوموا النازية بشجاعة. غير أن جبن الكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية جعل منهما شريكين صامتين في الجريمة». ولقد ظل جراس يعنف نفسه حيث يقول: يخطئ من يتصور أن رواية «القط والفأر» ستحررني من أحزاني التي كنت أعاني منها في طفولتي.‏

يعلق ايرفنج على مشاعر جراس هذه فيقول: «شعور بالذنب يتراكم فوقه المزيد من الشعور بالذنب، والمزيد من التكفير. ولقد فكرت: حتى متى سيظل هذا الرجل يجلد نفسه؟ بل إنني أنا نفسي لم أسلم من استهجانه. ففي عشاء نظّمته لكتّاب من ألمانيا الشرقية والغربية في نيويورك في ثمانينيات القرن الماضي، وكان جراس من بينهم، أخذني جانباً ليقول لي بأنه قلق بشأني إذ أنني لم أعد غاضباً كما كنت من قبل. وكان هذا يعني بأن روايتي الأخيرة خيّبت آماله. وفي تلك الليلة قررت أن أزداد غضباً وأن أظل غاضباً. عليّ أن أزيد من اضطرام شعلتي!.»‏

يقول جراس في سيرته الذاتية: إن ما تقبّلته وتفاخرت به في شبابي (أي إبان خدمته في الجيش النازي) أردت أن أبقيه طيّ الكتمان بعد الحرب بفعل شعوري بالعار الذي ظل يثقل كاهلي. غير أن هذا العبء ظل يعذبني، ولم يكن هنالك ما يمكنه أن يخفف منه. وفي الواقع فإن الكتابة عن هذا العبء ليست بالأمر السهل، إذ بقي يبعث لدي الشعور بالضياع المستمر.‏

يقول ايرفنج إنه ظهر مع جراس في مقابلة تلفزيونية إبان معرض فرانكفورت للكتاب عام 1990. وقد انتقد جراس توحيد شطري ألمانيا الذي كان قد أعلن لتوه حينذاك، وأعلن أن الوحدة إذا تمت على نحو سريع فإنها ستؤدي إلى استغلال ألمانيا الشرقية من قبل رأسماليي ألمانيا الغربية. ولقد خلق له ذلك الكثير من الأعداء.‏

كتب جونتر جراس خمسة وعشرين كتاباً قبل إصداره سيرته الذاتية تلك، وجوبهت، كما أسلفنا، بجوقة كبيرة من الجدل والتساؤلات حول اعترافه المتأخر بخدمته في الجيش النازي. ولكن ايرفنج يتساءل فيما إن كان هذا الجدل لم يكن ليثار لو أن جراس أتى بمثل هذا الاعتراف في أي مرحلة من مراحل حياته، وقد ادعى مقال في صحيفة «فرانكفورتر ألجماينة» واسعة الانتشار أن المهمة الأخيرة التي لم يتم القيام بها للفصيل الذي خدم فيه جراس كان إخراج هتلر من برلين (وبعبارة أخرى أن جراس كان سيحرر هتلر!). صحيفة أخرى هي «دي تاج تسايتونج» تساءلت من جانبها فيما إن كان من واجب جراس أن يكتب إلى الأكاديمية السويدية ليعترف بذنبه هذا ويعرض أن يرفض جائزة نوبل!!.‏

كتب ايرفنج مقالاً في إحدى الصحف الألمانية يتهم فيها وسائل الإعلام الألمانية بالنفاق والتظاهر بالبراءة بتعريتها لحياة جونتر جراس، كما كتب لجراس يقول: «إنك تبقى بطلاً بالنسبة لي، سواء ككاتب أو كبوصلة أخلاقية. فشجاعتك ككاتب وكمواطن في بلدك هي مثال يحتذى، وهي شجاعة أكدها اعترافك ولم ينتقص منها.» ويعلن إيرفنج أن «تقشير البصل» سيرة ساحرة ولاسعة في الآن ذاته.‏

يختتم جراس سيرته الذاتية بالمرحلة التي أصدر فيها رواية «طبل الصفيح» في عام 1959. ويصعب في رأي النقاد أن نتخيله يكتب تتمة لهذه السيرة. وهو يقدم طريقة بليغة لكي يختم تلك السيرة إذ يقول: «ومنذ ذلك الحين عشت من صفحة إلى صفحة، وبين كتاب وكتاب آخر. وعالمي الداخلي يعجّ بالشخصيات. غير أنني لكي أروي ذلك لست أملك البصلة ولا الرغبة لفعل ذلك!‏

يختم إيرفنج مقاله بالقول: «إهداء الكتاب يقول: إلى كل من تعلّمت منه. وفي رأيي فإن كل كاتب قرأ جراس بصدق وبإمعان يظل مديناً له، وأنا شخصياً أعترف أنني كذلك».‏

ختاماً لابد لنا من أن نورد ما ذكره جراس في سيرته، وهو أنه التقى في المعسكر الأميركي الذي احتجز فيه الجنود الألمان شخصاً قد يكون «جوزيف راتزنجر». فمن هو هذا؟ إنه من يعرف الآن باسم البابا بنديكت السادس عشر، أي بابا الفاتيكان الحالي. فهل تم هذا اللقاء فعلاً أم هذه إحدى تخيلات جراس أيضاً؟!.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244