|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الترجمة الأدبية بين الخيانة والإبداع ـــ مدير التحرير من المستحسن أن يفرّق المرء أوّلاً بين نوعين من الترجمة: ترجمة العلوم الأساسية وما يتصل بها، وهي تتطلّب الدقّة في النقل والأمانة العلمية الصارمة التي لا يجوز المساس بها من قريب أو بعيد، وإلاَّ فإنَّها تفقد حينذاك هدفها الرئيس وجزءاً كبيراً من الحقيقة، والترجمة الأدبية بأنواعها وأشكالها نثرية وشعرية، وهي صعبة ومختلفة وإشكالية، وتعتمد أولاً وأخيراً على قدرة المترجم وثقافته وموهبته، وتعدّ نوعاً من أنواع القراءة للنص المترجم، ولذلك يجوز أن يُترجم النص الشعري الواحد عشرات المرات في لغة واحدة، كما هي الحال في ترجمات قصيدة «البحيرة ـ Le Lac» العربية، ثمَّ إن الترجمة في الشعر سواها في الأجناس الأدبية الأخرى، لأنَّ الشعر هو اللغة العليا، ولذلك لامس كثير من العارفين من النقاد قديماً وحديثاً عرباً وسواهم خطورة الإقدام على هذا الحقل، فذهب الجاحظ مثلاً إلى أنَّ الشعر يتعذّر على الترجمة، ثمَّ ذهب إلى مثل ذلك كثير من علماء الأنتروبولوجيا واللسانيات، وفي مقدمتهم كلود ليفي ستراوس. ولكنَّ ما تقدّم لا يعني أبداً أنَّ هؤلاء العارفين يذهبون إلى الامتناع عن الترجمة، فلفتح النوافذ على الآخر فوائد جمّة، ولكنَّهم يريدون من وراء ذلك أن ينبّهوا على خطورة العمل الذي يُقدم عليه مترجمو الشعر، فهم لا يقدّمون لقرائهم سوى جزء يسير جدّاً من العمل الأصلي، بل هم لا يقدّمون في نهاية المطاف سوى أنفسهم، مع أنهم يدعون بأنَّهم ينقلون عن الآخر ويقدّمون صورته، وهنا الطامة الكبرى. وتزداد خطورة ترجمة الشعر بين نصّ وآخر حسب درجات غموض النص الأصلي وتعقيداته وطبيعة بنائه إلى غير ذلك، فترجمة قصيدة مكثّفة مفعمة بالانزياحات والبناء المركّب غير ترجمة قصيدة غنائية ذات بنية سطحية وحيدة، حتى إنَّ الترجمة تختلف بين نص وآخر في المذهب الأدبي الواحد، ومن هنا يمكننا أن نفسّر مقولة بول فاليري «النثر مشي والشعر رقص»، فقصائد بودلير مثلاً غير قصائد مالارميه صعوبة في النقل رغم أنَّ الشاعرين ينتميان إلى الرمزية، ولكنَّ درجة الرمزية عند الأول أقلّ حدّة وارتفاعاً منها عند الثاني، لقرب الأول منها إلى الرومانسية وتشدّد الثاني في صناعة القصيدة لتكون كلمات مشعّة، فلا يستقرّ الدالّ فيها على مدلول، وإنَّما هو متردّد كتردّد هاملت عند شكسبير، ومن هنا ذهب كثير من العارفين في مجال الترجمة إلى أنَّ من المستحسن أن يكون مترجم الشعر شاعراً، وهنا مكمن الخطورة أيضاً، لأنَّ الشاعر الحقيقي لا يتخلَّى عن شخصيته وأسلوبه إذا تصدّى للترجمة أو النقد، فإذا ترجم قصيدة نقلها بأسلوبه حتى إنَّ القارئ لا يجد فرقاً يذكر بين هذه القصيدة المترجمة وقصيدة نظمها الشاعر نفسه إلاَّ في الطول والمحافظة على الأفكار، وكثير من القصائد التي ترجمها الأخطل الصغير عن الفرنسية مثلاً كانت شبيهة بقصائده الأخرى، حتى إنَّ قصيدة «المسلول» تكاد لا تختلف أيّ اختلاف عن قصائده لولا الإشارة إلى أنها مترجمة، ثمَّ إنَّ ترجمة «البحيرة» تتجلّى فيها أساليب الشعراء المترجمين أكثر مما يتجلّى فيها أسلوب لامارتين، فهي في عمل نقولا فياض كلاسيكية المنحى، في حين أنها في عملي إبراهيم ناجي وعلي محمود طه تنتمي إلى جماعة أبولو في مصر، وهكذا.... ولذلك كانت الترجمة الأدبية تتقلّب بين الخيانة والإبداع، ويتنازعها هذان الطرفان بقوّة، ومن هنا أجاب أدونيس بعد أن سُئل عن ترجمته لأعمال سان ـ جون بيرس بعبارة مكثّفة ودالة ومفيدة: «سان ـ جون بيرس الأدونيسيّ»، فماذا تبقّى من سان ـ جون بيرس الشاعر الحائز على جائزة نوبل بعد أن حوّله الشاعر المترجم من دائرة إلى أخرى ومن أسلوب إلى أسلوب ومن ثقافة إلى سواها..!؟ أو لنقل بعد أن حجّمه وجعله يدور في فلكه وفي حقل أكبر هو الحقل الأدونيسي، فبدلاً من أن تضيع شخصية الشاعر المترجم في حقل الشاعر الفرنسي حوّله أدونيس إلى حقله ونسبه إليه، وهنا تكمن الخيانة الإبداعية في أوضح صورة لها، كما يكمن هنا الإبداع حسب مقولة التأثر والتأثير في نظرية الأدب المقارن الفرنسية التي لا تذهب إلى المركزية والتهميش وأفضلية السابق على اللاحق، وإنما هي حسب مقولة فاليري: «الأسد عبارة عن عدّة خراف مهضومة»، وحسب مقولة «التناص» السيميولوجية، ثم إنَّ الشاعر الحقيقي إذا تصدَّى للنقد ناصر جهة على أخرى، وكان نقده شرحاً أو عوناً لتجربته الشعرية، ولذلك يخرج على أن يكون ناقداً موضوعيّاً، وهو ـ بناء على ذلك ـ يخون النقد الحقيقي، وكذا شأن الترجمة الشعرية. لابدَّ من أن نشير أخيراً بإيجاز شديد إلى أنَّ المترجم قد يراعي ذهنية المتلقي وخصوصيته، وهو يتوجَّه إليه بالرسالة الجديدة، وفي ذلك خيانة إبداعية أيضاً، وأضرب على ذلك مثلاً بترجمة أحمد حسن الزيات لرواية «آلام فرتر»، فقد خرجت شخصية البطل على ما كانت عليه في العمل الرئيس، وغدت كأنها شخصية مسلمة، وهذه لفتة إبداعية من الزيات الذي رأى أن غوته قدَّم فرتر إلى أمة مختلفة عن الأمة التي يخاطبها الزيات، ومن هنا تتوزّع الترجمة الأدبية بين الخيانة والإبداع، وهما طرفان ضروريان في هذا النوع من الترجمة، وقد ترجح كفة على أخرى، فتكون درجة الخيانة كبيرة مقابل درجة الإبداع الكبيرة أيضاً، كما هي الحال في مقولة «سان ـ جون بيرس الأدونيسي»، وتكون درجة الخيانة صغيرة مقابل درجة الإبداع الصغيرة أيضاً، وبخاصة في ترجمة الأعمال الأدبية النثرية، إذ تقلّ فيها الانزياحات والتكثيف واللغة الشعرية العليا، ويهيمن عليها السرد أو الحكاية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |