مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 133 شتاء 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

بصدد منهج علم الأدب ميخائيل باختين ـــ ت.د.نوفل نيوف

لا يكون مؤلِّفُ العمل الأدبي حاضراً إلا في العمل ككل، وليس له وجود في أي لحظة مجتزأة من هذا الكل، وأقلُّ حضور له يكون في المضمون المنفصل عن الكل. إنه حاضر في لحظة من العمل الأدبي غير قابلة للاجتزاء، يمتزج فيها المضمون والشكل على نحو لا ينفصم. على أن علم الأدب غالباً ما يبحث عن المؤلِّف في المضمون المنفصل عن الكل، في المضمون الذي يتيح لنا بسهولة أن نطابقه مع المؤلف بوصفه إنساناً ابنَ زمن معين، وسيرةٍ معينة، ونظرةٍ إلى العالم معينة. وعلى هذا النحو تكاد تمتزج «صورة المؤلف» مع صورة إنسان حقيقي.‏

إن المؤلف الحقيقي لا يمكن أن يصبح صورة، ذلك أنه هو مبدعُ كلِّ صورة، وكلِّ ما له صلة بالصورة في العمل الأدبي. لذا فإن ما يسمَّى بـ «صورة المؤلف» لا يمكن أن يكون إلا واحدة من صور العمل الأدبي المعني (وفي الحقيقية، صورة من نوع خاص). إن الفنان كثيراً ما يصوّر نفسه في لوحة، ويرسم صورته الشخصية (أوتوبورتريه). غير أننا لا نرى المؤلف في هذه الصورة الشخصية كما هو (إذ لا يمكن رؤيته)، وفي جميع الأحوال فإننا لا نراه فيها أكثر مما نراه في أي من أعماله الأخرى؛ إنه يتكشف أكثر ما يتكشف في لوحاته الأفضل. إن المؤلف ـ المبدع ـ لا يمكن أن يُخلَق في المجال الذي يكون هو نفسه خالقَه. إنهnatura naturans وليس natura naturata . إننا لا نرى الخالق إلا في خلقه، وليس خارجه، بأي حال من الأحوال.‏

***‏

إن المؤلف وهو يخلق عمله الأدبي لا يتوجه به إلى عالِم الأدب، ولا يتوقع فهماً خاصاً من منظور علم الأدب، ولا يسعى إلى تشكيل جماعة من علماء الأدب. إنه لا يدعو إلى وليمته الباذخة علماء الأدب.‏

إن علماء الأدب المعاصرين (البنيويين في معظمهم) يحددون في العادة مستمعاً محايثاً للعمل الأدبي بوصفه يفهم كل شيء، مستمعاً مثالياً؛ هذا المستمع تحديداً هو ما يسلَّم به في العمل الأدبي. إنه، بالطبع، ليس مستمعاً إمبريقياً ولا تصوراً سيكولوجياً، ليس صورة المستمع في نفس المؤلف. إنه كيان مثالي مجرد. ويقابله مؤلف مثالي مجرد مثله تماماً. في ضوء هذا الفهم، من حيث الجوهر، يكون المستمع المثالي انعكاساً مرآتياً للمؤلف، تكراراً له. إنه لا يستطيع الإتيان بشيء يخصه، بشيء جديد إلى العمل الأدبي المفهوم فهماً مثالياً، وإلى فكرة المؤلف الكاملة كمالاً مثالياً. إنه موجود في زمان ومكان هما الزمان والمكان اللذان يوجد فيهما المؤلف نفسه، وبالأحرى هو، شأنه شأن المؤلف، خارج الزمان والمكان (مثل كل كيان مثالي مجرد)، ولذلك لا يمكن له أن يكون آخرَ (أو غريباً) بالنسبة للمؤلف، لا يمكن أن يكون له أي فائض يعرَّف بالآخَروية. ولا يمكن أن يقوم بين المؤلف وهذا المستمع أي تعامل، ولا أي علاقات درامية فعالة، إذ إنهما ليسا صوتين، بل هما مفهومان مجردان متساويان كل مع نفسه، وفيما بينهما. ولا يمكن أن يكون هنا إلا تجريدات ميكانيكية أو مُرَيْضَنَةٌ (أُلبِست ثوب الرياضيات)، اجترارية فارغة. ما من ذرّة شخصنة هنا.‏

التعرُّف إلى الشيء والتعرُّف إلى الشخصية‏

لا بد من توصيفهما (الشيء والشخصية) كحدين: الشيء الخالص: الميت الذي ليس له إلا ظاهر، وليس موجوداً إلا من أجل الآخر، والقادر أن يتكشَّف كلياً وحتى النهاية بفعلٍ أحاديِّ الجانب يقوم به هذا الآخر (المتعرِّف). هذا الشيء الذي يفتقر تماماً إلى جوّانية خاصة به لا تكون غريبة عنه ولا قابلة للاستهلاك، لا يمكن أن يكون أكثر من مادة للاهتمام العملي. أما الحد الثاني فهو الفكرة عن الشخصية بحضور الشخصية نفسها، إنه التساؤل، الحوار. وفيه لا بد من قيام الشخصية بكشف ذاتي حر للشخصية. ففيها توجد نواة جوانية لا يمكن ابتلاعها، استهلاكها (هنا تكون المسافة محفوظة دائماً)، ـ نواة لا يمكن أن يكون الموقف منها إلا نزاهة خالصة؛ وحين تتكشف من أجل الآخر تظل أبداً لنفسها أيضاً. إن المتعرِّف لا يطرح السؤال هنا على نفسه بالذات ولا على طرف ثالث بحضور الشيء الميت، وإنما على المتعرَّف إليه بالذات. والمعيار هنا ليس دقة التعرُّف، وإنما عمق التغلغل. إن التعرُّف هنا موجه إلى ما هو فردي. وهذا مجال الاكتشافات، والإلهامات، والتعرفات، والأخبار. مهم هنا السر والكذب سواء بسواء (وليس الخطأ).‏

إن الفعل ثنائي الطرف، التعرف ـ السبر، شديدُ التعقيد. ففعالية المتعرِّف تتضافر مع فعالية ما يتكشَّف (الحوارية)؛ وإجادة التعرف مع إجادة التعبير عن الذات. إننا هنا أمام التعبير والتعرف على (فهمِ) التعبير، أمام الديالكتيك المعقَّد بين البراني والجواني. ليس للشخصية بيئة ومحيط فقط، بل ولها أفقها الخاص أيضاً. إن أفق المتعرِّف يتفاعل مع أفق المتعرَّف إليه. هنا أكون «أنا» موجوداً من أجل الآخر، وبمساعدة الآخر. إن تاريخ الوعي الذاتي المحدد لا معنى له من غير دور الآخر فيه، من غير انعكاسه في الآخر.‏

إن المشكلات الملموسة في علم الأدب وعلم الفن مرتبطة بالعلاقة المتبادلة بين محيط وأفق الـ «أنا» والآخر. إن التغلغل في الآخر (الامتزاج به) يترافق مع الحفاظ على المسافة (على المكان) التي تضمن فائض التعرف. وينطبق هذا على التعبير عن الشخصية، وعلى التعبير عن الجماعات، والشعوب، والعصور، وعلى التاريخ نفسه، وعلى ما لهؤلاء جميعاً من آفاق ومحيط. إن مادة العلوم الإنسانية هي الوجود المعبِّر و الناطق. وهذا الوجود لا يتطابق مع نفسه قطّ، ولذلك فهو لا ينفد في معناه وقيمته.‏

الدقَّة، معناها وحدودها‏

تفترض الدقة تطابق الشيء مع نفسه بالذات. والدقة ضرورية من أجل الامتلاك العملي. والوجود الذي يتكشف ذاتياً لا يمكن أن يكون مرغَماً ولا مرتبطاً. إنه حر، ولذلك فهو لا يمثل أي ضمانات. ولذا فإن التعرف هنا لا يستطيع أن يمنحنا شيئاً أو يضمن لنا شيئاً.‏

إذاً، هناك حدان، هما الفكرة والتطبيق (الفعلُ)، أو نوعان من العلاقة (هما الشيء والشخصية). وكلما ازدادت الشخصية عمقاً، أي قرباً من الحد الشخصي الأقصى، ازداد تعذّر تطبيق المناهج التعميمية؛ فالتعميمية وعبادة الشكل تمحوان الحدود بين النبوغ وانعدام الموهبة.‏

إن مادة الدقة في العلوم الطبيعية هي التطابق (a = a). أما الدقة في علم الأدب فتتمثل في التغلب على غرابةِ ما هو غريب دون أن تحوله إلى ما هو لي على نحو صرف (شتّى ضروب الاستبدال، والتحديث، وعدم معرفة الغريب ...إلخ). إن أهم شيء هنا هو العمق، أي ضرورة الوصول، والتعمُّق حتى النواة الإبداعية للشخصية، النواة التي تعيش فيها الشخصية، أي تكون خالدة.‏

إن العلوم الدقيقة هي الشكل المونولوجي للمعرفة، أي: أن الذهن يتأمل الشيء ويتحدث عنه. فلا وجود هنا إلا للذات، أي للمتعرِّف (المتأمِّل) و(المتكلِّم). ولا يقابل الذات هنا إلا الشيء الأخرس. إن أيّ موضوع للمعرفة (بما في ذلك الإنسان) يمكن تلقيه ومعرفته بوصفه شيئاً. غير أن الذات (الشخصية) كما هي لا يمكن تلقيها ودراستها بوصفها شيئاً، وذلك لأن الذات بوصفها ذاتاً لا تستطيع، ما دامت ذاتاً، أن تكون خرساء، وبالتالي فإن التعرف إلى الذات لا يمكن أن يكون إلا حوارياً.‏

ثمة أنواع مختلفة من فاعلية النشاط التعرُّفي: فاعلية المتعرف إلى الشيء الأخرس وفاعلية المتعرف إلى ذات أخرى، أي فاعلية المتعرف الحوارية التي تلاقي الفعالية الحوارية للذات المتعرفة. فالتعرف الحواري هو اللقاء .‏

ليس السؤال والجواب علاقتين منطقيتين (مقولتين)؛ فلا يمكن جمعهما في وعي واحد (متحد ومغلق في ذاته)؛ وكل جواب يولِّد سؤالاً جديداً. إن السؤال والجواب يتطلبان عدم وجود أحدهما في الآخر. إذا كان الجواب لا يولِّد من نفسه سؤالاً جديداً فإنه يسقط من الحوار ويندرج في التعرف المنظومي عديم الملامح. ويتطلّب الحوار مكانين مختلفين للسائل والمجيب (وعالمين من المعنى مختلفين، أي الـ «أنا» و«الآخر»).‏

إن السؤال والجواب من وجهة نظر وعيٍ «ثالث» وعالمِه «الحيادي»، حيث كل شيء قابل للاستبدال، يفقدان الصفات الشخصية حتماً.‏

على أن علم الأدب المعاصر (ولا سيَّما البنيوي) لا يكون، في معظم الأحيان، فيه إلا الذات، أي ذات الباحث نفسه. حيث تنقلب «الأشياء» إلى مفاهيم (تجريدات مختلفة المستوى)؛ إلا أن الذات لا يمكن أن تصبح مفهوماً قط (فهي نفسها تتكلم وتجيب). إن «المعنى» شخصاني: فدائماً فيه سؤال، مخاطبة واستباق للجواب، فيه اثنان دائماً (كحد أدنى للحوار). إنه شخصنة غير سيكولوجية، بل هو شخصنة مرتبطة بالمعنى.‏

مشكلة حدود النص والسياق‏

كل كلمة (كل علامة) في النص تفضي بنا إلى خارج حدوده. فلا يجوز حصرُ التحليل (التعرف والفهم) بهذا النص وحده. إذ إن كل فهمٍ هو تحديد لعلاقة هذا النص بنصوص أخرى وإعادةُ فهم له في سياق جديد (لي، معاصر، في المستقبل). إن سياق المستقبل الذي أستبقه هو الإحساس بأنني أقوم بخطوة جديدة (تحركت من مكاني). ومراحل حركة الفهم الحوارية هذه هي: نقطة انطلاق، أي هذا النص، وحركة إلى الوراء، أي إلى السياقات الماضية، وحركة إلى الأمام، أي استباق (وبداية) سياق المستقبل.‏

لا يعيش النص إلا بالتَّماس مع نص آخر (سياق). وحصراً في هذه النقطة من التّماس بين النصوص ينبثق النور الذي يضيء ما وراء وما أمام، ويُشرِك هذا النص في الحوار. ونحن نشدد على أن هذا التّماس هو تماس حواري بين نصوص (أقوال)، وليس تماسَّ تقابلات oppositionsآلياً غيرَ ممكن إلا في حدود نص واحد (لا نص وسياقات) بين عناصر تجريدية (علامات داخل النص)، وليس ضرورياً إلا في المرحلة الأولى من الفهم (فهم القيمة وليس المعنى). ووراء هذا التماس يأتي تماس الشخصيات وليس الأشياء (في الحد). إننا إذا ما حوَّلنا الحوار إلى نص متصل واحد، أي إذا ما محونا الحدود بين الأصوات (تبدلات الذوات الناطقة) وهو أمر ممكن في حدود (مثلاً، الديالكتيك المونولوجي عند هيغل)، فإن المعنى العميق (اللانهائي) سوف يختفي (فنصطدم بالقاع، ونضع نقطة ميتة).‏

إن التشييء الكامل والأقصى لا بد أن يفضي حتماً إلى اختفاءِ ما للمعنى (أيِّ معنى) من لانهائيةٍ ولاقرار.‏

إن الفكرة، الشبيهة بسمكة في حوض، تصطدم بقاعه وبجدرانه ولا تستطيع السباحة قُدُماً وفي العمق ... أمّا الفكرة الحقيقية فلا تعرف إلا نقاطاً افتراضية، إنها تمحو جميع النقاط الموضوعة من قبل.‏

إن إضاءة النص لا بنصوص أخرى (سياقات)، بل بواقع شيئي (مشيَّأ) خارج نصيٍّ، موجودةٌ في ما هو محض تحليلات سيرية، وسوسيولوجية ابتذالية، وسببية (على طريقة العلوم الطبيعية)، وكذلك في النزعة التاريخية غير المشخصنة («تاريخ بلا أسماء»). إن الفهم الأصيل في الأدب وفي علم الأدب هو دائماً فهم تاريخي ومشخصن. وكل ما يسمّى في الأدب أشياء وموادّ «realis» هو أشياء تُنذِر بالكلمة.‏

وتتمثل الغاية في أن الوسط الشيئي، الذي يؤثر آلياً على الشخصية، يجب أن نرغمه على الكلام، أي في أن نكشف فيه الكلمة الكامنة والنغمة، في أن نحوله إلى سياق ذي معنى لدى الشخصية المفكرة، المتكلمة والفاعلة (بما في ذلك الشخصية المبدعة). وهذا ما يفعله، من حيث الجوهر، كلّ، تقرير ذاتي/ اعترافي جدّيّ وعميق، وسيرة ذاتية، وشعر وجداني صِرف ...إلخ. وقد بلغ دَسْتَيِّفسكي، من بين الكتاب، أكبر عمق في تحويل الشيء إلى معنى، وهو يكشف عن أفعال أبطاله الرئيسيين وأفكارهم. إن الشيء، ما دام شيئاً، لا يمكن أن يؤثر إلا على شيء؛ فلكي يؤثر على شخصية ينبغي عليه أن يكشف عن قدرته ذاتِ المعنى، أن يصبح كلمة، أي أن يندرج في السياق الكلامي/ المعنوي الممكن.‏

عندما نحلل تراجيديات شكسبير نلاحظ أيضاً التحول المتسق لمجمل الواقع الذي يؤثر على الأبطال إلى سياق ذي معنى لأفعالهم وأفكارهم ومكابداتهم: فإما أن يكون ذلك كلمات مباشرة (كلمات الساحرات، وشبح الأب ...إلخ)، أو أحداثاً وظروفاً مترجمة إلى لغة الكلمة الكاشفة المحتملة.‏

يجب التأكيد على أنه لا يوجد هنا اختزال مباشر ومحض لكل شيء إلى قاسم مشترك واحد هو أن الشيء يظلّ شيئاً، والكلمةُ كلمةً، وأنهما يحافظان على جوهرهما مكتفيين بالامتلاء بالمعنى.‏

لا يجوز أن ننسى أن الشيء والشخصية حدّان، وليسا ماهيتين مطلقتين. فالمعنى لا يستطيع (ولا يريد) أن يغيّر الظواهر الفيزيائية والمادية وغيرها، إنه لا يستطيع أن يتصرف كقوة مادية. بل وهو ليس بحاجة إلى ذلك : فهو أقوى من أية قوة، إنه يغير المعنى الكلّي للأحداث الفنية والواقع دون أن يغير قيد أنملة في تكوينها الفعلي (المعيشي)، إذ يبقى كل شيء كما كان، ولكنه يكتسب معنى آخر تماماً (تغيير معنى الوجود). إن كل كلمة في النص تتغير في السياق الجديد.‏

هل من مقابل للسياق في العلوم الطبيعية؟ إن السياق شخصاني دائماً (حوار لا نهائي لا توجد فيه كلمة أولى ولا أخيرة)، أما العلوم الطبيعية ففيها نظام موضوعي (عديم الذات).‏

إن فكرنا و ممارستنا غيرَ التقنية، وإنما الأخلاقية (أي تصرفاتنا المسؤولة) يجريان بين حدَّين هما : مواقفنا من الشيء، ومواقفنا من الشخصية. فبعض أفعالنا (التعرفية والأخلاقية) يتطلع إلى حد التشييئ دون أن يبلغ ذاك الحد قطّ؛ وبعضها الآخر يتطلع إلى حد الشخصنة دون أن يبلغ نهايتها. إلا أن الشخصنة ليست بأي حال من الأحوال تعميماً للذاتية. إن الحد هنا ليس الـ «أنا»، بل هو الـ «أنا» بالتفاعل مع شخصيات أخرى.‏

***‏

تلعب الصور ـ الرموز في الأدب دوراً كبيراً (أكثر مما يُظَنّ أحياناً). إن انتقال الصورة إلى رمز يُكسبها عمقاً ذا معنى وأفقاً ذا معنى خاصين. فمضمون الرمز الأصيل مرتبط، عبر تواشجات ذات معنى غيرِ مباشرة، بفكرة وحدة العالم، بكمال وحدة الكوني والبشري. فكل ظاهرة خاصة منغمسةٌ في فوضى أصول الوجود الأولى. على أنه، خلافاً للأسطورة، يوجد هنا إدراك لعدم تطابقها مع معناها الخاص نفسه.‏

إن كل تأويل للرمز يظلّ بحد ذاته رمزاً، ولكنه مُعَقْلَن قليلاً، أي مقرَّب من المفهوم قليلاً. وتعريف المعنى بكل ما لجوهره من عمق وتعقيد إنّما ينطوي على «إضافة» عن طريق الخلق الإبداعي. وفي هذا استباق للسياق المتنامي لاحقاً، إلحاق له بالكل الناجز وإلحاق بالسياق غير الناجز؛ ذكريات مستعادة وإمكانات مستبَقة (فهم في سياقات بعيدة)؛ حين نتذكر نأخذ بالحسبان أيضاً ما تعاقب من حوادث (في حدود الماضي)، أي أن ما نتذكره نتلقاه ونفهمه في سياق الماضي غير الناجز.‏

إلى أي حد في مقدورنا أن نكشف ونعقِّب على معنى (الصورةِ أو الرمز)؟ ليس ذلك ممكناً إلا بوساطة معنى آخر(للرمز أو للصورة) (مساوٍ في الشكل والتبلور). إذ إن إذابته في مفاهيم أمر مستحيل. ما يمكن هو إما عَقْلَنَةُ المعنى نسبياً (تحليله تحليلاً علمياً عادياً)، أو تعميقه بوساطة معانٍ أخرى (تأويله تأويلاً فلسفياً فنياً)، أي تعميقه عبر توسيع سياق بعيد. إن تفسير البنى الرمزية مرغم على الخوض في لانهائية المعاني الرمزية، ولذلك فهو لا يستطيع أن يصبح علمياً بمعنى علمية العلوم الدقيقة.‏

لا يستطيع تأويل المعاني أن يكون علمياً، ولكنه تعرُّفي بعمق. إنه يستطيع أن يقدم خدمة مباشرة للممارسة ذات الصلة بالأشياء. يشير س. س.أفيرينتسِف، وهو على حق في إشارته، إلى أنه «...سيكون علينا أن نعترف بعلم الرموز ليس بوصفه «غير علمي»، وإنما بوصفه شكلاً علمياً آخر للمعرفة، له في ما يتعلّق بالدقة قوانينُه الداخلية الخاصة ومعاييره»(1).‏

المضمون بوصفه جديداً، والشكل بوصفه مضموناً مقولباً، جامداً، عتيقاً (معروفاً)‏

يمثل المضمون جسراً ضرورياً إلى جسر جديد غير معروف بعدُ. لقد كان الشكل نظرة إلى العالم قديمة معروفة ويفهمها الجميع. وفي العصور ما قبل الرأسمالية كان الانتقال بين الشكل والمضمون أقل حدة وأكثر انسيابية: إذ كان الشكل مضموناً غير مبتذل، لم يتحجّر بعدُ، لم يتثبّت بالكامل، وكان مرتبطاً بنتائج الإبداع الجماعي العام، بالمنظومات السطورية، مثلاً. كان الشكل شبيهاً بمضمون استتباعي؛ كان مضمون العمل الأدبي يوسِّع المضمون الموجود في الشكل أصلاً، ولم يكن يخلقه بوصفه شيئاً جديداً يبدعه من منظور المبادرة الفردية. وبالتالي، فإن المضمون، وبقدْر معلوم، سبق العمل الأدبي. ولم يكن المؤلف يخترع مضمون عمله الأدبي، وإنما كان يكتفي بتطوير ما هو موجود أصلاً في الموروث الحكائي.‏

إن الجانب السيمانطيقي المحض في العمل الأدبي، أي قيمة عناصره (المرحلة الأولى من الفهم) سهل المنال مبدئياً على أي وعي فردي. ولكن الجانب المتعلِّق بالأهمية والمعنى فيه (بما في ذلك الرموز أيضاً) لم يكن له وزن إلا بالنسبة لأفراد تربط فيما بينهم ظروف عامة ما في الحياة (قارن المعنى الأوَّلي لكلمة «رمز»)، روابط أُخوَّةٍ رفيعة المستوى في نهاية المطاف.‏

يمكن أن يكون للتعبير عن العلاقات القيمية ـ العاطفية طابع ليس كلامياً ـ شرحياً، بل، كما يقال، طابع استتباعي في النبرة. إن النبرات الأكثر جوهرية وثباتاً تشكل مخزوناً نبرياً لجماعة اجتماعية معينة (أمّة، طبقة، جماعة مهنية، حلقة...إلخ). يمكن أن نتكلم بالنبرات وحدها، وذلك بعد أن نجعل الجزء الذي نعبِّر عنه بالألفاظ في كلامنا نسبياً، وقابلاً للاستبدال، ولا قيمة له تقريباً، (مثلما نستخدم في كثير من الحالات كلمات لا حاجة لنا بها من حيث معناها، أو نكرر كلمة أو جملة بعينها لا لسبب إلا لكي يكون لدينا حامل مادي للنبرة التي نحتاجها).‏

لا يمكن للسياق النبري ـ القيمي خارج النصي أن يتحقق إلا جزئياً في أثناء قراءة (تنفيذ) النص المعني، ولكنه في الجزء الأكبر منه، ولا سيَّما في طبقاته الأكثر جوهرية وعمقاً يظلّ خارج النص المعني بوصفه خلفية تحاورية لتلقيه. هذا ما تفضي إليه بدرجة معلومة مشكلة مشروطية العمل الأدبي الاجتماعية (خارج الكلامية) .‏

فالنص مطبوعاً، أو مكتوباً، أو شفوياً (مسجَّلاً)، ليس مساوياً لمجمل العمل الأدبي بكليته (أو «للموضوع الجمالي»). إذ يندرج في العمل الأدبي سياقه الضروري الخارج نصي أيضاً. لكأن العمل الأدبي مدثَّر بموسيقا السياق القيمي ـ النبري الذي يُفهَم ويقيَّم فيه (وبالطبع، فإن هذا السياق يتغير حسب عصور فهمه، ما ينشأ عنه صدى جديد للعمل الأدبي).‏

إن الفهم المتبادل بين العصور، وآلاف السنين، والشعوب، والأمم، والثقافات، يضمن الوحدة المعقَّدة للبشرية جمعاء، لكل الثقافات البشرية، الوحدة المعقدة للأدب البشري. ولا يتكشف هذا كله إلا على امتداد «زمن كبير». فكل صورة يجب أن نفهمها ونقيِّمها على امتداد «زمن كبير». وكثيراً ما يتشاغل التحليلُ متعثِّراً في مكان ضيق من زمان صغير، أي الحاضر والماضي القريب، والمستقبل المتصوَّر، أي المرغوب، أو المخيف، «يتشاغل بـ» أشكال قيمية ـ عاطفية لاستباق المستقبل في اللغة ـ الكلام (أوامر، رغبات، تحذيرات، تعاويذ ...إلخ)، بموقف بشري ضحل إزاء المستقبل (رغبة، أمل، خوف)؛ ما من فهم لما هو قيمي من احتمالية، مباغَتَة، أو كما يقال «فجائية»، من جِدَّةٍ مطلقة... إلخ، ما من تجرُّد عن النفس في التصورات عن المستقبل (المستقبل بدوني).‏

وفي «الزمن الصغير» يكمن أيضاً التعارض بين الجديد والقديم في الأدب. وهو تعارض لا مناص منه، غير أن نواة الأدب «الجوهرية» تقع وراء هذا التفريق (كما الحقيقة، وكما الخير). وفي أطر «الزمن الصغير» الضيقة هذه نفسها يكمن أيضاً الموقف إزاء العصر: ألا نتأخر وأن نسبق (أي الطليعية).‏

ما من كلمة أولى ولا أخيرة، وما من حدود للسياق الحواري (إنه يذهب بعيداً في الماضي اللانهائي وفي المستقبل اللانهائي). وحتى المعاني الماضية، أي المولودة في حوار القرون الغابرة، لا تستطيع قط أن تكون مستقرة (ناجزة ومكتملة مرة وإلى الأبد)، إنها ستظل تتغير أبداً، (وتتجدد) في سيرورة التطور اللاحق، المستقبلي الذي يطرأ على الحوار. ففي أية لحظة من لحظات تطور الحوار توجد كميات هائلة من المعاني المنسية لا تحصى، غير أنها لحظات معينة من تطور الحوار لاحقاً، عبر مسيرته، سوف تستعاد من جديد وتنبعث في ثوب متجدد (في سياق جديد). ما من شيء يموت موتاً مطلقاً، وسيكون لكل معنى ـ في «الزمن الكبير» ـ عيدُ انبعاثه. ?‏

(1) الموسوعة الأدبية الموجزة، ج 6، موسكو، 1971، عمود 828.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244