|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الحب عند ستندال خوسِّه أورتيغا إي خاسّيت ـــ ت.علي إبراهيم الأشقر الحب عند ستندال Amor en Stendhal (1) خوسِه أورتغا إي غاسّيت J. Ortega y Gasset I إنَّ رأس ستندال Stendhal مملوء بالنَّظريَّات، لكنَّه لا يمتلك مواهب المنظِّر. وهو يشبه في ذلك كما في بعض الأشياء الأخرى كاتبنا باروخا Baroja(2)، الذي يكون ردّ فعله على كل شأن إنساني بشكل مذهبي (تنظيري) أوَّلاً. كلاهما إذا نظرنا إليه من غير حذر مناسب، يظهر بمظهر فيلسوف انحرف باتجاه الأدب. ومع ذلك، هما نقيضا ذلك تماماً. يكفي أن نلاحظ أنَّهما كليهما يمتلكان مجموعة غزيرة من النَّظريَّات. أمَّا الفيلسوف، فعلى العكس من ذلك، لا يمتلك منها سوى نظريَّة واحدة. وهذا هو العَرَض الذي يميِّز أساساً الطَّبع النَّظريّ الحقيقيّ من الطَّبع الذي يكون نظريَّاً في الظّاهر فحسْب. ويبلغ المنظِّر الصّيغة المذهبيَّة مدفوعاً برغبة ملحَّة للتَّطابق مع الواقع. ويتَّخذ من أجل هذه الغاية احتياطاتٍ كثيرة، أحدها أن يُبقي حشد أفكاره في وحدة صارمة وتماسك. لأنَّ الحقيقة واحدة بشكل رهيب. وما كان أشدّ ذعر برمنيدس Parmenides لمَّا اكتشف ذلك! أمَّا أذهاننا وحساسيتنا فهي على العكس من ذلك، متقطعة ومتناقضة ومتعدّدة الأشكال. وينزل المذهب عند ستندال وباروخا إلى لغة محضة وجنس أدبي يصلح أن يكون أداة للفيض الشّعري. ونظريّاتهما أغانٍ. إنَّهما يفكِّران في «المع» و«الضد»، وهذا شيء لا يعمله المفكّر إنَّهما يحبّان ويبغضان بالتَّصورات، لذلك كانت مذاهبهما متعدّدة وتتكاثر على شكل بكتيري متخالفة متعارضة، كل منها وليد الانطباع الآني. إنَّهما يقولان الحقيقة طِبقاً للأغاني، لكن ليس حقيقة الأشياء بل حقيقة المغنّي. ومع ذلك، لا أتطلَّع إلى الإيحاء بذمّ ما، فلا ستندال ولا باروخا كانا يطمحان بعامَّة إلى أن يُصنّفا كفيلسوفين، وإذْ بيّنتُ هذا المظهر القلِق من طبعهما الفكري، فلم يكن ذلك إلا بدافع الشعور باللذة الكبرى بأن آخذ البشر كما هم. كانا يبدوان فيلسوفَين، فَبِئْس! tant pis. لكنَّهما ليسا كذلك، فحبَّذا! tant mieux. حالة ستندال مع ذلك، أعوص من حالة باروخا؛ لأنَّ هناك موضوعاً أراد أن ينظِّر عنه بجدٍّ كامل. وهو بالمصادفة، الموضوع ذاته الذي كان يعتقد سقراط ـ رأسُ الفلاسفة ـ أنَّه من اختصاصه: ta erotik?، أي: شؤون الحب. دراسة «في الحب»، كتاب مقروء أكثر مما يُقرأ من الكتب. يصل أحدهم إلى حجرة المركيزة أو الممثِّلة، أو ببساطة السَّيِّدة الكوسموبوليتيَّة. ويجب الانتظار لحظات. وتجتذب اللوحاتُ –ولمَ يتعيَّن وجود لوحات على الجدران لا محالة؟ ـ تجتذب نظرتنا أوَّلاً. ولا مندوحة لنا عن ذلك. إنَّه الانطباع النزِق ذاته الذي يحدثه فينا العمل الفنّي دائماً تقريباً. اللوحة هي كما هي. لكنَّها كان يمكن أن تكون شيئاً آخر أيضاً. إذْ نحتاج دائماً إلى هذا الانفعال الدرامي عند العثور على شيء ضروري. ثمَّ قطع الأثاث وبينها بعض الكتب. ثمَّ متن كتاب. فماذا يقول؟ «في الحب»، كبحث في أمراض الكبد في بيت الطَّبيب. وتطمح المركيزة والممثِّلة والسيدة الكوسموبوليتيَّة إلى أن يكنَّ بشكل لا محيد عنه اختصاصيَّاتٍ في الحبّ، ويُردنَ أن يكنَّ على علمٍ به، كمن يشتري سيَّارة فيحصل تكملةً لها على كتيِّب حول المحرِّكات الانفجاريَّة. وقراءة الكتاب تبعث على اللذَّة. فدأب ستندال أن يقصّ، حتَّى حينما يعرِّف ويعلِّل وينظِّر. في رأيي هو خير سارد موجود، وهو رأس الساردين أمام العليّ القدير. لكن، أصحيحة هذه النَّظريَّة المشهورة عن الحبّ بصفته بلورة؟ ولِمَ لمْ تُجرَ أيَّة دراسة معمَّقة عنها؟ يُشاع عنها إشاعة ولا يُخضعها أحد إلى تحليل موائم. ألا تستحقّ عناء التَّحليل؟ باختصار، يُلاحظ أنَّ هذه النَّظريَّة تصف الحبَّ أنَّه وهم في الأساس. لا لأنَّ الحبّ يُخطئ الطَّريق أحياناً، وإنَّما هو في جوهره خطأ. نحن نعشق إذا أسقطت مخيَّلتنا على شخص آخر كمالاتٍ غيرَ موجودة فيه. وسوف يتلاشى الوهم ذات يوم، ومعه يموت الحبّ. وهذا أسوأ من التَّصريح أنَّ الحبّ أعمى تبعاً لعادة قديمة. وفي نظر ستندال، هو أقلّ من أعمى: إنَّه راءٍ، لا لأنَّه يرى الواقع بل يحلّ محلّه. يكفينا النَّظر إلى هذا المذهب من الخارج حتَّى نعيّنه في الزَّمان والمكان. إنَّه إفراز نموذجي للإنسان الأوروبي في القرن 19. وهو يزدهي بالملمحين المميَّزين: المثاليَّة والتشاؤم. فنظريَّة «البلورة» مثاليَّة لأنَّها تجعل من الموضوع الخارجي الذي نتَّجه نحوه مجرَّد إسقاط من الذَّات. والأوروبي يميل منذ عصر النَّهضة إلى هذه الطَّريقة في تفسيره العالَم كفيض روحي. وقد كانت هذه المثاليَّة حوالي القرن 19 فرِحة نسبيَّاً. فالعالم الذي تُسقطه الذات على ما حولها، هو على طريقتها، واقعي وحقيقي ومملوء بالمعنى. لكنَّ نظريَّة «البلورة» متشائمة. إنَّها تميل لتبيِّن لنا أنَّ ما نعدّه وظائف طبيعيَّة لروحنا، ليس غير حالات خاصَّة من النَّشاز. وهكذا يريد تين Taine أن يُقنعنا بأنّ الإدراك الطَّبيعي ما هو غير هلوسة مستمرَّة وجماعيَّة. وقد كان هذا من خواصّ إيديولوجيا القرن 19. إذ يُفسَّر فيه الطَّبيعي باللاطبيعي، والأعلى بالأدنى. وهناك جهد غريب لتبيان أنَّ العالَم فوضى مطلقة quid pro quo، وقصور جوهري. وسوف يحاول عالِم الأخلاق أن يوحي إلينا أنَّ كلّ غَيرة هي أنانيَّة مبطَّنةlarvada. وقد وصف داروين بأناة العمل المكيِّف الذي يحقّقه الموت في الحياة، وجعل الصراع من أجل الوجود القوَّة الحيويَّة العظمى، وبالمثل، سيضع كارل ماركس صراع الطَّبقات في أسِّ التَّاريخ. لكنَّ الحقيقة هي عكس ذلك التَّشاؤم العنيد تماماً، وتنجح في أن تستقرّ داخله من غير أن يلحظ المفكّر الأنكد ذلك. وهذا هو واقع الحال في نظريَّة «البلورة». إذ نعترف فيها في نهاية المطاف، أنَّ الرجل يُحبّ فقط ما يمكن أن يُحَبّ، وما هو جدير بأن يُحَبّ: لكنَّه، إذْ لا يجده في الواقع، كما يبدو، يُضطرّ إلى أن يتخيَّله، وهذه الكمالات المُتخيَّلة هي التي تثير الحبّ. وسهل جدَّاً أن نصف الأشياء الرَّائعة أنَّها تخيّلية. لكنَّ من يصنع ذلك ينسى أن يطرح على نفسه المشكلة التي تبرز حينئذ. فإذا كانت هذه الأشياء المثارة غير موجودة، فكيف نعلم بها؟ وإذا لم يكن في المرأة الحقيقيَّة أسباب كافية لإثارة هياج الحبّ ففي أيّ «منتجع(3)» غير موجود، عرفنا المرأة المُتخيَّلة القادرة على جعلنا نلتهب؟ بالطَّبع، يُبالغ بقوَّة التَّزييف الكامنة في الحبّ. فإذا لاحظنا أنَّه يتخيَّل أحياناً صفاتٍ لا يمتلكها في الواقع الكائن المحبوب، فعلينا أن نسأل أنفسنا إن لم يكن التَّزييف الحبَّ ذاته. وينبغي لسيكولوجية في الحبّ أن تكون مرتابة جدَّاً في صدق الشّعور الذي تحلله. وإن أعقد ما في بحث ستندال في رأيي، هو هذا الاعتقاد بوجود ضروب من الحبّ غير موجودة. ولا يعني شيئاً آخر تصنيفه المشهور لضروب الحبّ: الحبّ هواية amour ـ go?t، الحبّ ظهوراً amour ـ vanité، الحبّ هوىً. فإذا بدأ الحبّ بأن يكون مزيَّفاً بصفته حبَّاً، فمن الطَّبيعيّ جدَّاً أن يكون كلّ ما يحيط به مزيَّفاً، لا سيَّما الموضوع الذي أوحى به. وإنَّ الحبّ هوى pasi?n وحده شرعيّ في نظر ستندال. وأحسب أنَّه مازال يجعل حلقة مصداقيَّة الحبّ فضفاضة جدَّا. وكان يجب أن تُدخل أيضاً في «الحب ـ هوى» ضروب مختلفة. وليس الحبّ ظهوراً أو هواية يبعثان على الخطأ فحسب. بل يوجد مصدر آخر للتَّزييف مباشر وأكثر ثباتاً. فالحبّ هو النَّشاط الذي أُطري أكبر إطراء. فقد زيَّنه الشُّعراء دائماً وهذَّبوه بأدواتهم التَّجميليَّة بمنحه واقعاً مجرَّداً غريباً، حتَّى إنَّنا عرفناه قبل أن نشعر به، وقدَّرناه وأخذنا عدَّتنا لممارسته كفنّ ووظيفة. فتصوَّروا رجلاً أو امرأة يجعلان من الحبّ في كلِّ حالٍ in genere، وبصورة مجرَّدة، المثال الأعلى لنشاطهما الحيوي. إنَّ كائنين كهذين يعيشان باستمرار عاشقين على شكل وهميّ. فهما لا يحتاجان إلى موضوع معيَّن يجعل شريان الحبّ فيهما يجري، وإنَّما يصلح لهذه الحالة كلّ شيء. إنَّهما يحبَّان الحبّ. وما المحبوب في الواقع، غير حجَّة. فإذا حدث لرجل ما هذا الأمر وعنده ميلٌ إلى التَّفكير، فسوف يخترع على شكل لا فكاك منه نظريَّة البلورة. وستندال أحد محبِّي الحبّ هؤلاء. يقول آبل بونَّار A. Bonnard في كتابه الحديث حول «حياة ستندال الغراميَّة»: «هو لا يطلب من النِّساء شيئاً آخر سوى أن يُجزْنَ أوهامه. كان يحبّ لئلاَّ يشعر بنفسه وحيداً. لكنَّه في الواقع، كان هو وحده يختلق ثلاثة أرباع غراميَّاته». هناك فئتان من النَّظريَّات حول الحبّ. إحداهما تتضمَّن مذاهب تقليديَّة، وآراء عامَّة خالصة تتكرَّر من غير حدس سابق بالوقائع التي تفصح عنها. والأخرى تشتمل على معانٍ أهمّ تأتي من التَّجربة الشَّخصيَّة. وهكذا يرتسم ويتكشَّف شكل غراميَّاتنا فيما نتصوَّره حول الحبّ. ولا يوجد شكّ ما في حالة ستندال. إنَّنا إزاء رجل لم يُحِبّ حقَّاً، خاصَّة أنَّه لم يُحَبّ حقَّاً. وحياته ملأى بضروب الحبّ الزَّائفة. ومن ضروب الحبّ الزَّائفة يبقى في الرّوح الكآبة المُنبئة بزيفها، وتجربة تبخّرها. فإذا حلّلت وفُككت نظرية ستندال، شاهدنا بوضوح أنَّه فُكِّر فيها بالعكس؛ أي، أنَّ الذروة في الحبّ عند ستندال نهايتُه. فكيف نفهم أنَّ الحبّ ينتهي إذا ظلَّ الموضوع المحبوب هو هو ذاته؟ وسيكون من اللازم، بالحريّ، الافتراضُ، كما فعل كانط في نظريَّة المعرفة، أنَّ انفعالاتنا الإيروسيَّة لا يضبطها الموضوع الذي تسعى نحوه، وإنَّما على العكس، خيالُنا المغرمُ الذي يُعدُّ الموضوع. والحبّ يموت لأنَّ ولادته كانت خطأ. أمَّا شاتوبريان Chateaubriand فلم يفكِّر هكذا؛ لأنَّ تجربته كانت عكس تلك. ها نحن أمام رجل امتلك موهبة إثارة حبّ حقيقي، لكنَّه كان عاجزاً عن الشّعور بالحبّ حقَّاً. لقد مرَّت بجانبه هذه المرأة أو تلك، وتلك الأخرى وقد أُضنين حبَّاً فجأة وإلى الأبد. «فجأة وإلى الأبد». ولسوف يحوك شاتوبريان بالضَّرورة مذهباً كان من أساس الحبّ الحقيقي فيه ألاّ يموت أبداً، وأنَّه يُولد فجأة. II إنَّ حبّ شاتوبريان وحبّ ستندال إذا قارناهما أحدهما بالآخر، ربَّما شكَّلا موضوعاً ذا فائدة سيكولوجيَّة تعلّم الذين يتكلَّمون بخفَّة عن دون خوان، بعضَ الأشياء. هاكم رجلين ذوَي قدرة إبداعيَّة عملاقة. ولن يُقال عنهما إنَّهما سيِّدان صغيران غزِلان (فوَّاران). وهي الصُّورة السَّخيفة التي قُلِّصت إليها صورة دون خوان في بعض الأذهان الضَّيِّقة والفارغة. وقد كرَّس هذان الرَّجلان مع ذلك خيرَ طاقاتهما سعياً للعيش مُحِبَّيْن دائماً. ولم يحصلا على ذلك يقيناً. وإنَّه لأمر صعب، كما أرى، لنفسٍ وقَّادة أن تسقط في جنون الحبّ. لكنَّ واقع الحال أنَّهما حاولا يوماً بعد يوم، واستطاعا دائماً تقريباً أن يخلقا لنفسيهما الوهم أنَّهما كانا يحبَّان. لقد كانا يأخذان مأخذ الجِدّ غرامهما أكثر بكثير من أخذهما عملَهما الأدبي. والطَّريف أنَّ العاجزين عن الإتيان بعمل كبير وحدهم يعتقدون أنَّ ما يجب عملُه عكس ذلك: أن يأخذوا مأخذ الجِدّ العلم والفنّ أو السِّياسة، ويحتقروا الحب لكونه مادّة تافهة. وأنا لا أؤيد ولا أعارض: وإنَّما أقتصر على أن أثبت أن المبدعين الإنسانيين الكبار كانوا في العادة قليلي الجِدّ جدَّاً تبعاً للفكرة البرجوازيَّة الصَّغيرة عن هذه الفضيلة. لكنَّ المهمّ من وجهة نظر الدون خوانيه معارضةُ ستندال بشاتوبريان. وقد كان ستندال مَنْ تهالك بإقدامٍ أكبر في الدَّوران حول المرأة. ومع ذلك، هو نقيض دون خوان تماماً. أمَّا دون خوان فهو الشَّخص الآخر، الغائب دائماً والملفوف بضباب كآبته، والأرجح أنَّه لم يغازل قطّ امرأة ما. والخطأ ذو العيار الأكبر الذي يمكن اقترافه إذا حاولنا تحديدَ صورة دون خوان، الالتفاتُ إلى رجال يقضون حياتهم في حبّ النساء. وهذا يقود في أحسن حال إلى العثور على نموذج أدنى وتافهٍ من دون خوان. بل نصل بالحريّ، عبر هذا الدَّرب إلى النَّموذج المعاكس، على الأغلب. فماذا يحدث إذا أردنا عند تعريف الشَّاعر أن نوجِّه انتباهنا إلى الشُّعراء الرَّديئين؟ بالضَّبط لأنَّ الشَّاعر الرَّديء ليس شاعراً، وإنَّما نجد عنده فقط الرَّغبة، والكدّ والعرق والجهود التي يتطلَّع بها عبثاً إلى ما لا يستطيع. لأنَّ الشَّاعر الرَّديء يستبدل بالإلهام الغائب البهرجةَ التَّقليديَّة: لِمَّةً وسترة. وكذلك هذا الدون خوان المكدّ الذي يقوم كلّ يوم بعمله الغرامي. هذا الدون خوان الذي طالما «أشْبَه» دون خوان، هو نفيه وفراغه بالضَّـبط. دون خوان ليس الرَّجل الذي يقوم بمغازلة النساء، وإنَّما هو الرَّجل الذي تغازله النِّساء. هذه، هذه هي الواقعة الإنسانيَّة الأكيدة التي كان يجب أن يتأمَّلها أكثر قليلاً الكتَّابُ الذين طرحوا أخيراً موضوع الدوان خوانيَّة الخطير. في الواقع، يوجد رجال تعشقهم النِّساء بشدَّة وترداد فائق. وهاهنا مادَّة وافرة تدعو للتَّفكير. فيما تكمن هذه الموهبة الغريبة؟ أي سرّ حيويّ يختفي وراء هذا الامتياز؟ أمَّا الأمر الآخر، أمَّا التَّفكير خلقيَّاً حول كلّ صورة سخيفة لدون خوان رغبةً في التَّكلُّف، فتبدو لي جدّ ساذجة حتَّى تكون خصبة. وهذا عيب الوعَّاظ الأبدي: اختراع ثنوية خرقاء بغاية التَّمتُّع برفض كلّ ثنويَّة(4). لقد كرَّس ستندال أربعين عاماً في طرْق أسوار الأنوثة، وتصوُّرِ منظومة استراتيجيَّة كاملة، بمبادئ وتبعات. كان يروح ويجيء ويتعنَّت ويتهالك في المهمَّة بعناد. والنَّتيجة عدم. فلم يستطع أن يكون محبوباً من أيَّة امرأة حبَّاً حقيقيَّاً. ولا موجب للدَّهشة من ذلك كثيراً؛ لأنَّ معظم الرِّجال يعانون مصيراً مماثلاً، حتَّى ابتُكرت لمعادلة عِثار الحظّ هذا، العادةُ والوهم بقبول ارتباطٍ ما غامض بامرأة أو تساهلٍ منها يُحصل عليه بألف جهد، على أنَّه حبّ جيِّد. ويحصل الأمر ذاته في المجال الجماليّ؛ لأنَّ معظم البشر يموتون من غير أن يتذوَّقوا قطّ انفعالاً حقيقيَّاً بالفنّ؛ ومع ذلك اتُّفِقَ على قبول الدَّغدغة التي يُحدثها لحن فالس، أو التَّشويق الدّرامي الذي تثيره قصَّة، على أنَّهما انفعالان فنّيَّان. وكانت غراميَّات ستندال غراميَّات زائفة من هذا الطّراز، ولم يُلحّ آبِل بونَّار كما يجب على ذلك في كتابه: حياة ستندال الغراميَّة، الذي أنهيت قراءته منذ عهد قريب، ودفعني لكتابة هذه الأفكار. والملاحظة هامَّة لأنَّها تفسِّر الخطأ الجذريّ في نظريَّته عن الحبّ، فقاعدة هذه النَّظريَّة تجربة زائفة. ستندال يعتقد انسجاماً مع وقائع تجربته، أنّ َالحبّ «يُخلق»، وفوق ذلك، ينتهي. والصِّفتان كلتاهما خاصيّتان من خواصّ الغراميَّات الزَّائفة. أمَّا شاتوبريان فيجد نفسه على العكس، في «خلق» الحبّ دائماً. وما كان بحاجة إلى أن يُجهد نفسه؛ لأنَّ المرأة تمرّ إلى جانبه فتحسّ فجأة بأنها مشحونة بكهرباء سحريَّة. إنَّها تستسلم حالاً وكلِّيَّاً. ولِمَ؟ آه، هذا هو السّرّ الذي كان يجب على البحَّاثة في الدون خوانية، أن يكشفوه لنا. ولم يكن شاتوبريان وسيماً، بل كان صغير الحجم، محنيّ الكتفين وجافي الطَّبع ومستاءً وشارداً دائماً. وكان ارتباطه بالمرأة المحبَّة يدوم ثمانية أيَّام. ومع ذلك، تعشق تلك المرأةُ «العبقريَّةَ» وهي في العشرين، وتظلُّ وهي في الثَّمانين مشغوفةً بها، عبقريَّة ربَّما لم ترها مرَّة أخرى. وهذه ليست تخيُّلات: إنَّها وقائع موثَّقة. والمثال على ذلك وسْط أمثلة كثيرة: مركيزة ديكوستين de CUSTINE «فارسة فرنسا الأولى». كانت تنتمي إلى إحدى أنبل العائلات، وكانت بارعة الجمال. وقد كانت إبَّان الثَّورة طفلة تقريباً وحُكم عليها بالإعدام بالمقصلة. فأُنقذت بفضل الحبّ الذي أيقظته في إسكافيّ عضو في المحكمة. وهاجرت إلى إنكلترا. ولمَّا عادت كان شاتوبريان قد طبع للتَّوّ آتالا Atala. فعرفتِ المؤلف، وانبثق فوراً في داخلها جنون الحبّ. وقد شاء شاتوبريان النزق دائماً أن تبتاع مدام ده كوستين قصر فيرفاك Fervaques، وهو مقرّ إقامة إقطاعيَّة قديم بات فيه هنري الرَّابع ذات ليلة. فجمعت المركيزة كلّ ما استطاعت من ثروتها التي لم تكن قد أعادت بناءها بعد الهجرة، واشترت القصر. لكنَّ شاتوبريان لم يُبدِ لطفاً في زيارته. لكنَّه قضى في نهاية المطاف فيه بضعة أيَّام، وكانت ساعات سامية في نظر تلك المرأة المشغوفة. فقرأ شاتوبريان بيتين من الشّعر حفرهما هنري الرَّابع على المدفأة بسكِّين الصَّيد: مدام ديفرفاك تستحقّ غارات شعواء. وقد انقضت ساعات السَّعادة متسارعةً من غير عودة ممكنة. وابتعد شاتوبريان كيلا يعود، أو أنَّه فعل أقلّ من ذلك قليلاً: أبحر نحو جزر حبّ جديدة. ومرَّت الشُّهور والأعوام، وناهزت المركيزة ده كوستين السَّبعين. وأرتِ القصر أحد الزّوّار ذات يوم. ولمَّا وصل هذا إلى حجرة المدفأة الكبيرة، قال: «إذاً، هذا هو المكان حيث شاتوبريان ركع عند قدميك؟» وبادرت هي مستغربةً وكأنها مهانة: «آه، لا، لا، يا سيِّدي. أنا ركعتُ على قدمي شاتوبريان» وكان ستندال يجهل هذا الطِّراز من الحبّ الذي يظلّ فيه كائن مرتبطاً مرَّة واحدة وإلى الأبد ارتباطاً كلِّيَّاً بكائن آخر، كنوع من الطُّعم الميتافيزيقي. لذلك يعتقد أنَّ من جوهر الحبّ نفادَه، في حين أنَّ الحقيقة، على الأرجح، هي على النَّقيض من ذلك؛ لأنَّ حبَّاً وُلد تامَّاً في جذر الشَّخص لا يمكن له كما يبدو أن يموت، بل هو منخرط إلى الأبد في الرُّوح الحسَّاسة. قد تمنع الظروف –كالبُعد مثلاً ـ من مدّه بالغذاء الضَّروري، فيفقد هذا الحبّ حينئذٍ حجماً ويتحوَّل إلى خيط عاطفي صغير، وإلى عِرْقٍ قصير من الانفعال يظلُّ ينبع ممَّا تحت الشُّعور، لكنَّه لا يموت، وتظلُّ صفته العاطفيَّة سليمة، ويظلُّ الشَّخص المحبّ يشعر في هذا القاع الأساس أنَّه مرتبط بالمحبوبة ارتباطاً مطلقاً. وقد تحملها المصادفة من هنا إلى هناك في المجال الفيزيقي والاجتماعيّ، فلا يهمّ. فسوفَ تظلّ كائنة إلى جانب من يحبّها. هذه هي السّمة العليا للحبّ الحقيقي: أن يكون إلى جانب المحبوب وفي احتكاك وقرب أعمق من الأبعاد المكانيَّة. ذلك يعني أنَّه يوجد حيويَّاً مع الآخر. وقد تكون الكلمة الأدقّ، وإن تكن مفرطة في تقنيتها، هي هذه: أن يكون أونطولوجيَّاً مع المحبوب، وفيَّاً لمصيره، مهما يكن الأمر. فالمرأة التي تحبّ لصَّاً تظلُّ تحسّ أنَّها في السِّجن وإن وُجدت بالجسم في أيَّما مكان. III نحن نعرف المجاز الذي يسّر لستندل مفردة «بلورة» لتسمية نظريَّته عن الحبّ. فلو أُلقي في مناجم سالِزبورغ بغصن شجيرة، والتُقط في اليوم التَّالي يظهر عليه تحوُّل. إذْ يتغطَّى الشَّكل النَّباتي البسيط ببلورات ملوَّنة توشّي مظهره على شكل عجيب. وتحدث في حبّ ستندال، عمليَّة مشابهة في النَّفس القادرة على الحبّ. وذلك أنَّ صورة المرأة الحقيقيَّة تسقط داخل النَّفس الذَّكريَّة، وتأخذ شيئاً فشيئاً بأن توشّى بمركّبات خياليَّة تراكم فوق الصُّورة المجرَّدة كل كمال ممكن. ولقد بدت لي دائماً هذه النَّظريَّة اللامعة مزيَّفة زيفاً مفرطاً. وربَّما كان الشَّيء الوحيد الذي نستطيع إنقاذه فيها، الاعتراف الضّمنيّ –حتَّى غير الصَّريح ـ أنَّ الحبّ بمعنى ما وشكل ما، دافعٌ نحو الكمال، لذلك آمن ستندال بضرورة الافتراض أنَّنا نتصوَّر كمالات. ومع ذلك، هو لم يهتمّ بهذه النقطة. إذْ عدَّها مُثبتة، وأغفلها في نظريَّته، حتَّى لم يلاحظ أنّها اللحظة الأخطر والأعمق والأغمض في الحبّ. إنَّ نظريَّة «البلورة» تهتم، بالحريّ، بتفسير الإخفاق في الحبّ، وخيبة الأمل بالإعجاب المتهافت؛ باختصار، عدم الحب وليس الحبّ. وستندال بصفته فرنسيَّاً، يصبح سطحيَّاً منذ اللحظة التي يأخذ فيها بالكلام كلاماً عامَّاً. هو يمرّ بجانب الواقعة الرَّهيبة والأساسيَّة من غير أن يتنبَّه أو يدهش لها. أمَّا الدَّهشة لِمَا يبدو واضحاً وطبيعيَّاً للغاية، فهي موهبة الفيلسوف. انظروا كيف يسعى أفلاطون مباشرةً ومن غير تردُّد ليقبض بكمَّاشاته الذّهنيَّة على عصب الحبّ المخيف، فيقول: «الحبّ نزوع إلى الولادة في الجمال». ما أكبر هذه السَّذاجة! – تقول السَّيِّدات العالمات بالحبّ وهنَّ يتناولن الكوكتيل في كلِّ فنادق ريتس Ritz في العالم. ولا تخمّن السيداتُ رضا الفيلسوف السَّاخر حينما يرى هذه الوصمة بالسَّذاجة تتلألأ إزاء كلماته في عيون السَّيِّدات المسحورة. وهنَّ ينسين قليلاً أنَّ الفيلسوف إذا كلَّمهن عن الحبّ فإنَّه لا يبادلهنّ الحبّ، وإنَّما هو على العكس تماماً؛ لأنَّ التَّفلسف كما يشير فيشته، يعني بالمعنى الصَّحيح عدم الحياة، كما أنَّ الحياة تعني بالمعنى الحقّ عدم التَّفلسف. فما ألذّ هذه القدرة على الغياب عن الحياة والهرب بسبب بُعد مفترض يمتلكه الفيلسوف الذي يدرك المرأةَ بشكل بارز حينما يبدو ساذجاً! وما يهمّ المرأة –كما ستندال ـ في مذهب الحبّ، السيكولوجيا السَّطحيَّة والنّكتة. وأنا لا أنفي أنَّهما هامَّان. إنَّما أسمح لنفسي بأن أوحي أنَّ مشاكل العشق الكبرى تكمن فيما وراء ذلك كلّه، وهذا ما صاغه أفلاطون في مستوى أرقى منذ أربعة وعشرين قرناً. فلنتأمَّل للحظة، وإنْ عَرَضاً، المسألة الضَّخمة. إنَّ «الجمال» في المفردات الأفلاطونيَّة هو الاسم المعيَّن لما اعتدنا تسميته بأعمّ صورة «كمالاً». وفكرة أفلاطون إذا صغناها بشيء من الحذر مع مراعاة تفكيره بدقَّة، تصبح هكذا: في كلّ حبّ تكمن رغبة في اتِّحاد من يحبّ بكائن آخر يبدو مزوَّداً بكمالٍ ما. إذاً، هي حركة من روحنا باتِّجاه شيء مميَّز، بالحريّ، فائق بمعنى ما. وسواء أكان هذا التَّميُّز حقيقة أم مُتخيَّلاً لا يغيّر أدنى تغيير من واقعة أنَّ الشّعور الإيروسيّ ـ وبقولٍ أدقّ الحبّ الجنسيّ ـ لا يحدُث فينا إلا بموجب شيء نعدّه كمالاً. فلْيجرِّب القارئ أن يتمثّل حالة حبّ ـ حبّ جنسيّ ـ لا يمثِّل فيها المحبوبُ في عيني من يحبّ أي وجه للرَّوعة، يرَ كيف أنَّ هذا الحبّ محال. الحبّ هو، بالتَّالي، شعور بالافتتان بشيء (وسوف نرى بشيء من التَّفصيل ما هو هذا «الافتتان»)؛ ويستطيع شيء ما أن يفتن إذا كان كاملاً أو يبدو كاملاً. لا أعني بذلك أنَّ الشَّخص المحبوب قد يبدو كاملاً تمام الكمال. وهذا خطأ ستندال. إذ يكفي أن يكون فيه كمال ما؛ بالطَّبع، لا يعني الكمال في الأفق البشريّ ما هو خير بإطلاق، وإنَّما هو خيرٌ من البقيَّة، وما يبرز في مجالٍ نوعيّ ما. باختصار، هو التَّميُّز. هذا أوَّلاً، الأمر الثَّاني هو أنّ َالتَّميُّز يحثُّ على البحث عن الوحدة مع الشَّخص ذي الامتياز. وما هي هذه «الوحدة»؟ إنَّ أصدق العشَّاق سيقولون عن حقّ إنَّهم لم يشعروا ـ على الأقلّ في الوهلة الأولى ـ بشهوة في الاتِّحاد الجسديّ. المسألة دقيقة وتتطلَّب أكبر دقَّة. وليس المراد أن المحبّ لا يرغب في اتِّحادٍ جسدي مع المحبوبة. لكن، إذا كان يرغب في هذا الاتِّحاد أيضاً، فمن الزَّيف القول إنَّ ذلك كان كلّ ما يرغب فيه. وتلحُّ هنا ملاحظة هامَّة. إذْ لم يُفرَّق قطّ بشكلٍ كافٍ ـ ربَّما باستثناء فقط ما عمله شيلر ـ بين «الحبّ الجنسي» و«الغريزة الجنسيَّة»، حتَّى إذا ذُكر ذاك فُهم منه تلك. يقيناً إنَّ الغرائز في الإنسان تبدو دائماً تقريباً مقيَّدة بأشكالٍ فوق غريزيَّة ذات طابع نفسي وحتَّى روحي. وقلَّما نجد غريزةً خالصةً تعمل بشكلٍ مستقلّ. والفكرة المألوفة عن «الحبّ الفيزيقيّ» مبالغ فيها، كما أرى. وليس سهلاً ولا شائعاً جدَّاً الشعورُ بانجذاب جسديّ مطلق. وتدعم الجنسيَّةَ وتختلط بها في معظم الأحوال، أصولٌ من الحماسة العاطفيَّة والإعجاب بالجمال الجسديّ والجاذبيَّة، إلخ. وحالات الممارسة الجنسيَّة الغريزيَّة بشكلٍ خالص، هي مع ذلك، عديدة جدَّاً حتَّى لا نستطيع تمييزها من «الحبّ الجنسيّ» الحقيقيّ. والفرق يبدو واضحاً خاصَّةً في الموقفين المتطرّفين: إذا قُمعت ممارسة الجنس لأسباب خلقيَّة أو ظرفيَّة، أو على العكس، إذا كان الإفراط فيها يتدهور إلى دعارة. في كلتا الحالتين نلاحظ أنَّ اللّذة الخالصة ـ لنقل عدم الطَّهارة الخالصة ـ توجد مع ذلك، قبل موضوعها. إذْ يُحسّ بالشَّهوة قبل معرفة الشَّخص أو الموقف الذي يشبعها. ونتيجة ذلك، هو إمكانيَّة إشباعها مع من كان؛ لأنَّ الغريزة لا تميّز إذا كانت غريزة فقط. وهي ليست بذاتها دافعاً نحو الكمال. وربَّما ضمنت الغريزةُ الجنسيَّة حفظَ النَّوع، لكن، ليس كماله. بينما الحبّ الجنسي الحقيقي، أي: الإعجاب الشَّديد بشخص آخر روحاً وجسماً في وحدةٍ لا تنفصم، هو على العكس، في ذاته وعلى شكل أصيل، قوَّة عملاقة مكلّفة بتحسين النَّوع. وعوضاً عن وجود هذا الحبّ قبل موضوعه، يولد دائماً بحثّ من كائنٍ يظهر إزاءنا، ثمَّ تطلق عمليَّةَ الحبّ صفةٌ مختارة من هذا الكائن. وما إن تبدأ هذه العمليَّة حتَّى يشعر المحبّ بغريزة غريبة ليُحلّ فرديَّته في فرديَّة الآخر؛ والعكس صحيح، يمتصّ في فرديّته فرديَّة الكائن المحبوب. وما أغمض هذا الجهد! فإذا كنَّا لا نستهجن شيئاً في أمور الحياة الأخرى قدْر استهجاننا رؤيةَ كائن آخر يغزو تخوم وجودنا الفرديّ، فإنَّ لذَّة الحبّ تكمن في شعور المرء ميتافيزيقيَّاً نَفَوذاً إزاء الفرديَّة الأخرى بشكلٍ لا تجد إشباعاً لها إلاَّ في ذوبانهما كليهما في «فرديَّةٍ واحدةٍ لشخصين». وهذا يذكّرنا بمذهب السانسيمونيّين الذي يرى أنَّ الفرد الإنساني الحقيقي هو الثُّنائي الرَّجل ـ المرأة. مع ذلك، لا تقف العمليَّة عند هذه الرَّغبة في الذَّوبان. فإذا كان الحبّ تامَّاً، فإنَّه يُتوَّج برغبةٍ واضحةٍ إلى حدٍّ ما، في أن يُجعل الاتِّحاد مشخَّصاً في ابن يكون امتداداً لهما ويؤكِّدان كمال الكائن المحبوب. وهذا العنصر الثَّالث الذي هو من مخلَّفات الحبّ، يبدو أنَّه يجمع بكلِّ نقاءٍ معنى الحبّ الأساس. فالابن ليس من الأب، ولا هو من الأمّ: إنَّه اتِّحادهما معاً مُشخَّصاً، وهو سعيٌ للكمال المشكّل من لحم وروح. وقد كان أفلاطون (السَّاذج) على صواب: الحبّ رغبة ملحّة للولادة في الكمال، وكما كان يقول لورنزو دِه ميديتشي، وهو أفلاطوني آخر: إنَّه شهوة للجمال. لقد فقدت إيديولوجيا الأزمنة الأخيرة الإلهام الكوني cosmol?gica وصارت علميَّة نفسيَّة كليَّاً تقريباً. وقد جلب انتباهَنا تفنُّنُ علم نفس الحبّ بمراكمته حلولاً دقيقة إلى هذا الوجه الكونيّ والأوَّليّ في الحبّ. وسوف نتوغَّل الآن أيضاً في المنطقة العلميَّة النَّفسيَّة. إنَّا وإنْ كنَّا ننقضّ على أهمّ ما فيها، يجب ألاَّ ننسى أنَّ قصّة غرامياتنا المتعدِّدة الشَّكل تعيش بكلِّ تعقيداتها وأحوالها أخيراً في القوَّة الأوَّليَّة والكونيَّة التي لا تصنع نفسنا الأوَّليَّة أو النَّقيَّة، البسيطة أو المعقَّدة شيئاً من قرنٍٍ إلى قرنٍ سوى تدبيرها وتشكيلها بشكل متنوِّع. كما يجب ألا تنسينا العنفات والمنشآت المختلفة الأحجام التي نغمرها في مجرى السَّيل، قوَّةَ هذه الأوَّليَّة التي تحرِّكنا على شكلٍ سرِّي. IV لا يمكننا أن ننفي عن فكرة «البلورة» هذه، نجاحاً أوَّليَّاً واضحاً بشكلٍ كبير. فمن الشَّائع جدَّاً، في الواقع، أن نكتشف خطأنا طوال غراميَّاتنا كلّها. لقد افترضنا في المحبوب لطائف وجمالاً غائباً عنه. ألا ينبغي لنا أن نستصوب ستندال؟ أنا لا أحسب ذلك. نعم، يمكن أن يكون على صواب، لكونه على صواب بإفراط. إنَّا وإن كنَّا نُخطئ كل ساعة في تعاملنا مع الواقع، إلاَّ أنَّنا بحاجة إلى أن نكون في الحبّ على صواب. وإنَّ إسقاط عناصر خياليَّة على موضوع حقيقيّ تحدث باستمرار. وإنَّ رؤية الرجلِ الأشياءَ ـ عداك عن تثمينهاـ يعني دائماً إكمالها. ولقد سبق لديكارت أن لاحظ أنَّه كان يحسب نفسه يرى بشراً يمرُّون في الشَّارع عند فتح النَّافذة، إلاَّ أنَّه كان يرتكب خطأ. فماذا كان يرى في الواقع؟ كان يرى: Chapeaux et manteaux: rien de plus «قبَّعات ومعاطف ولا شيء آخر،» (إنَّها ملاحظة رسَّام انطباعي، ظريفة، تجعلنا نفكِّر في «الفرسان الصِّغار(5)» لبلاثكيث المحفوظة في متحف اللوفر والتي نسخها مانيه Manet). ولا يوجد أحد، إذا تكلَّمنا بدقَّة، يرى الأشياء في عريها الحقيقي. ويوم يحدث ذلك، سيكون آخر يوم في العالم، إنَّه يوم الكشف العظيم. وريثما يحدث ذلك، نعدّ ملائماً إدراكُ الواقع الذي يجعلنا وسْط ضباب فانتازي، نقبض على هيكل العالم وعلى خطوطه الأرضيَّة الكبرى. وإنَّ كثيراً من النَّاس، بل أغلبهم، لا يصلون إلى هذا: إنَّهم يعيشون من الكلمات والإيحاءات؛ ويتقدَّمون في الوجود على شكلٍ مُسرنَم وهم يخبّون داخل هذيانهم. وإنَّ ما نسمِّيه عبقريَّة ما هو غير القوَّة الرَّائعة التي يمتلكها إنسان ما ليوسّع مسامَّاً في هذا الضَّباب الخياليّ، ويكتشف من خلاله ـ وهو يرتعد من عريٍ خالص ـ قطعة جديدة حقيقيَّة من الواقع. وإنَّ ما يبدو واضحاً في نظريَّة «البلورة» يتجاوز مشكلة الحبّ؛ لأنَّ حياتنا الذّهنيَّة كلّها هي بمقياس ما، بلورة. بالتَّالي، لسنا بصدد شيء نوعيّ في مسألة الحبّ. إنَّما نستطيع فقط الافتراض أنَّ البلورة تزداد بنسبة غير طبيعيَّة خلال مسيرة الحبّ. لكنَّ هذا زائف زيفاً كاملاً على الأقلّ بالمعنى الذي يفترضه ستندال. وإنَّ انخداع المحبّ في تقديره، لا يزيد عن انخداع المتحزّب السياسيّ، أو الفنَّان أو التَّاجر في تقديرهم. ويكون المرء في الحبّ غبيَّاً أو نبيهاً إلى هذا الحدّ أو ذاك، كحاله عادة في الحكم على الغير. ومعظم النَّاس بليدون في إدراكهم الأشخاصَ الذين هم أصعب الأشياء وأدقّها في العالم. يكفينا كيما نقضي على نظريَّة البلورة أن نتنبَّه إلى الحالات التي لا نجد فيها هذه النَّظريَّة بوضوح: إنَّها حالات الحبّ النَّموذجيَّة التي يمتلك فيها كلا الشَّريكين روحاً صافيةً ولا يعانيان في نطاق الحدود البشريَّة، خطأ. فلا بدَّ لنظريَّة عن الحبّ من أن تبدأ فتبيّن لنا أشكاله الأكمل عوضاً من أن تتوجَّه إلى باتولوجيا الظَّاهرة التي تدرسها. والواقع هو أنَّ الرَّجل يعثر في تلك الحالات على صفات نوعيَّة موجودة في المرأة كان يجهلها حتَّى ذلك الحين، بدلاً من أن يُسقط عليها كمالاتٍ غير موجودة، وكانت توجد في ذهنه من قبل. ولاحظْ أنَّ المراد صفات أنثويَّة تحديداً. فكيف يمكن لهذه الصِّفات أن توجد من قبل في ذهن ذكرٍ إنْ كان فيها قليل من الأصالة؟ أو العكس، وجود صفات ممتازة ذكريَّة مسبقة في ذهن المرأة. وإنَّ جانب الحقيقة الذي يوجد في إمكانيَّة استباق اختراع أشكال من الكمال قبل أن توجد في الواقع، لا صلة له البتَّة بفكرة ستندال. وعن هذا الأمر الدَّقيق سنتكلَّم. هناك قبل كلّ شيء، خطأ جسيم في الرُّؤية في هذه النَّظريَّة. هي تفترض، كما يبدو، أنَّ حالة الحبّ تستلزم نشاطاً فيَّاضاً في الوعي. ويبدو أنَّ البلورة الستنداليَّة تشير إلى ترف في العمل الرُّوحي، وإلى ثراء وتراكم. والأنسب بشكل قاطع أن نقول الآن: العشق حالة من البؤس الذّهنيّ تضيق فيه حياة وعينا وتُفقر وتُشل. لقد قلت «العشق». ومن اللازم أن نضع شيئاً من الدّقَّة في المفردة، تحت وطأة الاستمرار بإطلاق حماقات كالعادة، في موضوع الحبّ. ونطلق مفردة «حبّ» البسيطة جدَّاً، وقليلة الأحرف جدَّاً، على ظواهر لا حصر لها وجدّ مختلفة حتَّى صار من الحكمة أن نشكّ في وجود شيء ما مشترك فيما بينها. نحن نتكلَّم عن «حبّ» امرأة؛ لكنَّنا نتكلَّم عن «حبّ الله»، وعن «حبّ الوطن»، و «حبّ الفنّ»، و «الحبّ الأموي»، و«حب الأبناء»، إلخ. إنَّها كلمة واحدة تشمل وتسمّي جِماع المملكة العاطفيَّة الأكثر تنوُّعاً. وتكون مفردة ملتبسة إذا سمّينا بها أشياء لا مشترَكَ جوهريَّاً فيما بينها ومن غير شيء هام يكون متماثلاً فيها كلّها. وهكذا نستعمل كلمة «le?n» (ليون) لنسمّي بها الحيوان السّنوري المشهور، ولنشير بها في آن واحد إلى باباوات روما وإلى المدينة الإسبانيَّة le?n. وقد عملت المصادفة على أن يُحمَّل لفظ بمعانٍ شتَّى تشير إلى مواضيع مختلفة جذريَّاً، وتسمّيها. حينئذٍ يتكلَّم النَّحويُّون والمنطقيُّون عن «تعدُّد المعاني polisemia»؛ والمفردة تمتلك معانيَ متعدِّدة. أهذا هو حال كلمة «حبّ» في التَّعابير المذكورة سابقاً؟ أيوجد بين «حبّ العلم» و«حبّ المرأة» تشابه ما ذو أهميَّة؟ إذا قارنَّا حالتي الرُّوح كلتيهما نجد أنَّ العناصر كلّها مختلفة فيهما. ومع ذلك، يوجد عنصر متماثل يسمح لنا تحليلٌ دقيق بعزله في هذه الظَّاهرة أو تلك. فإذا رأيناه خالياً ومنفرداً عن بقيَّة العوامل التي تشكّل حالتي الرُّوح كلتيهما ندرك أنَّه وحده يستحقّ اسم «الحبّ» بشكل دقيق. وإنَّنا نطلقه بفعل توسُّع عملي، لكنَّه غير دقيق، على حالة النَّفس بكاملها على الرّغم من أنَّ هذه تحتوي أشياء أخرى ليست «حبَّاً» بالمعنى الصَّحيح، حتَّى ولا هي شعور. والمؤسف أنَّ عمل علم النَّفس في الأعوام المئة الأخيرة لم يصبّ بعد في الثَّقافة العامَّة، وكان مضطرَّاً إلى أن يكتفي بمنظار غليظ مازال يُستعمل عادةً في تأمُّل النَّفس البشريَّة. والحبّ إذا تكلَّمنا بشكلٍ حصريّ، هو محض نشاط عاطفي نحو موضوع يمكن أن يكون شخصاً أو شيئاً. وتبعاً للنَّشاط «العاطفيّ» يكون معزولاً عن الوظائف الفكريَّة كلّها: كالإدراك، والانتباه، والتَّفكير، والتذكُّر، والتَّخيُّل، هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى، عن الرَّغبة التي كثيراً ما تختلط به. يرغب المرء في كأس ما، إذا كان عطشان، لكنَّه لا يحبّها. لا ريب في أنَّه تُولد من الحبّ رغبات؛ لكنَّ الحبّ ذاته ليس رغبة. نحن نرغب في سعادة الوطن، ونرغب في العيش فيه «لأنَّنا» نحبُّه. فحبُّنا سابق على هذه الرَّغبات التي تنشأ منه كما تنشأ النَّبتة من البذرة. ويمتاز الحبّ طِبقاً للنَّشاط العاطفيّ، عن المشاعر الخاملة كالفرح أو الحزن. فهذان بمثابة تلوين يصبغ أنفسنا. «يكون» المرء حزيناً أو فرِحاً في سلبيَّةٍ محضةٍ. فالفرح بذاته لا ينطوي على نشاطٍ ما، وإنْ قاد ربَّما إلى ذلك النَّشاط، أمَّا حبُّ شيء، فعلى النَّقيض ليس ببساطة «حالة ساكنة»، وإنَّما هو نشاط نحو المحبوب. وأنا لا أشير بذلك إلى الحركات الجسديَّة أو الرُّوحيَّة التي يثيرها الحبّ، بل إنّ َالحبّ في ذاته وتكوينه فعلٌ متعدٍّ نسعى به سعياً نحو من نحبّ. فلو مكثنا على بعد مئة فرسخ من الموضوع، فإنَّنا نفيض نحوه إنْ كنَّا نحبّه حتِّى من غير تفكير فيه، بفيضٍ غير محدَّد وذي طابعٍ إيجابيٍّ وحارّ. وهذا ما نلحظه بوضوح إذا عارضنا الحبّ بالبغض؛ لأنَّ بغض أحد أو شيء ليس «حالة» سلبيَّة كحالة الحزن، وإنَّما هو بشكلٍ ما فعلٌ، وفعل سلبي رهيب يدمِّر الموضوع المبغوض بشكلٍ مثاليٍّ. وهذه الملاحظة بوجود نشاط عاطفي نوعيّ مختلف عن الأنشطة الجسميَّة والرُّوحيَّة الأخرى كلّها كالنَّشاط الفكريّ والرَّغبة والنَّشاط الإرادي، تبدو لي ذات أهميَّة حاسمة من أجل علم نفس دقيق للحبّ. لأنَّنا إذا تكلَّمنا عن الحبّ فإنَّنا نصف دائماً تقريباً عواقبه أو تبعاتِهِ وأسبابه المولّدة أو نتائجه. ونكاد لا نتناول الحبّ ذاته بملاقط التَّحليل فيما هو خاصّ به ويختلف فيه عن بقيَّة الأمور النَّفسيَّة. والآن، قد يبدو مقبولاً أن يكون «لحبّ العلم» و«لحبِّ المرأة» عنصر مشترك. ويمكن لهذا النَّشاط العاطفي، ولهذا الاهتمام الحارّ والإيجابي بكائن آخر لذاته، أن يتَّجه على حدّ سواء إلى شخصٍ أنثويّ أو إلى قطعة من الأرض (الوطن مثلاً)، إلى ضرب من الممارسة الرِّياضيَّة: كالرِّياضة والعلم، إلخ.. وكان يجب أن أضيف في النِّهاية، أنَّ كلّ ما ليس بنشاط عاطفي محض، وكلّ ما هو مختلف عن «حبّ العلم» و«حبّ المرأة» ليس بحبٍّ بالمعنى الصَّحيح. هناك «ضروبٌ من الحبِّ» حيث يوجد من كلِّ شيء ما عدا حبَّاً حقيقيَّاً. هناك رغبة وفضول وإصرار وهوس ووهم عاطفي صريح؛ لكن، ليس هذا الوثوق الحارّ بكائن آخر أيَّاً يكن موقفه منَّا. أمَّا «ضروب الحبّ» حيث نجدها فعليَّاً، فيجب ألاَّ ننسى أنَّها تحتوي عناصر أخرى كثيرة إضافةً إلى الحبِّ بالمعنى الدَّقيق sensu stricto. أمَّا بالمعنى الفضفاض، فنحن نسمِّي «العشق» حبَّاً، وهو حالة من حالات النَّفس شديدة التَّعقيد، حيث للحبّ بالمعنى الدَّقيق دور ثانوي، وستندال يشير إلى هذا الحبّ لمَّا عنوَنَ كتابه: في الحبّ، بتعميم متعسِّف يكشف عن عدم كفاية أفقه الفلسفي. وأنا أقول عن هذا «العشق» الذي تعرضه لنا نظريَّة البلورة وتعدّه نشاطاً فيَّاضاً في النَّفس: إنَّه ضِيْق وشلل نسبيّ في حياتنا الواعية، ونحن تحت سلطانه نكون أدنى وليس أكثر في الوجود المألوف. وهذا يقودنا إلى أن نرسم بخطوطٍ عامَّة سيكولوجية فورة الحبّ. V العشق بالتَّالي ظاهرة من ظواهر الانتباه. في كلِّ لحظة نكتشف فيها حياة وعينا نجدها مشغولة بجمع من الأشياء الخارجيَّة والدَّاخليَّة. وهذه الأشياء التي تملأ حجم ذهننا في كلِّ حالة، ليست رُكاماً مُبهماً. بل فيها دائماً حدٌّ أدنى من النِّظام وتسلسل هرميّ. في الواقع، نجد بينها شيئاً بارزاً فوق الأشياء الأخرى ومفضَّلاً عليها ومُضاء بشكلٍ خاصّ وكأنَّ بؤرة ذهننا ظلَّلته بوهجها وعزلته عن البقيَّة. وإنَّ من أسس وعينا أن نتنبَّه إلى شيء. لكنَّنا لا يمكننا الانتباه إلى شيء من غير صرف الانتباه عن أشياء أخرى تظلُّ بسبب ذلك في شكلٍ من الحضور الثَّانوي على شكلِ جوقة أو خلفيَّة. فإذا كان عدد الأشياء التي تشكّل عالم كلّ فردٍ كبيراً جدَّاً، وكان حقل وعينا محدوداً جدَّاً، فسوف يقوم بينها نوع من الصِّراع من أجل غزو وعينا. وإنَّ حياة نفسنا وروحنا هي بشكلٍ خاص ما يتحقَّق فقط في هذه المنطقة ذات الإضاءة القصوى. أمَّا البقيَّة، أي المنطقة المُغفلة، وأبعد من ذلك، منطقة ما تحت الوعي، إلخ... فهي حياة بالقوَّة وتحضير وترسانة واحتياط فحسب. ويمكننا تصوُّر الوعي المتنبِّه كالمجال الخاص بشخصيّتنا. إذاً، يستوي القول إنَّنا نتنبَّه إلى شيء والقول إنَّ هذا الشَّيء ينتزع مكاناً ما من شخصيّتنا. ويحتلّ الشَّيء المتنبَّه له في النِّظام الطَّبيعيّ، هذا المركزَ الممتاز مدَّة لحظات، ثمَّ سرعان ما يُطرد منه ليُخلي المكان لشيءٍ آخر. والوعي، باختصار، يتنقَّل من شيءٍ إلى آخر متوقِّفاً عنده قليلاً أو كثيراً حسب أهميَّته الحيويَّة. فلنتصوَّر أنَّ انتباهنا شُلَّ ذات يوم، وظلَّ مُثبتاً على شيء. فسوف تظلّ بقيَّة العالم مهملةً، مُبعدة وكأنَّها غير موجودة؛ ولسوف يكتسب الشَّيء المتنبَّه له بشكل غير طبيعي في نظرنا أبعاداً ضخمة لغياب كل مقارنة ممكنة. أبعاد جدّ ضخمة حتَّى يحتلّ هذا الشَّيءُ في الواقع، مجال ذهننا كلّه، وسوف يكون وحده، ووحده فقط، مساوياً في نظرنا هذا العالَم كلّه الذي تركناه في الخارج بسبب صرف انتباهنا عنه كلِّيَّاً. يحدث إذاً، كما يحدث إذا قرَّبنا من عيوننا يدَنا: فهي على كونها صغيرة الحجم جدَّاً، تكفي لتغطية بقيَّة المشهد وتملأ ملئاً كاملاً حقل رؤيتنا. ويمتلك الشَّيء المتنبَّه له بسبب الواقعة ذاتها واقِعاً أكبر ووجوداً أقوى ممَّا لم نتنبَّه له، ويشكِّل خلفيَّةً باهتةً وشبحيَّة تقريباً تنتظر في محيط ذهننا. وبامتلاكه واقعاً أكبر يُشحن بالطَّبع، بتقديرٍ أكبر، ويصبح أثمن وأهمّ ويعادل بقيَّة العالم المظلمة. وإذا تركَّز الانتباه زمناً أطول أو بترداد أعظم ممَّا هو طبيعيّ، على شيء، فإنَّنا نتكلَّم عن «هوس». فالمهووس إنسان ذو نظام تنبُّهي غير طبيعيّ. وقد كان عظماء البشر جميعاً تقريباً مهووسين، سوى أنَّ عواقب هوسهم، و «فكرتهم الثَّابتة» تبدو لنا نافعةً أو محتَرَمة. لمَّا سُئل نيوتن Newton كيف استطاع اكتشاف نظامه الميكانيكي الكونيّ، أجاب: Nocte dieque incubando (بالتَّفكير فيه ليلَ نهار). وهذا تصريح إنسان موسوس. في الحقيقة، لا أحد يحدِّد لنا كيف هو نظامنا التَّنبُّهي. إنَّه يتشكَّل لدى كلّ امرئ بطريقةٍ مختلفة. وهكذا تكون الخفَّة التي ينزلق بها انتباه رجل الدُّنيا من موضوع إلى آخر سبباً للدّوار لدى رجل ألِفَ التَّفكير ملحَّاً على كلِّ موضوع بغاية جعلِهِ يطلق عصارته السّرّيَّة. والعكس صحيح. إذْ يسبِّب لرجل الدُّنيا التَّعب والقلق، البطءُ الذي يتقدَّم به انتباهُ المفكِّر الذي يسير كشبكة أعماق مستخرجاً حشا الهاوية الوعر. ثمَّ هناك أفضليَّات الانتباه المختلفة التي تشكّل قاعدة الطَّبع ذاتها. هناك من يُصاب بالذُّهول وكأنَّه قد سقط من خلال باب مسحور، إذا برز أثناء المحادثة مُعطى اقتصادي. ويتَّجه الانتباه عند شخص آخر تلقائيَّاً بانحدار ذاتي نحو الفنّ أو الأمور الجنسيَّة. ويمكننا قبول هذه الصِّيغة: قلْ لي إلى ما تتنبَّه، أقلْ لكَ مَنْ أنت. إذاً: أنا أحسَب «العشق» ظاهرةً من ظواهر الانتباه، وحالة غير طبيعيَّة منها تحدث داخل الإنسان السَّويّ. ويدلّ على ذلك واقعة «العشق» البدئيَّة. إذْ يتقابل في المجتمع نساء كثيرات ورجال كثيرون. ففي حالة اللامبالاة، يتنقَّل انتباه كلّ رجل وكذلك كل امرأة من أحد ممثِّلي الجنس المقابل إلى ممثِّل آخر. وتجعل أسبابٌ من انجذابٍ قديم، وقرب أكبر، إلخ، انتباهَ المرأة يقع على هذا الذَّكر أكثر قليلاً ممَّا يقع على ذكرٍ آخر؛ لكنَّ الخلل في التَّناسب بين الانتباه إلى هذا وصرف الانتباه عن الآخرين ليس كبيراً. وإذا استثنينا بعض الفروق الضَّئيلة نقول هكذا: إنَّ كلّ الرِّجال الذين تعرفهم المرأة يكونون بخطٍّ مستقيم، على مسافةٍ تنبُّهيَّةٍ متساوية منها. لكنَّ توزُّع الانتباه المتساوي هذا يقف ذات يوم؛ لأنَّ انتباه المرأة يميل إلى أن يقع من ذاته على أحد هؤلاء الرِّجال. وسرعان ما يقتضي منها جهداً كيما تصرف تفكيرها عنه، وتُعبّئَ اهتمامها باتِّجاه رجال آخرين أو أشياء أخرى. وبذلك ينكسر الخطّ المستقيم. فيبرز أحدُ الذّكور على مسافة تنبُّهيَّة صغرى من تلك المرأة. وليس «العشق» في بدايته غيرَ هذا: انتباهٌ يقع بشكل غير طبيعيّ على شخصٍ آخر، فإذا عرف هذا الشَّخص أن يفيد من موقفه المميَّز ويغذِّي بشكل ماهر ذلك الانتباه، فإنَّ ما تبقَّى يحدث بآليَّة لا رادَّ لها. ويجد نفسه كلَّ يومٍ يتقدَّم صفّ الآخرين، صفّ اللامُبالي بهم. وكلّ يوم ينتزع مكاناً أكبر من نفس المرأة المتنبِّهة. ثمَّ تأخذ هذه المرأة تشعر بعجزها عن صرف الانتباه عن هذا الرَّجل المفضَّل. أمَّا الكائنات والأشياء الأُخَر فتُنتَزَع شيئاً فشيئاً من مجال الوعي. وحيثما تكن المرأة «العاشقة»، وأيَّاً يكن اهتمامها الظَّاهري، ينجذبْ انتباهها بفعل الثَّقالة ذاتها نحو ذلك الرَّجل. والعكس صحيح؛ إذْ يكلِّفها جهداً(6) كبيراً أن تنتزعه للحظة واحدة من ذلك الاتِّجاه، وتتَّجه به نحو ضرورات الحياة. ولقد رأى سان أغسطين بذكاء حادّ أنَّ الإلقاء بثقلنا هذا تلقائيَّاً نحو شيء، هو من خواصّ الحبّ: (حبِّي ثقلي: وبه أسعى حيث أسعى). إذاً، لسنا بصدد إثراء لحياتنا الذّهنيَّة، بل على العكس تماماً، هناك إبعاد مطَّرد لأشياء كانت تشغَلنا من قبل، فيضيق الوعي ولا يحتوي إلاَّ على شيء واحد، ويُشلّ الانتباه، فلا يتقدَّم من شيء إلى آخر. ويُمسي ثابتاً متصلِّباً وأسير كائن وحيد! theia mania («هوس إلهي») كما كان يقول أفلاطون. (ولسوف نرى من أين جاءت الصفة «إلهي» المدهشة والمسرفة جدَّاً). مع ذلك، لدى العاشق انطباع أنَّ حياته الواعية أكثر ثراءً. فإذا قُلِّصَ عالَمُهُ يصبح أكثر تركيزاً. وتتلاقى قواه النَّفسيَّة كلّها لتنشط باتِّجاه واحد. وهذا يُعطي وجوده مظهراً زائفاً من توتُّر مفرطٍ. ويُضفي انحصار الانتباه على هذا الشَّيء المفضَّل، صفاتٍ عجيبةً في آنٍ واحدٍ. لا لأنَّ كمالات غيرَ موجودة مفتعلة تظهر فيه. (لقد سبق لي أن بيَّنت أنَّ ذلك يمكن أن يحدث. لكنَّه ليس جوهريَّاً ولا ضروريَّاً كما افترض ستندال خطأً). وبمقدار ما يلامس الانتباهُ شيئاً وينزلق عليه، يكتسب هذا الشَّيء في الوعي قوَّةَ واقعٍ لا يُضاهى. إنَّه موجود كلّ ساعة بالنِّسبة لنا. إنَّه هنا دائماً، قربنا وأكثر واقعيَّة من كلِّ شيءٍ آخر. أمَّا الأشياء الأخرى فيجب علينا أن نبحث عنها موجِّهين نحوها ـ بعناء انتباهنا ـ الذي هو بذاته ناشب بالمحبوب. إنَّنا نعثر هنا على شَبَهٍ كبير بين العشق والانفعال الصُّوفي. فمن عادة الصُّوفي أن يتكلَّم عن «حضور الله». وهذه ليست مجرَّد جملة. بل وراءها ظاهرة حقيقيَّة. فلكثرة الصَّلاة والتَّأمُّل والتَّوجُّه إلى الله، يكتسب الله في نظر الصُّوفي صلابة جدّ موضوعيَّة حتَّى تسمح له ألاَّ يختفي قطّ من حقله الذّهنيّ. إنَّه موجود هناك دائماً، مادام لا ينفكّ الانتباه عنه. وكلّ محاولة في الحركة تجعله يعثر على الله، أي: يسقط مرَّةً أخرى في الفكرة عنه. وذلك ليس شيئاً مميَّزاً للمجال الدِّينيّ. فإذا كان لا يوجد شيء يمكن أن يحظى بالحضور الدَّائم عند الصُّوفي كما يحظى به عنده الله، كذلك العالِم الذي يعيش سنين كاملة وهو يفكِّر في مشكلة، أو الرّوائي الذي ينشغل باستمرار بشخصيَّة خياليَّة، يعرفان كلاهما الظَّاهرة نفسها. وهكذا كان بلزاك Balzac إذا قطع محادثة تجاريَّة، قائلاً:«حسن؛ لنعدْ إلى الواقع! ولنتكلَّم عن سيزار بيرّوتو.» وكذلك المحبوبة في نظر العاشق، تكتسب حضوراً كلِّيَّاً ودائماً، وكأنَّما العالم كلّه مُشرب بها. وما يحدث في الواقع هو أنَّ العالَم غير موجود في نظر المحبّ، فقد انتزعته المحبوبة منه وحلَّت فيه، لذلك يقول العاشق في أغنية إيرلنديَّة: «حبيبتي، أنت حصَّتي من الدُّنيا». VI فلنقمع الحركات الرُّومانسيَّة، ولنعترفْ أنَّ الحبّ ـ وأكرِّر أنّي لا أتكلَّم عن الحبّ بالمعنى الدِّقيق ـ حالة روحيَّة دنيا ونوع من الحماقة المؤقَّتة. فلا نستطيع أن نعشق من غير إفناء الذّهن ومن غير تقليص عالمنا المألوف. وإنَّ وصف «الحبّ» هذا الوصفَ، هو كما يُلاحظ، عكس الوصف الذي وصفه به ستندال. فعوضاً عن مراكمة أشياء كثيرة، (كمالات) فوق شيء كما تزعم نظرية البلورة، فإنَّ ما نصنعه هو عزل شيء بشكلٍ غير طبيعيّ، ونظلّ وحيدين معه جامدين مشلولين كالدِّيك إزاء الخطّ الأبيض الذي ينوّمه مغناطيسيَّاً. ولا أزعم بذلك أن أهوي بسمعة واقعة الحبّ الكبرى التي وهبت التَّاريخَ العامّ والخاص وهجاً عجيباً. الحبّ عمل من أعمال الفنّ الكبرى، وعمليَّة رائعة تقوم بها النُّفوس والأجسام. لكنَّه يحتاج بلا ريب، كيما يحدث، إلى أن يعتمد على جانب من عمليَّات ميكانيكيَّة، أوتوماتيَّة، من غير روحانيَّة حقيقيَّة. وإنَّ فرضيَّات الحبّ الثَّمينة جدَّاً كلّ بمفردها، غبيَّة إلى حدٍّ ما، وهي كما قلت تعمل بشكلٍ ميكانيكيّ. وهكذا، لا وجودَ لحبٍّ من غير غريزة جنسيَّة. والحبّ يفيد منها، كما من قوَّةٍ خام، وكما تفيد سفينة شراعيَّة من الرِّيح. والغريزة الجنسيَّة آليَّة أخرى من تلك الآليَّات الحمقاء الجاهزة دائماً للانطلاق بشكلٍ أعمى، والتي يفيد منها الحبّ ويمتطيها بصفته فارساً جيِّداً. ولا ننسَ أنَّ كلَّ حياة روحيَّة عليا والمقدَّرة جدَّاً في ثقافتنا، محالةٌ من غير الخدمة التي تؤدّيها آليَّات دنيا لا تُحصى. وإذا سقطنا في هذه الحالة من الضِّيق الذّهني، والخُناق النَّفسي الذي هو العشق، فقد هلكنا. في الأيَّام الأولى نستطيع أن نصارع. لكن، إذا حدث بمقياس ما خلل بين الانتباه المصروف إلى امرأة والانتباه الذي نوليه الآخرين وبقيَّة الكون، فلن يكون في قدرتنا وقف العمليَّة. والانتباه هو أداة الشّخصيَّة الفائقة؛ إنَّه الجهاز الذي ينظِّم حياتنا الذهنيَّة. فإذا أصيب بالشَّلل، لا يُبقي لنا حريَّةً ما في الحركة. ويجب علينا أن نوسّع مرَّة أخرى حقل وعينا كيما ننقذ أنفسنا؛ لذلك كان من الضَّرورة بمكان أن ندخل فيه أشياء أخرى تنتزع من المحبوب احتكاره له. فإذا استطعنا أن نرى، إبَّان احتدام العشق، المحبوبَ فجأة في منظور انتباهنا الطَّبيعي، فقد تتلاشى قدرته السّحريَّة. لكن، ينبغي لنا من أجل صنع ذلك، أن نتنبَّه إلى هذه الأشياء الأخرى، أي ينبغي لنا أن نخرج من وعينا ذاته، الذي يحتلّه من نحبّ احتلالاً كاملاً. لقد سقطنا في حُجرةٍ مغلقةٍ من غير مَنْفَذٍ فيها إلى الخارج. ولا يمكن لشيءٍ من الخارج أن يتغلغل فيها ويسهّل لنا الهرب عبر الثّقب الذي تفتحه لنا. وإنَّ نفس العاشق تفوح بحجرة مريض مطبقة، ذاتِ هواءٍ حبيس تغذِّيه الرِّئاتُ ذاتها التي تتنفَّسه. لذلك يميل كل عشق آليَّاً نحو الجنون، فإذا تُرك لذاته فإنَّه يتضاعف حتَّى الحدود القصوى الممكنة. وهذا ما يعرفه «الغزاة» من كلا الجنسين. فإذا ما تركَّز انتباه امرأة على رجل، يسهُل جدَّاً على هذا الرَّجل أن يملأ بالَها ملئاً كاملاً. يكفيه لذلك لعبةٌ بسيطةٌ من الشَّدِّ والإرخاء، من الرَّجاء والازدراء، ومن الحضور والغياب. ويعمل نبْض هذه التقنيَّة كمِخلاةِ هواء في انتباه المرأة، وينتهي إلى إفراغه من كلِّ ما تبقَّى من العالم. وما أجمل قولَ شعبنا: «امتصّ الدِّماغ»! في الواقع: المرأة يذهلها ويمتصّها شيء. وإنَّ معظم «الغراميَّات» تتقلّص إلى هذه اللعبة الميكانيكيَّة التي تلعب على انتباه الآخر. ولا يُنقِذ العاشقَ سوى صدمة يتلقَّاها بعنف من الخارج، ومعاملة يرغمه أحدٌ ما عليها. ونعلم أنَّ الغياب والأسفار قد تكون علاجاً جيِّداً للعاشقين. ولْيُلاحَظ أنَّها تعالج الانتباه. فبُعد الشَّيء المحبوب يقطع عنه الغذاء تنبّهيّاً، إذْ يمنع البعدُ عناصرَ جديدة في الشيء، من إبقاء الانتباه حيَّاً. والأسفار إذْ تُجبر العشَّاق على خروجهم من ذواتهم ماديَّاً، وتحلّ ألف مشكلة صغيرة بانتزاعنا من الإطار المألوف وتضغط علينا بألف شيء غريب، تستطيع أن تكسر كلمة سرّ الهوس، وتفتح مساماتٍ في الوعي المغلق الذي يدخله مع الهواء الطّلق، المنظورُ الطَّبيعيّ. ويصحّ هنا أن نواجه اعتراضاً قد يكون خطراً للقارئ بعد قراءته الفصل السَّابق. لمَّا عرَّفنا العشق أنَّه تثبيت (أو تركيز) الانتباه على شخصٍ آخر، لم نعزله بشكلٍ كافٍ عن ألف حالة في الحياة حيث شؤون سياسيَّة واقتصاديَّة ذاتُ خطورةٍ وضرورةٍ، تحجز اهتمامنا بإفراط. وإنَّ معظم إثارة المثير تقريباً تأتي من الاستجابة للمنبِّه بالضَّرورة. ولقد كان وندت Wundt أوَّل من فرَّقَ – منذ سبعين عاماً على الأقلّ ـ بين الانتباه الإيجابي والانتباه السَّلبي. هناك تنبّه سلبيّ إذا دوَّت طلقة في الشَّارع، إذْ تفرض الضَّوضاء غيرُ المألوفة نفسها على سير وعينا التلقائي وترغمه على الانتباه. ولا وجودَ لهذا الفرض عند من يعشق، وإنَّما يتَّجه انتباهه من تلقاء ذاته إلى المحبوب. وقد تصف هنا سيكولوجيا دقيقة لهذه الظَّاهرة، موقفاً ظريفاً ذا وجهين نتنبّه فيه طوعاً وقسراً في آنٍ واحد. إذا فهمنا ذلك فهماً دقيقاً، يمكننا القول إنَّ كلّ من يعشق، يريد أن يَعشق. وهذا يبعد العشق الذي هو في النهاية، ظاهرة طبيعيَّة، عن الوسواس الذي هو ظاهرة مرضيَّة. فالموسوس لا «يثبت» عند فكرة بميْلٍ ذاتيّ. والمخيف في حالته تحديداً، هو أنَّ الفكرة، وإنْ تكن فكرته، تظهر في داخله بطابع مفروض شرِس وغريب، وتنبع من «آخر» مجهول وغير موجود. توجد حالة واحدة فحسب يسير فيها انتباهنا بقدمه ذاتها ليتثبَّت (أو ليتركّز) على شخص آخر، وليست مع ذلك، حالة عشق. إنَّها حالة البغض. لأنَّ الحبّ والبغض توءمان عدوّان متماثلان ومتضادَّان في كلِّ شيء. وكما يوجد عشق، يوجد «تباغض» وليس بوفرةٍ أقلّ. وإذا طلعنا من فترة عشق، نحسّ بانطباع شبيه بانطباع الاستيقاظ الذي يجعلنا نخرج من فجّ حيث تزدحم الأحلام. وندرك حينئذٍ أنَّ المنظر العام أوسعُ وأكثر تهويةً، ونلمح الانغلاق وخلخلة الهواء كلّها، التي كان يعانيها ذهننا الهاوي، ونشعر خلال مدَّةٍ ما بتأرجحات النَّاقهين وضعفهم وكآبتهم. وإذا بدأت عمليَّة العشق، فإنَّها تجري برتابة موئسة. أي، أنّ كلّ من يعشق يعشق ذات العشق: الذكي كالأحمق، والشّابّ كالعجوز، والبرجوازي كالفنَّان. وهذا الأمر يؤكد طابعه الميكانيكي. أمَّا الشَّيء الوحيد الذي ليس ميكانيكيَّاً خالصاً فيه، فهو بدايته. لذلك هي تلفِت انتباه علماء النَّفس أكثر ممَّا يلفته أيما جانب آخر من الظَّاهرة. ما الذي يجعل انتباه امرأةٍ يتثبَّت على رجلٍ معيَّن، أو انتباه رجلٍ على امرأة؟ أيّ صنف من الصّفات تَهَب شخصاً مزيَّة تتقدَّم صفّ الآخرين، غير المميَّز؟ لا ريب في أنَّ هذا هو الموضوع الأهمّ، لكنَّه في آن واحدٍ ذو تعقيد كبير؛ لأنَّه إذا كان من يحب يحبّ الحبّ ذاته، فليسوا جميعاً يحبُّون للسبب ذاته، فلا توجد خَلَّة ما تُحبّ بشكلٍ شامل. لكن، أحرى بنا أن نبيِّن قبل أن ندخل في موضوع جدّ شائك كموضوع عمَّا هو المحبوب، وعمَّا هي نماذج أولويَّات الحبّ المختلفة، أن نبيِّن الشَّبه غير المنتظر بين العشق بصفته شللاً في الانتباه، والتَّصوُّف، وما هو أخطر من ذلك؛ حالة التَّنويم المغناطيسي. VII عشق وجذب (أو غيبوبة ووجد) وتنويم مغناطيسي تعرف ربَّة البيت خادمتَها عاشقةً إذا لاحظت عليها شرودها.. إذ لا تملك المرأة المسكينة انتباهها حرَّاً لتعبّئه جهة الأشياء المحيطة بها. إنَّها تعيش مغفّلة ومنكفئة على نفسها متأملة في داخلها ذاتها، صورة المحبوب الحاضر دائماً. ويُضفي هذا التَّركيزُ على الدَّاخل الذَّاتي على العاشق مظهرَ مسرنَمٍ أو مجنونٍ «ومسحور». والعشق في الواقع فتنة وسحر. ولقد رمز شراب تريستان Trist?n السحري دائماً بإيحاء مرن، إلى عمليَّة «الحبّ» النَّفسيَّة. في جمل اللغة المستعملة التي تتكثَّف فيها لُمح قديمة جدَّاً، ينابيعُ رائعةٌ من علم نفس صحيح بإفراط، ولم تُستغلّ بعدُ. إنَّ ما يُعشق هو «سحر»دائماً. ولقد بيَّنَ لنا اسم التقنيَّة السحرية المعطى لموضوع الحبّ، أنَّ الذّهن الغُفل مبدَع اللغة، لاحظ الطَّابع الفائق للعادة غير القابل الشِّفاء الذي يسقط فيه العاشق. إنَّ أقدم بيت شعري هو الصّيغة السحرية التي تسمَّى cantus y carmen. لقد كان فعل الصيغة ونتيجتها السحرية la incantatio. ومن هنا جاءت encanto سحر وفتنة وفي الفرنسية جاءت charme من carmen. لكن، يوجد في رأيي، أيَّاً تكن صلات العشق بالسحر، شَبَه أعمق من كلِّ ما لُحظ حتَّى الآن، بين العشق والتَّصوُّف. وكان يجب أن تُستشفّ هذه القرابة الوثيقة من واقعة أنَّ الصوفي يتبنَّى دائماً بتطابقٍ مذهل كلماتٍ وصوراً إيروسيَّة كيما يعبّر عن نفسه. وقد لاحظ ذلك كلُّ من شُغل بهذه الظاهرة الدينيّة، لكنَّهم حسبوا كافياً الإعلان أنَّ الأمر مجازات لا أكثر. ويحدث مع المجاز ما يحدث مع (الموضة). هناك أناس يحسبون إذا وصفوا شيئاً بالمجاز أو الموضة أنهم قد أزالوه، ولا حاجة بهم إلى مزيد من البحث. وكأن المجاز و(الموضة) لم يكونا واقعين من طراز الوقائع الأخرى ذاتها، وكأنَّهما غير مزوَّدين بما لا يقلّ عنها بالثَّبات، وغير خاضعين لأسباب وقوانين جدّ فعَّالة كتلك التي تحكم المدارات النَّجميَّة. لكن، لئن لاحظ كلّ من درس التصوف كثرة المفردات الجنسيَّة فيه، لم يلاحظوا الواقعة المملّة التي تضفي على التَّصوُّف خطورته الحقيقيَّة؛ لأنَّ العكس صحيح، فالعاشق يميل إلى استعمال تعابير دينيَّة. فالحبّ عند أفلاطون هوس «إلهي». وكلّ عاشق يسمّي محبوبته «إلهيَّة، ويحسّ بقربها «كأنَّه في السَّماء»، إلخ... وهذا التَّبادل الطَّريف في الكلام بين الحبّ والتصوّف يجعلنا نخمّن وجود أسّ مشترك بينهما. والعمليَّة الصوفية كميكانيزم سيكولوجي، تشبه العشق في الواقع. إنَّها تشبهه جدَّاً إلى درجة تتطابق معه حتَّى بالتَّفصيل بكونها رتيبة بشكلٍ مضجر. وإذا كان كلّ من يحبّ يحب الحبّ ذاته، فإنَّ الصوفيين في كل الأزمنة والأمكنة قد خطوا الخطوات ذاتها وقالوا، في الواقع، الأشياء ذاتها. خذوا أيّ كتاب صوفي – من الهند أو من الصين، وسواء أكان إسكندريَّاً أم عربيَّاً، جرمانيَّاً أم إسبانيَّاً ـ تجدوه دائماً بصدد دليل متعالٍ، وبصدد طريق الذهن إلى الله. وإنَّ المحطَّات والعربات هي هي ذاتها دائماً ما عدا فروقاً خارجيَّة وعَرَضيَّة(7). وإني أفهم تمام الفهم غياب التَّعاطف الذي أبدته الكنائس دائماً نحو الصوفيين، وكأنَّها تخشى أن تجلب مغامراتُ الجذبِ هدراً لسمعة الدين. وصاحب الجذب هو إلى هذا الحدّ أو ذاك، مجنون. إذْ ينقصه الاعتدال والوضوح الذّهني. وهو يضفي على علاقته بالله طَابعَ قصْفٍ يثير نفور صفاء رجل الدين الحقيقي، الخطير. وفي تطابق نادر مع ذلك، يشعر المعلّم الكونفوشيوسي باحتقار نحو الصوفي الطاوي، نظير الاحتقار الذي يشعر به اللاهوتي الكاثوليكي نحو الراهبة المستنيرة. وإنَّ أنصار الهرْج في كلّ نظام يؤثرون دائماً فوضى الصوفيين وسكرهم على وضوح ذهن الكهَّان الصَّافي والمنظَّم، أي على الكنيسة. وأنا آسف لعدم استطاعتي أن أوافقهم على هذا الاختيار. يمنعني من ذلك مسألة صدق. ذلك أنَّ كلّ لاهوت يبدو لي أنَّه ينقل إلينا كميةً أكبر من الألوهة، ولمحاتٍ ومعاني أكثر من مواجد الصوفيين كلها معاً. فعوضاً من اقترابنا من صاحب الجذْب (أو الوجد) يجب أن نمسك به بكلمته، ونتلقَّى كل ما يأتينا به من انغماساته المتعالية، ثمَّ ننظر بعد ذلك إن كان ما يقدّمه لنا يستحقّ العناء. والحقيقة هي أنَّ ما يستطيع أن ينقله إلينا بعد مرافقته في سفره السَّامي، شيء ضئيل القيمة. وأنا أحسب أنَّ الروح الأوروبيَّة تجد نفسها قريبة من شعور جديد بالله، ومن تحقّقات جديدة حول هذه الواقعة، وهي أهمّ الوقائع كلها. لكني أشكّ كثيراً أن يأتي ثراءُ أفكارنا حول الألوهة من طرق القصف التَّحتيَّة، وليس عبر طرق الفكر المنهجي النيِّر. عبر اللاهوت وليس عبر الجذْب (أو الغيبوبة). لكن، فلنعد إلى موضوعنا. والتصوف أيضاً ظاهرة من ظواهر الانتباه. وأوَّل ما تقترحه علينا التقنية الصوفية أن نركّز انتباهنا على شيء. على أيّ شيء؟ تكشف لنا اليوغا، وهي تقنية الجذب الأصرم والأعلم والأشهر، بذكاء عن الطابع الميكانيكي لكلِّ ما سوف يحدث لنا من ثمّ، لأنَّها تجيبنا عن ذلك السُّؤال: نركّزه على أيّ شيء. ليس الشيء إذاً، ما يصف العمليَّة ويوحي بها، وإنَّما هو يصلح فقط كحجَّة كيما يدخُل الذهن في موقف غير طبيعي. في الواقع، يجب الانتباه إلى شيء ببساطة على أنَّه وسيلة لصرف الانتباه عن سائر أشياء العالم الأخرى. ويبدأ الطريق الصوفي بإفراغ الوعي من تعدُّد الأشياء الموجودة فيه عادة، ويسمح بحركة الانتباه الطَّبيعيَّة. لذلك كانت نقطة الانطلاق عند سان خوان ديلاكروث من أجل كلّ تقدّم لاحق «البيت الهادئ»، وكسرَ حدّة الشهوات والفضول؛ وكما تقول سانتاتريسا: «تخلٍّ كبير عن كلِّ شيء»؛ أي: قطع جذور مصالحنا الدنيويَّة المتعدِّدة كيما نستطيع «الانجذاب» نحو شيء آخر (حسب سانتاتريسا). بالمثل يستطيع الهندوسي navatam na pasyati، أن يكفّ عن رؤية التعدد والتنوّع كشرط للدخول في التصوف. وتُنال هذه العمليَّة بإبعاد الأشياء التي يروح ويجيء بينها انتباهنا في العادة، بتثبيت الانتباه تثبيتاً خالصاً. وتُسمَّى هذه الممارسة في الهند كاسينا kasina، التي يمكنها أن تفيد من كلّ شيء. مثلاً: يصنع المتأمّل لنفسه قرصاً من الطين ويجلس قربه ويثبّت نظرته عليه. أو ينظر من مرتفع ما إلى جريان جدول، أو يتأمَّل بقعة ما ينعكس الضَّوء عليها، أو يُشعل ناراً، أو يضع شاشة يفتح فيها ثقباً وينظر إلى الوهج من خلاله، إلخ.. ويُبحث عن أثر مخلاة الهواء ذاته المشار إليه من قبلُ، والذي يمتصّ العشاق بموجبه: «أدمغة بعضهم بعضاً». ولا يوجد جذْب صوفي من غير إفراغ مسبق للذهن. يقول سان خوان ديلاكروث: «لذلك يأمر الله بأن يكون المذبح الذي تُقدَّم فيه الذَّبائح مفرغاً من الدَّاخل». «لتُدرك النَّفس كم يريدها الله فارغة من الأشياء كلّها». ويعبّر صوفي ألماني بقوّة أعظم عن ابتعاد الانتباه هذا عن كلّ ما ليس شيئاً واحداً، أي الله، فيقول: «لقد خلعتُ ولادتي». ويقول سان خوان نفسه على شكلٍ جميل: «أنا لا أرعى قطيعاً»، أي: لا أحتفظ بانشغالٍ ما. والآن يجيء ما هو أكثر إدهاشاً: ما إن يُفرغ الذهن من الأشياء كلّها، حتَّى يؤكد لنا الصوفي أنَّه يجد الله أمامه، وأنَّه يجد نفسه مملوءاً بالله. أي: أنَّ الله يكمن بالضَّبط في هذا الفراغ؛ لذلك يتحدَّث المعلم إيكهارت Eckhart عن :«صحراء الله الصَّامتة»، وسان خوان عن «ليل الروح المظلم»؛ مظلم، مع ذلك، ملآن نوراً، جدّ ملآن لمجرد وجود النور فقط، حتَّى لا يصطدم النورُ بشيء فيصبح ظلاماً». إنَّ خاصيّة الروح المطهّرة والمفناة حِيال عواطفها الخاصَّة ومداركها كلّها هي في ألاَّ تتمتَّع بشيء ولا تفهم شيئاً على شكل خاص، مقيمةً في فراغها من الظلمة والدجى، وتعانق كلّ شيء باستعدادٍ كبيرٍ كيما يتحقَّق فيها قول القدّيس بولس. Nihili habentes et omnia possidentes «لا تملك شيئاً وتملك كلّ شيء». ويسمّي سان خوان، في موضع آخر، هذا الفراغ المملوء والظلمة المضيئة بأعذب صيغة، فيقول: «إنَّها الوحدة الصَّاخبة». * * * إذاً، نصل إلى أنَّ الصوفي، كما العاشق، يبلغ حالته غير الطَّبيعيَّة «مثبّتاً» الانتباه على شيء ليس له من دور آخر مؤقَّتاً غير صرف الانتباه عن كلِّ شيء آخر، ويجعل فراغ الذّهن ممكناً. لأنَّه، لا «المنزل أو المقام» الأخفى ولا مستوى الحياة الوجدية الأكبر هو فقط ذلك الذي ينظر منه الصوفي إلى الله، صارفاً الانتباه عن كلّ شيء آخر. فهذا الإله الذي يمكن النَّظر إليه ليس إلهاً حقَّاً. والله الذي له حدود وشكل، الله المفكَّر فيه تحت هذه الصفة أو تلك، باختصار، الله الذي يمكن أن يكون موضوعاً للانتباه ويشبه في حالته تلك شبهاً مفرطاً الأشياء الدنيويَّة، ليس إلهاً حقيقيَّاً. ومن هنا المذهب الذي يعرض لنا من حينٍ لآخر من صفحات التَّصوّف بشكل فيه مفارقة، ليؤكد لنا أنَّ الغاية هي عدم التَّفكير «حتَّى» في الله. وسبب ذلك واضح: إذْ لشدَّة التَّفكير فيه، ولفرط الانجذاب إليه، يأتي حين من الدَّهر يكفّ فيه عن أن يكون شيئاً خارج الذّهن ومختلفاً عنه، وموضوعاً خارج الذات وإزاءها. أي، يكفّ عن أن يكون شيئاً في الخارج objectun فيتحوَّل إلى شيء في الدَّاخل injectun. وينساب الله في الروح ويختلط بها، أو بقولٍ معاكس، تذوب الروح في الله وتكفّ عن الشّعور به كأنَّه مختلف عنها. هذي هي الوَحدة (unio) la التي يطمح إليها الصوفيّ. «تصبح هذه الروح، أقول روح هذه الروح، شيئاً واحداً والله»، تنقل إلينا سانتا تيريسا في «المنزل أو المقام السَّابع». ولا يظنَّنَ أحدٌ أنَّ هذه الوحدة يُحسّ بها كشيء مؤقَّت يُحصل عليه الآن، ثمَّ يُفقد بعد ذلك. ويلمح الصوفي الجذْب (أو الغيبوبة) في طابع الاتحاد النهائي والدائم كما يُقسم العاشق بصدق على حبّه الأبديّ. وتميّز سانتا تيريزا بقوة شكلَي الاتحاد من بعضهما: الأوَّل «هو مثل شمعتين تتَّحدان اتِّحاداً وثيقاً حتَّى يصبح النور نوراً واحداً... لكن، يمكن بعد ذلك فصل الواحدة عن الأخرى وتظلاَّن شمعتين». والثَّاني مع ذلك، هو «كماء يسّاقط من السَّماء على نهرٍ أو ينبوع حيث يصبح الماء كلّه ماءً واحداً، حتَّى لا يمكن تمييز ماء النَّهر من ماء السَّماء ولا الفصل بينهما. أو كنهر صغير يدخل البحر فلا توجد وسيلة للفصل بينهما، أو كحجرة ذات نافذتين يدخل منهما ضوء كبير، وإنْ يكن منقسماً، يصبح ضوءاً واحداً». ولقد علَّل إيكهارت جيِّداً جدَّاً التدني النسبي للحالة التي يكون فيها الله موضوعاً للذهن. «إنَّ الانشغال الحقيقي بالله هو في الروح، وليس في التَّفكير في الله على نمط واحد وباستمرار. فلا ينبغي للمرء أن يكون إلهه مُفكَّراً فيه فقط، لأنَّ التَّفكير إذا توقَّف، فسوف يتوقَّف أيضاً ذلك الإله». بالتَّالي، ستكون الدرجة العليا في الطريق الصوفي تلك التي يكون فيها الإنسان مشبعاً بالله، ويصير إسفنجة من الألوهة. ويمكنه حينئذٍ أن يعود مرَّةً أخرى إلى العالم ويهتمّ بشؤونه الأرضيَّة، لأنَّه سيعمل في الواقع، كأداة لله. ولن تكون رغباته وخطاه وأعماله في العالم شيئاً خاصَّاً به. ولا يهمّه شيء ممَّا يعمله أو يحدث له، لأنَّه «هو» يكون غائباً عن الأرض، غائباً عن رغبته أو عمله ذاته، ومحصَّناً أو كتيماً إزاء كلّ ما هو محسوس. فقدْ هاجرَ شخصُه الحقيقي إلى الله، وانصبَّ فيه الله، ويصبح دمية ميكانيكيَّة فحسْب و «صنيعة» يشغّلها الله. (والتَّصوُّف في ذروته يلامس دائماً حدود «التعطيل» quietimo). ويجد هذا الموقف المتطرِّف نظيره في عمليَّة «العشق». فإذا استجاب الآخر تطرأ فترة من «الاتِّحاد» الانتقالي، ينقل فيها كلّ فرد إلى الآخر جذور كيانه. ويحيا – أي يفكّر ويرغب ويعمل ـ ليس انطلاقاً من ذاته، وإنَّما انطلاقاً من الآخر. وبذلك يكفّ عن التَّفكير في المحبوب لفرط وجوده في داخله. ويُلاحظ ذلك فيما ترمز إليه ملامحُ الوجه، كما يحدث في كلِّ الحالات الحميمة. إذْ تُناظر فترة «تثبيت» الانتباه المشدوه والمقصور على المحبوبة التي ما تزال خارج المرء، حركةٌ من الانكفاء على النَّفس والتَّركيز. فالعينان جامدتان، والنظرة صلبة، والرَّأس يميل إلى التطامن فوق الصَّدر، والجسم ينكمش إن أمكن ذلك. ويميل المظهر كلّه ليمثّل مع الشَّكل البشري شيئاً محدَّباً وكأنه مغلق. فنحنُ نحضنُ صورة المحبوب في حجرة انتباهنا المُطبقة. لكن، إذا «جاءت» غيبوبة الحبّ وصارت المحبوبة لنا، بالحريّ، أكون أنا ذاتي، وأنا المحبوبة، يظهر على الوجه هذا التَّفتُّح الظريف الذي تتجلَّى فيه السَّعادة. فترقّق العينان النظرة التي تصبح صمغاً، وتنزلق على كلّ شيء من غير أن تتركَّز، على شيء. وتتكرَّم فتداعب الأشياء أكثر ممَّا تراها. وكذلك يكون الفم شبه مفتوح على بسمة شاملة تقطرُ من غير انقطاع من صوارَيْ الشَّفتين. إنَّها هيئة الأبله، وهكذا هي هيئة البلاهة. وتفقد أنفسنا النظام ودقّة الموقف إذا لم تجد شيئاً خارجيَّاً ولا داخليَّاً نثبّت عليه انتباهنا. ونشعر بأنفسنا هائمين خفيفين. ويقتصر نشاطنا على السَّماح بأن تنطلق نحو الشَّمس الأبخرة الممتَصَّة من صفحة أنفسنا، كما تنطلق من ماء راكد. إنَّها حالة «الجذْب» المشتركة بين العاشق والصوفي(8)، فلا تعنيهما في خير أو شرّ هذه الحياةُ ولا هذا العالم؛ لأنَّهما كفَّا عن أن يكونا مسألة لهما. فالأشياء التي نعملها ونعانيها لكونها تمسّ أعمق دواخلنا، تتحوَّل في الموقف الطَّبيعيّ، إلى مشاكل لنا، وتُقلقنا، وترهقنا؛ لذلك نشعر بوجودنا ذاته كثقل ندعمه براحة يدنا، بعناء. لكنَّنا إذا نقلنا هذه النَّواة الحميمة إلى منطقة أخرى، وإلى وجود آخر خارج العالم، فإنَّ ما يحدث لنا فيه يفقد فعاليته ويظلّ من غير تأثير علينا، وكأنَّه موضوع بين مزدوجتين. وإذا سرْنا وسْط الأشياء نشعر بأنفسنا قد فقدنا الوزْن. وكأنَّما يوجد عالمان ذوا أبعاد مختلفة، لكنَّهما متداخلان، يعيش فيهما الصّوفي؛ هو يعيش في العالم الأرضي في المظهر فقط، بينما يعيش في الحقيقة، في عالم آخر، وفي منطقة منعزلة يعيش فيها وحيداً مع الله. Deum et animan. Nihilne plus? Nihil omnio. «الله والروح. ولا شيء آخر؟ لا شيء البتَّة»، يقول القديس أغسطين. وكذلك العاشق يتنقّل بيننا من غير أن ننفعه بشيء آخر سوى الاحتكاك بمحيط حساسيته. هو يرى حياته ويعتقد أنَّها قُرّرت مسبقاً وإلى الأبد. والحياة في «حالة الجذب» صوفيَّة كانت أم عشقيَّة تفقد ثقلاً وخشونة. فيبتسم السَّعيد لكلِّ ما يحيط به بأريحيَّة سيد عظيم. لكنَّ، أريحيَّة السيد العظيم ضئيلة دائماً ولا تستلزم جهداً. وأريحيَّته قليلة السَّخاء جدَّاً. في الواقع، هي صادرة عن الازدراء. فمن يحسب نفسه من طبيعة عليا يداعب بأريحيَّةٍ الكائنات، كائنات من رتبةٍ دنيا لا تستطيع أن تُلحق به ضرراً، لسبب بسيط كونه «لا يتعامل معهم» «ولا يعيش معهم». وقمّة الازدراء أنَّنا لا نتفضّل فنكشف عيوب الآخر. وإنَّما نسقط عليه من عليائنا التي لا تُدرك، ضوءَ سعادتنا الملائم وهكذا كلّ شيء جميل ولطيف في نظر الصوفي ونظيره المحبّ. فإذا نظر إلى الأشياء مرَّة أخرى بعد مرحلة الذهول، فإنَّه لا يراها في ذاتها، وإنَّما معكوسة في الشيء الوحيد الموجود له: الله أو المحبوب. وما ينقصها من لطف، تضفيه عليها المرآة الرائعة التي يتأملها فيها. وهكذا إيكهارت الذي نبذ الأشياء فتلقَّاها مرَّةً أخرى من الله، كمن يُولي المنظر الطَّبيعي ظهره فيجده معكوساً مجسَّداً في سطح البحيرة الصَّقيل الرَّائع. أو كأشعار مواطننا سان خوان ديلاكروث، المشهورة: مضى عبر هذه الأيكة بسرعة ساكباً ألف جمال. وإذْ سار ناظراً إليها بصفحة وجهه وحدها جعلها تكتسي بالجمال. ويضغط الصوفي نفسه إسفنجة الألوهة، قليلاً على الأشياء: حينئذٍ ترشح الألوهة سائلة وتطليها. وكذلك المحبّ. لكنَّنا سنسقط في الخطأ إذا شكرنا للصّوفي أو للعاشق هذه «الأريحيَّة». إنَّهما يحتفيان بالكائنات بعدم الاهتمام بهم ذاته في الحقيقة. إنَّهما يمضيان لشأنهما بسرعة. في الواقع، يزعجهما قليلاً أن يُحتجزَا كثيراً، كما يزعج السيدَ العظيمَ «اهتمامُ الفلاَّحين». لذلك كانت لطيفةً عبارةُ سان خوان ديلاكروث حينما يقول: أبعدهم، يا حبيبي فأنا أطير طيراناً. وإنَّ لذّة «حالة الجذب»، أينما مثُلت، تكمن في أن يكون المرء خارج العالم وخارج ذاته. وهذا ما تعنيه حرفيَّاً ex ـ tasis: خارج الذات وخارج العالم. ويصلح أن نلاحظ هنا، أنَّ هناك نموذجين من البشر لا يلتقيان: أولئك الذين يشعرون بالسعادة أنَّها خارج الذات، والذين يشعرون على العكس منهم، بالهناء إذا كانوا في كامل وعيهم. وكثيرة للغاية الوسائل الموجودة للخروج من الذات بدءاً من الخمرة حتى الغيبوبة الصوفيَّة. كما هي كثيرة جدَّاً الوسائل التي تُحدث حالة الوعي بدءاً من الدوش حتَّى الفلسفة. وهاتان الفئتان من البشر متباعدتان في كلِّ مستويات الحياة. وهكذا يوجد أنصار الفن «الوجدي» أو الجذبي، الذين يرون أنَّ التَّمتُّع بالجمال يكون «بالانفعال». وهناك آخرون بالمقابل، يحكمون على المتعة الفنية الحقيقيَّة بالحفاظ على الصفاء الذهني الذي يسمح بتأمّل الموضوع ذاته تأمُّلاً بارداً وواضحاً. لقد صرَّحَ بودلير Beaudelaire تصريحاً جذبيَّاً لمَّا أجاب عن سؤال حول أين يُفضِّل أن يعيش: «في أيَّما مكان، في أيَّما مكان... شرط أن يكون خارج العالم!». إنَّ الرَّغبة في الخروج من الذَّات خلقت أشكالَ القصْف كلها: سواء أكانت سكراً أم تصوُّفاً أم عشقاً، إلخ. وأنا لا أقول بذلك إنَّها كلّها تحمل «القيمة» ذاتها. إنَّما أوحي أنَّها تنتمي إلى الصنف ذاته ولها جذر يغوص في القصْف. لذلك لم يكن مصادفةً استعمال صورة الخطف أو الانتزاع استعمالاً متطابقاً في التصوف والحبّ. وانتزاع المرء هو ألا يسير على قدميه ذاتهما، وإنَّما هو شعوره بأنَّ أحداً أو شيئاً ما يحمله. والخطف هو أوَّل أشكال الحبّ محفوظاً في الميثولوجيا تحت نوع السنطور(9) صياد الحوريَّات اللاتي يجلسن على كفليه. ولقد ظلَّت في طقس الزَّواج الروماني بقيَّةٌ من الخطف الأصلي: إذْ ما كانت تدخل الزَّوجة بيت الزَّوجيَّة بقدمها ذاتها وإنَّما يحملها الزَّوج في الهواء لئلاَّ تطأ العتبة. وآخر تصعيد رمزي لهذا الشَّكل «غيبوبة» الراهبة الصوفية وارتفاعها في الهواء، وإغماءةُ العشَّاق. لكنَّ هذا التَّوازي المدهش بين الجذب و«الحب» يكتسب مظهراً أخطر من ذلك إذا قارنَّا الشيئين كليهما بحالة أخرى غير طبيعيَّة للشَّخص: وهي التَّنويم المغناطيسي. لقد لوحظ مئة مرَّة أنَّ التَّصوّف يشبه التنويم المغناطيسي بإفراط. إذْ يوجد في هذا أو ذاك غيبوبة وهلوسات وحتَّى آثار جسمانيَّة متطابقة، كعدم الحساسيَّة والتَّخشُّب. وأنا، من جهتي، كنت أخمّن دائماً وجود تقارب بين التنويم المغناطيسي والعشق. ولم أجرؤ قطّ على صوغ هذا التَّفكير، وسبب ذلك يوجد كما أرى، في أنّ َالتّنويم المغناطيسي يبدو لي أيضاً ظاهرة من ظواهر الانتباه. ومع ذلك، لم يدرس أحدٌ على علمي، التنويم المغناطيسي انطلاقاً من وجهة النَّظر هذه، على الرّغم من أنَّه توجد في متناول اليد واقعة كالنَّوم الذي يرتبط من الجانب النَّفسي، بالحالة التَّنبُّهيَّة. فقد لاحظ كلاباريد Claparide منذ سنين كثيرة، أنَّنا نقارب النَّوم بمقدار ما نستطيع صرف الاهتمام بالأشياء، وإلغاء الانتباه لها. وتكمن التقنيَّة التي تسهّل النَّوم في أن نستجمع انتباهنا على شيء ما أو على نشاط ميكانيكي، كالحكي مثلاً. ولْنقلْ إنَّ النَّوم الطَّبيعي كما الغيبوبة هما تنويم مغناطيسي ذاتي. لكن، هاهو بابلو شيلدر Schilder، وهو أحد أذكى علماء النفس في عصرنا، رأى أنْ لا محيد عن قبول وجود قرابة وثيقة بين التَّنويم المغناطيسي والحبّ. وسوف أحاول تلخيص أفكاره التي، وإن كانت مستوحاة من أسباب جدّ مختلفة عن أسبابي، تُقفل هذه الحلقة من التطابق بين العشق والجذب الصّوفي والتَّنويم الذي حاول هذا البحث أن يبرزه. وهاكم سلسلة أولى من تطابقات العشق مع التَّنويم المغناطيسي. إنَّ التَّدابير التي تُسهّل الدخول في التَّنويم المغناطيسي تمتلك قيمة جنسيَّة: مرور اليد الحلو كالمداعبات؛ والكلام الموحي والمهدّئ في آنٍ واحد، و«النظرة الفاتنة»؛ وبعض العنف الآمر أحياناً سواء بالحركة أم بالصَّوت. فإذا نُوِّمت النساء مغناطيسيَّاً فمن الشَّائع أن يتلقَّى المنوِّم لحظة الدخول في النَّوم أو اللحظة التالية للاستيقاظ، تلك النظرةَ الكسيرة المميَّزة جدَّاً للإثارة أو الإشباع الجنسيين. وغالباً ما يُعلن المنوَّم أنَّه شعر خلال الغيبوبة بانطباع لذيذ بالحرارة والرَّاحة في أنحاء جسمه كلّها. ولا غرابة في أن يلمح أحاسيس جنسيَّة بشكل قاطع. وتتَّجه الإثارة الجنسيَّة إلى المنوِّم الذي يكون موضوع مراودة غراميَّة بجلاء. وتتكثَّف أحياناً تخيُّلات المنوَّمةِ الجنسيَّةُ، في ذكرياتٍ زائفة، وتتّهم المنوِّم أنَّه عبث بها. ويقدِّم لنا التنويم المغناطيسي عند الحيوان بعض المعطيات ذات الصلة بالموضوع، إذْ تحاول الأنثى في الصنف الرَّهيب من العناكب المسمَّاة galeodes kaspicus Turkestanus، أن تلتهم الذكور التي تغازلها. فإذا وُفِّقَ الذَّكرُ في القبض بكمَّاشتيه على بطن الأنثى في نقطة معيَّنة، تسمح هذه وبسلبيَّة كاملة أن تتمّ العمليَّة الجنسيَّة. ويمكن أن تتكرَّر عمليَّةُ شلّ الأنثى في المختبر بلمس الدويّبة في هذا المكان، فتسقط هذه لتوِّها في حالة من التَّنويم المغناطيسي. لكنَّنا نلاحظ أنَّ تلك النَّتيجة يُحصل عليها فقط في فترة الشَّبق. ويختتم شيلدر بعد هذه الملاحظات: «كل ذلك يجعلنا نشتبه في أنَّ التَّنويم المغناطيسي عند البشر هو أيضاً وظيفة بيولوجيَّة تساعد الوظيفة الجنسيَّة». ثمَّ ينحو نحْوَ الفرويديَّة الدَّائمة التي يُنبذ بها كلّ تفسير واضح للعلاقة بين التَّنويم و«الحبّ». ونستطيع أن نستخرج أكبر الفوائد من المعاني التي تميَّزت بها حالة المنوَّم النفسيَّة. إنَّنا، حسب شيلدر، إزاء سقوط جديد في حالة طفليَّة من الوعي: إذْ يُحسّ الشَّخص في نفسه مستسلماً بلذَّة استسلاماً كاملاً لشخص آخر ومستريحاً لسلطانه. ومن غير هذه العلاقة بالمنوِّم فإنَّ تأثيره يصبح محالاً. لذلك يسهّل عملَ المنوِّم كلُّ ما يساهم في رفع سلطانه. كالشهرة والوضع الاجتماعي والمظهر الكريم. ومن جهة أخرى، لا يمكن للتَّنويم المغناطيسي أن يتمّ لدى الكائن البشري إلاَّ إذا كان مرغوباً به. وليُلاحظ أنَّ هذه الصِّفات جميعها يمكن أن ترحّل من غير تحفّظ إلى العشق. وقد لاحظنا أنّ َالعشق «مرغوب به» دائماً ويستلزم رغبة في استسلام الذات والاستراحة لدى الكائن الآخر. رغبةٌ هي في ذاتها لذيذة. أمَّا السقوط ثانيةً في حالةٍ ذهنيَّة طفليَّة نسبيَّاً، فيعني ذات ما سمّيته «ضيقاً روحيَّاً» وانكماشاً وفقراً في الحقل التَّنبُّهي. ولا أفهم ألا يشير شيلدر إلى ميكانيزم الانتباه كأوضح عامل في التَّنويم، على كون تقنية التَّنويم تكمن أساساً في لفت الانتباه إلى شيء: مرآة، طرف ماسة، ضوء..... إلخ. من جهة أخرى، تبيّن مقارنةٌ بين مختلف نماذج الشَّخصيَّة حسب ترتيب قدرتها على أن تُنوَّم تطابقاً كبيراً مع السلْم الذي نشكله عن هذه النَّماذج ذاتها حسب ترتيب قابليّتها لتُعشق. لذلك كانت المرأة عنصراً خيراً قابليَّةً للتنويم من الذَّكر، إذا أُخذت العوامل كلّها بالحسبان ceteris paribus. لكنَّ واقع الحال أنَّها أطوع من الذَّكر أيضاً لعشق حقيقي. وأيَّاً تكن الأسباب الأخرى لتفسير هذا الميل، فلا شكّ أنَّ اختلاف تركيب النفوس التَّنبُّهي لدى الجنسين، يؤثّر في الأمر بإفراط. وإذا تساوت الشروط تكون النفس الأنثويَّة أقرب إلى ضيق ممكن من الذكريّة: ولسبب بسيط هو أنَّ للمرأة نفساً مرنة؛ والانتباه، حسبما لاحظنا، هو الوظيفة التَّامَّة الأكثر تمركزاً وتجمُّعاً مع ذاتها ذاتها، وهو أكثر ما يعطي الذّهن بناءه ووضوحه. وإنَّ نفساً موحّدة جدَّاً تستلزم نظاماً تنبُّهيَّاً موحَّداً جدَّاً. ويخيّل إلى المرء أنَّ النفس الأنثويَّة تميل للعيش بمحور تنبُّهي واحد يحطُّ في كلِّ فترة من حياتها على شيء واحد. إذْ يكفي من أجل تنويمها وعشقها، القبضُ على شعاع انتباهها الوحيد هذا. ومقابل تركيب النَّفس الأنثويَّة ذات المركز الواحد، توجد دائماً مراكز متعدِّدة في النَّفس الذَّكريَّة. وكلَّما كان المرء أكثر ذكورة بمعنى روحي، يجد نفسه أكثر تفكّكاً وكأنَّها مقسَّمة إلى قطاعات كتيمة. فجانب منه ينضمّ جذريَّاً إلى السياسة أو إلى التجارة، بينما جانب آخر يتعاطى الفضول الفكريّ، وجانب ثالث ينهمك في اللذَّة الجنسيَّة. ينقصه إذاً، الميلُ إلى تمركز موحّد للانتباه. وإنَّما يسود لديه العكس الذي يقود إلى التَّفكُّك في الواقع؛ لأنَّ محور الانتباه عنده متعدِّد. ولقد تعوَّدنا العيش على هذه القاعدة المتعدِّدة وعلى تعدُّديَّة المجالات الذهنيَّة التي هي هشَّة التَّرابط فيما بينها، ولا يحدث شيء إذا ظفر بانتباهنا أحدُها لأنَّنا نظلُّ أحراراً من غير أن تُمسّ بقيَّة المجالات. أمَّا المرأة العاشقة فهي تيأس عادةً، إذْ يبدو لها أنَّها لا تجد أمامها الرجل الذي تحبّ بكلّيّته. بل تجده دائماً شارد الذّهن شيئاً ما، وكأنَّه إذا حضر الموعد، يترك مقاطعات من روحه مبعثرةً في العالم. والعكس صحيح. قد أخجل الرجلَ الحسّاس كثيراً شعورُه بالعجز عن الاستسلام جذريَّاً، وعن كليّة الحضور الذي تضعه المرأة في الحبّ. لهذا السَّبب، يُعلم عن الرَّجل أنَّه غبيّ في الحبّ وقاصر عن الكمال الذي تستطيع المرأة أن تمنحه لهذا الشعور. وتبعاً لذلك، فإنَّ مبدأ واحداً قد يفسّر ميل المرأة إلى التصوُّف والنوم المغناطيسي والعشق. وإذا عدنا الآن إلى دراسة شيلدر، نرى أنَّه يضيف إلى أخوَّة الحبّ والتَّصوُّف، ملاحظةً طريفة وهامَّة ومن نموذج جسدي. إنَّ النَّوم المغناطيسي لا يختلف في المقام الأخير، عن النَّوم الطَّبيعي. لذلك، كان الفرد النؤوم ذا قابليَّة ممتازة للتنويم المغناطيسي. إذاً: يبدو أنَّه توجد علاقة وثيقة بين وظيفة النَّوم ومكان من القشرة الدِّماغيَّة يُسمَّى البطين الثَّالث. إذْ تتوافق اضطراباتُ النَّوم والتهاب الدِّماغ السباتي، وتغيُّرات في هذا العضو. ويحسب شيلدر أنَّه وجد فيه القاعدة الجسديَّة للتَّنويم المغناطيسي. لكنَّ البطين الثالث هو في آنٍ واحد «عقدة عضويَّة جنسيَّة» تأتي منها اضطرابات جنسيَّة غير قليلة. لكنَّ إيماني بالمواضع الدماغيَّة ضعيف إلى حدٍّ ما. حقَّاً لا يكلِّفنا جهداً الإيمان أنَّه إذا اجتُثَّ رأس رجل من أساسه يكفّ عن التَّفكير والشعور. لكنَّ هذا الموضوع الرائع يأخذ بالتلاشي باطّراد إذا حاولنا أن نحدِّد كل وظيفة ونبحث لها عن مكان عصبي. وأسباب هذا الإخفاق لا تُحصى، لكنَّ أقربها يكمن في أنَّنا نجهل ترابط الوظائف النفسيَّة الحقيقيّ، والنظام والتسلسل الهرمي الذي تعمل به. وليس سهلاً عزلُ وظيفة وصفيَّاً، والكلام عن «رؤية» أو «سمع» و«تخيُّل» و«تذكّر» و«تفكير» و«انتباه»، إلخ. لكنَّنا لا نعرف إن كان يتدخَّل في الرؤية «التَّفكيرُ». وإن كان لا يساهم في «الانتباه» «الشعور»، أو العكس. ليس سهلاً أن نوفّق إلى أن نعيّن مكان الوظائف كلّ وظيفة على حدة، وظائف عزلها غير ممكن. وهذا الشّكّ، مع ذلك، يجب أن يحثّ على بحثٍ مطَّردٍ يزداد قوة أكثر فأكثر، وهكذا يصلح أن نتلمَّس في الحالة الرَّاهنة، إن كانت قدرة الانتباه لها صدىً ما مباشر أو معكوس في هذه القطعة من القشرة الدماغيَّة الموضوعة، حسب شيلدر، في خدمة مجموعة النَّوم، والنَّوم المغناطيسيّ والحب. إنَّ الصِّلة الوثيقة التي أوحى بها هذا البحثُ، بين هذه الحالات الثلاث، و«الجذب» الصوفي تجعلنا نخمّن أنَّ البطين الثَّالث يساهم أيضاً في الغيبوبة الصوفيَّة. وقد يفسّر هذا الأمر البقاء الشَّامل للمفردات الجنسيَّة في الاعترافات الجذبيَّة، وللمفردات الصُّوفيَّة في المشاهد الغراميَّة. ولقد رفض حديثاً عالم النَّفس آلّر Allers في محاضرةٍ له في مدريد كلّ محاولة تعدّ التَّصوُّف مشتقَّاً من الحبّ الجنسيّ وتصعيداً له. ويبدو لي هذا الموقف صحيحاً جدَّاً. وقد كانت تافهةً بشكلٍ فظّ النَّظريَّات الجنسيَّة المألوفة قديماً عن التَّصوُّف. لكنَّ المسألة مختلفة الآن. وإنَّما هذا وذاك الآخر يمتلكان جذوراً مشتركة ويعنيان حالتين ذهنيَّتين ذاتَي تنظيم متماثل. والوعي في هذا أو ذاك يتَّخذ شكلاً متطابقاً تقريباً يثير صدىً عاطفيَّاً واحداً، تُستخدم لإظهاره الصيغُ الصوفيَّة والإيروسيَّة على السَّواء. * * * ويهمّني عند اختتام هذا البحث أن أذكّر أنّي حاولت فيه أن أصف حصراً مرحلة واحدة من سيرورة الحبّ الكبرى: وهي «العشق». لأنَّ الحبّ عمليَّة أوسع من ذلك وأعمق كثيراً، وأكثر إنسانيَّة بجدّ، لكنَّها أقلُّ عنفاً. وكلّ حبّ يعبُر منطقة جنون «العشق». لكن، يوجد «عشق» في المقابل لا يتبعه حبّ حقيقيّ. فلا نخلط إذاً، الجزءَ بالكلّ. وكثيراً ما تُقاس نوعيَّة الحبّ بعنفه. ولقد كُتبت هذه الصًّفحات السَّابقات لمناهضة هذا الخطأ الشَّائع. فليس للعنف صلة بالحب، بصفته حبَّاً. بل هو صفة «للعشق» ولحالةٍ ذهنيَّةٍ دنيا وميكانيكيَّة تقريباً يمكن أن تحدث من غير تدخُّل فعَّال من الحبّ. وإنَّ رذيلة العنف ربَّما أتت من نقص في الطَّاقة عند الشَّخص، لكن، باستثناء ذلك، نحن مضطَّرون إلى القول إنَّ فعلاً نفسيَّاً كلَّما كان عنيفاً كان أدنى في تسلسل النفس الهرَميّ، وأقرب إلى العمل الميكانيكيّ الجسديّ، وأبعد عن الرّوح. والعكس صحيح. فكلَّما اصطبغت مشاعرنا بروحانيَّة أكبر، تفقد عنفاً وقوَّة ميكانيكيَّة. ويكون إحساس الجائع بالجوع دائماً أعنف من رغبة العادل في العدل. ? (1) من كتاب دراسات في الحب (2) من كبار الروائيين في إسبانيا في النصف الأوَّل من القرن العشرين ـ المترجم. (3) ville d 'eaux، وهي تعني بالفرنسيَّة مدينة ينابيع حارَّة، واختصرناها بمنتجع ـ المترجم. (4) في الأصل maniqueo = مانوية، أي ثنوية الخير والشر ـ المترجم. (5 ) Les petits chevaliers= هكذا هي بالفرنسيَّة في الأصل ـ المترجم. (6) عنف، في الأصل ـ المترجم. (7) الفرق الوحيد، ويكون أحياناً هامَّاً، هو هذا: لقد كان بعض الصوفيين «فوق ذلك» مفكرين كباراً. وقد نقلوا إلينا إلى جانب تصوّفهم، إيديولوجيا عبقريَّة أحياناً. وهكذا كان أفلوطين والمعلم إيكهارت. لكن صوفيّتهما بمعناها الصَّحيح مطابقة إلى أكثر أشكال الجذب الصوفي ابتذالاً – المؤلِّف. (8) لا أشير، كما يُلاحظ، في شيء إلى «القيمة» الدينيَّة التي تناظر «حالة الجذب». فهذه هنا اسمٌ بالمعنى الدَّقيق لحالة نفسيَّة خاصَّة بالصوفيين كلّهم في كلِّ الأديان. ـ المؤلِّف. (9) كائن خرافي له رأس إنسان وجسم حصان ومخالب أسد ـ المترجم. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |