مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 133 شتاء 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الهرمينوطيقا والترجمة مقاربة في أصول المصطلح وتحولاته ـــ د.عبد الغني بارة(*)

لعلّ أوّل ما يطالع المتأمّل في قضايا التأويل، هو مساءلة المصطلح من منظور أركيولوجي/ جنيالوجي، في أصوله المعرفية، ليس لاكتشاف ما هو معروف سابقاً، ولكن للحفر في آثاره التي تسبق كلّ معرفة، باعتبارها الأصل الذي لا أصل له. وإلاَّ فما قيمة البحث، إذا لم يكن تأسيساً في المُختلِف، وعوداً على بدء، وعلماً بما لم يُعلم، وتقويضاً لما هو ثابت ومركزي، وانزياحاً ومخالفةً لما هو قاعدي، وتفجيراً لما هو نظامي، وفضحاً لما هو إيديولوجي/ فِكْرَاني خفي في الساحة الفكرية. وهي، أي الرؤية الأركيولوجية/ الجنيالوجية، وإنْ كان هدفها، هو تفجير الخطابات/ الأصول وتقويض أنظمتها، فإنّها لا تعدم وسيلة لتكون منهجاً على سبيل التركيب والارتجاع الداخلي، لأنّ أي خطاب إنّما يقع على حدود/ تخوم غيره، أو بالأحرى يحمله في شقوقه وطبقات الغياب فيه، على اعتبار أنّ كلّ خطاب، بالضرورة، هو خطاب مؤتلِف/ مختلِف في آن.‏

هكذا تتحوّل مساءلة «الهرمينوطيقا» L'herméneutique، بوساطة هذا المُعطى المنهجي، مغامرةً في دروب المعرفة الإنسانية، يتوه السائل في أروقتها المتعدّدة، ومناطقها المعتمة، ولا يظفر، وهو في غمار الاستقراء والاستقصاء، إلاَّ بما هو جزئي وبسيط، فيُبعث البحث/ السؤال، مجدداً، بوصفه الغاية التي لا بعدَ بعدها، والمتعة التي لا يدرك قيمتها إلاَّ من اكتوى بحرقة الحيرة. فهي أشبه بعمل اللذّة Le Plaisir وتداخلها مع مفهوم المتعة Jouissance عند رولان بـارت Roland Barthes (1915 ـ 1980)، إذ مـا يزال، والقول لبـارت، »ثمّة تأرجح علـى المستـوى الاصطلاحي، وإنّي مازلت أخلط وأخفق في التمييز. وعلى كلّ، فسيظلّ هناك دائماً شيء من الحيرة. ولن يكون التمييز مصدراً لتصنيفات قاطعة« (1). أمّا النّاقد «منذر عياشي»، المهتم بترجمة أعمال«بارت» الكاملة، وبخصوص سؤال عن ترجمته لكتاب «لذّة النصّ»، يردّ قائلاً: »اللذّة تأتي هكذا، إنّها حضور من غير سؤال، ووجود يعمّ كلّ شيء دون أن يتموضع في شيء. وليس شيء للذّة أقتل من سؤال يستفسر عن موضوعها. اللذّة ليست موضوعاً. إنّها هي. وإنّها لتتكشّف دائماً من غير سؤال. وسعادة الملتذّ كالنّور، تأتي بقدح زناد الروح، فلا يدركها إلاَّ من تحرّر من نفسه جسداً ودخل في نفسه نصاً«.(2)‏

إذاً، ليس أمراً هيناً على أيّ باحث تحديدُ مصطلح «الهرمينوطيقا» L'herméneutique، سواء في مظانه الأولى في الثقافة الغربية، أو في ارتحالاته إلى الثقافة العربية، بفعل النّقل والترجمة. إذ (كما لا يخفى على كلّ ذي عقل) إنّ المصطلح ينشأ في محضن معرفي مخصوص، يعدّ الإطار المرجعي أو النظام الإبستيمولوجي (المعرفي) الذي يرفده ويعمل على توجيهه، وتحديد مسارات اشتغاله داخل أنظمة الثقافة التي ينحدر منها، حيث يشيع وينتشر ويبعث به إلى سوق الرواج. ومن ثمّ، فإنّ غياب الوعي الإبستيمولوجيConscience Epistémologique بهذه الأطـر، يجعـل الغمـوض أو الإلغـاز سمةً بارزةً في تعاطي هذا المصطلح أو ذاك، فتغيب الرؤية، ويسود الاضطراب، وتعمّ فوضى الترجمة.‏

1 ـ الهرمينوطيقا: الأصول الإيتيمولوجية والمجال التداولي:‏

كان الاهتمام بدلالات المصطلح يحظى باهتمام بالغ لدى أهل المعرفة عموماً، والمهتمين بشأن اللّغة على وجه الخصوص، فخصصوا لها اصطلاحاً خاصاً تواضعوا عليه، بل جعلوا الاشتغال بها علماً مستقلاً اصطلحوا على تسميته «إيتيمولوجيا» Etymologie،» وهو العلم الذي ينظر في أصول المعاني وأزمانها وأطوارها ـ أو إن شئت قلت تاريخها ـ ولم يفت اللّغويين العرب ولا علماء المسلمين الوعي بدور هذه الدلالة، ووضعوا لها اسم «المعنى اللّغوي»«(3) .‏

لا يكاد المهتم بأسئلة المصطلح في أصوله المعرفية، ووضعه الإشكالي بين أقرانه من المفاهيم في حقول المعرفة، يضع المدلول الاصطلاحي لمفهومه، »ويجعل هذا المفهوم مصطلحاً له إجرائية مستقلّة حتّى يستدعي، توسيعاً لمجال أسئلته وإشكالاته، جملة من العناصر الدلالية التي يمكن أن تُثبِّت هذه الإجرائية وتُظهر فائدتها؛ وقد يعتبر هذا العنصر جزءاً صريحاً من المدلول الاصطلاحي أو لا يعتبر كذلك، مكتفياً بأن تكون سنداً من ورائه، بدءاً من اللّفظ الذي يضعه بإزاء المفهوم؛ فبما أنّ هذا اللّفظ ليس مخترعاً من عنده كما يخترع العالم رموزه، وإنّما يستعيره من لسانه الطبيعي، فلا بدّ من أن يكون لهذا اللّفظ دلالة وسابق استعمال«.(4)‏

لا يعزُب عنّا، إذاً، أنّ «علم التأثيل اللّغوي»، أو «التأثيليات اللّغوية» Etymologie(5) هو أحد المداخل المشروعة للباحث في أصول تشكّل مصطلح «الهرمينوطيقا» في الثقافة الغربية، ولا يكون ذلك إلاَّ بمساءلة مقامات وأسيقة استعمال هذا المصطلح، بوصفها قرائن تأثير تنضاف إلى أساس التأثيل اللّغوي كمُعطى إجرائي، يسمح بملاحقة الأشياء في بيئاتها الأولى، وما لحقها فيما بعدُ من تحوّل نتيجة تداخلها أو ارتباطها بحقول معرفية أخرى، أو انتقالها وارتحالها، بفعل الترجمة أو الاستعمال، إلى أمكنة وأزمنة جديدة أضحت فيها خاضعة لأجهزة الثقافة المستقبِلة، فالتصقت بها دلالات جديدة اكتسبتها في أرض الهجرة، وكأنّها كائن أصيل لفظته تربة هذه الأرض، ومنها افتَتح صراعاً تأويلياً جديداً يزاحم فيها مصطلحات تدّعي أنّها الأصيلة، فيتنازع الدخيل/ الأصيل ليثمرا معاً مصطلحاً/ مفهوماً مختلِفاً/ غيرياً، لا أصلَ له ولا مرجعَ إلاَّ أن ينتسب إلى مجال تداولي يؤسّس به وجوداً مخصوصاً يصبح به كائناً تداولياً بامتياز.‏

هذا الوجود الجديد للمصطلح بوصفه كائناً تداولياً، يجعل الباحثين في مجال المصطلحية ينظرون إلى اقتران المصطلح، بالإضافة إلى كونه مفهوماً مجرداً أو متصوراً ذهنياً غير قابل للتجسيد العيني/ الفيزيقي، بواقع محسوس أو مجال تداولي يصبح فيه خاضعاً لضروب الاستعمال ومقامات الحوار بين المتخاطبين في المجتمع اللساني، كما يتدخّل، حينذاك، التلقّي أو الاستقبال بوصفه إجراءً وممارسةً معرفية واستراتيجيةً كتابية تعيد إنتاج المصطلح/ المفهوم، فيتعدّد بها فهماً وانفهاماً. وهذا كما أسلفنا القول، لا يعني تجريد المصطلح من خصائصه المعنوية القصدية؛ أي بالنظر إلى كونه يُراد منه معنًى ويُقصدُ به، إذ متى أُطلق ذلك المصطلح فُهِم منه المعنى الذي قُصِد، فيكون، بذلك، معنًى قصدياً. يمكن تسميته، مع طه عبد الرحمن، «الانفهام التداولي». ومفاده »أنّ هذا المفهوم لا يكون كذلك حتّى تقبل صيغته اللّفظية أن يكون منفهماً منها؛ إذ لولا الانفهام، لما أمكن أن يأتي واضع المفهوم الفلسفي بفعل الإفهام، ولا أن يأتي الموضوع له ـ أي المتلقّي ـ بفعل الفهم؛ كما أن اقتران هذا المفهوم يورّثه ما يمكن أن نسميه بخاصّية «الانتساب»، ومقتضاها أنّ هذا المفهوم لا يكون كذلك حتّى يكون واضعه قد أتى فعل الاصطلاح عليه وُفق مبادئ المجال التداولي الذي ينتسب إليه [.. .] وبهذا يكون الانتساب التداولي شرطاً في حصول الانفهام من اللفظ، فلا ينفهم المفهوم الفلسفي إلاَّ ضمن مجال تداولي مخصوص«.(6)‏

فيكون طريق الاتفاق على المعنى، فيما أقرّه اللغويون العرب، مراعاة قصدين اثنين: الأوّل لغوي، والثاني لغوي فوقاني (ما وراء لغوي) Métalinguistique، وهو قصد الجماعة اللغوية التي يصير بها اللّفظ دالاً على مقصودها دلالةً مصطلحاً عليها، فيتشكّل قصدٌ من بعد قصدٍ آخر، فيكون المعنى المعجمي ثمرة هذين القصدين المتفاوتين، فتزداد قيمة هذا القصد، ليس زيادة قيمة فحسب، بل زيادة تحوّل وارتقاء، من مستوى فردي إلى مستوى جماعي، يدعم تثبيت الطبيعة القصدية للمعنى(7). فيكون المعنى على الدوام قصداً يفهمه السامع عن المتكلّم في سياق محدود ؛ إذ، كما هو معلوم، قد يتوفّر الملفوظ على معانٍٍٍ كثيرة لا يقصد منها المتكلّم إلاَّ واحداً، أمّا الحاصل القصدي عند السامع فيتعدّد تعدّد الوجوه المحتملة وإنْ لم يكن على علم بقصد المتكلم الثابت، فيحقّق بذلك فهماً معيناً يبقى دون حصول الفهم، الذي يشترط في تحقّقه العلم بالسياق؛ إذ كلّ فهم هو فهم في سياق مخصوص.‏

فحقيقة الكلام كامنة في كونه ينبني على قصدين اثنين: أحدهما يتعلّق بـ«التوجه إلى الآخر»، والثاني يتصل بـ«إفهام هذا الآخر». «أمّا القصد الأوّل، فمقتضاه أنّ المنطوق به لا يكون كلاماً حقاً حتّى تحصل من الناطق إرادة توجيهه إلى غيره؛ وما لم تحصل منه هذه الإرادة، فلا يمكن أن يعدّ متكلّماً حقاً، حتّى ولو صادف ما نطق به حضورَ من يتلقفه، لأنّ المتلقّف لا يكون مستمعاً حقاً حتّى يكون قد ألقي إليه بما تلقف، مقصوداً بمضمونه هو أو مقصوداً به غيره بوصفه واسطة فيه، أو قل حتّى يُدرك رتبة «المتلقي»، فالمتلقّي هو عبارة عن المتلقف الذي قصده المُلقي بفعل إلقائه». وأمّا القصد الثاني «فلا يكون المنطوق به كلاماً حقاً حتّى تحصل من الناطق إرادة إفهام الآخر، وما لم تحصل منه هذه الإرادة، فلا يمكن أن يعدّ متكلماً حقاً حتّى لو صادف ما لفظ به فهماً ممن التقطه، لأنّ الملتقط لا يكون مستمعاً حقاً حتّى يكون قد أُفهم ما فَهِم، سواء أوافق الإفهام الفهم أم خالفه، أو قل حتّى يدرك رتبة «الفاهم»، فالفاهم هو عبارة عن الملتقط الذي قصده المُفْهِم بفعل الفهم»(8).‏

لا يكاد يختلف أهل النظر من الباحثين في ارتباط مصطلح الهرمينوطيقا، بصورة لافتة، بالأصول الفلسفية والدينية، لا سيّما تأويل النصوص المقدّسة(9)، أو فيما يُعرفُ بـ: التفسير التوراتي L'exégèse biblique(10). وقد كان لهـذه النشأة فـي كنف الدوائر أو الدراسات اللاهوتية ما يبرّره، لا سيّما إذا علمنا مدى صعوبة الصراعات التي نشبت بين كلّ من حاول تفسير التوراة خارج إطار التفسيرات الرسمية أو المعتمدة لدى الإكليروس، أو رجال الإصلاح الديني Réformateurs، الذين يصرون على ضرورة أن يكون الفهم أحادياً Littéralement، بعيداً عن التأويل المجازي (الرمزي). ليبقى، بذلك، تأويل الكتابة المقدّسة، وَفق الرؤية الدينية البروتستانتية، حبيس مسلّمات مؤسَّسة دوغمائياً(11). تفترض أنّ الكتاب المقدّس نفسه يشكّل وحدة أو منظومة قواعد تجعله مغلقاً على نفسه، لا يرضى بغير التأويل/ الفهم الأحادي الذي أقرّه رجال الدين، باعتبارهم يمثلون المخلّص، السيّد المسيح، لتصبح تأويلاتهم نصوصاً مقدّسة تحجب أو تزيح النصّ المقدّس/ الأصل. وأمام هذه المشكلات، في المجتمع المسيحي القديم، تبلور مفهوم الهرمينوطيقا، »ليشير إلى مجموعة القواعد والمعايير التي يجب أن يتبعها المفسّر لفهم النصّ الدّيني (الكتاب المقدّس)«(12). ليتّسع بعد ذلك مفهوم المصطلح في الممارسات الحديثة، فاستخدم في تأويل كل أنواع الأعمال الفنية، والحكايات الأسطورية، والأحلام، ومختلف أشكال الأدب واللّغة بوجه عام، أو قل وسّعت من نطاقها، أي الهرمينوطيقا، لتشتمل على مشكلات التأويل النصّي ككل(13) .‏

إذاً، فكلمـة «هرمينوطيقـا» Herméneutiqueتعنـي، في الأصل،» فن أو علم التأويل«(14)، أو بالأحرى هي أقدم الاتجاهات اهتماماً بفن فهم النصوص(15). لا على سبيل كشف رموزها وتعرية مضمَرها، وإنّما يكون الفهم، دائماً وأبداً، تأويلاً على غير مثال. بمعنى أنّه يبحث عمّا هو أوّل في الشيء. ويعود أوّل استخدام لمصطلح الهِرمينوطيقا للدلالة على هذا المعنى إلى عام 1654(16). أمّا فيما يخصّ نشأتها الأولى كممارسة، فهي ليست مشكلة حديثة، وإنّما موغلة في القدم. فقد اقترن ظهورها عند اليونانيين في العصر الكلاسيكي بوصفها إجراءً أو طريقةً في قراءة النصوص الأدبية أو فهمها، ويتعلّق الأمر بتأويل النصّ الهوميري (هوميروس)(17)، الذي يعتبره النقّاد «إنجيل اليونانيين» بلا منازع، قبل أن ينتقل، في مرحلة تالية إلى تأويل النصوص المقدّسة والمدنّسة. ومهما يكن من تعدّد الآراء وتباينها حول الأصل الأوّل لنشأة الممارسة الهرمينوطيقية، فإنّ الذي لا ريبَ فيه هو أنّنا، من منظور المُعطى الجنيالوجي، لا نروم معانقة الأصل لتجليته أو اكتشافه بوصفه كنزاً، بقدر ما هو محاولة لتحديد الأنساق غير المعلَنة التي ينتظم وفقها، وتتبّع مسارات تحوّل هذا الأصل داخل أنظمة المعرفة أو الثقافة التي ينتمي إليها، وكيف أنّه يخضع، في طريق رحلته، إلى تأويلات تجعله »بنية حركية تتجاوز هيكليتها، وتتمرّد على حدودها كلّما قبض عليها الفهم وهي ملتبسة في حال ثبات أو استقرار«(18) .‏

تكاد المعاجم المتخصّصة والموسوعات الغربية تجمع على الأصل الإغريقي لمصطلح هرمينـوطيقـا Herméneutique، فهـو عنـد برنـارد دوبـي Bernard Dupuy مشتقّ مـن أصـل إغريقـي «هرمينيا» Herménia، الذي يدلّ على التأويل(19). أمّا عند صاحبي معجم النّقد الأدبي طامين وهوبير Tamine et Hubert، فهـو فن تأويـل العلامـات، وهـو تأمل فلسفي يعمل على تفكيك كلّ العوالم الرمزية، وبخاصّة الأساطير، والرموز الدينية، والأشكـال الفنّية(20). أمّا جـون غرونديـن Jean Grondin، فينطلـق مـن المعنى السابق لمفهـوم الهرمينوطيقـا، أي باعتبارهـا فن تأويل النصوص، ليضيف إليه، وقد اتّسع مجال استخدامه، دلالات جديدة تنمّ عن نسبية في ضبط المفاهيم والمصطلحات ؛ إذ يذهب إلى القول بأنّ لفظة الهرمينوطيقاHerméneutique مشتقّة من الفعل اليوناني هرمينيو Herméneuo الذي يحمل معنـى «الترجمـة والتفسير والتعبير». وفي هذه الحالات الثلاث يحمل هذا الفعل الاتجاه إلى الفهم إدراكاً ووضوحاً(21).‏

أمّا جون بيبان Jean Pépin، فقد اهتمّ فـي مقالـه «الهرمينوطيقـا القديمة» باستقصاء معاني الفعل Herméneuein ومشتقاته الأخرى من أسماء ومصادر ونعوت تنتمي إلى العائلة نفسها التي أخذت منها لفظة Herméneutique حال Herménia و Herméneutés و Herméneutikos، كما حاول رصد مظاهر التحول الدلالي للمصطلح عبر مختلف حقب العصر الإغريقي الكلاسيكي، ترجمةً أو من خلال تطور الفلسفة اليونانية أو من خلال النصوص المقدّسة(22). غير أنّ اللافت في عمل بيبان Pépin هو تحديده للانزياح الحاصل في تحوّل المصطلح من اليونانية إلى اللاتينية؛ إذ إنّ ترجمته بـ Interpreta قد أثّرت سلباً على دلالة الهرمينيا L'herménia، فقد اكتسبت، عبر السابقة (inter) معنى التوسط، الذي جعلها تنزاح عن معناها. لذلك كان معنى المصطلح الإغريقي هرمينوطيقا Herméneutique تبعاً لذلك هو التأويل Interprétation. كما كان ذلك عاملاً رئيساً في تداخل المصطلح، فيما بعد، مع لفظة «التفسير» L'exégèse. بيدَ أنّ المعنى الأصلي للفظة Herméneuein وباقي مشتقاتها، والقول لـ بيبان Pépin، ليس هو التفسير بوصفه فعل ولوج في قصدية النصّ أو الرسالة، بقدر ما تدلّ في الغالب الأعمّ على فعل «تعبير» Expression يتصف بطابع الانفتاح الخارجي(23) .‏

وبحثاً عن إيجاد أساس مفاهيمي يستند إليه في دعواه، يعود بيبان Pépin إلى أعمال أرسطـو Aristote وفـيلـون الإسكنـدريPhilon D'alexendrie ، لأنّهمـا استعمـلا كلمـة الهرمينيـا L'herménia بمعنى التعبير بوساطـة اللّغـة التـي تتشكّل عبـر أداة طبيعيـة هـي الصوت La Voix . ليصل بذلك إلى القول بأنّ اللّغة تعبّرExprime Herméneuein بوسـاطـة اللسان وباقي الأعضاء الصوتية عن الأفكار(24). وهو ما يجعلنا، في المحصّلة، نصل إلى أنّ العقل الغربي يقوم على أساس الكلمة/ التعبير التي قال بها المسيحيون فيما بعد، «في البدء كانت الكلمة»، وهو ما يؤكد تشابك ضفيرة هذا العقل، وكيف أنّ المشاريع النقدية تخرج من عباءة أصل واحد يجمعها.‏

بل إنّ العقل عند الغرب Logos، كان يحمل من خلال دلالته الاشتقاقية «ليغن» Legein معنى الكلام والتعبير والخطاب عند أفلاطون وأرسطو، وذلك بفعل التحول في أنظمة الثقافة الغربية. إذاً، فاللّوغوس عند أرسطو وأفلاطون هو الكلام والخطاب الذي يعمل على توجيه الإنسان توجيها سليماً لإدراك الحقيقة. وتطوّر مع أرسطو، بأن أصبح منطقاً، فيما عُرف بالمنطـق أو الأورغـانون الأرسطـي، ليصبح الخطـاب أو الكلام بذلك منطقاً، من Logosإلى Logique. أمّا هذا المصطلح عند الحكماء الطبيعيين، فقد كان يعني: يجمع، أو يضمّ. ومنه اشتقّ المصدر: الجمع أو الكلّ، لأنّ الطبيعة عند هؤلاء كانت تعني الكلّ أو الكلّيـةTotalite ، التي تجمع الكائنات كلّها بغض النّظر عن اختلافها؛ بين الآلهة والبشر، والكائنات الحيّة والجامدة(25) .‏

هكذا، بات من الواضح أنّ العقل الغربي لم يتشكّل إلاّ عندما أزاح أرسطو مفهوم الحكماء الطبيعيين وأصبح منطقاً، لا يؤمن بغير القياس مذهباً في تفسير الأشياء. كما أنّ فكرة وجود الحقيقة داخل العقل، انطلاقاً من هذا المعطى، ذات أصول أرسطية أفلاطونية. إنّ تغيّر مفهوم «اللّوغوس» (الطبيعة) إلى الخطاب (المنطق)، هو ـ في الحقيقة ـ انتقال من الطبيعة المادّية (الفيزيس بلغة الحكماء الطبيعيين) إلى العقل المنطقي (المثالية). ومن ثمّ انتقال الكلام أو التعبير من الصفة المادية/ الطبيعية بوصفه صوتاً/ حضوراً إلى كونه خطاباً أو لغةً مغلقةً على نفسها، لتبقى حبيسة منطقها الداخلي الذي صنعته لنفسها، وبدل أن يصبح الكلام/ التعبير، بوساطة الصوت/ الحضور حاملاً لمعنى واحدٍ، ينزاح عنه إلى معنى الكلام/ التعبير/ التأويل الذي يجعل للغة سلطة أسر الأشياء في سجن نسقها الداخلي، فتتحوّل الأشياء/ الخارج عبرها إلى كائنات لغوية مصيرها مرهون بوظيفتها داخل هذا العالم، تكتسب فيه دلالات جديدة لم تكن لها من قبل في عالم الواقع/ الطبيعة، أو قل يعيد خلقها من بعد خلق خلقاً آخر .‏

2 ـ الترجمة : سلطة الأصل المتعالي وميتافيزيقا الحقيقة/ الخلاص :‏

كمـا لا ينفي بيبان Pépin، إضافة إلى المعاني السابقة، أن يكون هناك معنى آخر يقترب من مصطلح Herméneuein بمعنى التعبير هو معنى«الترجمة»، أي ترجمة لغة إلى لغة أخرى. وقد تمّ استخدام المصطلح بهذا المعنى في سياق مخصوص هو ترجمة النصّ التوراتي من العبرية إلى الإغريقية.(26) فالترجمة Traduction إذا اعتبرناها شكلاً من أشكال العملية التأويلية الأساسية المرتبطة بالفهم Compréhension، فإنّنا نستطيع من خلالها إدراك ذواتنا وتحديد رؤانا للعالم من حولنا، إذ الترجمة عبور من لغة إلى أخرى، وهي كفعل لغوي تدخل ضمن ما يسمّيه «غادامير» Gadamer عملية التواصل والحوار بين اللغات، وهي، من ثمّ، تجربة إبستمولوجية وأنطولوجية. ويرتبط هذا الفعل اللغوي، حسب غادامير، بثلاثة أبعاد: بعدُ الفهم، وبعدُ الفكر، وبعدُ التأويل. لتصبح الترجمة، والأمر كذلك، عبوراً فكرياً من لغة إلى أخرى وحواراً ثقافياً بوساطة الفهم والتأويل، أو قل نصل عبرها، والقول لغادامير، إلى تحقيق أدبيات «الحوار الهرمينوطيقي».(27)‏

وممّا تجدر الإشارة إليـه، فـي هذا السيـاق، هـو أنّ الهرمينوطيقـا Herméneutique فـي شكلها الحالي، بوصفها أقدم اتجاه في التأويل اقترن ظهوره بتفسير النصوص المقدّسة والاتجاهات الفلسفية، عرفت تطوراً منهجياً في القرن التاسع عشر، قامت على أساسه، فيما بعد، معظم الجهـود في علـوم الفكر Sciences De L'esprit. بل إنّهـا، يضيـف غادامير، تجاوزت مهمتها الأصلية وانزاحت عن طابعها البراغماتي بوصفه غايتها الأساسية، والتي تتمثّل، بالدرجة الأولى، في تسهيل فهم النصوص الأدبية، والفن عموماً، بما في ذلك الإبداعات الروحية التي كان الاهتمام عليها منصباً في الماضي، كالقانون، والدين، والفلسفة. فقد أضحى كلّ ذلك، في ظلّ التحولات الجديدة، غريباً عن معناه الأصلي هناك في أرض النشأة عند الإغريق، حيث ارتبط بحس الاكتشاف، ودور الوساطة، التي تجسّدت كفعل تأويلي عندهم من خلال «هرمس» Hermès رسول الآلهة إلى البشر(28) .‏

إذاً، ارتبط مفهوم الهرمينوطيقا، في التراث الإغريقي، بدور الوسيط/ المترجم أو المؤوّل والمفسّر L'interprète، ممثلاً في«هرمس» Hermès. لكنّ الذي تخفيـه الميتافيزيقـا الغربيـة، من خلال هذه الأسطورة، هو أنّ مهمّة الترجمة أو الوساطة التي يقوم بها هرمس إنّما هدفها، ليس إقرار التواصل والحوار بين عالم الآلهة وعالم البشر، أو إثبات الاختلاف والتعدّد على مستوى الألسن، بل الوصول إلى اللغة الأصل/ الحقّ/ الخالصة، تلك الكامنة في أعماق كلّ إنسان، السابقة لكلّ شيء، حتّى لوجود المتكلّم بها؛ ففي البدء كانت الكلمة، كما هو معروف عندهم في القول الديني للمسيحية. وهذه الأفضلية للكلمة جعلتها تحتل مركزية في الفكر الغربي بوصفها أصل الوجود، بل إنّ لها حضوراً وأسبقية على الكتابة، من حيث هي ثبت لها كما تقرّه الميتافيزيقا، لتجد الترجمة، حينذاك، نفسها واقعة في شراك الإيديولوجية/ الفكرانية .‏

ولعلّ هذا ما جعل فلاسفة التفكيك، وفي مقدّمتهم دريدا، يوجهون سهام النّقد لمركزية الحضور في الفلسفة الغربية، ويؤسسون لفلسفة الكتابية Grammatologie ردّةً على مركزية الكلمة/ الحضور/ الأصل المتعالي، وتأكيداً لأفضلية الكتابة، لا بوصفها رسماً أو نقشاً للحروف يأتي بعد الكلام الشفاهي، بل باعتبارها أصلاً سابقاً(*). وقد حاول دريدا تخليصها من سلطان الميتافيزيقا متوسلاً في ذلك بمفاهيم اللسانيات التي ترى بأنّه لا يوجد في اللّغة إلاَّ الاختلاف، فهي، أي اللّغة، نسيج من الإشارات المتشابكة ذات الدلالات المختلفة/ المتعدّدة. وهو الأمر الذي جعل «دو سوسور» يؤكّد بأنّ الدالّ كصورة صوتية أو مكتوبة لا يعبّر عن المدلول كشيء مادّي، وإنّما عن متخيَّل ذهني متصوَّر غير قابل للتجسيد واقعاً ووجوداً. هذا ما يجعل اللّغة وهي تتكلّم عن الأشياء، تعبّر عن صور ومفاهيم، لا عن ذوات، وعن غائب لا عن حاضر، وعن مجاز لا عن حقيقة(29). هذا ما دفع بدريدا وأنصار استراتيجية التفكيك إلى القول، بأنّ البحث عن الدلالة داخل النصّ وهمٌ من الأوهام، لأنّه لا وجود لشيء اسمه «المعنى»، وهو ما جعلهم ينادون بلا نهائية الدلالة، ومبدأ تعدّد القراءات، وإرجاء المعنى إلى حين استحضار المدلول الغائب(30). فالميتافيزيقا الغربية، تأسيساً لهذه الفكرانية، تضفي على النصّ الأصل قداسة تجاري قداسة النصوص الدينية، ومردّ ذلك، حسب قول طه عبد الرحمن، ذلك الاعتقاد أو التصور السائد الذي يُرجع الترجمة إلى التأثير الديني، ويتجلّى هذا التأثير في أمرين اثنين : أحدهما «قصّة برج بابل في التوراة»، والثاني«ترجمة الإنجيل».(31)‏

أمّا قصّة برج بابل فتفيد بأنّ أولاد سام بن نوح نزلوا بعد الطوفان أرضاً بين النهرين (أرض شنغار)، فأقاموا بها مدينة يزينها برج عال أرادوا أن يبلغ عنان السماء، حتّى يطّلعوا منه على أسبابها، فعاقبهم الإله على فعلتهم، بأن أحبط أعمالهم، وفرّق شملهم، ولبّس عليهم لسانهم، حتّى أضحوا لا يدركون مقاصدهم فيما بينهم. ومن ثمّ غدت قصّة «بابل» في التراث اليهودي المسيحي رمزاً لاختلاط اللسان. ولا يستبعد أن يكون الفعل «بَلْبَلَ» في العربية، الذي يعني الاختلاط أو الوقوع في الاضطراب، مشتقاً من «اسم بابل»، ومستنداً إلى هذه القصة العجيبة التي تنقلها التوراة.(32)‏

فتكون الحقيقة، وفق هذه القصة، مختلفة ومتعدّدة ليست حكراً على أمّة أو لغة بعينها، بل إنّ هذا التعدّد في الألسن يخفي وراءه خصوصية كلّ لغة على حجب ما لا تشاء أن يطّلع عليه اللسان الآخر، لتأتي الترجمة، وقتئذٍ، كفعل لغوي، ووسيط بين هذه الألسن في محاولة لتهذيب الفروق وتذليل المحجوب وتقريب البعيد، «فالترجمة إذاً ليست مجرّد عملية لغوية، إنّها تستدعي الفكر وتستفز الوجود. كما يستدعي التنقل من لغة إلى لغة ثانية لغة ثالثة بإمكانها أن تقيم توازناً إيطيقياً بين اللغتين/ الوجودين».(33)‏

أمّا ترجمة الإنجيل، فإنّها، كذلك، لعبت دوراً أساسياً في الرؤية الدينية للترجمة. حيث يذكر بعض المؤرخين أنّ اللغة التي تكلّم بها عيسى ـ عليه السّلام ـ هي «الآرامية» لتكون هي اللّغة التي نزل بها الإنجيل. أمّا المشهور المتداوَل هو أنّ الإنجيل ارتبط ظهوره بالنصوص الأربعة المنسوبة إلى «متّى»، و«يوحنا»، و«مرقس»، و«لوقا»، التي كتبت باللغة اليونانية. وإذا كان ذلك كذلك فإنّ أهل اليونان ترجموا الإنجيل إلى لغتهم ولمّا يمضِ على نزوله قرن من الزمن؛ فألغت هذه النقول، بفعل الترجمة، الأصل الآرامي الذي نزل به الإنجيل واحتلت مكانه، بل غدت النسخة الأصلية التي يُعتمد عليها في الترجمة، وأطلق عليها اسم «الأناجيل الأربعة». وتناقلتها الثقافات على مرّ العصور من اليونانية إلى مختلف اللغات من منطلق الدعوة أو التبشير الديني؛ ذلك أنّ ترجمة الأناجيل اقترنت بإرادة الكنيسة في نشر تعاليم المسيحية بين الشعوب، فيكون العمل الترجمي الكنسي غير منفك عن مبدأ الدعوة إلى المسيحية.(34)‏

هكذا تتجاوز الترجمة، بصنيعها هذا مجرّد كونها ترجمةً للنصوص، سواء أكانت دينية مسيحية أم غير دينية من النصوص البشرية، إلى تصوّر جديد أنزلت فيه منزلة«الوسيط» Médium، كما هو الحال مع «هرمس»؛ إذ كان دوره كوسيط/ رسول، كما هو شأن النبي في المجال الديني، أن يبلّغ تعاليم الآلهة تبليغاً أميناً لا تبديل فيه ولا تحريف، حتّى تصل الرسالة كاملة الحقيقة إلى المبلّغ لهم. ولمّا كان هذا هدف مترجم الإنجيل، فإنّه ينصّب نفسه وسيطاً/ مترجماً بين المتكلم الإلهي والمكلّف الإنساني؛ لينتقل المفهوم، والقول لطه عبد الرحمن، إلى ترجمة النصوص غير المقدّسة، حيث يضع المترجم نفسه وسيطاً بين المؤلف والمترجَم له، فيتحوّل بذلك إلى مجرّد آلة جامدة لا دور لها إلاّ توصيل مراد المؤلّف إلى المخاطَب الذي لا يتكلّم هذا المؤلف لغته.(35) وهو موقف الميتافيزيقا الغربية من الترجمة؛ إذ تنظر إلى اللّغة الأصلية نظرة تقديس، الأمر الذي «يفترض أفضليتها على لغة النقل، ممّا يسم الترجمة بالدونية، ويرسخ في ذهنية المتلقي هذه الدونية. ومن هنا نشأت المفاهيم الخاطئة العديدة عن الترجمة: منها أنّ الترجمة ليست عملية إبداعية مهما بُذل فيها من إتقان وفنون؛ ومنها وصمها بالزوال مقابل بقاء الأصل، واعتبار المترجم أقل منزلة من المؤلّف؛ وغير ذلك من الاعتقادات التي تُفقد ثقة المتلقّي بالترجمة والمترجمين»(36) .‏

إذاً، فالميتافيزيقا الغربية أقامت أسس المعرفة في العقل الغربي على مفهوم الأصل المتعالي، ممّا جعلها تنظر إلى كلّ تحويل أو نقل له، بفعل الترجمة، على أنّه خيانة، وكلّما ابتُعد عن النسخة الأصلية، من خلال أكثر من وسيط، تضاعفت الخيانة، وانتشر الزائف/ الشائه/ المتحوّل، وبدل الحديث عن الميتافيزيقا كترجمة تنهض على وحدة الأصل ومطابقته وهويته، يكون الكلام عن ميتافيزيقا الترجمة، حيث تتجاوز الأصل/ المركز/ الجوهر/ الأوّل إلى ما هو طارئ/ حادث/ كتابة ثانية/ نصوص متباينة/ ثقافات متعدّدة. وهو ما تجسّد حقيقةً مع استراتيجية التفكيك في نسختها البارتية؛ إذ يرى بارت أنّ كلّ نصّ يمكن كتابته بأكثر من لغة، فتكون الترجمة، حينذاك، كتابة ثانية للنصّ، أو يقوم خطاب فوق خطاب. فتأويل نصّ، وَفق هذا المعطى، ليس معناه إعطاء معنى له، بقدر ما هو إعادة كتابته، بفعل القراءة/ الكتابة، نصوصاً متعدّدةً، فهو، أي النصّ مفردٌ بصيغة الجمع، لذا، فكل نصّ يعتبر بمعنى ما ترجمة/ تأويلاً/ كتابة ثانية(37).‏

هكذا، من على شرفة هذا الفهم، لا نجانب الصواب إذا قلنا: إنّ ما توصف به القراءة/ الكتابة كممارسة تأويلية يصدق، من باب أولى، على الترجمة بوصفها تأويلاً، »وإذا كان تأويل النصّ يتراوح بين التناهي وعدم التناهي، وكانت الترجمة تأويلاً، فقد لزم أن تكون الترجمة هي الأخرى متراوحة بين التناهي وعدم التناهي وليست آخذة بالتناهي وحده كما زعم وحيث إنّها، على ما تقدّم، تأويل متميّز، نظراً إلى أنّ القراءة فيها تزدوج بالكتابة، مع العلم بأنّ هذه الأخيرة تزيد في ترسيخ الصبغة التأويلية للترجمة، فقد وجب أن تكون الترجمة أشدّ قبولاً وتعرضاً لهذا التقلّب بين التناهي وعدم التناهي من غيرها من ضروب التأويل، على خلاف ما يدّعيه القائلون بوقوف الترجمة عند الحدّ الأدنى من التأويل«(38). فجدير بها، أي الترجمة، يضيف طه عبد الرحمن: »أن تأخذ بالتأويل غير المحدود من أن تأخذ بالتأويل المحدود؛ إذا كان الغرض من الترجمة عموماً هو خدمة التبليغ (أو التواصل)، فلا تبليغ بغير مراعاة أداة التبليغ وطبقة المبلّغ إليه، على الرغم من وقوف البعض عند جانب القراءة أو قل جانب الفهم من الترجمة، ناسياً أنّ هذه القراءة هي مجعولة أصلاً لإسماع المتلقّي أو لإفهامه ؛ فلا فهم في الترجمة بغير إفهام«(39) .‏

وما دامت الترجمة حواراً عبر اللّغة بين الثقافات والشعوب، كما رأينا من قبل مع غادامير، فإنّهـا تسهم، لا محالةَ، فـي خلق «حوار هرمينوطيقـي»Dialogue herméneutique يعمـل على تحقيق تفاهم Entente، ويكون أداةً في خدمة هذا التفاهم/ الوفاق بين النصّ / المنطلَق والنصّ/ الوصول. وليس معنى ذلك البحث عن المعنى عبر «الفهم التاريخي»، الذي يكون بمثابة إعادة تشكيل مطابق لتاريخ النصّ، وإنّما الأمر خلاف ذلك ؛ فالفهم هو فهم للنصّ في ذاته، أو بالأحرى يرتبط بالأفكار الخاصّة للمؤوّل، التي تسهم دائماً ومنذ البدء في إعادة بعث المعنى في النصّ، بالإضافة إلى ذلك يكون الأفق الذاتي للمؤوّل حاسماً(40). إذ الكلمة المؤوّلة هي كلمة المؤوِّل، وليس لغة أو معجم النصّ المؤوَّل. هذا ما يؤسّس لحقيقة مؤداها أنّ التأويل ليس مجرّد عملية إعادة إنتاج أو تكرار بسيطة للنصّ المحوّل، بقدر ما هو خلق جديد للفهم. (41) فتتجاوز الترجمة، والأمر كذلك، مجرّد كونها عملية نقل من لغة إلى لغة إلى كونها تأسيساً لأنطولوجيا فهم الكائن في التاريخ، فلا يتوقف الحديث عن اللّغة كحقيقة وجودية أو بيت الوجود الذي يسكن فيه الكائن، كما يقول هيدغر، فتتحقّق عبارة: »الإنسان كائن يتكلّم« بل تنضاف إليه عبارة: »الإنسان كائن يسعى دوماً إلى أن يفهم العالم«(42).‏

ويبقى الفهم كذلك، بوصفه بعداً حضارياً وجمالياً في الآن نفسه، مهمّة الهرمينوطيقا في رحلة بحثها عن تحقيق عالمية مشروعها، ويمكن الحديث، بذلك، عن جماليات الفهم/ التفـاهـم فـي مـجـال التواصـل الحضـاري L'esthétique de la compréhension / entente ، فيخـرج الكـائن من وحدتـه وينفتح على الآخر، تراثاً كان أم أجنبياً أم ذاتاً متعالية/ مفكّرة، وتصبح الترجمة تجربة في الفهم وتطبيقاً لفاعليته في الحياة، وتحويله من لغة إلى أخرى، ومن نصّ إلى آخر. ثمّة فقط تجاوز فهم الميتافيزيقا، التي تلحّ على الوفاء للأصل في الفعل الترجمي، إلى مرحلة جديدة تصبح فيها الترجمة حواراً حضارياً ومنهجاً يتجاوز الفهم إلى فهم الفهم. هذا ما جعل غادامير، في الحقيقة، يؤكد أنّ قيمة الترجمة تكمن في نقل المفاهيم والأفكار وتحويلها من الماضي أو من الثقافات الأخرى عبر فعل التوصيل إلى الحاضر؛ لأنّ »التقليد ـ بالطبع ـ يعني التوصيل أكثر ممّا يعني الحفظ. وهذا التوصيل لا يعني أنّنا ندع الأشياء مستقرّة على حالها ونحفظها فحسب. وإنّما يعني أن نتعلّم كيف ندرك الماضي ونعبّر عنه من جديد. وبهذا المعنى يمكن لنا القول بأنّ التوصيل يكون مكافئاً للترجمة«(43) .‏

وبدل أن يبقى المترجم حبيس سلطة النموذج ؛ نموذج كاتب النصّ الأصلي يتحوّل إلى كاتب/ مبدع جديد للنصّ، هذا الأخير يتعدّد، بدوره، عبر فعل القراءة/ التأويل إلى مجموعة نصوص لا متناهية، تخرج من كونها إبداعاً أو إنتاجاً مكتوباً إلى ما هو منتج ثقافي/ حضاري، فيتماهى النصّي/ الإبداعي في الثقافي/ الحضاري، ويصبح الفهم فهماً من نصّ مُنْطَلَق هو المكتوب إلى نصّ وصول هو الثقافي/ الحضاري بوصفه نسقاً خفياً تنوب اللغة القول عنه، لا كوسيلة تعبير أو إبلاغ، بل بوصفها الوجود والتجلّي لهذا النسق وللإنسان أيضاً، فالإنسان لا يتكلّم اللغة، وإنّما هي من يتكلّم عبره، والحقيقة ليس فيما يقول، بل فيما تقول هي. فهي، بالإضافة إلى كونها وطن الكينونة مع هيدغر، ما يجب فهمه من خلال إعادة قراءتها وتأويلها، كما يذهب إلى القول غادامير .‏

وغير بعيد عن هذا الفهم الحديث للترجمة، كمنحى لتحويل النصوص وعبورها إلى الثقافات، أسّس التصوّر العربي القديم نظرته، حيث يورد الجاحظ في مقدّمة كتابه الحيوان ما يؤكد هذه الصفة للفعل الترجمي، إذ يقول: »وقد نُقلت كتب الهند، وتُرجمت حكم اليونانية، وحُوّلت آداب الفرس ؛ فبعضها ازداد حُسناً، وبعضها ما انتقص شيئاً، ولو حوّلت حكمة العرب، لبطل ذلك المعجز الذي هو الوزن ؛ مع أنّهم لو حوَّلوها لم يجدوا في معانيها شيئاً لم تذكرْه العجم في كتبهم، التي وضعت لمعاشهم وفِطنهم وحكمهم. وقد نُقِلَتْ هذه الكتب من أمّة إلى أمّة، ومن قرن إلى قرن، ومن لسان إلى لسان، حتّى انتهت إلينا، وكنّا آخر مَنْ وَرِثها ونظر فيها«(44).‏

كما تجسّد، بصورة أقرب إلى لغة المعاصرين، مع أبي حيان التوحيدي، فقد جاء في المناظرة الشهيرة التي جرت بين المنطقي متّى بن يونس وبين النحوي أبي سعيد السيرافي ما نصّه: »قال أبو سعيد: «فما تقول في معانٍ متحوّلة بالنقل من لغة يونان إلى لغة أخرى سريانية، ثمّ من هذه إلى أخرى عربية؟»؛ قال متّى : «يونان وإن بادت مع لغتها، فإنّ الترجمة حفظت الأغراض وأدّت المعاني وأخلصت الحقائق»؛ قال أبو سعيد: «إذا سلّمنا لك أنّ الترجمة صدقت وما كذبت، وقوّمت وما حرفت، ووزنت وما جزفت، وأنّها ما التاثت ولا حافت، ولا نقصت ولا زادت، ولا قدّمت ولا أخرت، ولا أخلّت بمعنى الخاصّ والعام ولا بأخصّ الخاصّ ولا بأعمّ العام ـ وإنْ كان هذا لا يكون هو في طبائع اللغات ولا في مقادير المعاني ـ فكأنّك تقول لا حجّة إلاّ عقول يونان، ولا برهان إلاّ ما وضعوه، ولا حقيقة إلاّ ما أبرزوه«(45) .‏

هكذا، تؤكد هذه المناظرة المُعطى التحويليَّ لفعل الترجمة، وكيف يتم تداخلُ النصوص من خلال عملية النقل والتحويل، بل بين التحويل والحفظ، فتغدو الترجمة، والحال هذه، كتابةً ثانيةً للنصّ، أي قراءةً وتأويلاً له، مادامت القراءة بوصفها فعالية تنتج المكتوب . هذا الأخير، بفعل القراءة، يتعدّد نصوصاً، ويتجدّد ولادةً في كتابات لا تنتهي عدداً. فالتحويل، إذاً، يقتضي التغييرَ، ليكون دور عملية الترجمة هو تسويق وتحويلها النصوص من منطق لغوي إلى آخر، يستدعي التغييرَ والإضافةَ، مع مراعاة منطق اللّغة المنقول عنها، فنشهد، حينئذ، ميلاد نصّ جديد، يتجاوز صفة الجمالي/ الإبداعي، إلى صفة الحضاري/ الثقافي/ التواصلي/ التداولي/ الجامع.‏

وهو المنطق، أي التحويل، الذي ترفضه الميتافيزيقا الغربية في نسختها العقلانية، كما رأينا من قبل، حيث تعتقد أنّ ترجمة النصوص أو نقلَها بفعل التحويل إلى حضارة أخرى تشويهٌ للأصل وإجهازٌ عليه ؛ إذ الترجمة، بالنسبة لها، لا تبلغ مداها إلاَّ بتحقيق مبدأ المطابقة والمماثلة بين لغة النصّ الأصل ولغة النصّ المترجم إليها، لأنّ مأرب الميتافيزيقا هو الوصول، عبر الترجمة، إلى حقيقة النصّ الأصلي، على اعتبار أنّ الحقيقة/ المعاني واحدةٌ غيرُ متعدّدة، وأنّ النصّ الأصلي من القداسة بحيث يغدو معه النقلُ الحرفيُّ والأمينُ شرطاً أساسياً لكلّ عملية ترجمة أو تحويل. لتتحوّل عمليةُ الترجمةِ، وقتئذٍ، إلى وسيط أمين بين الأصل والنسخة الشائهة/ المغمورة كنصّ ثانٍ، اكتسبت صفة الشرعية، وغدت، من ثمّ، النصَّ/ الأصلَ/ المقدّسَ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولا يملك المترجم، إذ ذاك، إلاّ الأمانة والوفاء للأصل، وكأنّه آلة جامدة لا تعي ولا تعقل، ولا حقوق لها في الإضافة، وتصبح اللّغة، وإن تعدّدت، واحدةً، والثقافاتُ، وإن تباينت ثقافةً، واحدةً، والحضاراتُ، وإن اختلفت، حضارةً واحدةً. إنّها، ببساطة، ميتافزيقا العقل الغربي الذي يرى أنّه صاحبُ النسخة الأصلية ومركزُ العالم وصاحبُ العقل وأصلُ اللّغة؛ إذ كما هو سائد في تراثهم العقدي (المسيحي/ اليهودي)، كما ألمحنا من قبل، أنّه في البدء كانت الكلمة.‏

بيدَ أنّ الذي لا ندحة عنه، ليس في كون الترجمة اقترنت بالنسق العقدي في الديانة المسيحية اليهودية، باعتباره سياقاً مخصوصاً يُسهم، دون ريب، في تأسيس فكرانية الترجمة، »بقدر ما يكمن في المبادئ التي استمدتها من هذا السياق العقدي الخاصّ، وتوسّلت بها في إنجاز أعمالها [...] فالخفاء في المعنى والبعد في التفاهم والتزام الدعوة وإيجاب الوساطة كلّها مبادئ تعارض موجبات العقلانية؛ فالمبدأ الأوّل يخالف مقتضاها في الإبانة عن المعنى، والثاني يخالف مقتضاها في المطابقة في الفهم، والثالث يخالف مقتضاها في التجرّد من الدعوة، والمبدأ الرابع أخيرا يخالف مقتضاها في استبعاد الوساطة«(46) .‏

فالترجمة، من هذا المنطلق، قامت بدور الإلغاء والإقصاء، وما شعار الوسيط الذي تدّعيه إلاَّ قناع تخفي به ما يكتنفها من خفاء وحجب للحقيقة التي تدّعي بأنّها أصيلة وأصلية، كما أنّ دعاوى الانفتاح على الآخر لتحقيق عملية الفهم الحواري/ التواصلي بين اللغات والبشر، إنّما تخفي وراءها مركزية هذه الذات في فرض نموذجها، الذي تزعم بأنّه أصل وجوهر وأوّل وأبدي. وتعمل على رسم خارطة جديدة للعالم تقوم على مبدأ العقيدة المسيحية كديانة تملك حقيقة الوجود البشري، وخلاص الإنسان والوسيط الذي يحمل رسالة الإله الحقّة، التي لا يلحقها نقص ولا يشوبها غموض. وقد كان هرمس، بوصفه كذلك، يمارس هذه المركزية بامتياز، فهو الإله/ الرسول/ الإنسان الكامل/ الوسيط/ المترجم/ الحكيم/ الكاتب/ مخترع الكلمة/ مؤلف النصوص المستعصية على الفهم، الحاملة للغموض والمعاني الخبيئة/ الدفينة. وكأنّ العقل الغربي إذ يسعى إلى تثبيت هذه المفاهيم وإرسائها دعامات تقوم عليها المعرفة العقلانية، التي تدّعي بأنّ الحقيقة/ المعنى هي تلك التي انحدرت من هذا الأصل الأسطوري المتحوّل عبر الممارسات الترجمية من النصوص المقدّسة إلى غيرها من نصوص البشر، إنّما يزيح الحقيقة الخالصة المزعومة، ويبقيها مرجأة إلى حين معانقة الأصل/ الوهم/ المتخيَّل/ العجائبي المنزاح عن مظانه الأولى، حيث كان نسخة أصلية قبل أن يتحوّل إلى نموذج شائه.‏

والمتأمّل في الميتافيزيقا الغربية يجد أنّ هذا «التصوّر الفلسفي للغة الخالصة ينبني على جملة من المعتقدات الدينية: اليهودية والمسيحية، منها» معتقد البدء الذي يجعل من الكلام الأصل في الوجود، و«معتقد الكلمة الروحية»، وهو يجعل مرتبة اللفظة المفردة أشرف من مرتبة الجملة المركبة، و«معتقد النزول المخلّص»، وهو معتقد يجعل الانسجام يعم بين الألسن كما يعم بين موجودات العوالم بعد أن يتواصل نمو هذه الألسن إلى حين ظهور هذا المخلّص، بالإضافة إلى كون هذا التصوّر الفلسفي ارتبط ارتباطاً بالنصّ المقدّس؛ الذي أقيم مقام النصّ الأمثل لممارسة الترجمة ولتجلي اللغة الخالصة». (47)‏

فهذا «غادامير»، الذي يُعزى إليه فضل تأسيس أبجديات الفهم والحوار في فلسفته التأويلية، بحثاً عن نظرية تأويلية كوكبية تتجاوز الحدود، يقع في فخّ الخطاب الفكراني؛ الذي أقامت عليه الميتافيزيقا الغربية مفهوم الترجمة أو التأويل، فهو، وإنْ كان على وعي كامل بمدلول التصور المسيحي (التوراتي) لاختلاط الألسنة الإنسانية، والذي مردّه إلى النموذج الإلهي/ الواحدي، حيث لا يوجد في العالم الآخر الأبدي إلاَّ شيء واحد وكلمة واحدة، وهو ما يعرف، حقيقةً، بتجسيد الفعل الإلهي الذي يفوق الكلام ويتعذّر وصفه أو بلوغه،(48) وهو ما يُعرف في العقيدة الإسلامية بالإرادة الإلهية، يقول تعالى : ×بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَإلاَّرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ÷ [البقرة، الآية : 117]، ×إِِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ÷ [النحل، الآية : 40]، ×إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ÷ [يس، الآية : 82]، ×هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ÷ [غافر، الآية : 68]. فإنّ الذي استوقفه طويلاً هو حدث التمثّل الإنجيلي، أو تجلّي الإلـه l'apparition du divin الـذي تبـدّى فـي قصّـة التجسـيـد، تَجَسُّد المسيـح l'Incarnation في العقيـدة المسيحيـة، وتبلور حقيقةً واقعاً، فـي هذه الديانـة، فـي عقيدة التثليـث doctrine de la Trinité(49). فقـد انبرى غادامير، دفاعاً عن الأصول المسيحية لعملية الترجمة والتأويل، مبيناً ارتباط التأويل، باعتباره أساس كلّ فعل ترجمي، باللّغة. فلم يجد غير مسألة التجسيد المسيحي وسرّ عقيدة التثليث والفعل الإلهي أساساً يتكئ عليه فيما يدّعيه، فهناك صلة وثيقة بين الكلام البشري والفعل الإلهي، ناهيك عن التشابه القائم بين فعل التجسيد الإلهي والالتحام بين الفكر واللغة(50)، فيتحقّق ما يسمّيه طه عبد الرحمن «التجسيد اللفظي»(51).‏

حتّى إنّ تجلّي الإله، كما يقول غادامير، في صورة إنسان، يجعل من العقيدة اليونانية إنسانية محضة، لا صلة له بالتجسيد أو التجلّي ؛ فالإله لا يتحوّل إلى إنسان، وإنْ تبدّى للنّاس في صورة إنسان مع بقائه محافظاً، تماماً، على ألوهيته المتجاوزة لقدرة البشر. على العكس من ذلك فتجسُّد الإله، كما تقدّمه العقيدة المسيحية، تضمّن التضحية التي تحمّلها المسيح المصلوب Crucifié باعتباره ابناً للإنسان، وهو ما يؤلف خفيةً أو سراً علاقة مختلفة، تجد تأويلها الديني في عقيدة التثليث، وكذلك شأن الفكر في التجسيد الثاني لا يرتدي لباس اللّغة فقط، مع حفاظه على أصل التجريد، وإنّما يصير، أيضاً، كلاماً حقاً بفضل دلالته على الشيء ذاته(52) .‏

هكذا يتبدّى هذا الربط، بين مسألة التجسيد ومسألة الكلام(53)، في الفكر الديني المسيحي فـي أمريـن : أمّا الأوّل، فإنّه بمـوجب الكلمـة الإلهيـة يتمّ الخلـق (كُنْ فيكـون) D'abord , c'est bien en vertu de la parole de dieu que se produit la création، ولعـلّ هـذا مـا جـعـل الآباء الكَنَسيين الأوائل يستخدمون معجزة اللّغة حتّى يجعلوا فكرة الخلق ممكنةً. أمّا الثاني، فإنّ ميلاد الابن وبعثه إنّما هو إرسال للكلمة، إذ أنّ خروجه من الإله الأب لا يعني البتة انفصال أحدهما عن الآخر، بقدر ما هو تحقيق لمعجزة الوحدة بين الإله الأب والابن، بين الروح والفعل، على وجه الكمال لا النقص(54) .‏

إذاً، نصل إلى القول مع غادامير، بأنّ عقيدة التثليث التي جعلتها الدوغمائية المسيحية نموذجاً يعبّر عن الالتحام القائم بين الكلام النفسي، الذي هو الفكر وبين الكلام الخارجي الذي هو اللّغة فحسب، بل يعتقد بأنّ أساس هذا الالتحام الفكري اللّغوي، لا يعدو أن يكون، في الحقيقة، سـرّ التثليـث فيه،Le mystère de la trinité trouve son miroir dans le miracle de la langue (55)، حيـث تكون الكلمة في حقيقتها، أي في تجليها سبباً في تقليص أو انمحاء مظاهر التعدّد في الكلام بين اللّغات الإنسانية(56) .‏

وعليه، يكون غادامير قد أقام دعائم نموذجه التأويلي الترجمي على أساس الدين المسيحي، من خلال سرّ عقيدة التثليث ممثّلة في التجسيد؛ إذ لم يكتفِ بأن ردّ أصول الترجمة إلى أسطورة بابل وحقيقة الكلمة إلى أسطورة الخلاص، بل يعتبر أنّ فهم كلّ منهما يستعصي في غياب التوسل بمقولات التصوّر التثليثي، كما هو معروف في فكرة الخلاص في العقيدة المسيحية(57). وعلى هذا، يكون غادامير، حسب قول طه عبد الرحمن، قد اتخذ نموذجاً فِكْرانياً كنمط للتفكير الفلسفي في مسألة الترجمة، مخلاً بالمقتضى الأصلي للنظر الفلسفي وواقعاً بذلك في أفحش مظهر لعدم الاتساق(58) .‏

ثبت المصادر والمراجع :‏

ـ القرآن الكريم برواية ورش عن نافع، مؤسسة الرسالة، ناشرون، بيروت، ط1، 1421 هـ/ 2001 م .‏

1 ـ بالعربية :‏

ـ بارت رولان : لذة النصّ، ترجمة منذر عياشي، مركز الإنماء الحضاري، حلب/ سورية، ط1، 1992 .‏

ـ التوحيدي أبو حيان : الإمتاع والمؤانسة، تحقيق أحمد أمين وأحمد الزين، المكتبة العصرية، بيروت، 1953 .‏

ـ الجاحظ أبو عثمان : الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، ط2، 1992 .‏

ـ جادامير هانزـ جيورج : تجلّي الجميل ومقالات أخرى، تحرير روبرت برناسكوني، ترجمة ودراسة وشرح سعيد توفيق، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1997 .‏

ـ أبو زيد نصر حامد: إشكـالـيـات القراءة وآلـيـات التأويـل، المـركـز الثقـافـي العربــي، الدار البيضاء / بيروت، ط5، 1999 .‏

ـ صفدي مطاع: استراتيجية التسمية في نظام الأنظمة المعرفية، مركز الإنماء القومي، بيروت/ لبنان، ط1، 1986 .‏

ـ طه عبد الرحمن: فقه الفلسفة:1 ـ الفلسفة والترجمة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، ط2، 2000 .‏

ـ طه عبد الرحمن: فقه الفلسفة : 2 ـ القول الفلسفي (كتاب المفهوم والتأثيل)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، ط1، 1999 .‏

ـ طه عبد الرحمن: اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، ط1، 1998.‏

ـ العريصة مصطفى: الترجمة والهرمينوطيقا، منشورات كلّية الآداب والعلوم الإنسانية، أكادير/ المغرب، 1999، ص ص71، 82 .‏

ـ كوش عمر: أقلمة المفاهيم (تحولات المفهوم في ارتحاله)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، ط1، 2002 .‏

ـ مزوز محمد: أزمة الحداثة وعودة ديونيزوس، مجلّة «فكر ونقد»، الرباط/ المغرب، ع21، س3، 1999. ص ص15، 28 .‏

2 ـ بالفرنسية :‏

-Barthes Roland, Le plaisir du texte, Collection«Points Essais», Paris,?ditions du seuil , 1982 .‏

-Barthes Roland, S/Z, Collection «Points Essais», Paris,?ditions du Seuil, 1976.‏

-Derrida Jacques, De La Grammatologie, Paris,Les ?ditions De Minuit,1967.‏

-Dupuy Bernard, Herméneutique, in: Encyclopaedia Universalis, Corpus11, France S.A.2002.‏

-Eagleton Terry, Critique et théorie littéraires(Une introduction) ,Traduit de l'anglais par Maryse Souchard avec la collaboration de Jean François Labouverie, Paris, P.U.F, 1ére édition, 1994.‏

-Gadamer Hans-Georg, Vérité et Méthode, Les grandes lignes d'une herméneutique philosophique, édition intégrale revue et complétée par Pierre Fruchon, Jean Grondin et Gilbert Merlio, Paris,édition du seuil,1996.‏

-Gadamer Hans-Georg, La philosophie herméneutique, Traduction et notes par Jean Grondin, Paris,P.U.F, 2éme édition, 2001 .‏

-Grondin Jean, L'universalité de l'herméneutique, Paris,P.U.F, 1993.‏

-Jauss Hans Robert, Pour une herméneutique littéraire, Traduit de l'allemand par Maurice Jacob, Paris,?ditions Gallimard, 1988 .‏

-Lalande André, Herméneutique, in: Vocabulaire technique et critique de la philosophie. Paris,P.U.F, 18éme édition,1996‏

-Pépin Jean, L'herméneutique ancienne, in: Poétique, N023, Paris,?ditions du Seuil, 1975‏

-Tamine Joëlle Gardes, Marie Claude Hubert, Dictionnaire De critique Littéraire, Paris, Armand Colin, 2002 ?‏

(*) قسم اللّغة العربية وآدابها، كلّية الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة فرحات عباس ـ سطيف، الجزائر.‏

(1) Roland Barthes, Le plaisir du texte, Collection «Points Essais». Paris, ?ditions du seuil, 1982, P. 14‏

(2) رولان بارت، لذة النصّ، ترجمة منذر عياشي، مركز الإنماء الحضاري، حلب/ سورية، ط1، 1992، ص7 .‏

(3) طه عبد الرحمن، فقه الفلسفة : 2 ـ القول الفلسفي (كتاب المفهوم والتأثيل)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، ط1، 1999 ص135.‏

(4) المصدر نفسه، ص134 .‏

(5) يقترح طه عبد الرحمن هذا المصطلح مقابلاً عربياً للمصطلح الغربي Etymologie. يُنظر: طه عبد الرحمن، المصدر السابق، ص135 .‏

(6) المصدر السابق نفسه، ص ص120، 121 .‏

(7) طه عبد الرحمن، فقه الفلسفة :1 ـ الفلسفة والترجمة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، ط2، 2000، ص ص160، 161 .‏

(8) طه عبد الرحمن، اللسان أو الميزان أو التكوثر العقلي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، ط1، 1998، ص214 .‏

(9) «Herméneutique. Interprétation des textes philosophiques ou religieux , et spécialement de la bible (herméneutique sacrée)» .Voir: André Lalande, Herméneutique, in: Vocabulaire technique et critique de la philosophie. Paris,P.U.F, 18éme édition,1996,p.412.‏

(10) «Le mot a sa portée majeure dans le cas de l'exégèse biblique ; c'est à cette dernière qu'on se référera le plus souvent ici».‏

Voir: Bernard Dupuy, Herméneutique, in: Encyclopaedia Universalis, Corpus11, France S.A.2002. p.263.‏

(11) Hans-Georg Gadamer, Vérité et Méthode, Les grandes lignes d'une herméneutique philosophique, édition intégrale revue et complétée par Pierre Fruchon, Jean Grondin et Gilbert Merlio, Paris,édition du seuil,1996, pp.193, 194 .‏

(12) نصر حامد أبو زيد، إشكالية القراءة وآليات التأويل، المـركـز الثقـافـي العربــي، الدار البيضاء/ بيروت، ط5، 1999، ص13 .‏

(13) Terry Eagleton, Critique et théorie littéraires(Une introduction) ,Traduit de l'anglais par Maryse Souchard avec la collaboration de Jean François Labouverie, Paris, P.U.F, 1ére édition, 1994 , pp.66, 67.‏

(14) Ibid., p.66‏

(15) Hans-Georg Gadamer, Vérité et Méthode, p.183.‏

(16) Hans-Georg Gadamer, La philosophie herméneutique, Traduction et notes par Jean Grondin, Paris,P.U.F, 2éme édition, 2001, p.87‏

(17) Hans Robert Jauss, Pour une herméneutique littéraire, Traduit de l'allemand par Maurice Jacob, Paris,?ditions Gallimard, 1988, p.11 .‏

(18) مطاع صفدي، استراتيجية التسمية في نظام الأنظمة المعرفية، مركز الإنماء القومي، بيروت/ لبنان، ط1، 1986، ص225 .‏

(19) Bernard Dupuy, Herméneutique, p.263.‏

(20) Joëlle Gardes-Tamine, Marie Claude Hubert, Dictionnaire De critique Littéraire, Paris, Armand Colin, 2002, p.91 .‏

(21) Jean Grondin, L'universalité de l'herméneutique, pp.6, 7 .‏

(22) Jean Pépin, L'herméneutique ancienne, in: Poétique, N023, Paris,?ditions du Seuil, 1975, p.291.‏

(23) Ibid‏

(24) Jean Pépin, L'herméneutique ancienne, p. 293‏

(25) محمد مزوز، أزمة الحداثة وعودة ديونيزوس، مجلّة»فكر ونقد«، الرباط/ المغرب، ع21، س3، 1999. ص ص23، 24 .‏

(26) Jean Pépin, L'herméneutique ancienne, p.294.‏

(27) Hans-Georg Gadamer, Vérité et Méthode, pp.406, 410.‏

(28) Ibid., p.184 .‏

(*) Voir: Jacques Derrida, De La Grammatologie, Paris,Les ?ditions De Minuit, 1967, pp.11 et suite .‏

(29) Terry Eagleton , Critique et théorie littéraires, p.165.‏

(30) Ibid., p.166.‏

(31) طه عبد الرحمن، فقه الفلسفة : 1 ـ الفلسفة والترجمة، ص61 .‏

(32) طه عبد الرحمن، فقه الفلسفة : 1 ـ الفلسفة والترجمة، ص ص61، 62. ويُنظر أيضاً: الكتاب المقدّس، العهد العتيق، الجزء الأوّل، مطبعة المرسلين، بيروت، 1925، ص ص18، 19.‏

(33) مصطفى العريصة، الترجمة والهرمينوطيقا، منشورات كلّية الآداب والعلوم الإنسانية، أكادير/ المغرب، 1999، ص74 .‏

(34) طه عبد الرحمن، المصدر السابق، ص ص63، 64.‏

(35) طه عبد الرحمن، فقه الفلسفة : 1 ـ الفلسفة والترجمة، ص64.‏

(36) عمر كوش، أقلمة المفاهيم (تحولات المفهوم في ارتحاله)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، ط1، 2002، ص112 .‏

(37) Roland Barthes, S/Z, Collection «Points Essais», Paris,?ditions du Seuil, 1976, pp.10, 11.‏

(38) طه عبد الرحمن، فقه الفلسفة : 1 ـ الفلسفة والترجمة، ص381 .‏

(39) طه عبد الرحمن، المصدر السابق، ص382 .‏

(40) Hans-Georg Gadamer, Vérité et Méthode, p.410.‏

(41) Ibid., pp.498, 499‏

(42) Ibid., p.515‏

(43) هانزـ جيورج جادامير، تجلّي الجميل ومقالات أخرى، تحرير روبرت برناسكوني، ترجمة ودراسة وشرح سعيد توفيق، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1997، ص140 .‏

(44) أبو عثمان الجاحظ، الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، ط2، 1992، ج1، ص75 .‏

(45) أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، تحقيق أحمد أمين وأحمد الزين، المكتبة العصرية، بيروت، 1953، ج2، ص108، 128.‏

(46) طه عبد الرحمن، فقه الفلسفة : 1 ـ الفلسفة والترجمة، ص65 .‏

(47) المصدر السابق نفسه، ص68، 69 .‏

(48) Hans-Georg Gadamer, Vérité et Méthode, p.462 .‏

(49) Ibid., pp.441, 442‏

(50) Ibid., pp.449, 450.‏

(51) طه عبد الرحمن، فقه الفلسفة : 1 ـ الفلسفة والترجمة، ص124 .‏

(52) Hans-Georg Gadamer, Vérité et Méthode, pp.442, 443.‏

(53) «L'exégèse interprète le retentissement de la parole comme un miracle, au même titre que l'incarnation de dieu». Ibid., p.443‏

(54) Hans-Georg Gadamer, Vérité et Méthode, pp.443‏

(55) Ibid., p.444‏

(56) Ibid., pp.461 et suite‏

(57) Ibid., pp.449, 450.‏

(58) طه عبد الرحمن، فقه الفلسفة : 1 ـ الفلسفة والترجمة، ص125 .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244