|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
في فلسفة التصوف الإيراني د.سعيد نفيسي ـــ ت.مصطفى البكور ثمة إشكال كبير يداهم المحقق في أثناء طيه لطريق التصوف الإيراني، ولعل مردّ ذلك إنما يعود إلى تلك الاستدلالات والاستنتاجات الغريبة التي انتشرت في العالم قبل نحو قرن ونصف؛ أي منذ أن اجتاح عالمنا الفكر الاستشراقي الأوروبي الذي يتسم بنظرة عنصرية وأنانية مفرطة، تجعل أصحابه يعدون أنفسهم أساس كل علم وإبداع، فهم يدّعون أن الأوروبيين ورثة الحضارة اليونانية والرومانية، وبالتالي فهم يسعون جاهدين لتقصّي آثار اليونان والرومان في كل مكان وزمان، ويرجعون كل إبداع إلى حضارة اليونان والرومان والإسكندرية. والحق أن هذا الاستدلال صحيح فيما يمسّ عناصر الحضارة الأوروبية؛ أمّا فيما يخص الحضارات الشرقية ولا سيما الصينية والهندية والإيرانية فليس كذلك إذ أنها تتقدم بقرون على حضارات اليونان وروما وبيزنطة والإسكندرية فالحضارات الشرقية القديمة لم تتجذّر في أعماق تلك الربوع قبل أقرانها الغربية فحسب؛ بل إنها خيّمت وألقت بظلالها الوارفة على الحضارة الغربية حينما وردت إلى تلك البلاد، وجاورت حضارات أصحابها الشرقيين، فأنّى لهذه الحضارة الحديثة العهد أن تقتلع تلك الحضارة الشرقية العريقة والضاربة في أعماق التاريخ؟! ولعل التصوف الإيراني أحد الفروع الأكثر طراوة ونضارة لتلك الشجرة العريقة التي تعود إلى مئات السنين، والذي تجذر في أعماق تلك الأصقاع، وامتزج مع الفكر الإيراني كامتزاج الحليب والسكر، وذلك قبل قرون من وصول طلائع الحكمة اليونانية إلى أعتاب آسيا. ولما كان ذلك كذلك فمن غير الصحيح إطلاقاً اعتبار الحكمة الأفلاطونية الجديدة والمشرب الإسكندراني والهرمزي، ومن باب أولى الإسرائيليات والعبرانيات وأحكام التلمود وأمثال ذلك من التعليمات النصرانية والصابئة، منبعاً أو مصدراً للتصوف الإيراني. وإذا كان ثمة تشابه بين بعض ملامح الفلسفات الغربية والتصوف الإيراني فهذا يبرز الأمر لكن بشكل معكوس؛ أي أن التصوف الآريّ الإيراني كان هو المؤثر وليس المتأثر. والواقع أن الحقيقة الدقيقة والمهمة قد فاتت جميع المستشرقين الذين عملوا في حقل التصوف، لهذا فإن دراساتهم تلك لا تفتقر إلى الفائدة فحسب، بل إنها مضللة. ولعل المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون أحد الذين غاصوا في مستنقع الخطأ والانحراف، فقد كان كاثوليكياً شديد التعصب، قصير النظر، وكانت نتائج أعماله تجانب مقاييس العقل والعلم، وكان معظمها أقرب إلى الجانب الديني والسياسي منها إلى المعايير العلمية المحض. وهو على خلاف العالم الإنكليزي رينولد نيكلسون الذي كان أكثر علماً وأرفع خلقاً، حيث كان ملمّاً ببعض المعارف الإيرانية قبل الإسلام، واستطاع على الأقل أن يتقصّى بعض جذور التعاليم الصوفية في كتاب (ارداويراف نامة) البهلوي، وفي الديانة البوذية. لكن مع ذلك فهذا ليس كافياً، فالأمر يحتاج إلى مزيد من المعلومات والدراسات. إن التشابه الظاهري بين عادات بعض فرق التصوف وعباداتها وبين زهد الرهبان النصارى وتنسكهم، قد أغوى الكثير من المستشرقين، وحرفهم عن جادة الحقيقة والصواب، وجعلهم يعتبرون التصوف تقليداً لرهبانية النصارى في صدر الإسلام. وإذا كان ثمة صحة في هذا الادعاء فهي تنطبق على متصوفة العراق والجزيرة العربية؛ أما على التصوف الإيراني فإطلاقاً. إن الشبهة الكبيرة التي عرضت لهؤلاء المستشرقين هو أن تعاليم النصارى ولا سيما الكاثوليك التي تعود إلى كتب العهد القديم أي التوراة والتعاليم اليهودية قد تسرّبت في نهاية القرن السادس وبداية القرن السابع الهجري إلى تصوّف مصر وسورية بعد أن أوردها محيي الدين بن عربي في مؤلفاته، الأمر الذي جعلهم يعتبرون الإسرائيليات والعبرانيات، أي التعليمات اليهودية إحدى أسس التصوف ومبانيه، أما الواقع فهو أن جميع مناحي التصوف الإيراني قد خلت من أدنى إشارة إلى أحد أنبياء بني إسرائيل وأقوالهم، فالتصوف الإيراني في مجمله حكمة آرية محض، لا تحوي أدنى رابطة مع فكر الشعوب السّامية، وهذا بحق يعد أحد مواهب الآريين ومفاخرهم. إن الخطأ الفاحش للمستشرقين فيما يخص التصوف الإيراني هو أنهم في الغالب كانوا يترجمون كلمة (تصوف) بلفظ mysticisme والمعروف أن كلمة mysticisme وmystique مشتقة من كلمة mysterium اللاتينية التي تعني الإبهام والغموض، أو من كلمة musterion اليونانية التي تعني العلم والمعرفة، وهذه كلمة يمكن إطلاقها على كل حكمة تعليمية مدونة لكن مستوردة وغير علنية. على أن التصوف الإيراني لم يكن كذلك على الإطلاق، فتعاليم الصوفية كانت دائماً واضحة معلنة، بل كان المتصوفة يخاطرون بأرواحهم في سبيل تبليغها. وفي بعض الأحيان كان المستشرقون يترجمون كلمة التصوف بلفظ esoterisme المشتقة من الكلمة اليونانية esoteriros التي تعني (الخاص بالأنصار) وهذه الكلمة يمكن أن تطلق على الحكمة التي تُعلم للمقربين والخواص دون أن يكون هناك جواز لإعلانها ونشرها. وهذا النوع من التعليم أول ما كان شائعاً في إيران في الديانة المانوية، ومن ثم في تعاليم الإسماعيلية، وفي بعض الطرق النصرانية، أما في التصوف الإيراني فلم يكن موجوداً إطلاقاً، وإذا كان التصوف الإيراني يتسم بخصائص كالخلوة والأربعين والانزواء فهي تهدف إلى تهذيب الأشخاص، وتعويدهم على الرياضات والمجاهدات، وإلا ففي الأربعين والخلوات والأوراد لم تكن ثمة أسرار مستورة ومخفية. إن السمة الرئيسية في التصوف الإيراني هو أنه كان على الدوام (طريقة) يعني مشرباً وتياراً فلسفياً، وليس (شريعة) ومذهباً وديناً. لقد كان حكمة عالية ورفيعة تتفوق على الأديان وتسمو عليها، إذ لم يكن في التصوف أي شكل من أشكال العبادات والفرائض والأعمال وغير ذلك من الجوانب الموجودة في الأديان؛ لذا فالمتصوفة الإيرانيون لم يخصّوا أنفسهم بعبادة ما كالصلاة أو الصيام وسوى ذلك. كما أن سمة الروحانية والرهبانية والتفاوت الطبقي لم تكن غائبة عنهم فحسب، بل إننا نجد أن أدنى المريدين كانوا قادرين على استخلاف مرشدهم ونيل فرقته ومسنده، وذلك نتيجة طيّهم لمراحل السلوك ودرجاته. أجل هذه هي ليبرالية التصوف وحرية التفكير فيه، والتي كانت تساوي بين المجوسي والمسيحي واليهودي والمسلم، بل حتى عابد الأصنام المشرك، فالجميع يجلسون معاً في (خانقاه) واحدة، ويشتركون في حالات السماع والذكر الخفي والجليّ. ولعلّ مصداق ذلك ما نجده في الهند التي يتفوق تصوفها القديم على نظيره الإيراني؛ حيث ما زال الهندوس والمسلمون إخوة ومتساوين في الطرق الصوفية. فالتصوف كان أصلاً فحسب؛ أما في الفروع فقد كان كل شخص حراً في العمل وفقاً لذوقه وميوله، وليس هناك أي إجبار أو إلزام في العمل. لذا ففي العصور الإسلامية نجد بعض الفرق الصوفية شافعية وبعضها حنفية وأخرى حنبلية، بل إن البعض كان ظاهرياً والآخر شيعياً. وقلّما حدث اختلاف بين تلك الفرق؛ باستثناء ذلك الصراع الذي حدث في الآونة الأخيرة بين الفرقة (الحيدرية) أتباع السلطان حيدر حضير الشيخ صفي الدين الأردبيلي والفرقة (النعمتية) أتباع شاه نعمة الله وليّ. وهنا نعود للتأكيد على أن التقيد بالعبادات والرسوم الخاصة والفرائض لم يكن قائماً في التصوف بل على العكس، ولعل كل هذا التحقير والتشنيع والملامة في آثار التصوف الإيراني لـ(الشيخ) و(الزاهد) إنما يدل على نسف المتصوفة للرهبانية والتفاوت الطبقي، وعدم التقيد بالفرائض والأحكام والمراسم الخاصة. والحق أن التصوف الإيراني يعد صدى لمرحلة كان فيها الإيرانيون يجثمون تحت نير التمايز الطبقي أيام الساسانيين، ولعلّ تعاليم المانوية في بداية العصر الساساني تعد مقدّمة لرفع تلك التمايزات؛ حيث كان التفاضل في الدين المانوي يقوم على مجموعة من الأسس الأخلاقية المعنوية لعبادات خاصة، تماماً كالجندي البسيط الذي يترفع إلى أعلى المراحل العسكرية. إن العامل الأساسي في ظهور التصوف في إيران ورواجه هو أن الإيرانيين قطعوا أشواطاً طويلة من عمر الحضارة المادية والمعنوية، تسنّموا خلالها أعلى مراتب التقدم والتطور، ففي عالم الجمال كانوا متفوقين على شتى أمم آسيا، وفي الفنون الجميلة كالرسم والنحت والموسيقا والصناعات اليدوية والنسيج وغيره بلغوا مراحل الكمال. إن القيود والمضايقات التي تعرضت لها إيران بعد العصر الساساني لم تكن تنسجم والذوق الجمالي الإيراني الموروث عن قريحة أجدادهم وألق ذكرياتهم عبر قرون عديدة؛ الأمر الذي جعلهم يفتشون عن طريقة تحطّم هذه القيود، وتسترجع حريتهم الغابرة. لذا فإن السماع والموسيقا والرقص الذي اعتاد عليه الإيرانيون سابقاً أضحى لدى المتصوفة الإيرانيين مجازاً ومباحاً، بل إن بعض فرق التصوف قد اعتبرته نوعاً من العبادة ووسيلة للتقرب إلى المبدأ وتهذيب النفس وتصفية الباطن، الأمر الذي جعل البعض ومنذ البداية يشرع بتأليف الكتب والرسائل حول إباحية السماع، حتى إن بعض المشرعين الكبار في إيران من أمثال الإمام أبي حامد الغزالي راح يبحث في صحة جوازه، ولا سيما في كتابيه (إحياء علوم الدين) و(كيمياء السعادة). ولعل أول الوسائل التي اعتمدها المتصوفة من أجل استرضاء الإيرانيين كان الشعر، وقد كان أبو سعيد أبو الخير أول أئمة التصوف الذين اعتمدوا على الشعر الفارسي لنشر تعاليمهم، رغم أن المشرّعين كانوا يعتبرون الشعر إغواء شيطانياً ومخالفاً للشرع، وأن الشعراء أناس ضالون، لذا فقد تعرّضوا له بالطعن واللعن، بل واستنجدوا ببلاط الحكماء وألبوهم ضده. لقد كان كبار المتصوّفة الإيرانيون يبدون عناية خاصة تجاه اللغة الفارسية، ويقيدون أنفسهم بنشر تعاليمهم الخاصة عبر الشعر الفارسي ونثره، ولعل هذا يعكس حقيقة ميول أكثرية الشعب الإيراني ممن كانوا لا يدركون اللغة العربية بشكل كامل؛ فضلاً عن ذلك فهذا يبرز مدى اهتمام هؤلاء المتصوفة بعامة الناس دون خاصتهم، وبالتالي ترجيح لغة هؤلاء العامة كوسيلة لتأدية مقصودهم. إن السبب الوحيد الذي يعلل سبب الترقي المستمر للشعر في إيران حتى العصر التيموري ومن ثم انحطاطه؛ هو أن الشعر والعمارة والخط كانت أدوات الإيرانيين الوحيدة في مراحل ما قبل العصر التيموري من أجل تربية ذوقهم الجمالي، وكانوا يصبون جميع أحاسيسهم وقرائحهم في الشعر؛ أما في العصر التيموري فقد ازدهرت فنون الموسيقا والرسم والزخرفة، والتي توطدت وشاعت في عصر الإيلخانيين المغول إثر زوال الخلافة العباسية في بغداد. وقد تحولت القرائح التي كان الشعر أداة تعبيرها الوحيدة نحو هذه الفنون، وقلّ الإقبال على الشعر؛ الأمر الذي جعل حافظ الشيرازي آخر شاعر كبير. إن المستشرقين الذين جعلوا التصوف الإيراني تابعاً لتعاليم اليهود والنصارى والأفلاطونيين الجدد وحكماء الإسكندرية والمغرب وفرق العراق وما بين النهرين المختلفة؛ قد فاتهم أمران: أولاً: إنهم ساووا بين جميع تعاليم الصوفية في آسيا والبلدان الإسلامية، واعتبروا منشأها واحداً، دون أن يتمكنوا من التمييز بين تصوف إيران من ناحية، وتصوف العراق وبلاد الرافدين من ناحية أخرى، وتصوف المغرب وسورية ومصر وإسبانيا وشمال إفريقية من ناحية ثالثة، بينما الصواب هو أن مشرب كل من هذه الطرق الثلاث متفاوت. وثانياً: إنهم لم يدركوا أن الإسرائيليات والعناصر الفكرية المغربية لم تتسرب إلى التصوف الإيراني إلا بعد ظهور تصوف الشيخ محيي الدين بن عربي في المغرب، واقتراب أتباعه من إيران بعد أن كانت غائبة كلياً عن التصوف الإيراني قبل ذلك. والحق أن أول من تأثر ببعض أفكار ابن عربي هو مولانا جلال الدين الرومي، وأن أول من ركب مطيّة التحوّل هذا صدر الدين القونوي ونعمة الله ولي اللذان تتلمذا على التعاليم الغربية بشكل كبير، وأقلّ منهما فخر الدين العراقي؛ لهذا فالتصوف الإيراني في إيران اليوم قد غيرّ مساره واكتسى حلة جديدة، أما في النواحي الأخرى التي استقلّت عن إيران ـ أي الهند وباكستان ـ فقد ظل التصوف الإيراني فيها على حالته السابقة؛ حيث لم تسر طريقة (نعمة اللهية) التي استلهمت أفكارها عن تصوف ابن عربي سوى في بعض أنحاء جنوب الهند. كما أن الطريقة القادرية التي دخلتها بعض الأفكار الغربية عن إيران ظلت محدودة الانتشار في إيران. وأما الطريقة الرفاعية التي نشأت بين العرب فلم تلق رواجاً واسعاً بين الطرق الإيرانية في الهند، وكذلك هو شأن الطريقة القادرية، حيث بقي شيوعها محدوداً جداً في إيران نتيجة تشربها ببعض الأفكار الغربية عن إيران واليوم يبدو أن الطرق الصوفية المهمة في آسيا المركزية وأفغانستان والهند وباكستان هي تلك الطرق الإيرانية الأصيلة القديمة أي الطرق السهروردية والنقشبندية والكبروية والجشتية والطريقة المجددة في الهند وباكستان وأفغانستان والتي تعد امتداداً للطريقة النقشبندية، والطريقة الجويبارية في آسيا المركزية التي تشعّبت بدورها عن طريقة نجم الدين الخيوقي الكبروية؛ لذا فمن أجل تحديد جغرافية طريقة التصوف الإيراني بشكل أدق يُفضل أن نسمّيها بالطريقة الإيرانية الهندية، والمقصود بإيران هنا هو تلك المنطقة الجغرافية المسمّاة (نجد إيران) أو ما اصطلح تسميته في الحقبة الأخيرة باسم فلاة إيران. إن أفضل دليل على أن التصوف الإيراني معزول عن النوعين الآخرين؛ هو أن المتصوفة الإيرانيين كانوا على الدوام يشيعون التصوف بين خواص الناس، وأولئك كانون يروّجون بينهم مسلك الفتوة والمروءة. إن التصوف والفتوة في إيران كانا على الدوام توءمين، ولعل الكثير من كبار المتصوفة الإيرانيين قد انشغلوا بتأليف ونظم الكتب والرسائل حول الفتوة تحت عنوان (فتوت نامه) أي كتب الفتوة، حيث نجد أن ثلاثة أو أربعة منها فقط مما كتب باللغة العربية أكثرها بالفارسية، وواضح أنهم كانوا يؤلفون باللغة الفارسية بما يتناسب ومستوى عامة الشعب الإيراني. إن مسلك المروءة والفتوة سمة خاصة بإيران، ويؤكد ذلك أن معظم اصطلاحاتها المستخدمة في العربية تعد ترجمة حرفية للمفردات الفارسية. والدليل الآخر هو أنه رغم كل هذا الشيوع للتصوف الإيراني في الهند إلا أن مسلك المروءة والفتوة الذي يختص بالإيرانيين، وثمرة من ثمارهم الفكرية؛ قد ظل مستوطناً في إيران ولم يهاجر إلى الهند. خصائص التصوف الإيراني: يتسم التصوف الإيراني بجملة من الخصائص التي تمنحه استقلالية تامة عن باقي أنواع التصوف في العراق والجزيرة (بين النهرين)، وكذلك التصوف المغربي، ولاسيما قبل أن يلج هذا الأخير إلى ربوع إيران. ولعله يمكن إجمال هذه الخصائص بما يلي: أولا: إن التصوف الإيراني في مجمله هو تصوّف (طريقة) وليس له أي ارتباط مع (الشريعة)؛ فكتب كبار المتصوفة الإيرانيين الأولى لم تتعرض أبداً للعبادات والفرائض وأبحاث الشريعة، ولعل المتأمل لفصول مؤلفات التصوف وأبوابها حتى أواسط القرن الخامس يجد أنها لم تلفق بين الشريعة والطريقة. ومن تلك الكتب: كتاب (اللمع) لأبي نصر عبد الله بن علي سراج الطوسي (متوفى سنة 378هـ) وكتاب (التعرف لمذهب أهل التصوف) لأبي بكر محمد بن إسحاق البخاري الكلاباذي (380هـ)، وكتاب (كشف المحجوب) لأبي الحسن علي بن عثمان الهجويري الغزنوي (464هـ)، و(الرسالة القشيرية) للإمام أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري النيسابوري (465هـ)، وكتاب (منازل السائرين) لخواجة عبد الله الأنصاري الهروي (481هـ). ولعل حجة الإسلام الإمام أبو حامد محمد الغزالي الطوسي (505هـ) هو أول من جمع بين الشريعة والطريقة، ولاسيما في كتابيه المذكورين (إحياء علوم الدين) و(كيمياء السعادة)؛ حيث نلمح فيها ترابطاً بين أبحاث الشريعة والطريقة. ومن ثم انعكس منهج الغزالي في أهم كتب التصوف التالية في القرن السادس والسابع ومنها: كتاب (فتح الغيب) لمحيي الدين أبي محمد عبد القادر الكيلاني (561)، وكتابه الآخر (الغنية لطالبي طريق الحق عز وجل). وكذلك كتاب (آداب المريدين) لضياء الدين أبي النجيب عبد القاهر بن عبد الله السهروردي (563)، وفي كتاب (عوارف المعارف) لشهاب الدين أبي حفص عمر بن محمد السهروردي (632هـ). ومن سمات التصوف الإيراني الأخرى اختصاصه بالأربطة، أو ما يسمى (الخانقاه)، وما يتعلق بها من تقاليد ورسوم خاصة. فالخانقاه لم تكن شائعة وسط متصوفة العراق والجزيرة قبل أن يلج التصوف الإيراني إلى تلك الأنحاء. أما في الغرب فمن سورية وحتى شمال إفريقية لم يكن ثمة خانقاه إلا لدى الفرق الصوفية؛ التي انحدرت من إيران أي لدى فرق المولوية والنقشبندية والبكتاشية والقادرية، وغيرها من الفرق الصوفية الإيرانية، أو المتأثرة بالتصوف الإيراني. ومن السمات التي تميز بها التصوف الإيراني السماع والرقص، والتي امتازت بها الخانقاه الصوفية الإيرانية دون غيرها من الفرق الصوفية الأخرى، والتي كانت تحرمها وتنكرها، بل كانت تتعرض للمتصوفة الإيرانية وتقبحهم بسبب تحليلهم لها. والحق أن الخانقاه كانت من ابتكارات المتصوفة الإيرانيين، الذين أخذوا مراسمها وطقوسها من الديانة المانوية القديمة؛ فالمانويون ابتدعوا هذا المكان وجعلوه مقاماً دينياً لأنصار طريقتهم؛ حيث كانت تجمعاً لمزاولة عباداتهم ورياضاتهم، وبقي على هذه التسمية في إيران حتى العصر الإسلامي، وقد أشار إلى هذه المسألة ذلك المؤلف المجهول لكتاب (حدود العالم من الشرق إلى المغرب) المكتوب سنة 372هـ. ففي توصيفه لمدينة سمرقند يقول: (وفيها خانقاه للمانويين والتي يسمونها باسم نغوشاك). ومن خصائص التصوف الإيراني امتلاكه لما يسمى مذهب المروءة والفتوة فكما أشرنا سابقاً كان المتصوفة الإيرانيون يعتبرون التصوف مسلكاً يقتصر على الخواص من أصحاب الطريقة، وذلك لحاجته إلى التعاليم الدقيقة والرياضات والمراقبات والعبادات الخاصة، أما العوام فكانوا يوجهونهم نحو أصول المروءة والفتوة، لذا فإن الكثير من هؤلاء الذين خلّفوا آثاراً صوفية منظومة ومنثورة ـ وأغلبها بالفارسية ـ قد تركوا أيضاً مؤلفات منظومة ومنشورة في تقاليد المروءة والفتوة. فهذا المسلك هو ابتكار إيراني محض، وكان شائعاً في إيران قبل نشأة التصوف وقبل الإسلام، وحيثما وجد خارج إيران فهو إما منقول بأيد إيرانية، أو أن الآخرين أخذوه عن إيران. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |