|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
علم الجمال عند النقاد الروس ـــ د.ممدوح أبو الوي يقول الدكتور شوقي ضيف في كتابه «البحث الأدبيّ»: «والجمال حقاً موجود في الطبيعة، ولكن ليس هذا مما يهم أصحاب الفلسفة الجمالية، فهو موجود فيها سواء حوّله الفنان إلى أعماله أولم يحوله، إنّما يهتمون به حين ينتقل إلى عمل فنان»(1). ومصطلح علم الجمال استيتيكا مصطلح حديث، لعل أول من استخدمه الناقد الألماني بومجارتن (1714 ـ 1762) في النصف الثاني مـن القرن الثامن عشر، وأصدر كتاباً بهذا العنوان، ورأى الفيلسوف الألماني كانت (1724 ـ 1804) أنّ الجميل هو ما يتفق النقاد كلّهم على جماله، هذا من ناحية، أمّا من ناحية أخرى فلقد أعطى الذوق الفرديّ المكانة الأولى في النقد، وبالتالي فبما أنّه لكلّ ناقد ذوقه فقد لا يجتمع النقاد على رأي واحدٍ، وبذلك فقد ناقض كانت آراءه ذاتها. ووقف ضد إخضاع الفن لمصالح السياسة، فرفض تقييم العمل الأدبيّ استناداً إلى غايته الخارجية، وبالتالي طالب باستقلالية الفن عن مصالح الطبقات الحاكمة؛ لأنّ للفن قوانينه الخاصة به، ولقد تأثرت بآرائه المدرستان الرومانسية والبرناسية. وجاء بعده الفيلسوف الألماني هيجل (1770 ـ 1831) الذي رأى أنّ علم الجمال ما هو إلا فلسفة الفن، ومضمون الفن هو الأفكار، أما الشكل فهو تجسيد للفكر، وقد عبر عن آرائه هذه في كتابه «محاضرات في علم الجمال». يرى هيجل أنّ الأجناس الأدبيّة تتطور، فلقد انتشرت الملحمة في العصور القديمة، أمّا في العصر الحديث فلقد حلت الرواية مكان الملحمة، ويرى أنها ـ أيّ الرواية ـ هي ملحمة المجتمع البرجوازيّ، ويرى أنّ جنس المأساة في المسرح يتبنى عادةً أفكار المجتمع وقيمه السائدة، وأبطال المأساة هم المدافعون عن هذه القيم، وبذلك فإنّ علم الجمال بدأ في ألمانيا على يد كلّ من بومجارتن وكانت وهيجل، وانتقل إلى الآداب الأخرى ومنها روسيا. عرض الموضوع: كان دوستويفسكي (1821 ـ 1881) يردد دائماً العبارة التالية: «الجمال سينقذ البشرية»، ولكن ما هو الجمال؟ ما هو العمل الجميل بوجه عام؟ وما هو العمل الأدبيّ الجميل؟ كان أفلاطون يرى أنّ الفضيلة تتلخص في إقامة التوازن، أيّ على الصعيد العمليّ، فإنّ الفضيلة ـ وهي صفة جميلة ـ تعني الاعتدال. فمثلاً التبذير صفة قبيحة، والبخل صفة قبيحة، أمّا الكرم ـ وهو الاعتدال ـ فهو صفة جميلة. وهذا ينطبق على الصفات الإنسانية كافة، الشجاعة صفة جميلة؛ أمّا التهور وحبّ المغامرة فهما صفتان قبيحتان، ونقيضهما الجبن أيضاً صفة قبيحة، وهكذا. ومن النقاد الروس الذين درسوا علم الجمال الناقد تشيرنيشيفسكي(1828 ـ 1889)، الذي كتب رسالة ماجستير عام 1855، بعنوان «علاقات الفن الجمالية بالواقع»، ونشرت بعد ذلك، وقامت وزارة الثقافة بدمشق بترجمتها عام 1983، وصدرت الطبعة الثالثة منها باللغة الروسية قبل وفاة تشيرنيشيفسكي بعام واحد، أي عام 1888، فهو عاش واحداً وستين عاماً، أمضى منها أكثر من عشرين عاماً منفياً في سيبيريا، ونفذ حكماً بالأعمال الشاقة في سيبيريا مدة سبع سنوات، ويناقش تشيرنيشيفسكي في كتابه «علاقات الفن الجمالية بالواقع»، الفيلسوف الألماني هيجل (1770 ـ 1831)، الذي كان لفلسفته أتباع في كلّ من ألمانيا وروسيا. وأعتقد أنّ تشيرنيشيفسكي ركز اهتمامه في كتابه الآنف الذكر على أنّ مفهوم الجمال مفهوم نسبيّ. كان تشيرنيشيفسكي يتقن عدة لغات أجنبية منها الإنكليزية والألمانية واللاتينية واليونانية، ويرى أنّ الهدف الأول للفن عكس الحياة، أيّ أنه كان يتبنى نظرية الانعكاس، وأنّ الفنان لا يمكن أن يكون حيادياً تجاه الواقع الذي يعيش فيه. ورأى أنّ معنى الجمال هو الحياة، فالحياة رائعة وجميلة، فالجمال ينبع من الأرض ولا يأتي من السماء، ولذلك يجب البحث عنه في الحياة نفسها، وهو يتجلى في الطبيعة وفي أفكار الإنسان وعواطفه وتصرفاته، ويوجد الجمال في الحياة جنباً إلى جنب القبح والعفونة والتشويه، وعلى الإنسان أن يناضل من أجل ترسيخ الجمال، وضد كلّ ما هو قذر ومشوه. يرتبط مفهوم الجمال عند الناس بوضعهم الطبقيّ، فالمرأة الجميلة بنظر الفلاح ليست بالضرورة جميلة بنظر البرجوازي الغني، يقول تشيرنيشيفسكي: إنّ الجمال هو الحياة، وبالاستناد إلى هذا التعريف يحاول أن يفسر لماذا نحبّ ـ على سبيل المثال ـ نبتة مزهرة: (ما يعجبنا في النباتات نضارة الألوان وغنى الأشكال وغزارتها لما تكشفه عن حياة مفعمة بالحيوية والنسغ، إنّ نبتةً تذبل لقبيحة، وإنّ نبتةً لا يسري فيها نسغ كثير لتثير النفور). ويرى الناقد المذكور أنه ليست كلّ الشعوب تحبّ الأزهار، فمثلاً الاستراليون القدامى لا يتجملون بالزهور، وأنّ مفهوم الجمال يختلف من شعب إلى شعب آخر، وقد يتغير لدى الشعب الواحد من مرحلة اجتماعية وتاريخية إلى مرحلة أخرى، وقد يختلف من طبقة اجتماعية معينة إلى طبقة اجتماعية أخرى في المرحلة التاريخية الواحدة، ولدى الشعب الواحد. ويقول تشيرنيشيفسكي: (إنّ مفهوم الحياة مرتبط على الدوام لدى الفلاح بمفهوم العمل، فهو لا يستطيع أن يحيا من دون أن يعمل، والحياة بلا عمل مملة..)(2). ويرى تشيرنيشيفسكي أنّ القدرة على العمل شرط من شروط الجمال لدى الفلاح، يقول مثلاً: (تكون بنية الفلاحة التي تعمل في الحقل كثيراً قوية ولا سيما إذا كانت تتلقى تغذية معقولة، فإنها ستكون ذات بأس وقوة)(3) وهذا شرط من شروط مفهوم الجمال لدى الفلاح، أما المرأة الجميلة في المجتمع البرجوازي المدني فتكون عادة نحيفة نحيلة لا تقوى على العمل، شاحبة اللون، مثل هذه المرأة قد تكون جميلة بنظر الغني، وتكون غير جميلة بنظر الفلاح الفقير. ولقد عبرت الأغاني الشعبية التي نظمها الفلاحون عن مفهومهم الجمال، وهو مفهوم يتناقض تناقضاً تاماً مع مفهوم الطبقات الغنية. ويستنتج الناقد الروسيّ أنّ الفن يصور الحياة، وأنّ مفهوم الجمال مفهوم طبقيّ ونسبيّ، ويعود سبب الاختلاف في مفهوم الجمال بين الفلاح الفقير وابن المدينة الغني إلى وجود اختلاف في وضعهما الاقتصاديّ. ولكن يمكن الرد على تشيرنيشيفسكي أنّ رأي أبناء الطبقة الواحدة سواء كانوا فلاحين أم كانوا من الطبقات الغنية ليس دائماً متجانساً، فقد يفهم فلاح معين الجمال بشكل يختلف عن فهم فلاح آخر، وبالتالي فإنّ الناقد الروسيّ مصيب إلى حد ما فقط ومخطئ إلى حد. مفهوم الجمال في معظم المجتمعات الإنسانية هو مفهوم الطبقات الغنية للجمال؛ لأنها عادة هي الطبقات الحاكمة، أما الطبقات الفقيرة فتكون محكومة، وهي لا تصنع الفن، فالفن تصنعه الطبقات الغنية أو على الأقل المتوسطة، وغالباً تصنعه وفق رغبات ومفهوم الطبقة الحاكمة. يرى تشيرنيشيفسكي أنّ الجمال هو الحياة كما ينبغي أن تكون، وهو بذلك يتابع أفكار فيورباخ الذي ناضل ضد الفكر المثالي، ولكن نظرية فيورباخ نفسها تفتقر إلى الأسس العلمية، فكان الناقد الروسيّ يشبه الفن بالنسخة، والحياة باللوحة الأصلية، ولكن هذه الفكرة أيضاً غير دقيقة؛ لأنّ النسخة تكون أقل جمالاً من اللوحة الأصلية، أيّ من الحياة؛ أما الأدب والفن فقد يصوران أمراً معيناً أو ظاهرة محددة أكثر جمالاً مما عليه في الواقع، أو أكثر قبحاً، لأنّ الأديب لا يصور الأمور تصويراً فوتوغرافياً، وإنما يعطي شيئاً من ذاته، وهذا هو موقف الأديب من الأمور أو الظواهر التي يصورها، هو يصور ذاته تجاه هذه الأشياء أو موقفه منها، يصور مشاعره وعواطفه وانفعالاته تجاهها، وبالتالي فإنّ الصورة التي يرسمها الأديب أو الفنان لن تكون صورة طبق الأصل عن الحوادث التي تحدث في الواقع؛ يصور الأديب أشياء لم تحدث ولكن من الممكن أن تحدث، لكي يصل إلى فكرة معينة، ولذلك فهو يحتاج إلى الخيال، على عكس المؤرخ الذي يروي الأشياء التي حدثت بالفعل، ولا يحق له أن يروي أشياء لم تحدث، أمّا الأديب فيختلف عن المؤرخ بخصوبة خياله، ولكن الأديب والمؤرخ لا يكتفيان بتصوير الأشياء، وإنما يقومان بتفسيرها والحكم عليها. وبذلك يكون تشيرنيشيفسكي قد طرح مفهوم نسبية الجمال من الناحية الطبقية، ولكن هل هذا الرأي صحيح؟ هو صحيح إلى حد ما. لا أعتقد أنّ الغني والفقير يقرأان رواية مثل رواية «البؤساء» (1862) لفيكتور هيجو بالطريقة ذاتها. هذا بوجه عام. سيتعاطف الفقير مع بطل الرواية جان فالجان، وسيقول الغني: أنا لست أرحم من الذي خلقه. وكذلك ينسحب المفهوم النسبي الطبقي بالنسبة للاتجاه الاجتماعيّ في الآداب العالمية مثل «الفقراء» (1846) لدوستويفسكي (1821 ـ 1881) وقصة «ناظر المحطة» (1831) لبوشكين (1799 ـ 1837). وقصيدة «اليتيم» للرصافي إلى آخره. وقد ينسحب المفهوم النسبي للجمال على الأدب القومي، أعتقد أنّ الأثر الذي تتركه في نفوسنا القصائد القومية والوطنية حول قضية فلسطين، أقوى من الأثر الذي تتركه في نفس قارئ أجنبي، لم يحترق بنيران النكبة. وكذلك الأمر بالنسبة لقراءة رواية مثل رواية «الحرب والسلام» وهي رواية تصور اعتداء نابليون بونابرت على روسيا، فالفرنسيّ يقرؤها بطريقة تختلف عن الطريقة التي يقرؤها بها الروسيّ. تولستوي أدان نابليون بهذه الرواية إدانة كبيرة، ووصفه بأنّه مجرم وكذاب وأناني، أمّا بعض الفرنسيين فقد يعتزون بنابليون بونابرت (1769 ـ 1821). ويرى الدكتور عدنان رشيد في كتابه «دراسات في علم الجمال» : «إن المسألة المهمة في رأي تشيرنيشيفسكي حول الفن لا تتناول فقط إعادة خلق الواقع، ذلك الاتجاه الذي يدل على أنّ عملية إعادة الخلق هي استرجاع الخصائص الأساسية. وطور تشيرنيشيفسكي باستمرار مفهومه الذي يتلخص بأنّ الفن لا يعمل فقط على إعادة الواقع الموضوعيّ وعالم الناس، بل يعمل على إيضاحه وتفسيره والحكم عليه، ويبدو تشيرنيشيفسكي هنا أحد رواد المادية الديالكتيكية عندما يؤكد على أهمية مفهوم إعادة الخلق الفني الذي يعتمد على مضمون الموضوع»(4). إنّ الفكرة الأساسية لدى تشيرنيشيفسكي عن الجمال هي نسبية الجمال، وهي نسبية بالنسبة للمشاهد أو المتلقي، وهي نسبية بالنسبة للمبدع، وهي نسبية بالنسبة للأمر الجميل ذاته. فما يراه شخص معين جميلاً قد لا يراه شخص آخر، وما يراه قارئ معين جميلاً في فترة معينة من عمره قد لا يجده جميلا دائماً، فنظرات المرء للجمال قد تتغير، ويرى تشيرنيشيفسكي أنّ الجميل نفسه قد لا يبقى جميلاً مع مرور الزمن، ولكن هل رأي تشيرنيشيفسكي هذا سليم؟. هذا الرأي صحيح بالنسبة لجمال الإنسان، فقد يكون الإنسان جميلاً في شبابه وغير جميل في كبره. أمّا بالنسبة للنص الأدبيّ فلا أعتقد أنّه يشيخ مع مرور الزمن، بل العكس هو الصحيح، قد يكون مرور الزمن لصالح العمل الأدبيّ وصاحبه. هذا ما حدث على سبيل المثال مع تشيخوف (1860 ـ 1904) الذي أعجب القراء بعد وفاته، ولم يعجبهم في حياته. أما تشيرنيشيفسكي فيرى أنّ الأعمال الأدبية لها عمر معين وتشيخ مع مرور الزمن فيقول : «فاللغة في الأعمال الشعرية سرعان ما تشيخ، والأهم كثيراً من هذا، أنّ أشياء كثيرة في الأعمال الشعرية، تصبح غير مفهومة مع مرور الزمن كالأفكار والتراكيب والاستعارات المستمدة من الظروف المعاصرة، أشياء يبهت لونها، وتفقد نكهتها، ولا تستطيع كلّ الشروح والتعليقات العلمية أن توضح كلّ شيء فيها، وتجعله حيّاً للأجيال، كما كان حياً واضحاًَ بالنسبة للمعاصرين»(5) ويتابع تشيرنيشيفسكي فيرى أنّ هذا الأمر ينسحب على المؤلفات الموسيقية، التي قد تندثر باندثار الآلات الموسيقية التي وضعت لها. طرح تشيرنيشيفسكي مفهومي الواقع والأدب، أو المعكوس والعاكس، ونظرية الانعكاس، ويرى أن العاكس أقل جمالاً من المعكوس، وبالتالي فالأدب أقل جمالاً من الواقع. وكتابه بكامله يقوم على الحوار مع الفيلسوف الألماني هيجل (1770ـ 1831)، ويرى أنّ الفن هو انعكاس للواقع، أو هو العاكس، ولكنه لا يغفل دور الخيال. فهناك ثلاثة عوامل في العملية الإبداعية: الواقع والفن والخيال، ويرى وجود علاقة جدلية بين هذه العوامل الثلاثة، فبقدر ما يكون الفن قريباً من الحياة ومن الواقع، بقدر ما يكون أصيلاً، ولقد أكد هذا الأمر قبل تشيرنيشيفسكي الناقد الروسيّ الشهير بيلينسكي (1811 ـ 1848) وذلك عام 1842 في تقييمه للأدب الروسيّ، إذ أكد أنّ عظمة هذا الأدب تكمن في قربه من الحياة. وشبه بيلينسكي الواقع بالنسبة للفن بالتربة بالنسبة للنبات، وهذا واضح في مقاله بعنوان « أشعار ليرمنتوف». ويناقش تشيرنيشيفسكي علاقة الشكل بالمضمون، ويرى أنّ الشكل يكتسب صفته الجمالية أحياناً بفضل المضمون، والعكس صحيح، فإذا لم يعبر الفنان تعبيراً جيداً عن المضمون، فلن يبدع عملاً جميلاً، حتى وإن كان المضمون جيداً، أما إذا كان المضمون رديئاً وسطحياً، وكان الأسلوب أو الشكل جميلاً، فيبقى النص الأدبي غير مكتمل شروط الجمال، وبذلك فإن العلاقة بين الشكل والمضمون في العمل الأدبيّ هي علاقة جدلية، كل منهما يؤثر ويتأثر بالآخر، فيجب أن يكون الشكل مناسباً للمضمون. تولستوي وعلم الجمال : ولد ليف تولستوي عام 1828 أي في العام ذاته الذي ولد فيه تشيرنيشيفسكي، ولكن تولستوي (1828ـ 1910) أكثر من تشيرنيشيفسكي شهرةً، فهو معروف في الآداب العالمية كلّها، وألف كتاباً له علاقة مباشرة بعلم الجمال، بعنوان «ما هو الفن» (1897 ـ 1898)، ونشره في مجلة «مسائل الفلسفة وعلم النفس»، وترجمه إلى اللغة العربية مباشرةً من اللغة الروسية د.محمد عبدو النجاري عام 1991، يقول تولستوي في كتابه: «فيبدو للإنسان متوسط الثقافة واضحاً ومفهوماً أنّ الفن هو إظهار الجمال، ويفسر كل مسائل الفن من خلال الجمال. ولكن ما هو الجمال الذي يشكل، حسب رأيه، محتوى الفن؟ وكيف يتحدد هذا الجمال؟ ثم ما هو الجمال في نهاية المطاف؟»(6) ويفرق تولستوي بين الجيد والجميل، باللغة الروسية، لا يقول الروسي عن رواية جيدة بأنها رواية جميلة، أمّا عند الألمان، وهم الذين أسسوا علم الجمال، فكلمة رواية جميلة تعني رواية جيدة. يناقش تولستوي في كتابه عالم الجمال الألماني باومغارتن (1714 ـ 1762) فيقول: «سأبدأ بمؤسس علم الجمال، باومغارتن، يرى أنّ موضوع المعرفة المنطقية هو الحقيقة، أمّا موضوع المعرفة الجمالية (أيّ الشعورية) فهو الجمال، الجمال هو المعرفة الكاملة (المطلقة) بوساطة المشاعر. والحقيقة هي المعرفة الكاملة بوساطة العقل. وأما الخير فهو المعرفة الكاملة بوساطة الإرادة الأخلاقية»(7). ويـرى تولستوي أنّ النـقاد الألمان الذين أتوا بعد باومغارتن ناقضوه، مثل ليسينغ، وغوته (1749 ـ 1831)، فيرى شيللر (1759 ـ 1805): «أنّ هدف الفن يكمن في الجمال الذي ينحصر مصدره في التلذذ، دون فوائد عملية»(8). ويعرض تولستوي أفكار هيجل (1770 ـ 1831)، الذي رأى أنّ الجمال هو تجسيد للأفكار، ويتعرض تولستوي لتعريفات النقاد الفرنسيين للجمال، ويستنتج من كل هذه التعريفات: «فإنّ كلّ هذه التعريفات الجمالية للجمال تقودنا إلى رأيين أساسيين: الأول: إنّ الجمال هو شيء ما موجود بذاته، وهو أحد مظاهر الكمال المطلق، الفكرة، الروح، الإرادة، الله. والتعريف الثاني: يفيد بأنّ الجمال هو نوع من أنواع المتعة التي يحصل عليها المرء، والخالية من غايات شخصية»(9). ويرفض تولستوي تعريفات الجمال بأنه التجانس أو الانسجام أو التماثل أو التناسب، وقد تبنى الرأي الأول بعض الفلاسفة الألمان مثل هيجل (1770 ـ 1831) وشوبنهاور (1788 ـ 1860) وينتقد تولستوي آراء الفيلسوف الألمانيّ كانت الذي حدد الجمال بأنّه التلذذ النـزيه الذي نحصل عليه. يستنتج تولستوي: «ليس هناك تعريف موضوعي للجمال، أمّا التعريفات الموجودة، سواء الميتافيزيقية منها أو الحسية... وللغرابة، فإنّها تقود إلى الفكرة القائلة بأنّ الفن هو الشيء الذي يعكس الجمال. أمّا الجمال فهو الشيء الذي ينال الإعجاب (دون أن يثير الشهوة)»(10) وأعادوا الإعجاب إلى الذوق، فبعضهم يعجب بهذا الفن، وبعضهم يعجب باتجاه فني آخر. ويتابع تولستوي، فيتساءل: ما هو مفهوم الجمال؟ ويرى أننا من الناحية الذاتية نسمي الأشياء التي توفر لدينا متعةً معروفةً بأشياء جميلة، أما من الناحية الموضوعية فإننا نعني بالجميل: ذلك الشيء الكامل المطلق الموجود خارج ذواتنا، ويرى أنّ التعريف الموضوعي ما هو إلا تعريف ذاتي، عبرنا عنه بشكل آخر، ونسمي الأشياء التي تعجبنا بأنها جميلة على ألا تثير لدينا الشهوة. ويرى تولستوي أنّ كلّ تعريفات الجمال التي قدمها علماء الجمال غير كافية، لأنها مجرد محاولات لوصف العمل الجميل، وهي صفات غير كافية، من هذا الصفات: محاكاة الطبيعة، والملاءمة، وتناسب الأجزاء، والتماثل، والتناسق... فكلها تقول: إنّ الفن هو الشيء الذي يعكس الجمال، أمّا الجمال نفسه فهو الشيء الذي ينال الإعجاب، دون أن يثير الشهوة، والإعجاب مرتبط بالذوق، والذوق شيء نسبي وفرديّ، فما يعجب ناقداً قد لا يعجب آخر. وطالما أنّ الجمال يقوم على الذوق، الذي يتغير من فرد لآخر، ومن مرحلة لأخرى، فلا نستطيع أن نسميه علماً، ويتابع هناك رأي متفق عليه، أن مؤلفات كل من هوميروس وسوفوكليس (496 ـ 406ق. م)، ودانتي (1265 ـ 1321)، وشكسبير (1564 ـ 1616) جيدة، وبالتالي فالعمل الأدبيّ الجيد هو العمل الذي يحاكيها. ويتابع تولستوي: إنّ مبدأ المتعة ليس كافياً لتحديد ما إذا كان العمل الفني جميلاً أم لا؛ لأنّ الهدف من الفن ليس الوصول إلى المتعة فقط، ولكي نعرّف الفن تعريفاً دقيقاً، برأي تولستوي يجب أن نتوقف عن النظر إليه كوسيلة للمتعة. تعريف تولستوي للفن: «إنّ الفن هو إحدى وسائل اختلاط الناس بعضهم مع البعض الآخر». إنّ نشاط الفن مبني على أنّ الإنسان؛ الذي يتلقى بوساطة السمع أو البصر، أحاسيس إنسان آخر، بوسعه أن يعاني من تلك الأحاسيس نفسها التي عاناها الإنسان الذي عبر عنها(11) أي: برأي تولستوي يقوم الفن بدور التوصيل والنقل والتعبير، «والفن هو نشاط إنساني يكمن في أن يقوم إنسان ما بوعي وبوساطة إشارات خارجية معروفة، بنقل الأحاسيس التي يعاني منها، إلى الآخرين»(12). وبالتالي فليس الفن كما يقول علماء الجمال الفيزيولوجيون لعباً من أجل صرف طاقات الإنسان الزائدة، وهو ليس لذة أو متعة. ويرى تولستوي أنّ نظرته إلى الفن لا تختلف عن نظرات الفلاسفة القدماء مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو (384ـ 322ق.م)، وعن نظرات الديانات المسيحية والإسلامية والبوذية إلى الفن، وهو ضد منع الفن لأنه وسيلة اختلاط الناس بعضهم بالبعض الآخر، ولا يمكن منعه، ولكنه ضد أن يتحول الفن إلى وسيلة لإفساد المجتمع. ويطرح تولستوي في كتابه المذكور «ما هو الفن» الأسئلة التالية: لماذا نكتب؟ ماذا نكتب؟ لمن نكتب؟ وتقول الدكتورة أميرة حلمي مطر في كتابها «فلسفة الجمال» عن آراء تولستوي الفنية والجمالية: «وقد راع تولستوي تلك الهوة العميقة التي تفصل بين الفن الأوروبيّ، فن الطبقة المترفة في روسيا، وبين ذوق الجماهير الشعبية، التي لا تفهمه، و لا تستوعبه، ورأى أنّ الفن الأوروبيّ قد وصل إلى نقطة خرج منها عن أداء مهمته الأصلية في المجتمع، مهمة نشر القيم الإنسانية، والارتقاء بالحياة الاجتماعية للشعوب»(13). ويرى تولستوي أنّ الفن وسيلة توصيل من المبدع إلى المتلقي، فهو لا يكتفي برسالة الفن التعبيرية، وإنّما يرى أن للفن رسالة توصيل للأفكار والانفعالات والمشاعر والعواطف، ويقوم الفن بنقل رسالته بين الأجيال المتعاقبة، وليس فقط بين أبناء جيل واحد. ويرى تولستوي أنّ وظيفة الفن تتلخص في أن يبعث في المتلقي شعوراً يشبه الشعور الذي أحس به المبدع نفسه، ويرى أنّ انتشار العمل الأدبيّ هو مقياس لأصالته وجودته، أما اقتصار الفن على طبقة الأغنياء فدليل على زيفه وعدم أصالته، فالعمل الأدبيّ غير المفهوم، برأيه، يشبه الطعام الشهي الذي لا يتقبله معظم الناس. فالعمل الأدبيّ الجيد هو العمل المفهوم من قبل الفلاح البسيط. ولذلك فهو يستبعد الأعمال الأدبية الإباحية التي تسد فراغ الطبقات المترفة، والتي لا تخدم الفلاحين. ولا يكتفي تولستوي بذلك، بل يكتب ضد مسرح شكسبير لأنه مسرح غير مفهوم بالنسبة للفلاحين، وكذلك يستبعد روائعه مثل «آنا كارنينا» (1873 ـ 1877) لأنّ الفلاح لا يستطيع قراءة رواية تقع في ثلاثة مجلدات. فلجأ تولستوي إلى كتابة الحكايات الشعبية القصيرة المفهومة من قبل الفلاحين، فهو لا يطلب من الفلاح البسيط الارتقاء إلى مستوى الأدب الرفيع، بل يطلب من الأديب أن يكتب أعمالاً مفهومةً من قبل الفلاحين، ولذلك انتقده النقاد لأنه يفضل الأسهل على الأرقى، وبالتالي برأيه، إنّ الحكايات الشعبية البسيطة، وأغاني الفلاحين، هي أهم من روائع الأعمال الأدبية. ولا يؤمن تولستوي بالنخبة، بل يؤمن بجماهيرية الأدب وشعبيته وبمدى انتشاره بين أغلبية أفراد الشعب، وأغلبية الشعب هم الفلاحون، وانتقد تولستوي النقد الأدبي لأنه لا يأخذ بوجهة نظر الفلاحين، بل يأخذ بوجهة نظر الطبقات الحاكمة، وهي عادة الطبقات الغنية، ولذلك ابتعد تولستوي عن تأليف الروايات الصعبة والطويلة، مثل رواية «الحرب والسلام» (1863ـ 1869) ورواية «آنا كارينينا» (1873ـ 1877). وأخذ يكتب الحكايات الشعبية القصيرة، مثل حكاية «كم يحتاج الإنسان من الأرض»، التي تدعو بوضوح إلى القناعة والتسامح والمحبة، وتبنى أفكار الفلاحين، وأخذ يكتب أدباً يستطيع الكبير والصغير قراءته. يرى تولستوي أنّ للفن علاقة بالدين، وأنّ الأغنياء لا يستطيعون العودة إلى الدين الحقيقي، لأنّ الدين يدعو إلى الزهد والتقشف، وهم يرغبون بالتمتع بخيرات الحياة الدنيا، ولذلك فهم يعيشون حياةً وثنيةً، على حد قول تولستوي، متمتعين بكلّ ملذات الحياة. وينتقد تولستوي النظريات الاقتصادية التي أخذت بالانتشار في زمانه مثل الماركسية ونظرية مالتوس عن المتوالية الهندسية والمتوالية الحسابية، ويرى أنّ باومجارتن يعيدنا في فهمه للجمال إلى المفهوم الإغريقيّ، وينادي بثالوث الجمال والحقيقة والخير، ولكن هذه المفاهيم الثلاثة غير متطابقة. ويرى تولستوي أن في زمانه ساد نوعان من الفن، فن الطبقات الغنية وهو ينشد المتعة، وفن الطبقات الفقيرة الكادحة وهم الأكثرية، فأكثر من 99% منهم لا يسمع و لا يفهم أدب الطبقات الغنية؛ لأنّ هذا الأدب بعيد عن واقع الفلاحين، ويجيب المدافعون عنه بأنّ المسؤولية تقع على عاتق المجتمع، وليس على عاتق الأدب نفسه، إذ ينقسم المجتمع إلى طبقة تتمتع بكل وسائل الرفاهية والمتعة دون أن تتعب، وهذه الطبقة قليلة العدد، والطبقة الثانية تكدح ليل نهار، ولا علاقة لها بالفن الذي تصنعه الطبقة الغنية. ولكي يصبح الفن المعاصر فناً جماهيرياً مفهوماً من قبل الفلاحين، لا بدّ من تثقيف الفلاحين، ولكن الفلاح الذي يكدح ليل نهار، لا يوجد لديه وقت للثقافة، والفن المعاصر لا يخاطبه، وإنما يخاطب النخبة، يخاطب السوبرمان، يخاطب الإنسان الخارق على حد قول أتباع نيتشه، وهناك من يتساءل: هل من حق الفلاح فهم الفن الرفيع والتمتع به؟ وكيف يستطيع ممارسة حقه ؟ إنّ طبيعة الفن الموجه إلى فئة قليلة من المجتمع، هي الغموض والتلفيق، وبالتالي فإنّ هذا الفن ليس فناً أصيلاً، وإنما هو شبيه بالفن، فكانت موضوعات الفن تمجيد الأمراء والملوك والوجهاء والأغنياء، أو الحبّ أو التعبير عن التعب والملل من الحياة، وبالتالي فإنّ الفن المعاصر فقير في موضوعاته وغامض في شكله، حتى إنّ المؤلف نفسه لا يعرف عن ماذا يكتب. ولقد عبر عن هذا الاتجاه في الأدب أعلام المدرسة الرمزية؛ الذين وجد فيهم تولستوي نموذجاً للأدب البعيد عن الشعب، غير المفهوم من قبل كلّ الناس، فانتقد قصائد الشاعر الفرنسي بودلير (1821 ـ 1867) لغموضها وقدم تولستوي شواهد من ديوان بودلير بعنوان «أزهار الشر»، ويعتمد بودلير الغموض في شعره ونثره، ويؤمن بتراسل الحواس أي أن يسمع المرء بعينيه، ويرى بأذنيه، أما كيف يتم ذلك ؟ فلا أحد يعرف. وكذلك ينتقد تولستوي كتاب «فن الشعر» لفيرلين؛ الذي يطالب الشعراء فيه بالغموض وبموسيقا الشعر، ويرى فيرلين أنّ أروع الأعمال الأدبية هي تلك التي لا تستطيع أكثرية العامة فهمها. يكرر تولستوي رأي فولتير الذي يقول: إنّ العمل الأدبي الجيد هو العمل الأدبيّ الشيق، وغير الممل، ويضيف تولستوي إلى هذا الرأي، وغير الغامض، فيحمّل مؤسسات الدولة مسؤولية هذا الغموض؛ لأنها تقدم لهؤلاء الشعراء مكافآت عالية لقاء جهد بسيط، وكذلك يحمّل النقاد الذين يثنون على هذه الأعمال الأدبية الهابطة مسؤولية كبيرةً. وأما الجهة الثالثة المسؤولة عن هذه الأعمال، فهي المدارس الأدبية. فمثلاً يرى تولستوي أنّ بوشكين (1799 ـ 1837) قدم أعمالاً عظيمةً خالدةً، إلا أنّ مسرحيته «بوريس غودونوف»(1825) غير موفقة. ولكن النقد يكيل لها المديح الكاذب، فقام بعض المسرحيين فقلدوها؛ لأنّ النقد ورطهم في ذلك، وهذا الأمر ينطبق على الفنون الأخرى، فليس كلّ الموسيقا التي ألفها بيتهوفن جيدة، وكذلك الأمر بالنسبة لموسيقا فاغنر. أما الفن الأصيل برأي تولستوي، فهو ذلك الفن الذي يعبر عن مشاعر حقيقية ينقلها المؤلف إلى غيره، مثل الأغاني الشعبية، والحكايات الشعبية، إذ نفرح عندما نسمع أغنية شعبية مفرحةً، ونحزن إذ نسمع أغنية شعبية حزينةً، فالمقياس هو القدرة على نقل الشعور وتوصيله للمتلقي، لكي يشعر بشعور المبدع ذاته. أي: المقياس هو العدوى. فيجب أن يشعر الأديب بحاجةٍ للتعبير عن مشاعره، ويجب أن يكون صادقاً، مثال على ذلك معظم أعمال بوشكين ودوستويفسكي (1821ـ 1881) في الأدب الروسيّ، وفيكتور هيجو (1802ـ 1885) في الأدب الفرنسيّ، ويشيد تولستوي برواية «البؤساء» (1862)، وتشارلز ديكنـز (1812 ـ 1870) في الأدب الإنكليزيّ. فالأدب، برأي تولستوي، سلاح ذو حدين، قد يكون نافعاً ويساهم في تقدم الإنسان إذ ينتقل من جيل إلى آخر، وقد يكون مؤذياً وضاراً للمجتمع، ولا سيما أنّ بعض الأدباء يعيشون حياةً فاجرةً. ويختتم تولستوي كتابه: «إنّ مهمة الفن هي تحقيق وحدة الناس الأخوية»(14). ولكن هل ما قاله تولستوي عن الآداب الأوروبية بوجه عام، وعن الأدب الروسيّ بوجه خاص ينطبق على أدبنا ؟ بالتأكيد يوجد في أدبنا العربيّ أدب شعبيّ، قلما ندرسه في المدارس والجامعات، أو قد لا ندرسه أبداً، يعبر عن أفراحنا وأحزاننا، نردده في المناسبات، ولا سيما في الأفراح، وتتداوله الألسن. أما الأدب العربيّ المكتوب فمعظمه غير معروف من قبل الفلاح العربيّ، ولا يتداوله الفلاحون في سهراتهم، وبالتالي ما ينطبق على الأدب الروسيّ في هذه النقطة بالذات ينطبق على الأدب العربيّ، ففلاحونا يرددون في سهراتهم بعض القصائد الشعبية، التي تعكس مناسبات وطنية واجتماعيةً مختلفة، ولكنهم لا يسمعون ولا يعرفون شيئاً عن امرئ القيس، وزهير بن أبي سُلْمى، وعن الشعراء الآخرين. بليخانوف وعلم الجمال : كتب بليخانوف (1856 ـ 1918) عدداً من البحوث تحت عنوان «مصائر النقد الروسي» وذلك عام 1897، أي في العام ذاته الذي نشر فيه تولستوي مؤلفه الآنف الذكر «ما هو الفن»، ونشر بليخانوف بحوثه في علم الجمال، في مجلة «نوفيه سلوفا» «الكلمة الجديدة». فكتب عن آراء بيلينسكي (1811 ـ 1848) الأدبية، فأيد فكرة بيلينسكي أنّ الفرق الأساسي بين الفيلسوف والأديب أنّ الأول يفكر بالقياس والثاني يفكر بالصور، وكتب بليخانوف عن رواية تشيرنيشيفسكي (1828 ـ 1889) «ما العمل» (1864)، وعن أدباء آخرين، ولم يترك بليخانوف عملاً مخصصاً لعلم الجمال، وكان ينوي ذلك إلا أنّ موته عام 1818 حال دون تحقيقه. ومع هذا فيعده النقاد الروس من أوائل الذين تحدثوا عن علم الجمال، ولكن من وجهة نظر ماركسية. وأفكار بليخانوف عن الجمال التي عبرّ عنها في أعماله المختلفة مثل «رسائل بلا عنوان» تتطابق في بعض الأحيان مع أفكار تشيرنيشيفسكي، فهو يرى أنّ مفهوم الجمال يختلف من شعب لآخر، مثلاً بعض الزنجيات يضعن في أقدامهن حلقاتٍ حديديةً، تربك مشيتهن، ويعتقدن أنهن بذلك يزددن جمالاً. ولكنه لا يتفق مع تشيرنيشيفسكي في وظيفة الفن، فيرى بليخانوف أنّ الفن شكل من أشكال اللعب، ويخالف بذلك تشيرنيشيفسكي الذي رفض فكرة أنّ الفن لعب، وبذلك اتفق بليخانوف مع كل من كانت وشيلر، اللذين وجدا في الفن شكلاً من أشكال اللعب. ولكنه لعب موجه، والمهم ما هو مضمون هذه اللعبة؛ لأنّ العمال يلعبون والأغنياء يلعبون، ولكن العمال يلعبون بعد أن يتعبوا من العمل، أما الأغنياء فيلعبون لهدر الوقت، الذي لايعرفون كيف يتخلصون منه، ولقد انتقد بليخانوف بعض الأدباء الروس وفي طليعتهم تولستوي (15). وكتب الناقد السوفييتي المعاصر غينادي بوسبيلوف: «وكان بليخانوف أول من بدأ دراسة الوعي الجمالي، ونشوء الفن من وجهة نظر المادية التاريخية»(16). لينين وعلم الجمال: ينتقد لينين (1870 ـ 1924) الغموض في الأدب، وهو بذلك يلتقي مع آراء تولستوي، الذي كان أيضاً ينتقد الغموض، وينادي بالأدب المفهوم من قبل الجماهير، يقول لينين: «لا أستطيع أن أعد مؤلفات المدرسة الانطباعية والمستقبلية والتكعيبية، وغيرها من المدارس المماثلة، غاية العبقرية الفنية، إني لا أفهمها، وهي لا تبعث في نفسي أيّ شعور بالفرح... الفن ملك للشعب، ويجب أن تكون جذوره في أعمق أعماق الجماهير العاملة الواسعة، إنّ على الفن أن يكون مفهوماً من قبل هذه الجماهير ومحبباً إليها، وأن يوحد عاطفة هذه الجماهير وفكرها وإرادتها ويسمو بها، إنّ عليه أن يوقظ ويطور الفنانين فيها»(17). ويرى لينين أنّ الفن هو انعكاس للواقع، أو الحياة، ولكنه ليس انعكاساً مجرداً، أو ميتاً، إنه انعكاس يقوم دائماً على التأثير والتأثر، وعلى الحركة الدائمة، وعلى الجدلية، ولقد طبق لينين رأيه المذكور في مقالاته السبع عن تولستوي، فرأى فيه مرآة للثورة الروسية، التي قامت عام 1905 بكل تناقضاتها، إنها ثورة الفلاحين الذين يريدون التخلص من الظلم والفقر، دون استخدام العنف. ولقد قيم تقييماً عالياً مؤلفات تولستوي، وانتقدها بموضوعية واعتدال. وكان أحياناً مع الفن الرفيع، بغض النظر عن مضمونه، فرأى أنّ بوشكين (1799 ـ 1837) أهم من مايكوفسكي (1893 ـ 1930). ميخائيل باختين وعلم الجمال : يدرس باختين أفكار هيجل (1770 ـ 1831) عن نشوء الرواية، وأنها جنس يقوم على السرد، مثلها مثل الملحمة، إلا أنّ الفرق الأساسي هو في اللغة، فلغة الملحمة غالباً لغة شعرية، ولغة الرواية غالباً نثرية، يرى هيجل أنّ ظهور الرواية مرتبط بصعود الطبقة البورجوازية، في حين رأى باختين (1895 ـ 1975) أنّ الرواية تنطق باسم الطبقات الدنيا والمسحوقة وأبناء الأسر الممزقة، فدرس روايات دوستويفسكي (1821 ـ 1881) مثل «الجريمة والعقاب» (1866)، و«الأبله» (1868)، و«الشياطين» (1872)، و«الأخوة كارامازوف» (1880)، وأطلق عليها اسم الروايات ذات الأصوات المتعددة، أو متعددة الآفاق، فالشخصيات لا يمثلون الشخص الغائب، وإنما المخاطب، الذي يتحاور معه الروائي، ويصغي إليه «وبالتالي لا تكون العلاقة بين الروائي وشخوصه علاقة خضوع ورضوخ له من قبلهم، وإنّما علاقة اكتشاف متبادلة بينهما. وبالطبع يكون الخطاب الروائي مفتوحاً وغير منجز...»(18). وبذلك اهتم باختين بالحوار في الرواية، فرأى أنّ حوار الأفكار المتعددة يقوم على قدم المساواة وحتى المونولوج ما هو إلا حوار ذاتي، يحاور البطل فيه الآخرين، ونفسه، والمؤلف. إنّ فكر أيّ بطل هو مجموعة من الأفكار المتصارعة، والتي لم تصل إلى فكر محدد واضح، فالنص نص مفتوح وليس مغلقاً. خاتمة : وهكذا فإنّ علم الجمال هو باب من أبواب النقد الأدبيّ، أسسه النقاد الألمان، وتابع هذا الجهد النقاد الروس، ولعل آخرهم الناقد غينادي بوسبيلوف الذي ألف كتاباً بعنوان «الجمالي والفني» والذي ترجمه عن اللغة الروسية عدنان جاموس، وصدر عن وزارة الثقافة عام 1991، ويتحدث فيه الناقد عن وجهة نظر المدرسة الروسية السوفييتية عن علم الجمال، وهي تقوم على المبادئ النقدية التي وضعها بليخانوف ولينين، ولكنها تطور هذه المبادئ. المصادر : 1) د. شوفي ضيف، البحث الأدبي، القاهرة، دار المعارف، ص 118. 2) تشيرنيشيفسكي، علاقات الفن الجمالية بالواقع، دمشق، وزارة الثقافة، 1983، ترجمة يوسف حلاق، ص 19. 3) المصدر السابق. 4) د. عدنان رشيد، دراسات في علم الجمال، بيروت، دار النهضة العربية، 1985، ص 102. 5) تشيرنيشفسكي، مصدر سابق، ص 92. 6) تولستوي، ماهو الفن، دار الحصاد، 1991، ترجمة د. محمد عبدو النجاري، ص 23. 7) المصدر السابق، ص 30. 8) المصدر السابق، ص 36. 9) المصدر السابق، ص 51. 10) المصدر السابق، ص 54. 11) المصدر السابق، ص 62. 12) المصدر السابق، ص 65. 13) د. أميرة حلمي مطر، فلسفة الجمال، القاهرة، دار الثقافة، ص 158. 14) تولستوي، مصدر سابق، ص 259. 15) غيورغي بليخانوف، الفن والتصور المادي للتاريخ، ترجمة جورج طرابيشي، بيروت، دار الطليعة،1977،ص 9. 16) الجمال في تفسيره الماركسي، ترجمة يوسف حلاق، تأليف مجموعة من الباحثين السوفييت، دمشق، وزارة الثقافة، 1968، ص 222. 17) المصدر السابق، ص 165، 18) ميخائيل باختين، الملحمة والرواية، ترجمة د. جمال الشحيد، بيروت، 1982، ص 12. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |