|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الرجل الذي يريد أن يسيطر على السماء الزرقاء هاكوب كابريئليان ـــ ت.شاغيك منجيكيان ـ مرحبا. ـ لماذا يمشي الناس هكذا ... يتجنبون الحفر؟ هل يخافون من الوقوع؟ أنا أمشي بشكل طبيعي على الرصيف الأعوج، لكي لا أنظر إلى المكان الذي أدعسه. الرصيف لا يخونني أنا أعرفه جيداً، وهو يعرفني. أحدهم يلقي بالتحية، يقول«مرحباً». من كان ذاك؟ من كان فليكن، غير مهم. ـ يقولون «مرحبا»«كيف حالك»، دون أن يتوقفوا، بل يتابعون سيرهم. ما دخلهم بحالي... هل يبالون بي كثيراً؟ مخادعون. إن أردت التوقف والحديث معهم، يخلقون آلاف الأعذار لإنهاء الحديث والهرب مني، ماذا... هل سآكلكم؟ مم تخافون؟ من عيني الحمراوين؟ أتظنون أنني أشرب وأسكر؟ من يدري، بماذا تفكرون أيضاً، لم يخطر ببال أحدكم أن سبب الحمرة في عيني هو عدم النوم حتى الصباح وأنا أحلم، بينما يحلم الآخرون بعيون مغمضة أحلاماً عدة وعديدة... لماذا لا تغمض عيناي بسرعة؟ من يملك الوقت للتفكير في هذا الأمر؟ فالكل يسرعون، يسرعون ويسرعون. إنه لأمر مضحك حقاً. فتأمل... وانظر كيف يركضون... إلى أين يذهبون... فالمكان الذي يذهبون إليه في النهاية، هو المكان نفسه، لا... لماذا تركضون بسرعة؟! تريدون أن تصلوا بسرعة إلى ذلك المكان؟! باختصار، هناك ألف طريقة للوصول، أليس كذلك... أنا لست مسكيناً أنتم المساكين... «مسكين»... لا شيء، سمعت كلام الذي يجاورك عني. هل أنا مسكين إلى ذلك الحد؟! لماذا؟! ألأن عيني جامدتان لساعات؟! بماذا أفكر؟! أين أنا؟! جميع أعضاء الجسم لا تستطيع القيام بعمل مفيد من دون المخ والعمل الأكثر أهمية، هو التفكير. أنا أفكر: لماذا أنا«مسكين»؟! «مسكين»أم «مجنون»؟! ـ علبة«حمراء»؟ شكراً. ـ لولا وجود الدخان في حياتي لكان رأسي قد انفجر. لا ما كان ينفجر. لا، لا، إذ مع وجود الرأس، القلب لا ينفجر. ـ مرحباً، إلى أين تذهب هكذا؟ ـ أنا أتمشى. ـ اِجلس لنرتشف سوية كوبا من القهوة. تشرب قهوة، أليس كذلك؟ ـ نعم. ـ هل وجدت عملاً؟ ـ عمل، كم الساعة؟ ـ الحادية عشرة. ـ فليكن، لن آخذ الدواء، لعنة على الدواء وعلى الطبيب الذي يقول إن دروج دماغي منكبة إلى الخارج ويجب أن أرتبها. لماذا، أليس من الأفضل أن تبقى هكذا؟ أنا لا أحجب الأشياء المرتبة. ما دام الاضطراب سارياً فليبق كل شيء مضطرباً. في الداخل وجهت شتيمة صادقة إلى شرطي. فألقوا القبض علي وأخذوني إلى مركز الشرطة. وأراد أصدقائي أن يخرجوني من السجن وعملوا جهدهم طول النهار ولم يفلحوا. فصرخت فيهم من الداخل أن اذهبوا. كان قائد المركز رجلا فهيماً. عندما شرحت له كل شئ فهم. فهم لدرجة أنه قال لي«لا تكررها ثانية» وسمح لي بالرحيل. لماذا... ماذا فعلت؟ هل يجوز أن يبيعني بطاقة للذهاب إلى المسرح عنوة. لا يسمح بالدخول لمن لا يشتري بطاقة... إنني أبصق عليهم جميعاً ... أولئك الذين هم في الداخل والخارج وعندئذ سأشتم من كل بد، لا يهمني من المشتوم، الشرطي أم الواقف بالباب «هناك» ويحق لي الصراخ... «بعدما أنهي دراستي الجامعية، أصنع قنبلة وألقيها عليكم». حتماً سيلقي الشرطي القبض علي، لأنه لا يسمح بحصول شيء كهذا. حسن أنهم لم يسمحوا لي بالدخول. مرة أخرى كنت سأذهب إلى ذلك القذر، ومرة أخرى كنت سأشتم رائحة فمه الكريهة. وكان سيعثر علي ويعيدني إلى السجن وكنت سأركض إلى الخارج. «طبيبي العزيز لست أنا غير الطبيعي، بل غير الطبيعيين هم أولئك الذين ينظرون إلي عابسين». الطبيب كان يفهمني ومع ذلك فإنه كان يصر على أن آخذ الأدوية بانتظام. قلت: «عندما آخذ الدواء أصبح طبيعياً بنظر الآخرين ولكنني أكون غير طبيعي بنظري أنا... وعندما لا آخذ الدواء أشعر بنفسي طبيعياً. من المهم إذن، أنا، أم الآخرون؟». أصروا علي أن أغني في الحفلة المدرسية. قلت لا أغني. فأصروا. قلت أنا لا أغني بالعصا، أنا أغني عندما يكون مزاجي رائقاً. وكانت ماريا أيضاً تتوقع مني أن أغني على المسرح. أنا لا أغني لأجل أحد، ليس الأمر بيدي، لا أستطيع. آه أصبحت ماريا أيضاً مثل الجميع. كانت الوحيدة التي اعتقدت أنها ستفهمني. لكنها لم تفهمني. بدأت تنظر إلي بخوف وشك مثل الجميع. والآن عندما أذهب إلى النادي تتجاهلني وكأنها لا تعرفني، ستفعل هذا حتماً، خصوصاً بعدما رأت آثار الشفرة على يدي. والفتيات يحببن الدم. نعم يحببنني شريطة أن أسفح لهن دمي. أما زالت تحتفظ بلوحتي؟ رسمت لها لوحة خلال خمس دقائق ذات خطين، جُنَّت،.. لأبدو لها الآن مجنوناً.. ـ ماذا، تبدو شارداً في التفكير؟ ـ ماذا؟ سألتني ثلاث مرات «هل كانت القهوة كما تريدها؟». ـ ماذا؟... نعم. ـ بماذا تفكر؟ أتكلم، أتكلم،فلا تجيب، ما الذي يشغل تفكيرك؟ ـ أشكرك على القهوة... إلى اللقاء. ـ أنتظر زيارتك. ـ لم تقل لي ماذا حدث بشأن عمال المحاسب. لماذا تركته. ـ صبرت أربعة إلى خمسة أيام . كان المالك إنساناً سيئاً، تافهاً. لم أتحمل تلقي الأوامر من إنسان مثله. ـ لكن أعتقد أنك إذا عملت عنده ربما يكون... أفضل لك. ـ إلى اللقاء. * * * انظروا إلى هذا الشارع. ليأت الأطباء النفسيون وليضبطوه... الجامعة؟! ذهبت إلى الجامعة ووجدت عملاً، وتنقلت بين المدن عدة مرات ولم أفلح في أية منها. لماذا؟، لا أدري، لم أجد أحداً مثلما أريد. فالناس لا يفهمونني في كل مدن العالم. كل الجامعات، كل أماكن العمل، الكل، الكل. لا، لا أنا لا أحتاج إلى دواء، أنا جيد هكذا. هناك خطأ ما في الدنيا. فأنا أفكر وأفكر طول الليل وحتى الفجر... ولا أدري أين الخطأ. لقد فعلت طوال أشهر وسنين ما نصحني به الطبيب دون جدوى. لا أريد أن آخذ الدواء بعد الآن، وليحدث ما يحدث، أنا في حالة أفضل هكذا. ـ مرحباً يا أستاذ. ـ أهلاً أحمد. ـ تعال، منذ نصف ساعة ونحن ننتظر أن يكتمل عددنا إلى أربعة. ـ يا الله. ـ إننا نلعب الطرنيب. ـ كون كان، هيا وزع الورق. ـ ن صف، واحد. ـ ن صف، واحد. ـ خذ هذه الورقة. ـ احتفظ بها لنفسك... خذ هذه. ـ العب، قهوة... ـ ها لك «يلاس»، قهوة. العب حان دورك، واحد قهوة. ـ أها، هذا... بطاقة.. ـ ربحت مرة أخرى. ـ حسن أنا ذاهب. ـ انتظر لنلعب مرة أخرى. ـ إن الساعة هي الواحدة إلا عشر دقائق. الشاب، الفتاة، الجد... أنظر كيف اصطفوا جنباً إلى جنب دون أن ينزعج أحد من حضور الثاني. ألا يملك الناس عقلا بقدر لعبة الورق؟ ـ لقد حلت الظهيرة بسرعة. ـ هل أخذت الدواء؟ ـ ماذا؟! نعم. ـ ماذا تأكل؟ ـ لست جائعاً. ـ بنيّ تناول شيئاً لتستعيد قوتك. ـ أستعيد قوتي لأكون شجاعاً... لأشفى من المرض. وأعيش طويلاً، هذه هي قصة النضال للعيش مدة أطول وأتعذب أكثر، ذلك شيء لا أتمناه. لا أنا، ولا الذين من حولي. ـ أنا، والذين من حولي... الذين من حولي وأنا... لا الأولى هي الأصح، علمياً، إذ يجب أن تكون «الأنا» أولا. أي اللب، مركز الدائرة التي سترسم الدائرة حوله. ذلك أنني كنت، أنا، أقدم مزحات جنونية تضحك الذين من حولي. فراحوا يضحكون ويضحكون. لن تصدقوا وأنا ما كنت لأصدق لولا أنني رأيت الصورة بعيني. أنظروا كيف كنت أقلد شارلي شابلن. أما هنا، فعندما قلدت عازف الكمان بأن أخرجت سبابة يدي المخفية داخل معطفي، من مقدمة بنطالي انفجروا بالضحك، ومنهم من وقع على الأرض من شدة الضحك. ماذا حدث لي. لا مجال للهرب... إنها سوسة، سوسة متأصلة في أسرتنا منذ القدم. أخي، عمي، ابن عمي الثاني... لو أنني بقيت في بيروت، لكنت الآن أبرز رسام. لكن ذلك المدير، وطلباته. «ارسم هذا القسم هكذا.. اجعل هذا الخط أعرض». وكأنه يفهم أكثر مني. الرسم فن. عندما يعجبني رسمي أنا، لا أقبل من أحد انتقادات عليه. يقولون إنها تلبية لحاجات السوق. فليذهب وليجد غيري يلبي طلباته، فأنا لا أبالي بمثل هذا من رجال الأعمال... أتمنى أن أمسك بتلك البناية وأجعلها تنقلب على رأسه. بعد سنين، وفي أحد الأيام قال أحد الشبان وهو يمر من باب«ادريس» أنه رأى تلك البناية نائمة على أحد طرفيها... حرام. هل نجا أحد من سكانها أو... حسن أنني لم أكن فيها. أين صارت طاولتي؟ لكي لا ترتبك ماريا عندما تدخل إلى الحديقة، سأتظاهر بأنني لم أرها. إنها مسكينة، لا أريدها أن تقلق علي. لذا توجهت إلى طاولة هاكوب. هاكوب شاب صالح. إنه صادق معي على الرغم من أنه يتضايق قليلاً من حضوري. اشعر بهذا، خصوصاً عندما أجلس متصلباً فترة طويلة. سارحاً مع عالمي فلا أسمعه وهو يتحدث إليَ ولا أتذكر ما قاله... أنا أين وهو أين. لكن الأسوأ كان ذلك المصح. كان جيداً في السابق، ثم بدأت الأشجار والحيطان تضيق... اقتربت واقتربت، لدرجة أنها كادت أن تخنقني. ومازال الطبيب يسألني: لماذا تركت المصح وذهبت؟!. أنا مرتاح هكذا... لكنني فقط أشفق على حال أهلي. إنهم مساكين يتعذبون كثيراً من أجلي. يشتكون لأنني أستيقظ عند الظهيرة... ماذا أفعل؟!. أنا أنام في الساعة الخامسة أو السادسة. حاولت كثيراً أن أدرس وأعمل، فقالوا عني إني محظوظ. أينما أقدم طلبا للعمل أجد الأبواب مفتوحة أمامي، لكن الأمر ليس بيدي... إنه الروتين المسيطر في كل مكان. قانون، كمية، شكل، أوامر وإجابات، مسؤولية، انتقاد... مع كل هذه لم يبق مكان للحرية والإرادة. الآن أنا أفعل ما أشاء، وقتما أشاء، ولكن لا أجد ما أفعله قل أو كثر. فيما عدا المشي والتدخين واحتساء القهوة ولعب الورق، والاستلقاء على الفراش في المنزل، وعدم القدرة على النوم. أمر مخيف أن تبقى في الفراش يلازمك حلم أسود. أمشي في ذلك النفق الضيق وأمشي، أركض وأركض نحو نقطة مضيئة... وكلما أسرعت في الركض يبتعد الضوء وباب الخروج. ليتني أكمل طريق النفق. لكنني أرى أن الحلم هو البداية، ومن البداية يبدأ الركض... لقد تركت لي أمي مالاً تحت الكأس الموضوعة فوق طاولتي. تعلم المسكينة أنني أحتاج كل يوم إلى ثمن الدخان والقهوة. لم يعد الطقس بارداً. ياللعجب، لماذا أتجول وأنا أرتدي قميصاً له كمان طويلان. لكن إن لبست قميصاً له كمان قصيران، تبدو آثار الدم واضحة على يدي وأصير مجبراً على أن أقدم تفسيراً لكل سائل. لكن الطبيب يقول إنه أنقذ حياتي وإنه قام بعمل بطولي... أقول لنفسي أحياناً: «الحمد لله أنني رسبت». سوف أخرج يوماً حتماً من ذلك النفق. لكن لماذا أخرج؟!. من أجل ماذا؟!. ألكي أكون مرتاحاً مثل الجميع إنساناً طبيعياً... مرتاحاً. لكن هل ذلك يستأهل؟... أنا مرتاح بوضعي . لا، أنا رافض لحالتي، رافض خصوصاً لذلك النفق الطويل، الأسود. عندما آخذ أدويتي هذا المساء ستنفتح أمامي السماء الزرقاء واسعة وأسبح في الفضاء بخفة، بحرية. لكن عندما تنفتح السماء الزرقاء أستيقظ وينطفئ كل شيء من حولي: البيت، الشارع المقهى... ويعود بي الظلام إلى ذلك النفق: نفق طويل أسود بلا حدود دونه الهلاك. ـ يا طبيبي أنا أركض دائماً في ذلك النفق. ـ خذ أدويتك. ـ إلى متى؟ ـ إلى أن تتحسن، صدقني ستتحسن. ـ لكن في اليوم الذي آخذ فيه الدواء ينقلب حالي، وتتحرك في داخلي رغبة في قتال الجميع. لكل هذا، لا أحب أن آخذ الدواء، أفضل السكون والاستغراق في السكون من أجل أن أتعذب، وأتعذب. ـ قليل من الإرادة والصبر، السبب هي أعصابك، غضبك. اذهب إلى الحديقة العامة وتجول قليلاً... ـ الحديقة العامة؟ كدت أقتل حارسها. قطفت زهرة واحدة زرقاء صغيرة... كانت الزهرة الوحيدة زرقاء اللون، منحنية. أشفقت عليها، فقطفتها. رآني. صرخ. هجم علي وهو يصيح «سارق الأزهار». لم أضربه. هو أراد أن يضربني. دفعته فقط فوقع أرضاً. كان رجلاً مسناً، خفت أن أكون قد أصبته بمكروه، فبدأت أركض. ووقعت الزهرة على الأرض. لا، أنا لا أذهب إلى الحديقة العامة. لا أستطيع رؤية الزهرة الذابلة. الزهرات تشبه الفتيات، يتفتحن، يخلقن، يزهرن، ويذبلن. أدوية أيضاً، أدوية. حسن، سأستخدمها، سآخذها كلها دفعة واحدة. لم لا؟!. لماذا لا يمكن؟ أريد الصعود إلى السماء الزرقاء، أريد الخروج من النفق الأسود المعتم. لا أمل لي في الوصول إلى الطرف الآخر إلى الضوء للخروج. خمس عشرة... عشرون... حتى لا تبقى ولا واحدة من القناني، فالقناني الفارغة تذكرك بأشياء كثيرة. لقد قاربت على الوصول إلى البقعة المضيئة ولسوف أسيطر على السماء الزرقاء. * كنَا نمشي خلف النعش مطأطئي الرؤوس كنَا نحمل التابوت إلى المقبرة. أما هو... *** شاغيك منجيكيان ولدت شاغيك منجيكيان في كسب في أسرة يهوى أفرادها الأدب، فورثوها هذا الميل وشجعوها على ممارسة الأدب بدءاً بالترجمة في مقتبل عمرها. وهي كما يبدو من ترجمتها تجيد اللغة العربية والأرمنية إلى جانب الإنكليزية والفرنسية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |