|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
«الرحيل» للروائي المغربي طاهر بن جلون ـــ قراءة: محمد عبد الكريم إبراهيم صدرت عن دار النشر غاليمار رواية فرنسية جديدة للكاتب المغربي طاهر بن جلّون تحت عنوان «الرحيل». تضم الرواية أربعين فصلاً, ويحمل كل فصل منها اسم شخصية من الشخصيات. تعالج هذه الرواية موضوعاً عصرياً تناقلته الصحف والمجلات ومحطات التلفزيون, وهو هجرة شباب المغرب إلى إسبانيا بصورة غير شرعية عبر مضيق جبل طارق؛ الذي لا يبعد عنها سوى أربعة عشر كيلو متراً. تبدأ أحداث الرواية في مدينة طنجة, وبالتحديد في أحد المقاهي، حيث يعكف العاطلون عن العمل على تدخين غليونات الكَيف وهم يسندون ظهورهم إلى الجدار, ويتجهون بأبصارهم إلى البحر بانتظار ظهور أولى أضواء إسبانيا. يستبد بهم هاجس الرحيل عن الوطن لذا فهم يرقبون البحر أو «صوت قارب عتيق عائد إلى الميناء. إنهم بانتظار من يساعدهم على اجتياز المسافة التي تفصلهم عن الحياة, عن الحياة الجميلة, أو عن الموت». يعرفنا الكاتب في الفصل الأول على الشخصية الرئيسية في الرواية, واسمه عز العرب, وهو شاب مثقف يحمل شهادة جامعية في الحقوق. يفتش عز العرب عن عمل في كل مكان, ولكنه يجد دائماً الأبواب موصدة في وجهه, فيقرر الرحيل إلى إسبانيا بأي ثمن كان. كيف يرحل وليس معه تأشيرة دخول إلى إسبانيا؟! يحاول العبور سراً على متن قارب يملكه أحد المهربين, ولكن الرحلة تلغى في اللحظة الأخيرة دون أن يستطيع استرداد ماله الذي دفعه ثمناً للرحلة. تبدأ مسيرة حياة عز العرب بالتسكع في أزقة مدينة طنجة المطلة على المحيط الأطلسي, وتقوده هذه المسيرة إلى حانة تقع في شارع ولي العهد, ويديرها زوج من الألمان. يلتقي هناك بالمهرّب الذي يلقب بالعافية «النار», وهو شخص فاسد معروف بنشاطه في تهريب المسافرين المخالفين والاتجار بالمحظورات. لا يأبه بعواطف الناس, ولا هم له سوى جمع المال ولو كان ذلك على حساب أرواح الناس, إذ غالباً ما كانت الرحلة البحرية تنتهي بهلاك ركابها لأنه كان يحمّل قواربه أكثر مما تستطيع حمله. نرى من خلال شخصية العافية صورة الفساد المستشري في المغرب في ظل الملكية. فالعافية من الناحية الجسدية رجل ربعة, عريض المنكبين, منتفخ البطن دلالة على جشعه وحبه للمال. على صلة قوية بجميع الشخصيات المحلية والخارجية. «لم يكن يخاف من أحد، ولم يكن يصرف عنايته إلا لأعماله. قيل إنه يحفظ من الأسرار ما يجعله خزنة حقيقية متجولة». يتظاهر بأنه مسلم صالح فهو لا يشرب الخمر, ويحج إلى بيت الله, ولكنه لوطي ينبطح أمام من يريد أن يأتيه من الخلف. عندما تقع عين عز العرب على العافية في الحانة ينعته باللوطي السلبي, فتثور ثائرته، ويقرر أن يلقنه درساً لا ينساه أبداً. يصدر العافية أمره إلى حراسه الشخصيين فيقوم رجلان برميه خارج الحانة بعد أن يوسعاه ضرباً، ويتركانه على الرصيف مثخناً بجراحه. في تلك اللحظة بالذات تتوقف سيارة أمامه, ويترجل منها رجل وسائق السيارة فيحملان عز العرب وينطلقان به إلى منزل يقع في الجبل العتيق المطل على المدينة والبحر. أنقذ عز العرب, وكان منقذه إسبانياً كبيراً في السن اسمه ميغيل. يصطاف ميغيل دائماً في طنجة, ويسافر كثيراً حول العالم. يقيم في برشلونة، ويملك معرضاً لبيع اللوحات الفنية في مدريد. كما تربطه «صلة قرابة بأحد أبناء عمومة الملك», لذا فهو يدعى إلى بلاط الملك في المناسبات. وهو أيضاً رجل مجتمع يحب السهرات التي يقيمها المجتمع المخملي؛ لأنها تناسب طيشه ومجونه، وتساعده على نسيان علاقاته العاطفية المثلية الفاشلة. في صباح اليوم التالي يقرع ميغيل باب غرفة نوم عز العرب ليقف على حالته الصحية ويعرف اسمه ومهنته وسبب إصابته. وعندما لا يسمع صوت أحد يدخل إلى الغرفة على مهل فيقع نظره على عز العرب فيصاب بالذهول «من براءة وجهه ونضارة جسمه الذي بدت عليه آثار الضرب. يتولد لديه شعور قوي بأن هذا الشاب سيقلب حياته رأساً على عقب». على الغداء يلتقي ميغيل وعز العرب فيجري بينهما الحوار التالي: «ـ اجلس, لا بد أنك جائع. ـ كلا, أريد فقط حبة أسبرين وكأساً كبيراً من الماء. ـ ما اسمك؟ ـ عز العرب Azz El Arab . ـ هذه أول مرة أسمع فيها اسماً مغربياً, ويصعب لفظه إلى هذه الدرجة. ـ يناديني أصدقائي بعزّو, هذا أبسط. ـ ماذا يعني هذا الاسم؟ ـ يعني عزة العرب, مجد العرب. أنا صفوة العرب, اسمي يعني الثمين والغالي والحسن... ـ أليس من الصعب بعض الشيء حمل مثل هذا الاسم؟ ـ كان أبي ناصرياً قومياً متحمساً للعروبة. ومما يؤسف له أن العالم العربي اليوم هو في حالة يرثى لها, وأنا أيضاً, بالمناسبة, أريد أن أشكرك على ما فعلته مساء أمس». يفكر عز العرب أن يسأل ميغيل إذا كان يستطيع مساعدته للحصول على فيزا إلى إسبانيا, لكنه يؤجل ذلك ليوم آخر. في اليوم التالي يأتي عز العرب إلى ميغيل برفقة صديقته سهام, ويقدمها إليه على أنها خطيبته. لم يكن عز العرب بحاجة إلى إقناع ميغيل لمساعدته على الرحيل من المغرب؛ لأن هذا الأخير كان قد قرر أن يجعل منه عشيقاً له. يتعرف ميغيل على عائلة عز العرب, ويدعوه هو وشقيقته كِنزا إلى الحفل الذي يقيمه بمناسبة رحيله, لكنه في الحقيقة يعمل دعاية لعشيقه الجديد.«كان المدعوون من الرجال يتهامسون ويضحكون (...). لا بأس بهذا الشاب, ولا بأس بأناقته. لقد وفّق ميغيل هذه المرة في اختياره. هل تظن أن ذلك سيدوم؟ من يدري؟» قبل رحيله يحصل ميغيل من القنصلية الإسبانية على أوراق طلب الفيزا ويسلمها إلى عزّ العرب, ثم يعده بإرسال عقد عمل إلى القنصلية الإسبانية يثبت بأنه يعمل لديه. وهكذا يغادر عزّ العرب المغرب. في المطار تتأخر الطائرة قليلاً. يجلس في الكافيتيريا ويطلب فنجاناً من القهوة. يفتح الرسالة التي كان قد كتبها لبلده في اليوم الذي حصل فيه على فيزا إلى إسبانيا. يسمع في الميكرفون أن إقلاع الطائرة سيتأخر نصف ساعة فيبتعد عن الأنظار «ليقرأ بصوت عالٍ تلك الرسالة التي كان الكثير من أصدقائه يتمنون كتابتها». موطني الغالي ( نعم ينبغي أن أقول «موطني الغالي», فالملك يقول «شعبي الغالي»). اليوم هو يوم مشهود بالنسبة لي. أخيراً صارت لدي الإمكانية, وحالفني الحظ في الرحيل ومغادرتك والتوقف عن استنشاق هوائك والتعرض لمضايقات رجال شرطتك وإهاناتهم. أرحل وقلبي منفرج وعيناي تشخصان إلى الأفق, وتتطلعان إلى المستقبل. لا أعرف تمام المعرفة ما سأفعله, كل ما أعرفه هو أنني مستعد لأتغير, مستعد لأعيش حراً, لأكون مفيداً, لأفعل أشياء تجعل مني رجلاً يقف على رجليه, رجلاً لا يسكنه الخوف بعد الآن، ولا ينتظر من شقيقته أن تمده ببعض المال ليخرج ويبتاع السجاير, رجلاً يقطع كل صلة له «بالعافية», هذا الشرير, هذا الوغد الذي يتاجر بالمخدرات ويفسد النفوس, رجلاً لا يعمل قواداً عند الحاج بعد اليوم, هذا الشيخ الطاعن في السن الذي يتلمس الفتيات دون أن ينام معهن, رجلاً لا يقوم بالأعمال الصغيرة بعد الآن, ولا يحتاج إلى إبراز شهادته ليقول إنها لا تفيد في شيء. موطني الغالي, أنا مسافر, أعبر الحدود وأتوجه إلى أماكن أخرى وفي جيبي عقد عمل, سأكسب رزقي أخيراً, فأرضي لم تكن متسامحة لا معي ولا مع الكثيرين من شباب جيلي. كنا نعتقد أن الشهادات ستفتح لنا الأبواب, وأن المغرب سيضع حداً للامتيازات ولكن الجميع أدار لنا ظهره, لذلك كان ينبغي أن نتدبر أمورنا بأنفسنا ونقدم على أي شيء لكي نفلح في الخروج من الوضع المأزوم الذي نحن فيه. دخل البعض البيوت من أبوابها وكانوا مستعدين للقبول بكل شيء, واضطر البعض الآخر على العكس أن يكافح.. ولكن يا موطني الغالي, أنا لا أغادرك بصورة نهائية, أنت تعيرني فقط للإسبانيين, لجيراننا, لأصدقائنا. نحن نعرفهم معرفة جيدة. ظلوا لفترة طويلة فقراء مثلنا, ثم ذات يوم مات فرانكو, وجاءت الديمقراطية وتبعها الازدهار والحرية. علمت بكل ذلك وأنا جالس على رصيف المقاهي, وهو المكان الذي اخترناه نحن المغاربة الآخرين لكي نتفحص منه بشكل دائم السواحل الإسبانية, ونردد بصورة جماعية قصة هذا البلد الجميل. تناهت إلى أسماعنا أصوات واقتنعنا من فرط تحديقنا بالسواحل أن حورية بحرية أو أن ملاكاً قد يحس بالشفقة علينا فيأتي ليأخذنا من أيدينا ويعبر بنا المضيق. كان الجنون يتربص بنا ببطء. هكذا وجد رشيد الصغير نفسه في مشفى الأمراض العقلية في بني مكادا. لم يكن يعلم أحد أي داء أصابه, فلم يكن على لسانه سوى كلمة واحدة «إسبانيا».كان يرفض تناول الطعام على أمل أن يصير خفيف الوزن ليطير على جناحي الملاك. أيها الوطن, يا إرادتي المقيدة! يا رغبتي المحروقة! يا حسرتي الكبرى! تركت فيك أمي وشقيقتي وبعض الأصدقاء. أنت شمسي وحزني, هم أمانة في عنقك لأنني سأعود وأريد أن ألقاهم بأحسن حال, وخصوصاً عائلتي الصغيرة, ولكن خلصنا من هؤلاء اللصوص الذين يمصون دمك لأنهم يجدون الحماية حيث يجب أن يجدوا العدالة والعقاب. خلصنا من هؤلاء الوحوش الذين لا يدرسون القانون إلا ليتحايلوا عليه, لا شيء يوقفهم« فالمال كما تقول أمي يحلّي الأشياء المرّة». أنا لست صارماً من الناحية الأخلاقية, فأنا بعيد كل البعد عن الكمال وليس مسلكي بالمسلك السليم, أنا لست سوى كسرة خبز في هذه المأدبة التي تدعى إليها دائماً الوجوه نفسها, والفقير فيها دائماً موضع شبهة, وفقره جنحة, لا بل خطيئة. «غالباً ما كان العافية يردد على مسامعي: المال أمامك, يا صديقي, حسبك أن تمد يدك وتأخذه، ولكي تتخلص من فقرك, ما عليك سوى أن تقرر ذلك». ابتليت أنا أيضاً أن أفعل مثل الآخرين, ولكن يداً, يد أمي, يد أبي الذي لم أعرفه جيداً, أرشدتاني إلى الطريق المستقيم. فشكراً لهما! شكراً لأنني لم أختر الطريق السهل. ولكن علي أن أتوقف هنا عن الكتابة, فأنا أشعر بالنعاس. أتصور نفسي في الطائرة. أنا لست خائفاً, أشعر بالإثارة والفضول لكي أراك يا موطني من الأعلى. آمل أن يفكر الطيار بالتحليق فوق طنجة من أجلي فقط لأقول لها «إلى اللقاء» , لكي أخمن من يسكن في هذا الكوخ الذي يبدو من بعيد, ومن يتألم بين هذه الجدران المتشققة, ومن يعيش في هذا البيت من الصفيح, وإلى متى سيظل هذا البؤس محتملاً. عندما يصل عز العرب إلى مطار برشلونة, يستقبله رجل قصير القامة, طاعن في السن اسمه شيكو. يصطحب شيكو عز العرب إلى منزل ميغيل حيث تستقبله العجوز كارمن، وترشده إلى إحدى الغرف، وتطلب منه انتظار مجيء ميغيل. تستولي الدهشة عليه برؤيته للوحات الفنية المعلقة على الجدران, وللعدد الكبير من التحف الفضية المعروضة في إحدى الواجهات. تحضر كارمن لعزّ العرب فنجاناً من القهوة. يدخل ميغيل فجأة على عزّ العرب: ـ هل كانت رحلتك موفقة؟ قاطع جوابه وتابع فجأة: ـ علينا حالاً أن نسوي مسألة أوراقك. سنذهب غداً بجواز سفرك إلى قسم الشرطة لنملأ طناً من الأوراق الإدارية, وبعدها نمر على المحامي لتنظيم عقد العمل النهائي الذي بموجبه أشغّلك عندي. في الوقت الحاضر ستنزل في غرفة الخادمة في الطابق الأخير. هذا مزعج ولكن لا مندوحة لنا عن القيام بذلك حتى ننعم بالطمأنينة. تردد عزّو لحظة قبل أن يسأله ما هي صنعته بالضبط. ـ هيا! هيا! لا تتظاهر بالغباء, فأنت فهمت جيداً... ـ كلا, سيد ميغيل, أؤكد لك... ـ هيا! كفاك تأدباً. لنهتم بقصة الأوراق ولنترك الباقي إلى وقت آخر. لا بد لنا من التحدث عن علاقة عز العرب بالنساء, وهي علاقة جنسية بحتة. يعتمد عز العرب في علاقاته الغرامية على جاذبيته, «وعلى عينيه السوداوين البشوشتين, وعلى أهدابه الطويلة». كان تعرف إلى رجل كهل يدعى «الحاج». و الحاج هذا معجب كثيراً بعز العرب, يستضيفه في أغلب الأوقات في بيته الجبلي الجميل في طنجة. وهو متزوج ولكنه لم يرزق بأولاد, إذ أنه مصاب بعجز جنسي لكنه متفاهم مع زوجته التي تتركه لتقضي شطراً كبيراً من السنة في «الريف» مسقط رأسها. في مقابل ذلك يأخذها معه إلى مكة كل سنتين من أجل الحج. يحب الحفلات فيقرر أن يتوقف عن كل شيء ويستفيد من الحياة وينصرف للهو بعد أن «عاصر زمن المال السهل». غالباً ما كان الحاج يكلف عزّ العرب بدعوة الفتيات إلى منزله، فقد تعرف عن طريق سمسار العقارات الذي عمل لديه لفترة قصيرة على مجموعة من الفتيات اللاتي يحببن اللهو والرقص والمضاجعة عند الاقتضاء مقابل بعض الهدايا أو المال. كان البعض منهن يدعين «أنهن سكرتيرات أو عاطلات عن العمل, وكان البعض الآخر يدعين أنهن مُطلقات في مقتبل العمر, يعشقن الحياة ولكن تعوزهن الإمكانيات. وأخريات جاءت بهن إلى هذه السهرات أخواتهن الكبريات, ويزعمن أنهن يردن الوقوف على أسرار الحياة. إنهن صغيرات في السن وساذجات, جميلات ومرحات, وينحدرن في أغلب الأحيان من الأوساط المتواضعة, وأحياناً من الأوساط الميسورة». أما عز العرب فلم يكن يعتبرهن بغايا, وإنما كان ينظر إليهن على أنهن «حالات اجتماعية» فقط لا غير. حاز على إعجاب الكثير منهن, ولكنه كان صريحاً معهن: «أبلغ من العمر أربعاً وعشرين سنة. أحمل شهادة جامعية وعاطل عن العمل. لا أملك مالاً ولا سيارة. أنا حالة اجتماعية. نعم, أنا أيضاً أسير نحو الهاوية. وأنا مستعد لأي شيء لكي أرحل من هنا لكي لا أحتفظ معي عن هذا البلد إلا بصور وبطاقات بريدية, لذا فأنا لم أُخلق للحب, وأنتن تستحققن ما هو أفضل, تستحققن الرفاهية والجمال والشِّعر... لقد حاولت من قبل عبور الأربعة عشر كيلو متراً التي تفصلنا عن أوروبة, ولكنني وقعت ضحية عملية نصب, وكنت أوفر حظاً من ابن عمي نور الدين الذي مات غرقاً على مسافة أمتار من العامرية, فهل تعقلن ذلك؟». وقعت واحدة من الفتيات في حبه, وكان اسمها سهام. تمتاز سهام بالنضج, وقد عبرت هي أيضاً المضيق، ولكن شرطة الحرس المدني اعتقلتها وسلمتها إلى رجال الشرطة في طنجة فأوسعوها ضرباً. ومنذ تلك الحادثة وهي تخطط للرحيل عن المغرب. في نهاية المطاف يساعدها الحاج على الرحيل ويجد لها وظيفة مربية لطفلة معاقة عند عائلة سعودية في مدينة مربيا. في برشلونة يرافق عز العرب ميغيل في حله وترحاله, كما ينوب عنه في صالة عرض اللوحات. ذات يوم اتصلت به سهام هاتفياً وطلبت منه أن يأتي لرؤيتها في مربيا. فاضطر أن يكذب على ولي نعمته مدعياً أن عمه مريض في مَلقة, وكذلك فعلت سهام الشيء نفسه مع مخدومتها لتحصل منها على إجازة, وادعت أن عز العرب الذي يعمل في برشلونة هو خطيبها. كان اللقاء بين عز العرب وسهام «قصيراً ولكنه عنيف». بعد مطارحتها الغرام اعترف لها قائلاً: ـ «لقد أصبحت عشيقاً لميغيل». تعترف سهام بحبها له منذ التقته عند «الحاج», فيجيبها بأن الحب للنساء, وأن على الرجال أن يبقوا أقوياء. وبما أن سهام لم تكن تستطيع الحصول دائماً على إجازة من مخدومتها, فقد كان عز العرب يذهب إلى حانة ترتادها الفتيات اللواتي يشتكين من أوضاعهن. كان صاحب الحانة يلقب El Caudillo لكونه شبيهاً بالجنرال فرانكو. أحب عز العرب صاحب الحانة لأنه لم يكن يطرح عليه أسئلة عن ماضيه, أضف إلى أنه تعرف إلى سميّة عن طريقه. وسمية فتاة من وجدة, جاءت إلى إسبانيا برفقة عشيقها الذي تخلى عنها وتركها خالية الوفاض. تبين بعد ذلك أنه متزوج من امرأة أخرى وله منها أولاد. «وعوضاً عن العودة إلى المغرب استسلمت للمجون وللحياة السهلة». وهكذا قادتها قدماها ذات مساء, دون أن تدري إلى أين ذاهبة, إلى مقهى El Caudillo فعرضت زوجته عليها العمل في المطبخ. علم عزّو عند رؤيته لها من المرة الأولى أنها ستصبح عشيقته. «كانت طريقتها في النظر إلى الرجال دعوة حقيقية لممارسة الجنس». اكتشف ميغيل أن عز العرب يكذب عليه بخصوص علاقته مع النساء. لم يغضب منه, ولكن قال له منزعجاً: «ـ عندما تذهب في المرة المقبلة لتقابل بغيك, أخبرني بذلك فأبتاع لك زجاجة من العطر تهديها لها من قبلي». لم يرد عليه عز العرب بشيء، فقد كان يعلم أنه سيفترق عنه يوماً ما, ولكن هذا اليوم لم يأتِ بعد، وخصوصاً أن أمه كانت تلح عليه لكي يطلب من ميغيل استقدام أخته كِنزا إلى إسبانيا. «لم يكن ميغيل مغفلاً من جهته. كان يعلم تمام العلم أن عزّو ليس مغرماً به, وأنه يستغل خصوصية الوضع. بالطبع لم يكن الأمر بهذه البساطة. كانت دائماً بينهما أوقات حنان حقيقية, أوقات يشعران فيها أنهما قريبان أحدهما من الآخر. لكن عزّو لم يتماد معه قط, فقد كان يضبط نفسه ويخاف من دوافعه. لم يتمكن أن يكون عفوياً عندما يمارسان الجنس. مع النساء ثمة جنس وكلام جميل, أما مع ميغيل فيغمض عزّو عينيه ويلوذ بالصمت». ذكرنا أن عز العرب كان ينوب أحياناً عن ميغيل في صالة عرض اللوحات, ولكنه كان يترك العمل ويغيب عدة أيام دون إذن. وعندما كان ميغيل يسأله عن سبب انقطاعه, كان يرفض الإجابة. في الواقع «كان عزّو عندما يهرب من البيت يلجأ بكل بساطة إلى سميّة. كانت تجعله يكتشف البطولات الجنسية التي لم يتفق له قط اختبارها مع سهام». لم يكن عند سميّة أدنى حشمة ولا أدنى محرم من المحرمات, وكانت تقبل على الجنس دون أن تخفي شيئاً من هوسها بما كانت تسميه «الرذيلة». يقرر ميغيل أن يضع حداً لتسكعه فينظم حفلة تنكرية في منزله ويدعو إليها ثلاثين رجلاً, ويطلب من عز العرب أن يرقص كما ترقص البغي مرتدياً زياً نسائياً. أراد بذلك أن يذله ويجعله فرجة لمن يتفرج. «في اليوم التالي, يحلق عزّو شاربه ويرتب أغراضه ويعقد النية على مغادرة هذا البيت دون رجعة. لم يكن يدري أين يذهب, ولكن ذكرى السهرة كانت تسري في بدنه كالمرارة, كشيء مُر وغث. لم يعد يحتمل البقاء سجيناً لهذا الوضع». بعد عدة أيام يتصل الإسباني بعز العرب ويعرض عليه الذهاب إلى طنجة. لم ترق له الفكرة كثيراً فقد كان يخاف لقاء أصدقائه برفقة ميغيل, كما كان يخاف أيضاً مواجهة أخته التي تنتظر منه أن يساعدها على الرحيل إلى إسبانيا. وصلا إلى طنجة في شهر آب.كانت عودة عز العرب هي عودة الابن الضال. «كانت الأمسية الأولى أمسية الفرح. روى عزّو قصة حياته بصورة مبالغ بها, بل كان يقول أشياء كاذبة مع أن أحداً لم يصدق ذلك. قبل النوم انتحت كِنزة به جانباً: ـ لم أعد أطيق هذا البلد. تفاقمت الأمور منذ رحيلك. لا يوجد مخرج فكل شيء مسدود. من حسن الحظ أن السيد ميغيل يفكر بنا بين الحين والآخر. أنت من يرسل لنا المال, أليس كذلك, ولكن الحوّالة موقعة باسمه. توقف عزّو لبرهة فهو لم يكن على بيّنة من الأمر. ـ لا فرق إن كان هذا المال منه أم مني. ولكن يبقى من الصعب عرض طلبك عليه. ـ ومع ذلك لا أحد سواك يستطيع ذلك. أنا لا أعرفه معرفة كافية حتى أطلب منه ذلك فجأة. هل تستطيع أن تعقد لي زواجاً صورياً؟ ـ نعم بالتأكيد. ولكني أخشى أن نبالغ في شدنا للحبل. ـ ميغيل ليس حبلاً. ـ كلا, بالتأكيد. ولكن ينبغي ألا نبالغ فهو في نهاية الأمر رجل له مبادئه. -سأدع إذاً أمي تتولى الموضوع. -كلا, ليس هي على وجه الخصوص, فسوف تفسد كل شيء, ناهيك بأنها قد تضيّع الرحلة إلى مكة التي يفكر بتقديمها لها». يعرض عزّو طلب أخته على ميغيل فيوافق على طلبها معتقداً أن ذلك «يخلق استقراراً في البيت, ويجعل عزّو أكثر أهلاً للثقة وأكثر رضوخاً». وهكذا يعتنق ميغيل الإسلام ويتزوج كنزا زواجاً صورياً من أجل إرضاء عز العرب, ويصبح اسمه منير. تبدأ هنا أحداث قصة جديدة في إسبانيا بطلتها كنزا, شقيقة عز العرب. تحب كنزا الرقص على أنغام الموسيقا الشرقية. ترقص في حفلات يقيمها الجيران للترويح عن النفس. «كان بإمكانها أن تحترف الرقص، ولكن الفتاة التي ترقص في هذا المجتمع لتكسب رزقها عرضة للطعن بأخلاقها». كانت كنزا موعودة بالزواج من ابن عمها نور الدين, ولكنه مات غرقاً في رحلة بحرية على متن قارب من قوارب «العافية». لم يعد أمامها الآن سوى الرحيل لأن الأمور تتفاقم وجميع المنافذ موصدة على حد تعبيرها. تصل إلى برشلونة بعد انتظار دام ثلاثة شهور. تتكيف بسرعة في المجتمع الجديد لأنها تتكلم اللغة الإسبانية. لم تشأ منذ البداية أن تعيش عالة على ميغيل, فراحت تفتش عن عمل في المجال الاجتماعي, وبعد شهر من البحث عثرت على وظيفة في الصليب الأحمر. أما عز العرب فقد أرسله ميغيل إلى مدريد ليعمل في معرض اللوحات مكان الشخص الذي كان يعمل هناك, ولكن عز العرب كان يقضي وقته في السهرات ولا يستيقظ إلا متأخراً. أقلق هذا الوضع ميغيل كثيراً وسبب له الإزعاج. عملت كنزا في الصليب الأحمر, لكنها تلقت عرضاً من صديق زوجها للعمل راقصة في مطعم «زيت الزيتون», فقبلت بالعرض لأنها كانت تعشق الرقص. كان لا بد لكنزا من أن تغادر المغرب حتى تلتقي بناظم التركي الهارب من بلاده لأسباب سياسية كما يدعي, ولكن الحقيقة غير ذلك تماماً. «كان ناظم فارع الطول, أسمر البشرة, صافي العينين, كثيف الشاربين». «كان يعمل نادلاً في مطعم «كباب» حيث كانت كِنزة تتناول طعامها من حين إلى آخر بصحبة صديقاتها في الصليب الأحمر». «وقعت كِنزة في سحر ابتسامته وجمال عينيه». حدث أول لقاء حقيقي بينهما في قرية صغيرة بالقرب من برشلونة. «أرادا أن يتعارفا ويتجاذبا أطراف الحديث دون استعجال ويشعرا أنهما يقضيان عطلة». ذهبا إلى فندق صغير, ومارسا الحب «كالنهمين». لم تكن هذه العلاقة بالنسبة لكنزا هي الأولى فقد كانت موعودة بالزواج من ابن عمها نور الدين, وكانت قبل زواجه منها قد مارست الحب معه سراً في الكوخ, وبعد موته ظلت ذكرى هذه العلاقة تؤرقها. «كان لا بد لي أن أغادر بلدي وأهجر عائلتي وأصبح أولاً زوجة لشخصية جذابة, وأن يضعني القدر ثانياً في طريق ناظم الذي لم أعلم قط إن كان مهاجراً أم منفياً, إنما كان رجلاً حقيقياً, لكي أخرج من قصتي الحزينة وأعرف الحب, الحب الكبير, الحب الذي يقشعر منه البدن, الحب الذي يقلب الكيان, الحب الذي يجعلك شفافة, هشة, متأهبة لكل شيء. لم أكن أعرف من قبل تلك الحالة التي يتسلق فيها الجسد عندما يكون مرغوباً للغاية ومحبوباً للغاية إلى القمم فينظر إلى المدينة بشهية من يريد أن يجرب كل شيء, ويتجرع كل شيء, ويحتضن كل شيء, ويعانق كل شيء». وكذلك لم تكن هذه العلاقة بالنسبة لناظم هي الأولى منذ وصوله إلى إسبانيا. كانت العلاقة الأولى مع تركية, لكنها لم تعمر طويلاً. وكانت الثانية مع امرأة من كوبا, وكانت العلاقة معها جنسية بحتة. كان ناظم «يفتش عن امرأة ليست غريبة كثيراً عن ثقافته.كان يحتاج إلى أن يسمع اللغة التركية أو العربية على الأقل, وأن ينفعل بموسيقا بلده وأن يشاطره أحد انفعالاته وأفكاره.كانت هذه الأوصاف تنطبق على كِنزة فهي عربية رغم هيئتها التي توحي بأنها من جنوب أوروبة, حرة, جميلة, وخصوصاً أنها تقيم في إسبانيا بصورة قانونية.كان يأمل في سره الإفادة من وضع كِنزة لكي يسوّي وضعه الخاص, فلقد سئم من حالته المخالفة للقانون، ولكن ناظم كان حذراً في هذا الموضوع. لم يكن يريد أن يظهر بمظهر الوصولي, أو بمظهر الرجل الذي يبحث عن مصلحته الذاتية دون أن يكون صادقاً». دعاها ناظم لقضاء ليلة ثانية في إحدى الفنادق. وبعد أن طارحها الغرام عرض عليها الزواج, لكنها لم تستعجل بالرد على طلبه. «لا شك أنها كانت تحس نحوه أيضاً بالعواطف, وربما بعاطفة الحب بيد أنها كانت ما تزال في ريب من أمره. ماذا يفعل هذا الإنسان المثقف في برشلونة؟ لماذا غادر موطنه؟ يقول إن ذلك بسبب المشكلات السياسية, ولكن شيئاً لا تعرف كنهه يضايقها. سارت وفكرها مشغول بتلك الليلة التي كانت من أجمل الليالي في حياتها». اختفى ناظم فجأة فالشرطة الإسبانية تبحث عن الأشخاص غير النظاميين لترحليهم إلى بلادهم. سألت كنزا عنه في مطعم «كباب» الذي يعمل فيه فلم تجده. أعطاها أحدهم عنوانه فركبت سيارة أجرة وذهبت إلى العنوان. دخلت في زقاق مظلم , وكان مدخل البناية وسخاً. رأت شحاذاً مخموراً فأعطته مالاً «وسألته إن كان يعرف رجلاً تركياً طويل القامة, أسمر اللون, له شارب كثيف أسود. ـ آه المغربي! إنه يسكن في الطابق الأخير في نهاية الممر, الباب الأحمر. طرقت الباب وصاحت باسم ناظم عدة مرات. أصاخت بسمعها فلم تسمع من خلف الباب سوى صوت طفل. فطرقت الباب بقوة وهي تقول: ـ افتح لي يا ناظم, أنا كِنزا. الأمر هام. سمعت طفلاً يبكي وسمعت صوت امرأة تقوم بإسكاته. قالت كِنزة لنفسها: إن المعلومات التي بلغتها لا بد أن تكون خاطئة. لا يمكن لناظم أن يسكن في هذه البناية المهجورة, إلا إذا كان متزوجاً ويعيش هنا مع عائلته.لامت نفسها في الحال على هذا التفكير, على أن كل شيء ممكن وطالما ردد ميغيل ذلك على مسامعها. دخل الشك الآن إلى أغوار سريرتها, تملكها, أقلقها, تلاعب بها, آلمها. ليس عليها الآن سوى أن تقوم بشيء واحد, وهو أن تعثر على ناظم وتطرح عليه السؤال بكل صراحة. في اليوم التالي جاء ناظم إلى كنزا, ولكن الهموم كانت بادية على محياه». «جلسا في أحد المقاهي. ضمّها إلى صدره. شعرت كِنزة برغبة في البكاء فحَدسُها يقول لها: حذار! حذار! نهض ناظم ليذهب إلى المرحاض. لاحظت كِنزة أن محفظته قد سقطت على الأرض. تناولتها ووضعتها على الطاولة ثم حدقت بنظرها فيها. لمعت في ذهنها فكرة مجنونة: إن تفتحي هذه المحفظة فستكتشفي أمراً هاماً.كان ذلك بمثابة إشعار من القدر. بيد أنها لم تجرؤ على لمسها, ولكن ناظم تأخر في العودة. مدت يدها ببطء وفتحتها بإصبعها نصف فتحة. بانت منها صورة لناظم وهو يطوّق بذراعيه امرأة شابة سمراء اللون طويلة الشعر ويحف بها طفلان. إنها صورة عائلية, الصورة التقليدية التي يحتفظ بها الآباء في محفظاتهم. جرت الدموع على خديها كالنبع. أخيراً بان ناظم مبتسماً ومستعداً لقضاء نهار جميل مع حبيبته. تمالكت كِنزة أعصابها. نهضت دون أن تنطق بكلمة, خرجت من المقهى, أوقفت سيارة أجرة واختفت عن الأنظار تاركة ناظم وحيداً على الرصيف». ولم تكن نهاية عز العرب أقل مأساوية من نهاية شقيقته كنزا. فقد عز العرب عمله لدى ميغيل, وانتهت بطاقة إقامته فأصبح مخالفاً للقانون, وقد يرحّل إلى بلاده في أية لحظة. فقرر أن يقطع صلته بالجميع. أخذ يقضي وقته بصحبة عباس, وهو مغربي دخل إسبانيا متسللاً بعد أن فشل أكثر من مرة. وعباس هذا يكره الإسبانيين أشد الكره. يتاجر بالأشياء المقلدة أو المزورة, لكنه لا يتاجر بالمخدرات فهذا برأيه «عمل قذر». يبيع الهواتف النقالة ذات البطاقات الممغنطة المزورة, ويبيع بطاقات تشاهد بها جميع المحطات التلفزيونية في العالم, باختصار فهو يعمل في مجال القرصنة, ويساعده في ذلك فرد باكستاني خبير في هذا المجال. كان عباس يكلف عز العرب «ببيع بعض الساعات المقلدة أو أحياناً بعض علب الكبريت الممتلئة بأعواد الحشيشة». (...) باع عزّو ذات يوم ساعة مزيفة من ماركة Cartier لأحد المارة فشكره باللغة العربية. وبعد برهة رجع إليه الرجل وسأله إن كان لديه بعض الوقت لشرب فنجان من القهوة. قال له: إني غريب في هذه المدينة, لست سوى مسافر عابر. فهل تستطيع أن ترشدني إلى مسجد من مساجد الحي لكي أؤدي صلاة العشاء؟ أريد أن أصلي فبدون الصلاة أكون شقياً. لم يكن عزّو يعلم بوجود مسجد في الجوار. سأله الرجل: ألست إذاً ممن يصلون؟ أجاب عزّو بحركة من شفتيه تدل أن ليس من عادته الصلاة. فتابع الكلام: من المؤسف يا أخي أنك لا تتوجه إلى الله ولو مرة واحدة في اليوم. هل تعلم تمام العلم أنك تستطيع الجمع بين الصلوات الخمس اليومية في صلاة العشاء وتصليها بكل طمأنينة. فهم عزّو على الفور أن هذا الرجل هو في الواقع داعية. فهو يستعمل الأسلوب نفسه، والخطاب ذاته اللذين كان يستعملهما ذاك الذي حاول في طنجة جره إلى حركة إسلامية. استمع إلى حديثه ولم يتصوره في مواقف مضحكة كما حدث له مع الداعية الذي قابله في طنجة. كان في المرة الأولى يملك القوة للوقوف في وجه هذا النوع من الخطاب السياسي الذي يرمي إلى التجنيد. أما الآن فهو يشعر بالتعب ويأمل على نحو غامض أن يتمكن من جني الفوائد بطريقة أو بأخرى من العروض التي لم يتوانَ الداعية في طرحها عليه. ـ أتعلم يا أخي أننا هنا في بلد أجدادنا الذين قامت بطردهم إيزابيلا الكاثوليكية، بعد أن نصبت المحارق التي أحرق فيها بعض رجالات الإيمان والمسلمين الذين ننحدر نحن منهم؟! كما أمرت بهدم أماكن العبادة، وأجبرت من لم يتمكن من الهروب على اعتناق الكاثوليكية, وحظرت الكتابة بالعربية ولبس الثياب التقليدية. كان ذلك منذ زمن طويل, منذ خمسمئة سنة, ولكن الحرق لا يزال باقياً في القلوب, في قلب كل مسلم وكل عربي. لقد طُرد الإسلام من هذا البلد, ويقع على كاهلنا إعادته وإعادة فرض احترامه. لقد شبعنا إهانات، وكفانا هذه المذلة التي ضربها الغرب المسيحي على رقابنا. انظر كيف يعامل أخوتنا في فلسطين, وكيف تساند أمريكا سياسة إسرائيل. انظر كيف يعامل المواطنون في بلداننا. يجب ألا نقف مكتوفي الأيدي, يجب أن ننشر الإسلام ونسمع صوت المسلمين. قل لي أنت, لقد درست في الجامعة ولست أمياً كمعظم إخوانك, أليس كذلك؟ ـ نعم, أحمل شهادة في الحقوق من جامعة الرباط. ـ أدركت ذلك على الفور.كنت أعلم أنني بإزاء رجل مثقف يعقل الأمور. أحب أن أدعوك للانضمام إلينا من أجل صلاة العشاء. ليس اليوم بالتأكيد, ولكن إذا شئت يوماً بالمصادفة أن تقابل أبناء من بلدك, لا مهربين ولا حثالة في المجتمع, فتعال وشاهد ما نشيّد وما نعد لمستقبل بلدنا. أدرك عزّو أنه أمام أحد الكذابين فسأله: ـ هل أنت مغربي؟ ـ مثلك تماماً. ـ لماذا إذاً تتحدث بلهجة شرق أوسطية؟ كأني بك أحد الخليجيين الذين يلقون من على الشاشة الصغيرة دروساً في الأخلاق. ـ هذا فقط لأنني تخرجت في الجامعة الوهابية في جدة. ـ وهابي...أنت وهابي؟ ـ لنتفق على لقاء وسأشرح لك ما هو مذهب مرشدنا عبد الوهاب الذي عاش في القرن الثامن عشر. ـ أعرفه حق المعرفة, ولا حاجة بك لأن تشرحه لي: إنه المرأة المتخفية, المحجبة من رأسها إلى قدميها, إنه الشريعة مكان القانون والقوانين المدنية... فيه تُقطع يد السارق وتُرجم الزانية... ـ ليست كل هذه سوى أحكام مسبقة. أنا بانتظارك الأسبوع المقبل في الموعد نفسه وفي المقهى عينه. إليك بطاقة تعريفي مع رقم هاتفي الجوال. اتصل بي متى شئت باستثناء أوقات الصلاة بالطبع. نسيت أن أقول لك إنني أدعى بمحض المصادفة العجيبة عبد الوهاب. يهمّ عز العرب بمغادرة المقهى, فتحصل مشاجرة بين مهاجرين اثنين فتتدخل الشرطة وتعتقل الجميع. وبعد التفتيش مع عز العرب يتبين أن بطاقة إقامته قد انتهت صلاحيتها, كما تعثر الشرطة معه على علب الكبريت المحشوة بالحشيش. «كان على اقتناع بأن قدره هو الذي قاده إلى هذا المقهى وإلى هذا الاعتقال. كان ثمة شيء واحد لم يرغب به, وهو أن يُطرد إلى المغرب. لا للعار, لا للمذلة, كل شيء ما عدا هذا. نعم للسجن ولكن لا للركلة في المؤخرة التي ترسله في غمضة عين إلى مرتفعات الجبل القديم في طنجة. لقد رحل حتى يعود أميراً وليس نفاية يلقي بها الإسبانيون». تبددت أحلام عز العرب, وعليه الآن أن يجد مخرجاً لورطته هذه. اقتيد إلى مكتب الشرطة حيث بات ليلته هناك. في صباح اليوم التالي يطلب التحدث إلى مسؤول من أصحاب الرتب العالية، ويعرض عليه أن يعمل مخبراً في الأوساط الإسلامية. «ـ ما هي الأدلة التي تستطيع تقديمها لنا حتى نثق بك؟ أخرج عزّو من جيبه بطاقة تعريف عبد الوهاب وأعطاه إياها. ـ جاءني هذا الرجل ودعاني للانضمام إلى حركة المؤمنين المسلمين, وهي شبيهة بالرابطة الإسلامية في إسبانيا. يلقي خطابات عن الانتقام, وقد كلمني عن إيزابيلا الكاثوليكية وعن الأندلس وعن عودة الإسلام إلى الأرض المسيحية والكافرة. ضرب لي موعداً الأسبوع المقبل, فامنحني فرصة». وهكذا نجا عز العرب بجلده ولكنه خسر نفسه. «ومن أجل تأمين غطاء له فقد عين في وظيفة بنصف دوام في الدائرة القانونية في مصرف كبير. لم يكن أحد يعلم ما يفعل خارج أوقات العمل». غاب عز العرب عدة أيام دون أن يعرف أحد عنه شيئاً. قام عميله بزيارة له في منزله. «طرق الشرطي الباب مراراً ولكن الباب لم يفتح فاستدعى تعزيزات لتحطيم الباب. وُجد عزّو على الأرض مذبوحاً ورأسه في بركة من الدماء. ذبحه الإخوان كما يذبح الخروف في عيد الأضحى». وهكذا أسدل الستار على حياة عز العرب الذي كان يعتقد أنه برحيله عن بلاده سيحقق أحلامه بالمجد والمال, فإذا به ينحدر نحو الهاوية, وينتهي نهاية فاجعة. لا نستطيع أن نفي الرواية حقها في هذه العجالة بسبب تعدد شخصياتها وكثرة أحداثها. ينتقد الكاتب كعادته الوضع الاجتماعي والسياسي في المغرب الذي يدفع بشبابه إلى الرحيل. كما ينتقد بشدة الأوساط الدينية المتشددة التي تحاول أن تجر الشباب اليائس إلى قضايا مريبة, وغالباً ما تفلح في مسعاها بسبب من الفساد المستشري في طبقات المجتمع. طاهر بن جلّون ولد طاهر بن جلّون في مدينة فاس سنة 1944. حصل على جائزة Goncourt عام 1987 عن روايته «الليلة المقدسة». |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |