|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
النص واللغة ـــ مدير التحرير إذا كان النص كائناً حياً كما تقول معظم نظريات النقد الحديث بدءاً من نظرية الشكل العضوي في الرومانسية إلى ما جاء بعدها من نظريات تفرّعت عنها أو خالفتها فهذا يعني أن للنص شخصية مستقلة عن سواه من النصوص وإن كان المؤلف واحداً، وتتجلّى هذه الخصوصية في حركة الإيقاع النّصي التي تبعث الحيوية والحركة في جوهر النص ومزاجه ومفرداته وتعابيره وصوره والعلاقات التي تنظم بنيته الفنية، وهي شبيهة بحركة الدماء في الجسم وحركة النسغ في الشجر، وهذا يعني أنَّ النَّص يولد في بيئة نصية محدّدة، ويتشكّل من مورّثات نصيّة، فهو متصل بها من حيث القواسم المشتركة والهيئة العامة، وإن كان ذلك لا يمنع أبداً أن يكون لهذا النص خصوصية بين أقرانه النصية التي ولدت ضمن هذا المناخ اللغوي، فالكائنات الحية تنتمي إلى أجناس، ولكن مفردات الجنس الواحد بدءاً من الإنسان إلى الحيوان والنبات تختلف بين بيئة وأخرى، صحيح أن المرأة تلد، ولكنّها تلد ذكوراً وإناثاً، وتلد أصحاء وضعفاء. وهكذا، ومن هنا كان للظروف المكانية المختلفة حضور وفاعلية في طبيعة الإنتاج ونوعيته، وإذا وضعنا في الحسبان أنَّ النصوص الأدبية تتوالد ضمن اللغة فإننا نستطيع أن ندّعي بأن اللغة رحم خصب للإنتاج المتنوع والمختلف. اللغة مرآة النص، والنص مرآة اللغة، وبخاصة في الحالات الإبداعية المتنوعة، وليس صحيحاً أبداً أن اللغة وسيلة للتعبير، والحال بين اللغة والنص كالحال بين الذكر والأنثى، فالعشق فيما بينهما سابق على عملية الإنجاب، وإذا كانت عملية الإنجاب قد تتمّ بين أيّ ذكر وأنثى سليمين فإنَّ حالة العشق مرهونة بين طرفين محدّدين، ولا يجوز استبدال أحدهما بآخر، ومن هنا كان بين اللغة والنص حالة عشقية شبقية وروحية.. لنقل حالة جذب دائمة، لأن التشويق حادث فيما بينهما، ومن هنا كانت اللغة مرآة النص، وكان النص مرآة اللغة، فاللغة تنتج النص، والنص يحافظ على اللغة ويطوّرها، وهناك أدباء وشعراء كان فيما بينهم وبين اللغة عشق عنيف، فالمتنبي مثلاً كان يلعب باللغة ويلاعبها، وهي طيّعة بين يديه، وكان أحمد فارس الشدياق يتعامل مع اللغة ضمن حالة عشقية غريبة، ورولان بارت فارس النص في العصر الحديث ليس غريباً عن هذه الحالة. إنَّ حالات التشابه في النصوص لا تلغي حالات الاختلاف فيها، فنحن نعرف أن كثيراً من النصوص في الآداب العالمية تتشابه في موضوعاتها أو صورها أو مفرداتها، ولكنَّها تختلف في البناء والعلاقات النصية التي تمنحها هذه اللغة أو تلك.. إنَّ النصوص كالقطعان والأشجار والنباتات لا ترتوي من ينابيع واحدة، ولنأخذ على سبيل ذلك شخصية البخيل في الأدب، فالبخل صفة إنسانية عامة قد يتصف بها أيّ إنسان في أيّ مكان من العالم، وهنا تتلاقى هذه الصفة بين بخلاء الجاحظ وبخيل موليير (هارباغون) وبخيل مارون النقاش (قراد) الذي اقتبسه من بخيل موليير، ولكنَّ هدف الجاحظ من نصوصه غير الهدف الذي انطلق منه موليير لوصف بخيله، ومع أنَّ النقاش حاول أن يترسَّم خُطا موليير في مسرحيته إلاَّ أن شخصية قراد مختلفة عن شخصية (هارباغون) التي وضعها النقاش في بيئة يدوية مختلفة، فالبيئة النصية مختلفة هنا وهناك، وليس ذلك وحسب، وإنما نجد أيضاً أنَّ الجاحظ قد قدّم نصوصه ضمن النشر في حين أن موليير قد قدَّم نصّه ضمن الكوميديا المعروفة، وهكذا كان الاختلاف ضمن التشابه، فضلاً عن اختلاف اللغة، وهذا ما ينسحب على صورة الكرم عند حاتم الطائي، وصورة الحب عند العشّاق الشهيرين في العالم بدءاً من مجنون ليلى إلى جميل بثينة وكثيّر عزة وروميو وجوليت ومجنون إلسا، كما ينسحب ذلك على صورة الحاكم المستبدّ في نيرون والحجاج وسواهما، وهكذا يفيض النَّصّ الثري من خلال اللغة، ويتمدّد ويتسع، ويكون لهذا النوع من النصوص سلطة نافذة وفاعلة، ولكّنها لا تتعدى حدود سلطان اللغة، وهي تشبه الملوك والقادة والأمراء حين يكون لكلّ منهم حدود، فإذا فاض النص واتسع وتجاوز هذه الحدود المحلية المرسومة فهذا يعود إلى شهرته ضمن هذه اللغة أولاً وأخيراً. للنص سلطة في لغته، فالمكان الذي يجول ويصول فيه النص هو حدود اللغة التي ولد وترعرع فيها، وهو قادر على التأثير والحركة حين يكون في هذا المجال، فإذا انتقل إلى لغة أخرى ضعف قليلاً أو كثيراً، وبخاصة إذا كان هذا النص ثرياً، وإذا كان النص شعرياً فإنَّ خسارته فادحة، وهو يخسر كثيراً من سلطته حينذاك، بل تتوازعه سلطات أخرى، ويقبض عليه المترجمون ليحوّلوه إلى كائن آخر، وبخاصة إذا ترجم هذا النص شعرياً، ولنأخذ على سبيل المثال قصيدة «البحيرة» للامارتين التي ترجمت غير مرة شعراً ونثراً باللغة العربية، فقد اعتدى المترجمون على أسلوب لامارتين وفتكوا بصفات حبيبته، بل حوّلوا صورتها إلى صور لحبيباتهم أو حبيبات أسلافهم من الشعراء، وهذا ما فعله الشاعر القدير نقولا فياض مثلاً، فأنا أشتمّ من قصيدته رائحة ولادة بنت المستكفي في نونية ابن زيدون، لأن الإيقاع الجديد الذي بُنيت عليه قصيدة فياض تداخل مع النونية أكثر مما تداخل مع قصيدة البحيرة، ومن هنا يمكن أن نفهم كيف وصل النص في عصر البنيوية الشكلانية إلى أعلى درجات من درجات السلطة، فأصبح لغة خالصة بعد أن نحّى المؤلف جانباً، وألغى صلات النص بما كان يدور حوله من صداقات تاريخية أو اجتماعية أو أيديولوجية أو نفسية، وذهب أصحاب هذه النظرية إلى أن السياسة في النص نصية خالصة، ولذلك كانت المشكلة الكبرى في ترجمة النص من غير ينبوعه ومراياه وبيئته، فإذا أخذنا الماء من ينبوع محدّد وأدخلنا عليه بعض التعديلات، أو أدخلناه في فضاءات غير فضائه تحوّل إلى ماء آخر، وأصبح ليس هو تبعاً لمبدأ التغيّر، وهكذا حي حال ترجمة النصوص الخالدة من لغات ثانية لم تكتب بها، فلكلّ لغة خصوصية مختلفة ينبغي أن نحافظ على قسم كبير منها على الأقل. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |