|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
اللغة = الهويّة ـــ مدير التحرير أوّل اللغة الكلام، وآخر اللغة الكلام، كان الكلام في البدء لغة أولية للتعبير عن حاجات بسيطة وحسّية ضمن أفراد أو جماعة محدّدة، لتتجمّع شيئاً فشيئاً إلى أن يصبح الكلام لغة لقبيلة، ويتجمّع الكلام من هنا وهناك ليُصبح لغة أمة، والأمم تتصارع بلغاتها مثلما تتصارع على السيادة في أي شيء آخر، فاللغة هوية الأمة، وفيها ماضيها وحاضرها ومستقبلها، ولذلك يستمّر الحاضر والمستقبل باستمرار الكلام، فاللغة التي لا تتكلّم كالحيّ الذي لا يتنفَّس، واللغات كالأفراد تتجاور وتتحاور وتتصارع، ويكون فيما بينها حدود وسدود، ولكلّ منها أسرارها وكنوزها ومقدّساتها التي لا يجوز المساس بها، فإذا تهاونت في ذلك آلت إلى الزوال، ولذلك يخشى علماء اللغة من زيادة المفردات الدخيلة في معجم أيّ لغة، لأنّ ذلك يضر بالأصالة، وهو مؤشّر على التراجع أو المرض؛ إلا إذا كانت هذه اللغة قادرة فعلاً على تحويل ما هو غريب إلى قريب، ولكلّ لغة أساليبها في ذلك، كالمحافظة على أوزان المفردات في اللغة العربية، واستخدام السوابق واللواحق في مفردات بعض اللغة، ويتباهى بعض الدارسين في علم اللغة المقارن بأن كثيراً من مفردات لغتهم انتشرت في هذه اللغة أو تلك. وإذا كان على ذمّة الراوي والراوي ثقة، فإن ذلك يكتسب صدقاً وارتياحاً وطمأنينة، وقد روى الأديب الأردني البدوي الملثَّم (يعقوب العودات 1909 ـ 1971) في كتابه «سليمان البستاني والإلياذة» أنّ صاحب الترجمة سليمان (1856 ـ 1925) كان يتقن خمس عشرة لغة بالتمام والكمال فضلاً عن إتقان لغته العربية إتقاناً منقطع النظير، كما هي الحال في أسرته اليازجية، ويُقال إنْه أوقف ترجمة «الإلياذة» فترة حين صادف في النص الأصلي بعض المقاطع التي تحتاج منه إلى معرفة أفضل باليونانية القديمة، فالتزم كاهناً خبيراً بها، ودرسها على يديه، ثمَّ عاد إلى عمله، وقيل أيضاً إنّه كان شغوفاً بمعرفة أسرار اللغات ودقائقها وكنوزها، حتى إنَّه أتقن لغة الغجر، وكانت شفهية بلا حروف أو أبجدية، فأزمع أن يضع لها أبجدية خاصة بها، ولكنَّ القدر عاجله بعد أن حرمه من بصره، إلى هنا والأمر لا يبدو غريباً أو نادراً على إنسان نذر نفسه لمعرفة اللغات، وهو ليس متعذّراً على طلاّب العلم وكهنته ونسّاكه في عصر كان فيه للعلم شأن أيّ شأن، ثم إنَّ هذه الحال لا تقتصر على فرد محدّد في عصر النهضة، وإنمَّا هي تنسحب على سواه من أرباب المعرفة، وليس البستاني سوى أنموذج لهؤلاء، وإن لم يصل سواه بالضرورة إلى هذا العدد من اللغات، فمنهم من أتقن أربع أو خمس أو عشر لغات، ومنهم مارون النقاش وطه حسين وسواهما في عصر كانت فيه وسائل الاتصالات عادية وبسيطة وضعيفة، وليست كما هي عليه اليوم من عصر الترجمة الفورية والاختصاصات السريعة والدقيقة والاتصالات الفورية والترجمة الإلكترونية إلى غير ذلك من وسائل تهيّئ الراحة والخدمات للعقل البشري، وتنوب عنه أحياناً في كثير من وظائفه. والمعروف أيضاً أن جبران خليل جبران (1883 ـ 1931)، وهو من أشهر كتاب العرب في العصر الحديث، قد استفاد من معرفته القريبة للإنكليزية والفرنسية، حين عاش مع أهله في بوسطن، ودرس الرسم في باريس، ثم كتب قسماً كبيراً من أعماله الأدبية باللغة الإنكليزية متجهاً إلى جمهور أوسع وآخر بعد أن ذاع صيته في أرجاء الوطن العربي، ويقال إنّ ماري هاسكل قد أعانته في نقل بعض العبارات الشديدة الخصوصية بالشعب الأمريكي بعد أن استعصت على جبران نفسه، ونجح جبران، وبخاصة في كتاب «النبيّ» أيّ نجاح، ولكن ذلك لا يعود إلى معرفته بهذه اللغة أو تلك، وإنما يعود إلى الروح الشرقية التي اتصف بها الكتاب من دفء وحنان وصوفية رضعها جبران من ثدي أمه، كما رضعها أبناء شعبه من التاريخ والتراث والانتماء والاعتزاز بالتراب والهواء والشمس والينابيع والحكايات والعادات والتقاليد، ولذلك كان كتاب «نبيّ من لبنان» لماري هاسكل. ومن طريف ما سمعت في هذا المجال أنَّ أحد أساتذة اللغة الفرنسية في جامعة دمشق، وهو ممن توفّاه الله وكان قديراً في مادته، أخذ عليه أحد أصدقائه العارفين بهذه اللغة من حيث النطق أنَّ في لهجته شيئاً غريباً بعض الشيء عن لهجة الفرنسيين، فتيسّر له أن يجيب صديقه مباشرة بأنه يتكلم الفرنسية بلهجة طرطوسية (بلده)، ومن هنا يمكننا أن نقول إنَّه من المتعذّر علينا أن نستبدل لساناً بلسان ولغة بلغة استبدالاً نهائياً وتاماً، كما يتعذر علينا أن نستبدل قوماً بقوم وأهلاً بأهل ونسباً بنسب وعادات بعادات، كما يتعذّر علينا أن نبدّل جلودنا ووجوهنا وأسماءنا وطباعنا، صحيح أنَّ المرء قد يمرّ أحياناً بلحظات غضب أو ثورة على الحياة والعادات والتقاليد والنظم والقوانين والأعراف، ويحمل أمتعته ويهاجر إلى بلاد الله الواسعة، ويضطر إلى مغادرة الأهل والتراب، وقد يصيب نجاحاً في تغيير الحال، فيصبح ثرياً بعد فقر ووجيهاً بعد ضعة، ولكن إذا كان العمر لا يُعاد مرتين فإن هذا الإنسان نفسه يدرك فوق ما يدرك سواه بأنه أضاع عمره في الغربة.. عبارة يردّدها كثيرون، ونحن لا ندرك معناها، ونسخر منها أحياناً، ولكنها حقيقة التجربة الصادقة، فمرارات الاغتراب قاسية، ولذلك كان الحنين في شعر البارودي وفي الشعر المهجري نتيجة لتجارب ليست مجانية، سواء أكان هذا الحنين إلى الأهل أو الحبيبة أو الوطن، واللوعة التي اكتوى بها شاعر حمص نسيب عريضة، وهو يحنّ إلى حمص أمّ الحجارة السود، معروفة لدى القاصي والداني، ولذلك نستطيع أن نتوقّف هنا عند بيت من الشعر لننشده دون أن نجرؤ على الاقتراب من شرحه أو تفسيره، لأنّه يخبئ طاقة تكتنز بتجربة شعرية هائلة مع أنَّه بيت بسيط وتقريري وخطابي: بلادي وإنْ جارتْ عليَّ عزيزةٌ وأهلي وإن ضنَّوا عليَّ كرامُ نخلص هنا إلى القول إن المرء يتقن لغتين أو أكثر، وهذا أمر طبيعي ومألوف، ولكن الأمر الذي نتناساه دائماً أنَّ بين اللغة وأهلها صلات أخرى فوق الإتقان والمعرفة والتداول والترجمات، وهو الألفة وصلات الرحم والتاريخ والانتماء، وهذا لا يتوافر إلاَّ في حالات الحبّ والعشق والدفء والحنان والأمومة والخصوصية، وهذا ما يسمى الهوية التي تتعذر على المطابقة في الترجمات الأدبية بين النصّ المرسل والنصّ المتلّقي. ? |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |