مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 134 ربيع 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الروح والخطاف تأملات في غايات التاريخ الأدبي وطرائقه ـــ فرانكو موريتي ـ ت.د.ثائر ديب

تعريف بالكاتب:‏

فرانكو موريتي أستاذ الأدب الإنجليزي والأدب المقارن في جامعة ستانفورد ومدير مركز دراسات الرواية فيها. وهو إيطالي الأصل, وسبق أن درَّس في روما, وكذلك في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة.‏

اهتمام موريتي الأساس هو أدب القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين, فضلاً عن اهتمامٍ خاص بتاريخ القراءة, والجغرافيا الثقافية, والرواية ونظرية السرد, والسينما, وتداخل الفروع المعرفية.‏

ظهر كتابه الأول «علامات أُخِذت على أنَّها أعاجيب» عام 1983 وكرَّسه كصوت أصيل يمثّل انزياحاً حقيقياً في دراسة الأدبي والاجتماعي. وهو يتناول في هذا الكتاب مدى واسعاً من الظواهر الأدبية ـ جيمس جويس, ت.س إليوت, تراجيديات شكسبير, أعمال آرثر كونان دويل, وسواها الكثير ـ لكي يحلل في آنٍ معاً كلاً من التاريخي والبلاغي، ويفتح حقل التاريخ الأدبي على خطوط كان قد بدأها جورج لوكاش, ولوسيان غولدمان, وفالتر بنيامين, وثيودور أدورنو وسواهم.‏

في كتابه الثاني «حال الدنيا: الرواية التكوينية في الثقافة الأوروبية» (1987) يحلّل موريتي ما يعتبره الوسيط الأدبي الرئيس الذي استخدمته البرجوازية في إضفاء طابعها الخاص على المجتمع.‏

وفي كتابه الثالث, «ملحمة حديثة: النظام العالمي من غوته إلى غارسيا ماركيز» (1996), يقدّم موريتي إطاراً تحليلياً جديداً يقرأ فيه تلك الاختراقات الأدبية التي جرت على مستوى الأشكال والأجناس إزاء الهيمنة الرأسمالية العالمية اقتصادياً وأدبياً.‏

أمّا كتابه الرابع «أطلس الرواية الأوروبية 1800 ـ 1900» (1988) فيعيد ابتكار حقل الجغرافية الأدبية, مقدِّماً مئة خارطة لما يمكن أن ندعوه بـ«الجغرافيا الأدبية للحداثة», وكاشفاً دور الأدب في تشكيل الخيال المكاني والجغرافي.‏

وتتركّز مشاريعه الحالية على المساهمة مع آخرين في دراسة ضخمة من خمسة أجزاء تتناول تاريخ الرواية بأكمله وأشكالها جميعاً. وقد أعلن عن هذا المشروع «مركز دراسات الرواية» الذي يديره موريتي في قسم الأدب الإنجليزي التابع لجامعة ستانفورد حيث يدرّس منذ العام 2000.‏

تأمّلات في غايات التأريخ الأدبي وطرائقه‏

الشكل قوّة‏

(هوبز, اللوياثان)‏

1ـ البلاغة والتاريخ‏

«البلاغةُ أشبه بفرعٍ... من العلم يُعنى بسلوكٍ يحقّ لنا أن ندعوه سياسياً». تمثّل كلمات أرسطو هذه (في كتابه الخطابة) نوعاً من الإشارة المسبقة إلى تلك البحوث التي شهدتها العقود القليلة الماضية، ورَمَتْ إلى إلقاء الضوء على تلك الأعراف البلاغية التي توجد من أجل تلبية متطلبات اجتماعية على وجه التحديد. ولقد سبق لكينيث بورك أن قال عام 1950: «ينبغي لـ البلاغة أن تقودنا عبر التزاحم, وشِجارات السوق, وهبّات الحظيرة الإنسانية واحتداماتها, والأخذ والعطاء, وخطّ الضغط والضغط المضاد المتراخي, والمعارك الكلامية, وعبء التملّك, وحروب الأعصاب, والحرب.... فذراها المثالية غالباً ما يكتنفها النزاع كشرطٍ لتعبيرها المنظّم, أوتجسيدها المادي. وكونيتها ذاتها تتحول إلى سلاح متحزّب. ولا يحتاج المرء لأن يمحّص مفهوم «الوحدة» بتلك الدقّة الزائدة كيما يرى مقابله الساخر, الانقسام, مُتَضَمَّناً فيه عند كلّ منعطف. البلاغة معنيّة بحالة بابل بعد السقوط. ومساهمتها في «سوسيولوجيا المعرفة» لا بدّ أن تمضي بنا في الغالب إلى مناطق الحقد والكذب الكئيبة»(1). وهذا ما قاله أيضاً ،عام 1968, جوليو بريتي, الذي يقف في القطب المقابل لبورك: «الخطاب البلاغي هو خطاب موجّه إلى جمهور خاص (وأُفَضِّلُ القول إلى جمهور «محدّد»).... بعبارة أخرى, يبدأ الحجاج البلاغي من افتراضات مسبقة وكذلك من مشاعر, وانفعالات, وتقويمات ـ بكلمة, من «آراء» (doxai) ـ يُفْتَرَض بها أن تكون حاضرة وفاعلةً لدى جمهوره». وأبعد من ذلك, يقول بريتي في معرض تعليقه على بعض المقاطع في كتاب منطق بور رويال(?): «يبرز هنا شيئان اثنان على وجه الخصوص: أولهما هو الطابع الانفعالي الذي يشكّل أساس هذه الضروب من الإقناع غير العقلاني, وهو طابع انفعالي تشير إليه بشيء من الفجاجة عبارات ومفردات مثل «حبّ الذات», و«المصلحة», و«النّفع», و«الهوى», لكنه طابع محدّد تماماً على الرغم من ذلك.... وثانيهما هو الطابع الاجتماعي النمطي لهذه الأشكال من الصوفية: فهي مرتبطة بعلاقات الإنسان بسواه من البشر ضمن الأمة, أو الجماعة الاجتماعية, أو المؤسسة. وهذا الطابع الاجتماعي يقف في تضاد مع الكونية التي يتّسم بها الإقناع العقلاني»(2) .‏

للبلاغة طابع اجتماعي, انفعالي, تحزّبي, وباختصار طابع تقويمي. وأن تدفع أحداً ما إلى حمل قناعة معينة هو أمر يختلف تماماً عن أن تقنعه بها عبر إثبات صحتها. فالهدف، في الحالة الأولى، ليس أن تثبت حقيقةً تقع بين الذوات وخارجهم بل أن تستجلب الدعم لنظامٍ معيّن من القيم. وفي القرن السابع عشر ـ الذي شهد أول تفتّح كبير للعلم التجريبي, وشهد في الوقت ذاته انهيار كلّ «عضويّة» اجتماعية في القتال الذي دار حتى الموت بين العقائد والمصالح المختلفة ـ كان إدراك هذا التعارض حادّاً إلى أبعد الحدود. وبحسب منطق بور رويال, فإنّنا: «لو تفحّصنا عن كثب ما يدفع الناس إلى التعلّق برأي ما دون سواه، لوجدنا أن ذلك لا يرجع إلى نفاذ الحقيقة وقوة الحجّة؛ بل إلى ما يتصل بحبّ الذات والمصلحة، والهوى. ذلك هو الثقل الذي يرجّح الكفّة، ويفصل في معظم شكوكنا، وهو ما يهزّ أحكامنا هزاً عنيفاً ويرغمنا على التوقف عندها. نحن لا نحكم على الأشياء بما هي عليه بل بما نراها عليه: فالحقيقة والمنفعة هما شيء واحد بالنسبة إلينا»(3)(?) .‏

لقد تناولنا إلى الآن ما للأعراف البلاغية من طابع اجتماعي. لكن هذا الحجاج يصحّ أيضاً على الأعراف الأدبية. فالبلاغة تُعنى بنشاطات كثيرة ومختلفة (مثل القانون, والسياسة, والأخلاق, والإعلان...) ومن الخطأ أن نقصرها على الأدب وحده, غير أنّ الخطاب الأدبيّ محتوىً تماماً ضمن الميدان البلاغي. وكما يقول بريتي في مقطعٍ لا تشوبه شائبة: «الخطاب التثبيتي (epideictic)(?), الذي كان الأقلّ قيمة في العصور القديمة (لأنّه على وجه الدقّة الأشدّ... «بلاغةً» بالمعنى التبخيسيّ) هو في هذه الأيام ذلك الخطاب الذي يحظى بأعظم الأهمية؛ بل يمكن القول إنّه في فلسفة الثقافة الحالية الخطاب الوحيد الذي يسترعي الاهتمام, وذلك تحديداً لأنه لا يتّسم بغايات عملية ضيقة, بل بهدفٍ ثقافي, «Paedeutic». وقبل ذلك كلّه لأنّه يقدّم جنس الخطاب الأدبي نثراً. وهو يتعلّق بقيم أخلاقية، وبقيم حضارةٍ ما بوجهٍ عام. ويهدف إلى تعزيز المواقف (المشاعر) واستنهاضها ليس فيما يتعلّق بقرار عارض (قانوني أو سياسي) وحسب, بل فيما يتعلق بالقيم العظيمة التي تصنع حضارةً. وبسببٍ من طابعه غير العملي على وجه الدقّة, فإنه من غير المحتمل أن ينحطّ من خطابِ إقناعٍ إلى خطاب دعاية. وما يشكّل موضوع البلاغة الجديدة هو قبل كلِّ شيء بنى هذا النوع من الخطاب وقواعده»(4).‏

ويبرز الطابع التقويمي والإقناعي للخطاب الأدبي بروزاً حاداً في ذلك النطاق من التقليد البلاغي الذي يألفه النقد الأدبي أشدّ الألفة, أعني «الأشكال البلاغية», خاصةً الاستعارة, «ملكة الشعر». والأشكال البلاغية, بعيداً عن كونها زخارف «جمالية» في الخطاب, أو أماكن تخفت فيها استراتيجية الإقناع أو تختفي, إنما تتبدّى على أنها آليات لا تُضاهى في الجمع بين التوصيف والتقويم, أو بين «أحكام الواقع» و«أحكام القيمة», في كلٍّ واحد لا انقسام فيه». ولو اقتبسنا مرّة أخرى من كتاب منطق بور رويال: «تدلّ التعابير المجازية، بالإضافة إلى دلالتها الأساسية، على حركة المتكلم وهواه، تاركة بالتالي بصمتها على الفكرة الأخرى القائمة في العقل، في حين أن التعبير البسيط لا يدلّ سوى على الحقيقة.»(5)(?).‏

«الهوى», «الانفعالات», «الشعور»: تشير هذه الأشياء إلى ذلك الشيء غير اليقيني الذي يمكن للنقد الأدبي أن يتجاهله، إلا أنّه لا يختفي بذلك من حقل عمل هذا النقد. وكما قال باسكال, فإنَّ الشعور «يعمل في لمح البصر, وهو جاهز دوماً لأن يعمل». وقد ردّه باسكال إلى «عادةٍ», أو إلى ذلك النوع الثقافي «العفوي» من ردّ الفعل («نحن آلية فضلاً عن كوننا روحاً...») الذي يشير بوضوحٍ فجّ إلى مقدار العمق الذي يحدّد به السياق الاجتماعي التاريخي جهازنا الفيزيقي.‏

إذاً, تنكبُّ البلاغة على «الشعور» لأنها معنيّة على وجه التحديد بأن توقظ وتضبط فينا تلك الأجزاء التي تكاد أن تكون اجتماعية صرفاً. تلك الأجزاء الاجتماعيّة الأشدّ «آليةً», كما ينبغي أن نقول إذ نتذكّر باسكال, ولكن شرط أن نتذكّر أيضاً نظرية الاستعارة التي قدّمها ماكس بلاك، حيث تبدو الاستعارة لهذا الأخير أمراً يستحيل التفكير فيه خارج نظام كامل من الأمور الشائعة الأخلاقية والمعرفية التي تُسْتخدَم وتُقْبَل دون أن تكون خاضعةً لأي سيطرةٍ أو تحكّم (والبلاغة, كما سبق لأرسطو أن قال, هي فنّ استخدام الأمور الشائعة استخداماً حسناً). يقول ماكس بلاك: «خذوا القول: «الإنسان ذئب».... هذه الجملة الاستعارية لا يمكن أن تنقل معناها المقصود إلى قارئ لديه ما يكفي من الجهل بأمور الذئاب. فما تحتاجه ليس معرفة القارئ بالمعنى المعجمي المعياري لكلمة «ذئب» –أو قدرته على استخدام تلك الكلمة بمعانٍ حرفيّة ـ بل معرفته بما أدعوه نظام الأمور الشائعة المرافقة.... ومن وجهة نظر الخبير, يمكن أن يشتمل نظام الأمور الشائعة على أنصاف حقائق أو أخطاء صريحة (كأن نصنّف الحوت بين الأسماك, مثلاً)؛ لكن الشيء المهم لفعالية الاستعارة ليس أن تكون الأمور الشائعة صحيحة, بل أن تُثار بسهولة وحرية. (ولأنّ الحال كذلك, فإنّ استعارةً تفعل فعلها في مجتمع معين قد تبدو وقحةً منافية للآداب في مجتمع آخر)»(6).‏

وفي ضوء ذلك, فإنّه كلما تحوّلت صيغة بلاغية إلى واحدٍ من الأمور الشائعة (أو بعبارة أخرى تدلّ على الشيء ذاته, كلما غدت هذه الصيغة البلاغية «ضمنيةً», وغير ملحوظة بالنسبة لنا) زادت قدرتها على الإقناع: «يبدو لنا أنّ قيمة الاستعارات «الميتة» المستخدمة في سجال تبرز أولاً وقبل كلّ شيء بسبب ما تمتلكه من قوة إقناع عظيمة حين تُفَعَّل من جديد, بعونٍ من هذه التقنية أو تلك. وتنجم هذه القوة عن حقيقة أنّ تلك الاستعارات تستمدّ مفاعيلها من مادةٍ مماثلة يمكن تقبّلها بسهولة لا لأنها معروفة وحسب, بل لأنها مُدْمَجة, من خلال اللغة, بالتقليد أو التراث الثقافي»(7). «فمن يستخدم شكلاً من أشكال النظام البلاغي لا حاجة به لأن يفكّر, أو لأن يدرك على نحوٍ واعٍ في تلك اللحظة, أنه يستخدم ذلك الشكل, شأنه في ذلك شأن من يقود سيارة دون أن يكون به حاجة لأن يفكّر, أو أن يدرك على نحوٍ واعٍ في تلك اللحظة, عدد أسطوانات المحرّك أو كيفية عمله... معرفة المستمع بالأشكال البلاغية يمكن في الواقع أن تعرّض للخطر الأثر الذي يأمل المتكلّم في إحداثه عن طريق تلك الأشكال, ذلك أنّ الأثر يكون خاضعاً آنئذٍ لسيطرةِ المستمع»(8).‏

هكذا تكون الأشكال البلاغية, والتراكيب الأكبر التي تشكّل سرديات طويلة, منسجمةً مع افتراضات مسبّقة خفيّة وعميقة الغور موجودة في كلِّ رؤيةٍ للعالم. وهذا هو السبب في أنّ المرء لا بدّ أن يلتفت إليها كلما أراد أن يبرز تجربةً تتميّز بالتعقيد (ليس بوسع المرء أن يتحدث عن الزمن, مثلاً, إلا من خلال الاستعارات) أو أن يعبّر عن حُكْمٍ له أهميته الخاصة (تكاد اللغة الانفعالية برمّتها ـ من «honey» إلى «scum»(?) وأبعد منها ـ أن تكون سلسلة طويلة من الاستعارات). وقد قلتُ للتوّ إنّ الأشكال البلاغية «منسجمة» مع أعمق الافتراضات المسبقة الموجودة في كلّ رؤية للعالم (weltanschauung). وتدعونا الأمثلة التي أوردتها للتوّ إلى المضيّ أبعد, كي نشير إلى أنّها الشكل الأوسع انتشاراً؛ بل الوحيد في حالات معينة, الذي تواصل فيه تلك الافتراضات المسبقة تجلّيها. أمّا فعاليتها الدائمة وغير الملحوظة فتشير إلى ذلك الحقل البحثي الواسع الذي يدرس الثقافة غير الواعية, أو المعرفة الضمنية, في كلّ حضارة. ولقد بات عسيراً بالفعل أن نتصوّر تاريخاً اجتماعياً وافياً من «القبول» ما لم يكن مستوعباً لتقنيات الإقناع. وبالتبادل, فإنه ينبغي أن يكون لدى النقد الأدبي ـ بوصفه سوسيولوجيا الأشكال البلاغية ـ كل ما يلزم للإفادة من التّماس مع تاريخ العقليات الذي رسمت مدرسة الحوليات خطوطه العريضة: «العطالة, تلك القوة التاريخية الأساسية, ... هي واقعة من وقائع العقل أكثر منها واقعة من وقائع المادة, ذلك أنّ هذه الأخيرة غالباً ما تكون أسرع من الأول إلى الفعل. فالبشر يفيدون من الآلات التي يخترعونها على الرغم من احتفاظهم بعقلية المراحل التقنية السابقة. ونجد لدى سائقي السيارات مفردات خيّال, كما كان لدى عمال المصانع في القرن التاسع عشر عقلية آبائهم وأجدادهم الفلاحين. فالعقلية هي ما يتغيّر ببطء شديد. وتاريخ العقليات هو تاريخ البطء في التاريخ»(9). غير أنه من الخطأ القول إنّ الأدب مقتصر على «إحياء» تلك الأشكال البلاغية ـ الإيديولوجية المترسّبة مسبقاً في التراث. فالأدب يخترقه ابتكار متواصل, وصادم في بعض الأحيان: حيث تشكّل المجازات «الجريئة», والأعمال التي تُرْفَض عند ظهورها بوصفها «مستغلقة» أو «سخيفة» أوضح الأدلّة على هذا الجانب الآخر من المسألة. لكن ذلك لا «يُثْبِت» ـ كما يُعْتَقَد غالباً, ولأسباب متنوّعة كثيرة، أن الأدب «الفعلي» مناهض للأعراف بطبيعته, وأنّ تأويله لا بدّ أن يدفعنا إذاً «أبعد» من التحليل البلاغي.‏

دعونا نبدأ بالنقطة الثانية. فالنظرية البلاغية ليست بالعاجزة بأيّ حال من الأحوال عن تفسير الطابع التطوري الذي يتّسم به التاريخ الأدبي أو حتى ما فيه من ضروب الافتراق والقطع. وما يرمي إليه تحليل هارالد ?اينريش للاستعارة بمصطلحاتٍ نصّية ـ لغوية هو تحديداً تفسير وظيفة الابتكار والتجديد الثقافيين التي يمكن لهذه الاستعارة أن تمارسها عند الضرورة. فحين يلحظ ?اينريش أن الاستعارة هي «مُسْنَدٌ متناقض», يُظْهِر أنّ العلاقة بين «الموضوع» و«التعليق», أو بين المُسْنَد إليه والمُسْنَد, إنّما تُقام من خلال تركيبٍ ليس, في الأصل, «مسالماً» قطّ بل ينطوي دوماً على انتقال «خطر» بين الطرفين(10). ذلك أنّ المُسْنَد الذي تقترحه الاستعارة ـ بما تجريه من تشابك بين التوصيف والتقويم ـ يمكن أن يُقابَل أيضاً بالردّ والاعتراض. حيث يمكن للسياق الخامل, الذي يمارس تحديداً مقابلاً, أن يبدي تصلّباً بالغاً مما يُظْهِر المُسْنَد مستغلقاً يتعذّر فهمه. والتاريخ الأدبي حافلٌ بالتجارب البلاغية التي تبدو مطرودةً أبداً إلى سجن العبث والسخف. غير أنّه حافلٌ أيضاً ـ وهذا هو المهمّ ـ بتجارب بدت عبثية وسخيفة في حينها لكنها تبدو الآن ليس مقبولة وحسب بل لازبة لا غنى عنها عملياً, تجارب غدت راسخة ومن «الأمور الشائعة». «إبداع ما هو مبتذل» (Créer un poncif): أليس هذا مثل بودلير الأعلى؟ ولذلك, فإنّ التحليل النقدي, حين يواجه نصّاً يخترق أعراف زمنه, لا يسعه أن يظلّ قانعاً بنصف الحقيقة الذي يخبرنا كيف فعل ذلك. لا يسعه أن يكتفي كما يفعل عادةً, بالنظر إلى الماضي, إلى العرف الذي زُحْزِحَ أو رؤية العالم التي فُكِّكَت. ذلك أنّ مستقبل النصّ ـ أي الأعراف ورؤى العالم التي سيساعد في تشكيلها وتوطيدها ـ هو أيضاً جزء من تاريخه ومن مساهمته في التاريخ. ومثل هذا الاعتبار هو من مسلّمات ضروب أخرى من الدراسات التاريخية. وحده النقد الأدبي ـ الواقع فريسة خرافاته الخاصة, كما سنرى بعد قليل ـ من يدّعي الاستثناء, دون أن يكون ثمة سبب وجيه لذلك, ليس من وجهة نظر التأريخ وحسب, بل في ضوء النظرية البلاغية ذاتها أيضاً. ذلك أنّ البلاغة ـ ولنتذكّر كلمات كينيث بورك ـ هي شقيقة الانقسام والنزاع. ومجرّد وجودها يشهد على مجتمع منقسم, وفي حالة صراع. وهي كيانٌ لا يني يتحوّل, كيان تاريخي في جوهره. و«الجرأة» البلاغية تدلّ على إرادة تبغي قَلْب علاقات القوة في النظام الرمزي. و«الأمور الشائعة» والعطالة الدلالية, بدورهما, هما النتيجة المحتملة لتلك الجرأة بِقَدْرٍ لا يقلّ عن كونهما نتيجةً لما يقابل الجرأة ويعاكسها. وهذه هي فحوى ذلك المقطع الذي لا يُنسى الذي كتبه إِر?ين بانوفسكي: «ليس الفنّ تعبيراً ذاتياً عن الشعور أو انشغالاً وجودياً بأفراد معينين, كما يحسب أولئك الذين يُفْرِطون في إبراز معارضتهم لنظرية المحاكاة, بل صراع موضوعي مُحَقّق, يستهدف نتائج ذات مغزى, بين قوةٍ مانحةٍ للشكل ومادة ينبغي التغلّب عليها»(11). فحتى النبرة في هذه الجملة تبيّن أنّ ما من خطأ, بالنسبة لبانوفسكي, في النظر إلى تاريخ الفنّ بوصفه إفصاحاً عن تاريخ الصراعات الاجتماعية والعنف الاجتماعي: بوصفه تاريخاً للصراعات في عالم الأشكال الجمالية(12). وبذلك تكفّ المسألة عن كونها معارضةً بين «قبول» بلاغي (أو إيديولوجي) و«خروج» جماليّ, وتغدو مسألة إدراك بأنّ هنالك لحظات مختلفة في تطور كلّ نظام قائم على القبول, وأن هنالك, قبل كلّ شيء, سبلاً مختلفة لتعزيز هذا النظام. ولقد حاولت أن أبيّن في دراسات عن جويس وإليوت وبلزاك ـ وكذلك في القسم الرابع من هذا الدراسة ـ أنّه في سياق اجتماعيّ معيّن يمكن حتى للأشكال الجمالية «المفتوحة», أو «غير العضوية», أو «الغامضة» أن تؤدّي تلك الوظيفة التي تؤديها أداة للقبول.‏

ولذلك, فإنّ معرفة السياق الاجتماعي ـ التاريخي لعملٍ أو جنسٍ أدبيٍّ ليست «فضلة» ينبغي ألا تُتْرَك لها سوى هوامش التحليل البلاغي, بل هي معرفة تشكّل عموماً, وسواء أدرك المرء ذلك أم لم يدركه, نقطة انطلاق التأويل ذاته, موفّرةً له تلك الفرضيات الأولية التي يصعب من دونها فهم الآليات البلاغية، أو التي لن تفضي لنا تلك الآليات البلاغية من دونها سوى بالقليل. وهكذا, حين كان كلّ عمل يعيدنا, منذ حوالي عشر سنوات مضت, إلى التقابل بين الطبيعة والثقافة, سرعان ما كان هذا الإجراء يبدو هزيلاً وغير مقنع, ليس بسبب افتقاره إلى التحديد التاريخي وحسب, بل لأن ذلك الافتقار إلى التحديد (الذي شجّع عليه كثيراً ليفي شتراوس نفسه) لم يكن يتيح بوجهٍ عام سوى تحليلٍ أوليّ في أحسن الأحوال, بل خاطئ أيضاً.‏

غير أنّه على الرغم من صقل التحليل البلاغي نطاقَ العلوم الاجتماعية وتوسيعه إيّاه, وعلى الرغم من قيام هذه العلوم بدورها بتزويد التحليل البلاغي بالإطار التاريخي الذي يغدو خارجه وجود الأعراف البلاغية ذاته بلا معنى, لا ينبغي أن نحسب أن الصلة بين هذين الجهازين المفهوميين, ومجموعة الظواهر التي يشيران إليها, هي تلك العلاقة الخطية التي يمكن التنبؤ بها. فالتشاكل الحقيقي لا يحدث قطّ, ومن هذا التباين القاطع تنبع مجموعة المشكلات التي تميّز التاريخ الأدبي.‏

2ـ التأريخ الأدبي ـ وأبعد منه:‏

النصوص الأدبية نتاجات تاريخية مُنَظَّمة تبعاً لمعايير بلاغية. وتتمثّل المشكلة الأساسية لدى نقدٍ أدبيٍّ يهدف لأن يكون فرعاً معرفياً تاريخياً من جميع النواحي في أن ينصف كلا هذين الوجهين اللذين يتّسم بهما موضوعه: أي أن يفعّل نظاماً من المفاهيم التأريخية والبلاغية على حدٍّ سواء. وهذا ما يمكّن المرء من إنجاز عملية مضاعفة: أن يقطع إلى أجزاء ذلك المُتَّصِل التعاقبي المؤلَّف من مجموعة النصوص الأدبية برمّتها (وهذه هي المهمة التاريخية بالمعنى الدقيق للكلمة), ولكن شرط أن يكون ذلك القطع تبعاً لمعايير شكلية تتّفق وذلك المُتَّصِل دون سواه (وهذه هي المهمة البلاغية بالمعنى الدقيق للكلمة).‏

ومثل هذا الجهاز النظري قائم أصلاً إلى حدٍّ كبير. وهو يتركّز على مفهوم «الجنس الأدبي». ولست أحسب من قبيل المصادفة أننا نجد أفضل نتائج النقد التاريخي ـ السوسيولوجي, في القرن العشرين, في تلك الأعمال التي هدفت إلى تحديد القوانين الداخلية لجنس بعينه ومداه التاريخي: من الرواية عند جورج لوكاش إلى الدراما الباروكية عند فالتر بنيامين, ومن التراجيديا الكلاسيكية الفرنسية عند لوسيان غولدمان إلى نظام التأليف الموسيقي الإثنا عشري (في حقل قريب) عند تيودور أدورنو. غير أنه ما من شكّ في أنّ مفهوم الجنس الأدبي لم يكتسب بعد ذلك البروز الذي يستحقّه، ولم يتمكن من أن يفضي بنا إلى بناء التاريخ الأدبي بناءً مختلفاً تماماً عن الذي نألفه. وأودّ هنا أن أرسم الخطوط العريضة للآفاق التي كان يمكن أن يفتحها الاستخدام المنهجي لهذا المفهوم. غير أني سأشير أولاً إلى السبب الذي دفع النقد لأن يبدي في وجه مثل هذه التطورات تلك المقاومة الواسعة.‏

لنأخذ مثال لوكاش الشاب. ففي المرحلة التي كان يعمل خلالها على كتابه الدراما الحديثة, توصّل لوكاش, بتأثير من سوسيولوجيا الأشكال عند زيمل, إلى صياغة المشكلة التي نتناولها بمصطلحاتٍ لا تزال سارية وصحيحة إلى اليوم. فقد كتب في تقديم العام 1911 لكتابه: «المشكلة الأساسية في هذا الكتاب هي إذاً: هل ثمة دراما حديثة, وما هو أسلوبها؟ لكن هذا السؤال, شأنه شأن جميع الأسئلة الأسلوبية, هو في المقام الأول سؤال سوسيولوجي.... وتتمثل أفدح أخطاء التحليل السوسيولوجي فيما يتعلق بالفنّ في أنه لا يلتمس في الإبداعات الفنية ولا يتفحّص سوى المضامين, راسماً خطّاً مباشراً بينها وبين علاقاتٍ اقتصادية معينة. غير أنّ الاجتماعيّ حقّاً في الأدب هو الشكل.... الشكل واقع اجتماعي, ويسهم في حياة الروح ذلك الإسهام الحيوي. ولذلك فهو لا يشكّل عاملاً يفعل فعله في الحياة ويقولب التجارب وحسب, بل يشكّل أيضاً عاملاً تقولبه الحياة بدوره»(13). وثمة مفاهيم مماثلة نجدها في المسوّدة الأولى والأطول من هذا التقديم, محاضرة العام 1910 التي حملت عنوان «ملاحظات حول نظرية التاريخ الأدبي»: «ينجم تركيب التاريخ الأدبي عن الجمع بين السوسيولوجيا وعلم الجمال في وحدة عضوية جديدة...... الشكلُ سوسيولوجيّ ليس بوصفه عنصراً وسيطاً وحسب, أو مبدأً يصل بين المؤلِّف والمتلقي, جاعلاً من الأدب واقعةً اجتماعية, بل هو سوسيولوجي أيضاً في علاقته بالمادة التي ستُفْرَغ في شكل..... الشكل في عملٍ ما هو ما ينظّم في كلٍّ مغلقٍ الحياةَ التي تُعطى له كمادة أو موضوع, وهو ما يحّدد أزمنتها, وإيقاعاتها وتقلّباتها, وكثافاتها وسيولاتها, وضروب خشونتها ورقّتها؛ وهو الذي يُبْرِزُ تلك الأحاسيس التي تُتَلَّقى على أنها هامة ويبعد الأشياء الأقلّ أهمية, وهو الذي يحدد للأشياء مواقعها في المقدمة أو المؤخّرة, ويرتّبها في نظام..... كلّ شكل هو تقويم للحياة, وحكم عليها, وهو يستمد هذه القوة والمقدرة من حقيقة أنّ الشكل في أسسه الأعمق هو على الدوام ضَرْب من الإيديولوجيا.... رؤية العالم هي الافتراض الشكلي الذي يفترضه كل شكل».(14)‏

خَطُّ البحث هذا بالغ الوضوح, وأثرى بكثير مما يمكن أن نأمل لمقبوسين أن يشيرا إليه. ويكاد المرء يتساءل ما الشكل الذي كان يمكن للنقد السوسيولوجي أن يتّخذه لو أن لوكاش واصل مشروعه. غير أنّ الأمور سارت على نحوٍ مختلف, بالطبع. ففي العام 1910, وبتزامنٍ محيّر مع آرائه التي أوردتها للتوّ, كان لوكاش يُحْكِمُ مفهوماً للشكل الجمالي معاكساً تماماً, مفهوماً «تراجيدياً», قائماً على انهيار كلّ صلة بين الشكل والحياة, بين الأشكال والتاريخ: «[هنا] ينشأ سؤال أساسي بالنسبة لعلم الجمال: أليس ما اعتدنا على تسميته بالشكل, وأعطيناه الأولوية وقدّمناه على معاني الحياة وما شكّلته, نوعاً من تحجّر الوجود؟... كلّ عمل مكتمل, بسببٍ من اكتماله على وجه التحديد, يضع ذاته خارج جميع المجتمعات ولا يَحْتَمِل أن يكون مُقْحَماً في سلسلةٍ ما من الأسباب التي تحدّده من الخارج. فجوهر الإبداع الفني, جوهر التشكيل, ليس سوى مبدأ عازل: قَطْعُ كل رابطة تربطه بالحياة المعيشة, الملموسة, المتحركة كيما يهب ذاته حياةً جديدة, منغلقة على ذاتها, وغير مرتبطة بأيّ شيء ولا يمكن مقارنتها بأيّ شيء. ففي كلِّ إبداع فني ثمة نوع من ال Inselhaftigkeit, كما يدعوه زيمل, لا يسمح له بأن يطيق كونه جزءاً من أي تطور متواصل»(15).‏

ومن المعروف أن لوكاش قد عمد, بين كتابه الروح والأشكال وكتابه نظرية الرواية, إلى تجذير هذه الطبعة الثانية من مفهومه عن الشكل. وفي حوار مشهور في ترسترام شاندي(?) نجد أن المتكلّم الذي يمجّد النظام الشكلي يرعب الفتاة التي يحبّها ويدفعها إلى أحضان غريمه. وبالمثل, فإنّ التاريخية التي تشكّل جوهر الرواية في كتاب لوكاش نظرية الرواية تعني أن الإنجاز الشكلي لروايةٍ ما هو «إشكاليّ» على الدوام ولا يمكن أن يكون غير ذلك: «توق» إلى الشكل أكثر منه تحقيقاً له. فبين الحياة والشكل, بين التاريخ والأشكال, يحفر لوكاش الشاب خندقاً لا يني يتعمّق. فالحياة «حركة», والشكل «انغلاق». والحياة «عيانية» و«تعدد», والشكل «تجريد» و«تبسيط». الشكل, في استعارةٍ تلخّص الأمر, متحجِّر ومُحَجِّر: أما الحياة فسائلة, ومطواعة, و«حيّة».‏

بيد أن العلوم الاجتماعية في القرن العشرين محت صورة الحياة هذه نهائياً. فحين ينظر المرء بعيني الألسنية, وتاريخ الآماد الطويلة longue durée, والأنثروبولوجيا, والتحليل النفسي, حتى الحياة تبدو «متحجّرة». وما هو غير مقبول في ثنائية لوكاش ليس توصيف الشكل بأنه الخصائص المنسوبة إلى وجود تاريخي. وإذا ما كان لمفهوم الشكل, في أعمال لوكاش بين 1910 و1920 , تداعياته الميتافيزيقية المتزايدة, فذلك، ويا للمفارقة، ليس لأسباب داخلية تتعلق بمفهوم الشكل ذاته؛ بل بسبب الصورة التي طبعتها خلفية لوكاش الفلسفية على المفهوم المقابل. فالشكل يتخثّر متحولاً إلى قَبليّةٍ قاسيةٍ ـ متطرفة, ومأساوية, ومعاكسة للحياة ـ لأنّ لوكاش يريد أن يبقي «الحياة» في حالةٍ من عدم التحديد «سائلةٍ» و«مفتوحةٍ». وما يبتغي لوكاش أن يتفاداه هو مفهوم أساسيّ في تحليل الثقافة: مفهوم العرف(16). وهو مفهوم حاسم لأنه يشير إلى الحين الذي يتّخذ فيه شكلٌ ما جذراً اجتماعياً محدّداً, ويدخل الحياة اليومية, ويعصّبها وينظّمها بطرائق منتظمة وخفية على نحوٍ متزايد, وأكثر فاعلية تالياً. غير أنه في الوقت ذاته مفهوم يفرض نوعاً قاسياً من انقشاع الوهم, لأنه يجرّد الوجود التاريخي من انفتاحه على التغيير, ويجرّد الشكل الجمالي من نقائه الأصلي.‏

واعتقادي أنّ النقد الأدبي قد مكث طويلاً ضمن حدود معضلة لوكاش: حماية دفء الحياة ونقاء الشكل. وهذا هو السبب في أنّ التاريخ والبلاغة باتا موضوعين منفصلين تماماً. وهذا هو السبب في أن مفهوم الجنس الأدبي بقي حبيس نوع من السجن النظري: فكان معروفاً ومقبولاً, لكنه لم يستخدم إلا قليلاً ودون رغبة. فالكلام على الأجناس الأدبية يعني دون شك التأكيد على إسهام الأدب في «تحجّر الوجود» كما في «إبلاء الشكل». وهو يعني قلب مهام التأريخ الأدبي وصورة الأدب ذاته, واحتواء ذلك كلّه ضمن فكرة القبول, والاستقرار, والتكرار, وحتى الذوق الرديء. ويعني, بعبارة أخرى, تحويل الفردوس الأخير ـ فردوس «الجمال» ـ إلى مؤسسة اجتماعية شأن غيرها من المؤسسات.‏

يمكن لنا الآن أن نعود إلى الدور الذي يؤديه مفهوم الجنس في تقطيع مُتّصِل التاريخ الأدبي وإعادة تنظيمه. وثمة شيء يستوقفنا مباشرةً. فتاريخٌ للأدب مبنيّ حول هذا المفهوم لا بدّ أن يكون «أبطأ» وأشدّ «تقطعاً» من التاريخ الذي نألفه. أبطأ, لأن فكرة الجنس الأدبي ذاتها تتطلب إلحاحاً على ما تشترك به مجموعة من الأعمال. فهي تفترض أنَّ الإنتاج الأدبي يحدث عبر خضوعٍ لنظام سائدٍ من القوانين وأن مهمة النقد هي على وجه التحديد أن يظهر مدى القوة القاهرة والمنظِّمة التي تتمتع بها هذه القوانين. كما تُدْخِلُ فكرة الجنس إلى التاريخ الأدبي ذلك البعد الذي دعته مدرسة الحوليات بـ الأمد الطويل (longue durée), وتدعم الفرضية التي مفادها أنّ «الفن بلا شك يلائم التعبير عن حالات الحضارة أكثر مما يلائم التعبير عن لحظات التمزق العنيف»(17).‏

وهذا تغير في المنظور من الصعب, بل من العبث, التنبؤ بعواقبه. غير أنَّ هنالك شيئاً واحداً مؤكداً: هو أنه لا بدّ أن يدفع المرء إلى إعادة تفحّص مكانة النقد الأدبي التأريخية من أسسها فصاعداً. ولما كان التاريخ الأدبي متهاوياً وعتيقاً على هذا الصعيد, فإنه لم يكفّ قطّ عن كونه تاريخاً حَدَثيّاً (histoire évenementielle), حيث «الأحداث» هي الأعمال العظيمة أو الأفراد العظماء. حتى الجدالات التاريخية العظيمة تحولت, في نهاية المطاف, إلى التركيز الذي يكاد أن يكون حصرياً على إعادة تأويل عددٍ بالغ الضآلة من الأعمال والكتّاب. وقد حكم هذا الإجراء على مفهوم الجنس بأن يكون وظيفةً تابعة وهامشية, الأمر الذي تشير إليه بأشدّ ما يكون الوضوح ثنائية العرف ـ نزع الألفة الشكلانية؛ حيث يبدو الجنس مجرّد خلفية, ومستوى ظليل لا نفع فيه سوى إبراز اختلاف الرائعة مزيداً من الإبراز. فكما يخرق «الحدث» قوانين الاستمرار ويزري بها, كذلك تعمل الرائعة على تبيان «الانتصار» على المعيار, وتبيان أنّ ما هو عظيم حقّاً لا يمكن اختزاله أو الحطّ من شأنه.‏

والمشكلات هنا كثيرة ومتشابكة. ولكن دعونا نكتفي بما هو أساسي, فنطرح سؤالين على الأقل. أولهما, إلى أيّ مدى أثبت البحث التجريبي ذلك التضاد بين المعيار والرائعة الذي لا يزال التأريخ الأدبي يرتكز إليه؟ بأي معنى «ينتهك» شكسبير أعراف التراجيديا الإليزابيثية؟ لماذا لا نقول العكس: إنّه كان الكاتب الوحيد القادر على تحقيق هذه الأعراف كاملةً, مقيماً «النموذج الأمثل» لجنسٍ كامل؟ هل تعمل رواية غوته سنوات تدريب فيلهلم مايستر على «نزع ألفة» أعراف الرواية التكوينية (Bildungsroman)؟ أليس العكس هو الصحيح: وهو أنّ غوته اكتشف هذه الأعراف مع روايته هذه وجعلها قابلةً لإعادة الإنتاج؟ الأمثلة كثيرة ومتعددة. وهذه هي من جديد, وفي الجوهر, تلك المشكلة التي عُنينا بها في مناقشتنا العلاقة بين «الأمر الشائع» و«الجرأة» في البلاغة. وما هو موضوع بحثٍ مرّة أخرى هو الوجهة التي تتّخذها تحديقة المؤرّخ: ما إذا كان عليه أن يكتفي بالنظر إلى ما هو وراء الرائعة, التي تؤكّد من جانبٍ واحد على خرق النسيج التاريخي وقَطْعِه, أم أنّ عليه, عبر إظهار النتائج التي تترتّب على كلّ عملٍ عظيم, أن يبرز وظيفة هذا العمل كإجراء أصيل من إجراءات «الاستقرار» التاريخي.‏

من الواضح كما يبدو لي أنّ الوجهة الأولى لا تزال الأكثر شيوعاً؛ وليس من الصعب أن نكتشف السبب وراء ذلك. فالنقد لم يتحرر تماماً من مهمّته القديمة: المتمثّلة في أن يكون ضَرْباً من المُرافِق المثقَّف لعملية القراءة؛ القراءة التي نقوم بها هنا والآن. وبما أن أعمالاً معينة تظلّ تُقْرأ, فإنّ الرغبة تنشأ عفوياً في إظهار أنها «معاصرة», وتالياً في الإلحاح على ما يتيح لها أن تنخلع خارج أرض الماضي الصلبة وتقع في حجرنا. وهذا ما ينمّ على علاقةٍ مع نصوص تضرب بجذورها البعيدة في التأويل المجازي الإغريقي, وقبل كل شيء في التأويل المجازي المسيحي(18). وهو تأويل يقوم على إيمانٍ, مهما يكن ابتذاله هذه الأيام, بأنَّ هنالك رسائل في الماضي لا تعنينا وحسب بل هي بمعنىً ما مكتوبة لنا ولنا وحدنا, ولا يتكشّف معناها تماماً إلا في ضوء تأويلنا. وهذه خرافة طيّبة بالفعل ومفيدة «للحياة» إلى أبعد حدّ: غير أنّ هذا السبب على وجه التحديد هو ما يجعلها تهمّ دارس العقلية المعاصرة, وليس المؤرّخ. فهذا الأخير ـ ما لم يكن راغباً في أن يتحوّل إلى تلك الشخصية الأسطورية التي تكمن رغبتها الوحيدة في تأمل انعكاس صورتها ـ ينبغي أن يركّز على ضروب التباين والقَطْع: على ما كان قد ضاع وغدا غير مألوف على نحوٍ مُبْرَم, فلا يمكن لنا أن «نعيد ألفته» إلا بممارسة العنف إزاءه بحيث نشوّه القوام المادي الموضوعي لكلّ عمل تتمثّل مهمة المعرفة العلمية في أن تعيد بناءه و«تنقذه».‏

تصل بنا المركزية غير الملائمة والمشوِّهة التي اكتسبتها «الذائقة» المعاصرة على حساب النقد التاريخي إلى السؤال الثاني. ففي نهاية القرن التاسع عشر كُتِبَت مئات قصص الأشباح, إلا أنّ رواية هنري جيمس دورة اللولب هي شيء آخر. هذا متَّفق عليه؛ أو بالأحرى أنها شيء آخر «بالنسبة لنا», نحن الأقلية الصغيرة التي تعمل في كلّ حالة بوصفها مستودعاً للذائقة السائدة. ولكن هل تقتصر مهمة مؤرّخ الثقافة دوماً وحصرياً على التساؤل عمّا مكّن نخبةً, في الماضي أو الحاضر, من «الانفصال» عن عامة الجمهور؟ أليست مهمته بالأحرى أن يُعْنى بأعراف الجمهور, والتوافقات الإيديولوجية التي يتميّز بها كلّ عصر من العصور؟ غير أنّ اعتراضاً قد يُطْرح بأنّ الإنتاج المتوسط من جنس معيّن لم يَعُد يُقرأ الآن وبات مضجراً ومملاًّ. وأنا لا أشكّ في ذلك. لكن هذا «البعد عن المعاصرة» الذي لا يُحْتَمَل هو على وجه التحديد ما ينبغي للمؤرّخ أن يبحثه. (ويمكن أن نشير عَرَضاً إلى أنه إذا ما سلك الجميع كما يسلك نقّاد الأدب الذين لا يدرسون إلا ما «يروق» لهم, فإنّ الأطباء قد يقصرون أنفسهم على دراسة الأجسام السليمة وحدها، ويقتصر الاقتصاديون على مستوى معيشة الميسورين). ومن ثمّ, هل نحن على ثقة بأننا نعرف تلك القصص «الأخرى»، «العرفيّة» أو«التقليدية»، من قصص الأشباح؟ هل دُرِسَت هذه الأعراف حقّاً, ألم نقتصر بالأحرى على إثارة أمرها بتسرّع وعجلة بقصدٍ واحدٍ هو إضفاء مزيدٍ من البريق والرونق على «محطّمها»؟ وإذا ما أراد المرء أن يحتفظ بثنائية العرف–الابتكار ويعطي الحدّ الثاني فيها وزنه التاريخي والشكلي الذي يستحقّه, فإنّ من المهمّ إلى أبعد الحدود أن يدرك أنّ الحدّ الأول في هذا الزوج لم يَغْدُ بالنسبة للنقد الأدبي إلى الآن «موضوعَ معرفةٍ» بالمعنى الحقيقي للعبارة. ففكرة «الأدب العادي» –لكي نعيد سبك تعبير آخر من تعبيرات الحوليات ـ لا مكان لها في النقد. والنتيجة هي أنّ معرفتنا, الآن, بالتاريخ الأدبي شديدة الشبه بخرائط أفريقيا قبل قرن ونصف القرن: حيث المناطق الساحلية معروفة ومألوفة أما باقي القارة بأكمله فعبارة عن مجاهل لا علم لتلك الخرائط بها. وإذ تبهرنا مصبّات الأنهار الأسطورية العظيمة, فإننا حين يتعلّق الأمر بتحديد المنبع نظلّ نثق على الغالب بفرضيات غريبة أو حتى بأساطير.‏

وإذ يُواجَه المرء بقارة مجهولة, فمن الطبيعي ألا يعلم مسبقاً إِنْ كانت جديرة بالاستكشاف. وما يسعني قوله يقتصر على أنني في كلّ مرّة دَرَسْتُ الأجناس «الدنيا», و«الأدب الجماهيري» (على الرغم من قيامي بذلك على نحوٍ لم أعد أجده مُرضياً: حيث كنت أبحث عن قوانين اشتغالها في عمل واحد أحسبه مثالاً ونموذجاً ـ دراكولا, أولاد شارع بول, سلسلة شارلوك هولمز ـ وليس في مجموعة من النتاجات «الوسط» أوسع وأكثر دلالة) كنت أنتهي دوماً إلى إيجاد معانٍ لم تكن «متوقّعة» أو«عادية» بأي حالٍ من الأحوال. وغالباً ما كانت, في حقيقة الأمر, مختلفة عمّا يفترضه المرء للوهلة الأولى أو حتى مناقضة له.‏

فالأدب الجماهيري ليس تلك الفسحة غير المتمايزة والخالية من المعنى كما لا يزال يعتقد معظم النقّاد. وهو ينطوي على كثير من المفاجآت, ليس بسبب المعاني الكامنة فيه وحسب, بل أيضاً بسبب الضوء الذي يلقيه على أعمال من نوعٍ آخر. فبلاغة القصة البوليسية تمكننا من أن نفهم بصورة أفضل تلك الإشكالية الشكلية والثقافية التي يعتمد عليها ما قدّمه جوزيف كونراد من حلول سردية (معاكسة لحلول القصة البوليسية). وبقراءة بودلير في ضوء برام ستوكر(?), يجد المرء أنّ وظيفة الإرداف الخُلْفيَّ (اجتماع لفظتين متناقضتين) تتّخذ تضمّنات أو معاني إضافية غير متوقّعة. ومما يؤسف له أنني لم أطوِّر على نحوٍ وافٍ هذا الوجه من أوجه المسألة في دراسات تتناول الأدب الجماهيري كنت قد أنجزتها. فمنذ بضع سنوات خلت, كانت كتابة المرء عن دراكولا تكفي لاعتباره متبطّلاً غريب الأطوار, وكان اهتمامي الأساسي منصبّاً على إثبات شرعية عملي: «كما ترون, فإنَّ دراكولا أيضاً جزءٌ من التاريخ الأدبي». أمّا التساؤل عمّا إذا كان يمكن لدراسة ستوكر أن تسهم في تغيير معالم الأدب «العظيم» فكان ضرْباً من المضيّ أبعد من اللازم في واقع الحال. غير أني مقتنعٌ الآن أنَّه لا بدّ من المضيّ في هذا السبيل، وأنّه قد يتيح لنا أن نعيد بناء النظام الأدبي في الماضي بمزيدٍ من الدقّة النظرية والصّحة التاريخية.‏

تاريخٌ أدبيّ «أبطأ»؛ وأكثر «تقطّعاً». لكن النقد يتّكئ في الوقت الراهن إلى معايير كثيرة جداً ومتنوعة جداً في تقطيعه متّصِل التاريخ: حياة الكاتب الفرد, مفاهيم «الأسلوب ـ المرحلة» مثل نزعة التأنّق والتكلّف أو النزعة الطبيعية، الانقطاعات الحاصلة في مجالات أخرى من التاريخ, العودة الصريحة أو الضمنية إلى «روحِ عصرٍ» شاملةٍ ما, فضلاً عن مفهوم الجنس ذاته بالطبع. والنتيجة النهائية في معظم الحالات شبكةٌ واسعةٌ ولزجة تفقد فيها الخروقات التاريخية كلّ وضوح. أمّا إذا أمكننا أن نُحْكِم مفهوم الجنس الأدبي ذلك الإحكام الوثيق والمنهجي, فقد يُسْهِم في شدّ حواف البحث التاريخي, ذلك أنّ تاريخاً يُعاد رَسْمُه تبعاً لمبادئ شكلية صارمة لا بدّ أن يكون أيضاً تاريخاً أشدّ صلابة, وأشدّ تقطّعاً. ليس على المستوى التزمّني وحسب (كما هو الحال في الأصل جزئياً)، بل على المستوى التزامني أيضاً وربما قبل أيّ شيء آخر: ففي كلّ عصر, تتواجد معاً أشكال رمزية مختلفة بل ومتصارعة فيما بينها, كلٌّ منها قد وُهِبَ انتشاراً ودواماً تاريخياً مختلفاً. وعلى تاريخ الأدب أن يستهدف تمثيل موضوعه كنوع من الحقل المغناطيسي الذي لا يكون توازنه أو اختلال توازنه سوى محصّلة للقوى الفردية الفاعلة في داخله.‏

بل يمكن للملامح المميّزة التي تَسمُ «مراحل» فنية أو أدبية أن تبرز بعد إعادة التفحّص هذه وقد اعتراها تعديل عميق, غير أنَّ ذلك يتطلّب طرح أسئلة لا يسعني التصدّي لها في هذا المقام(19). وينبغي أن نلاحظ أنّ المرء إذا ما أراد أن يصل إلى ضَرْب من إعادة الترتيب التاريخي يتمتّع بأيّ قَدْرٍ من الأهمية والسريان, لا بدّ له من إحكام مفهوم «الجنس» ذلك الإحكام الأوثق بكثير مما نراه الآن. فهو يخلط في الوقت الراهن بين إحالاتٍ عشوائية بهذا القَدْر أو ذاك إلى المضمون (القصة البوليسية, الرواية البيكارسية), والآثار أو المفاعيل (الرعب, الفكاهة), وعدد من السمات الشكلية (قصص «ذات نهايات سعيدة», روايات «وثائقية»). ومثل هذا التبويب المهلهل لا يمكن أن يسهم كثيراً في تبسيط حقل البحث أو تحديده. ولعلّ الحلّ يكمن في التركيز على سماتٍ بلاغيةٍ كبرى معيّنةٍ تُعَدُّ «سماتٍ غالبةً» نعيد على أساسها تنظيم منظومة الأجناس المختلفة. وثمّة في ذهني مثال محدّد, يبدو لي على أنه المحاولة الأنجح في إيجاد تأريخ «بلاغي»: ألا وهو مقالة إِر?ين بانوفسكي «المنظور بوصفه «شكلاً رمزياً».‏

حين يقرأ المرء هذه الدراسة يدرك أولاً وقبل كلّ شيء «قوة» إسهام الفرضيات التاريخية في البحث البلاغي (البحث «الإيقوني» في حالة بانوفسكي), ليس من خلال تحصينه وحسب بل أيضاً من خلال تزويده بالفرضيات البنيوية الأولية. وبعبارة أخرى, فإنّ المرء يدرك، بقراءة هذه الدراسة, وحدةَ البحث التاريخي والبلاغي. غير أنه يلتقط أيضاً ذلك التمايز بينهما: فتلك الفرضيات الأولية لا تتثبّت في واقع الأمر إلا بعد مسيرة طويلة وشاقّة عبر مناطق متخصصة أرفع التخصّص, حيث يجري التحليل (ويعرّض نفسه للدحض) على أساس مبادئ لم يَعْد بالإمكان استنتاجها من المعارف التاريخية خارج الفنية. وهذه هي الطريقة «المتعرّجة» بالضرورة التي يسهم من خلالها النقد في المعرفة التاريخية الشاملة, وسوف أعود إلى ذلك بعد قليل. أما الآن فدعونا نتناول وجهاً آخر من أوجه مقالة بانوفسكي عن «المنظور» قد يتبيّن لنا أنّه أساسيّ في تجديد المنهجية التاريخية. فمن المعروف أنّ بانوفسكي يعتقد أنّ المنظور في فنّ التصوير أو الرسم يبرز بالعلاقة مع مفهوم جديد للمكان ووظيفة «التنظيم» التي تقوم بها الذات الإنسانية ضمنه. وقد نشأ هذا المفهوم في الفيزياء التجريبية واتّخذ صيغته النسقية الحاسمة في الفلسفة الكانطية. وبذلك يكتسي الإجراء الفني دلالته الأكمل ليس في ضوء ظواهر فنية أخرى بل في ضوء نتاجات الفكر العلمي والفلسفي. بل إنّ «شكله» يُفْهَم ويبدي عن وظيفته الثقافية الخاصة بالعلاقة مع تلك النتاجات العلمية والفلسفية. غير أنّ تاريخاً للأشكال البلاغية يبلغ نهايته المنطقية يُرَجّح, في هذه الحالة, أن يُفْضي إلى تقطيع أوصال الحقل الجمالي. ومثل هذا التقطيع للأوصال سيكفّ عن اتّخاذ الشكل التاريخاني المتمثّل في وضع الخصوصيات التقنية للأعمال خارج قوسين لربطها بـ «روح العصر» الشامل. وبالأحرى إن النقد سوف يستمدّ من ماديّةِ شكلِ هذه الأعمال على وجه الدّقة تلك الحاجة النظرية إلى «فَكْفَكَةِ» تواريخ الفن والأدب, وإعادة كتابتها كمكوّن وحسب من مكوّنات تاريخٍ للقيم, وبنى الفكر التي تُنَظَّم عبرها هذه القيم, والمؤسسات المصمّمة لتعزيزها(20).‏

وإليكم هذا المثال الذي يساعد في إيضاح ما أعنيه: السونيتة الإليزابيثية والرواية المسلسلة المسلية (roman ـ feuilleton) كلتاهما تنتميان إلى مجال الأدب, و«لذلك» يُعْنَى بكلتيهما ذلك الفرع المعرفي ذاته المُسَمَّى بالنقد الأدبي. غير أنّ الأشياء تنتمي إلى الحقل ذاته ويدرسها الفرع المعرفي ذاته إذا ما كانت خصائصها مشتركة إلى حدّ بعيد. ولا شكّ أن السونيتة والرواية المسلسلة المسلية تتقاسمان ذلك النفي المزدوج الذي وَسَم به كانط المجال الجمالي: فهما لا تتمتّعان بطابع معرفيّ, وليست لهما غايات عملية مباشرة. لكن ذلك هو كلّ شيء. فلا شيء آخر مشتركاً بينهما. وكلّ من يدرس السونيتة أو الرواية المسلسلة المسلية يعلم جيداً أنّ «وظيفتهما الجمالية» المشتركة لا تقدّم سوى القليل, إذا ما قدّمت أيّ شيء, مما يساعد في تأويلهما. ودراسة السونيتة لا تفيد أيما إفادة من المقولات النقدية التي تصلح للرواية المسلسلة المسلية. بل تعتمد بدلاً من ذلك على أعرافٍ «قريبة» للسونيتة, دون أن يكون على هذه الأعراف بالضرورة أن تنتمي إلى المجال الأدبي: أشكال معينة من الصلوات مثلاً, أو أوجه معينة من عادات إطلاق النفير, أو نظرية «الانسجام العالمي». وبالعكس, فإنّ على المرء, في حالة الرواية المسلسلة المسلية, أن يدرس الصحافة منذ أوائل القرن التاسع عشر وحتى أواسطه, والميلودراما بعد الثورية, وأعراف ضَرْبٍ معين من التأريخ «الشعبي». وفي كلتا الحالتين سيسير العمل بصورة أفضل كلما زاد تدبّر الشخص الذي يقوم به –دون أن يعلم ذلك, وربما دون أن يريده ـ أمر «نسيان» الأغراض التقليدية لتاريخ «الأدب» (الذي يقتضي أفقه النظري اكتمال الزواج غير الطبيعي بين السونيتة والرواية المسلسلة المسلية, على هذا النحو أو ذاك) و«الاكتفاء» بتقديم مساهمةٍ في تاريخ المجتمع, من خلال دراسة شكلٍ أو مجموعة من الأشكال المتعالقة.‏

وعلاوةً على ذلك, ثمة واقعة لافتة تماماً لم تُمْنَح ما يكفي من الاعتبار: ألا وهي عدم الاهتمام العنيد الذي لا ينفكّ المؤرّخون «الحقيقيون» يبدونه تجاه التأريخ الأدبي (والفني, بصورة أعمّ). فحتى «التاريخ الشامل» الذي وضعته مدرسة الحوليات كان قد توقّف عند حدود هذا الحقل من حقول الدراسة, دون أن يتمكّن من الانكباب عليه أوالاهتمام به على ذلك النحو الهام. والآن, إذا ما استبعدنا إمكانية أن يكون المؤرّخون يكرهون نقّاد الأدب لأسباب خاصة لا يصحّ ذكرها, وكذلك إمكانية أن يكون هؤلاء الأخيرون أكثر حمقاً وأقلّ كفاءة من غيرهم من المؤرّخين إلى تلك الدرجة التي تثير السخط والاستياء, فإنَّ هذا الحال لا يمكن أن يُفَسَّر من غير إشارة إلى أنّ مؤرّخي الأدب لا يسعهم أن يكونوا مؤرّخين «حقيقيين» نظراً لعنايتهم بموضوع تخيّلي. وهم يدعون هذا الموضوع باسم «التاريخ الأدبي» لكنه مُكْتَنَف بخليط من التناقضات الداخلية, والمدارات البطليموسية, والتفسيرات الخاصة وغرابة الأطوار الصريحة (كأن ينتمي غيبن(?) إلى الأدب الإنجليزي دون كونان دويل) بحيث يغدو هذا الفرع المعرفي غير قابل للاستخدام البتّة من قِبَل أيّ بحث تاريخي يتميّز ولو باليسير من الانضباط الذاتي العلمي.‏

لعلّه ينبغي, إذاً, لتاريخٍ للأدب قادرٍ على أن يعيد كتابة ذاته كسوسيولوجيا للأشكال الرمزية, وكتاريخ للأعراف الثقافية, أن يجد في النهاية دوراً وكرامةً في سياق تاريخٍ شامل للمجتمع. وكما هو الحال دوماً, فإنّ ذلك كفيل بأن يحلّ بعض المشكلات ويخلق سواها, بدءاً بتلك التي تطرحها عبارات مثل «تاريخ شامل» أو«تاريخ اجتماعي»: وهي مفاهيم أوسع من أن تنتظم جزءاً محدداً من البحث. ومن المستحيل أن ننكر أن المجتمع البشري هو كلٌّ متعدد, معقّد, مفرط التحديد؛ لكن الصعوبة النظرية تكمن على نحوٍ واضحٍ في محاولتنا أن نقيم تراتباً للعوامل التاريخية المختلفة. وحلّ هذه المشكلة هو, بدوره, حلّ تاريخي, وتجريبي بالمعنى الواسع. ففي مجتمعٍ زراعي أساساً, لا بدّ أن يكون للتغيرات المناخية أهمية أكبر مما تحظى به في مجتمعٍ صناعي أساساً. وإذا ما كانت غالبية السكان أميّةً, فسوف تترجّح الثقافة المكتوبة بين أداءِ دورٍ يمكن إهماله تماماً وامتلاك وظيفةٍ طاغيةٍ وصادمة (كما أوضحت طباعة الكتاب المقدّس). أمّا إذا ما كان الجميع, من جهة أخرى, قادرين على القراءة, فمن غير المحتمل أن يكون للثقافة المكتوبة مثل هذه الآثار بعيدة المدى, لكنها سوف تغدو بالمقابل ذلك الملازِم المُنْتَظَم والحميم لكلّ نشاط يومي.‏

وكما تتغيّر المراحل التاريخية, فمن الطبيعي أن يتغيّر أيضاً وزن المؤسسات المختلفة ووظيفتها, وموقعها في البنية الاجتماعية. ولذلك, حين يبدأ مؤرّخ الأشكال الأدبية بالبحث عن تلك الظواهر خارج الأدبية التي ستساعده (سواء كان يعلم ذلك أم لا) في توجيه بحثه والسيطرة عليه, فإنَّ القاعدة الوحيدة التي يمكنه أن يلزم نفسه بها هي أن يقوّم كلّ حالة عن كثب. ويمكن لبعض الأمثلة أن تساعد هنا في توضيح ما أعنيه, وآمل أن تبيّن أنّ معيار «كلّ حالة» لا يُقْصَد به أن يشجّع على العشوائية, بل أن يخضعها لذلك النوع الوحيد من الضبط الممكن في هذا السياق.‏

دعونا نأخذ معرفة بنى الدولة والفكر السياسي ـ القانوني. فذلك مفيد كثيراً ـ و«وثيق الصلة» نظرياً ـ في تحليل الشكل التراجيدي في عصر الحكم المطلق, لكنه أقلّ فائدةً وصلةً بكثير في دراسة الشكل الكوميدي في المرحلة ذاتها. ومع أنّه يبقى ذا أهمية في القرن الثامن عشر في تحليل شكل الرواية «الهجائي»، إلا أنه يكاد أن يكون منبتّ الصلة تماماً بتحليل الرواية «الواقعية». كما يمكن لدراسة المحظورات الجنسية وبعض الرموز الحلمية المستمدّة منها أن تقدّم اقتراحات كثيرة بشأن أدب الرعب؛ في حين لا تقدم أيّ شيء عملياً بشأن القصة البوليسية في العَقْدِ ذاته. وبالمقابل, فإنَّ الارتكاسات الانفعالية إزاء الثورة الصناعية الثانية ذات صلة وثيقة بتحليل قصص الخيال العلمي, في حين أنَّ صلتها بتحليل القصص البوليسي هي أقلّ من ذلك, وتغيب هذه الصلة تماماً فيما يتعلق بأدب الرعب.‏

وبدلاً من أن نكثر من الأمثلة, من المفيد أن نشير إلى أنَّ «وثاقةَ صلةِ» عاملٍ أو حدث تاريخي بالتحليل الأدبي لا تنطوي بحدّ ذاتها على أيّ حكم بشأن أهمية هذا العامل أو هذا الحدث في آلية التاريخ العامة. فالحرب العالمية الثانية –إذا ما ضَرَبْنا مثالاً صارخاً ـ لا تبدو مفيدة كثيراً في التحقيب أو التأويل الأدبيين: ومن الواضح أنّ ذلك لا يجعلها حدثاً ثانوياً أو من دون قدرة تفسيرية هائلة في مجالات أخرى. وتتّسم مؤسسات التاريخ المختلفة بإيقاعات تطور متفاوتة, ومهمة النقد الرئيسية في هذا الصدد هي أن يرسم خطوطَ تطورِ مجالِ تحليله الخاص, حتى ولو قاده ذلك لأن يبتعد عن ضروب التمرحل الفاعلة في غير مكان أو يناقضها. فعلى الرغم من أنَّ إعادة بناء خارطة تأريخية موحّدة تمثّل مشكلةً لاحقةً, وفرعيةً في العادة, إلا أنّ من غير الممكن أن يجري التصدي لها بنجاح من دون امتلاك معرفةٍ معزّزة فيما يتعلّق بالمعايير الخاصة بكلّ مجالٍ محدّد.‏

وثمة نقطة تفصيلية أخرى, وإن كان مدى سجالنا يجعلها زائدة وغير ضرورية: فالظاهرة خارج الأدبية لا تزيد أهميتها أو تنقص مطلقاً بوصفها «موضوعاً» أو«مضموناً» ممكناً لنصّ ما, بل تبعاً لتأثيرها على أنظمة التقويم ومن ثمّ على الاستراتيجيات البلاغية. فظاهرة العلم المبسّط ليست «جزءاً» من القصص البوليسي؛ لأنَّ التحرّي أو المفتش يعمل «على نحوٍ علميّ» (وهو الأمر الصحيح بما يكفي لكنه ليس مهماً). وبالأحرى إن بمقدورنا القول (على الرغم من المخاطرة الكبيرة) إنَّ «العلم» يدخل قصص الجريمة عن طريق آليةٍ سيميائيةٍ محدّدةٍ (فكّ مغاليق الألغاز) ووظيفةٍ سرديةٍ محفوظةٍ له وحده (الحلّ النهائي للعقدة). وإذا ما مضينا أبعد في تحليل هذين الخيارين البلاغيين (وزدنا في مخاطرتنا أن نكون على مزيد من الخطأ) يمكن لنا القول إنَّ فكّ مغاليق الألغاز يفترض مسبقاً أنَّ «العلم» متطابق مع إيديولوجيا عضوية قائمة على تصوّر من تصورات «الحسّ المشترك» أو «الفهم الشائع» مفاده أنّ الفروقات في المكانة لا يمكن أن تَحُول أو تتبدّل؛ وأنَّ نهاية الرواية البوليسية ترسم صورةً لزمنٍ يؤدي فيه «العلم» دور الجالب العنيف للاستقرار, بدلاً من أن يكون نشاطاً يحثّ على ضَرْبٍ من «التقدّم», الأمر الذي يضمن ثبات نظامٍ اجتماعي معيّن, أو يختزل تغيراته إلى حدّها الأدنى على الأقلّ.‏

ومع هذه الملاحظات, فإنَّ قضية التأريخ بمعناه الدقيق تغدو مختلطة على نحوٍ حتميّ بمسألة صحّة التأويلات النقدية, أو ربما الأفضل «قابليتها للاختبار». وعلينا أن نتساءل الآن, ولو باختصار, عن سبل تفاعل التأويل والتأريخ, وعن مجالات الصِّحة الخاصة بكلٍّ منهما.‏

3ـ من أجلِ نقدٍ «قابلٍ للدحض وإثبات الزيف»‏

ينبغي لمعايير اختبار التأويلات الأدبية أن تكون, من حيث المبدأ, المعايير ذاتها المستخدمة في أيّ فرع علمي آخر. وعلى المرء, بعبارة أخرى, أن يطالب بتأويلٍ يكون متّسقاً, وأحاديّ المعنى, وكاملاً. وبأن يتوقّف الاختبار على مقارنة التأويل بالمعطيات –القائمة في النصّ أو النصوص المشكّلة لموضوعه ـ التي تبدو متناقضة أو يتعذّر تفسيرها في ضوء الفرضية ذاتها. ويمكن القول إنَّ ما من شيء جديد هنا؛ وليس هذا بالفعل سوى صياغة أولية لمبدأ إثبات الزيف الذي تستخدمه جميع العلوم التجريبية, بما في ذلك العلوم الاجتماعية ـ التاريخية, مع بعض المشكلات الإضافية، ماعدا النقد الأدبي في القرن العشرين, ذلك النقد الذي قام إطاره المنهجي طويلاً على مفاهيم مثل «تعدّد المعاني», و«الالتباس», و«الانفتاح», و«الاختلاف», تلحّ جميعاً على ما للنصّ الأدبي من طابع دلالي ينأى به عن أحادية المعنى. وحين يكون نصّ أدبيّ بعيداً، بالتعريف، عن أحادية المعنى بل متناقضاً مع ذاته, سوف يكون من المستحيل تماماً على أيّ عنصر من عناصره أن «يثبت زيف» تأويل ما. ونظراً لخصوصيات النصّ الأدبي الدلالية, فإنّه يُسَلَّم منذ البداية بأنَّ الفرضيات التأويلية سوف تُنْقَض وأنَّ هذا الحال يُعْتَبَر مقبولاً بوصفه حالاً لا مفرّ منه. غير أنّه حين لا يكون للنصّ أيّ قدرة على إثبات الزيف, فإنّ أيّ تأويل يغدو مشروعاً, أو الأدقّ, إنَّ أياً من التأويلات لا يمكن قطّ ألاّ يكون مشروعاً. وبذلك يفقد التنافس بين الفرضيات المختلفة, وحميّة الدحض, وشغف المناقشة ـ أي جميع المُثل التي تبثّ الحياة في أيّ مشروع علميّ ـ كلّ أساس, وتظهر زائدة عن الحاجة ولا يكاد يمكن تصوّرها. كما تنزع التأويلات لأن تغدو «غير قابلة للمقايسة» بعضها مع بعضها الآخر, وتبدو خاليةً من أيّ «مشكلات» مشتركة. أما القول بأنَّ أحدها متفوّق على سواه فيكاد يهبط إلى مستوى الحكم القائم على الذائقة, والذي يُشْعَر بأنَّ أساسه التجريبي ضَرْب من الحذلقة المفرطة وغير اللائقة.‏

لعلّي قد بالغت, ولكن ليس كثيراً. فما دام النقد يواصل دورانه حول مفاهيم مثل «الالتباس» وأضرابه, فسوف يظلّ يُدْفَع على الدوام, وعلى نحوٍ لا مردّ له, باتجاه مضاعفة, وليس اختزال, تلك العقبات التي تواجه كلّ علم اجتماعي حين يحاول أن يقيم لنفسه أساساً قابلاً للاختبار. بل إنّ المرء ليشعر بميلٍ لأن يضيف بأنّ ذلك كلّه من أجل لاشيء! من أجل هكِوبِه!(?) فالمسألة ليست ما إذا كان استخدام اللغة الأدبي متعدد المعاني على نحوٍ خاص أم لا. فهو كذلك بالطبع. لكن ذلك لا يحول البتّة دون القيام بتحليلات أحاديّة المعنى وربما كاملةٍ, وقابلة للدحض تالياً. وما يعنيه هذا لا يتعدّى أنَّ على هذه التحليلات أن تقارب النصّ ليس كما لو كان قوة موجّهة لا تشير سوى باتّجاه واحد, بل كما لو أنه منبع ضوئي يشعّ باتجاهاتٍ متعددة، أو حقل قوى في توازن مستقرّ نسبياً. وهذه موضوعات تفوق في تعقيدها السهم البسيط, لكن تحليلها التجريبي والقابل للاختبار أمرٌ ممكن تماماً, شريطة أن يستهدف المرء تحليلها ووصفها كبنى. وبذلك تكفّ معاملة الإضافة, أو الإنقاص, أو التحويل الذي يجري على معنى كلّ عنصر من عناصر هذه البنى كما لو أنّها عمليات «مشروعة على الدوام» (كما هو الحال في هذه الأيام), نظراً للصلات المنطقية الواهية التي تقيمها البنى الأدبية (والتي تمثّل لهذا السبب الأرض الموعودة لكلّ تفكير تفكيكي). فالأحرى ألاّ يُعامل ذلك كفعل مشروع إلاّ حين يسهم في تحسين المعرفة الكلية بالنصّ, وبذلك يسهم في تعزيز هذه الصلات, وتلك «المحظورات» التي تُفْرَض, ككلّ مُنَظَّم, على المؤوِّل.‏

وحين يتخلّى نقد هذه الأيام عن صيحة المعركة: «يمكن تأويل هذا العنصر بهذه الطريقة», ويستبدل بها قولاً عادياً: «هذا التأويل مستحيل بسبب كذا وكذا», فإنَّ ذلك سوف يكون خطوة هائلة إلى الأمام على طريق المتانة المنهجية. ولا يعني ذلك البتّة أن نتخلّى عن التأويلات غير المتوقّعة أو الجريئة: فقيمة نظرية ما, كما لاحظ كارل بوبر, تتناسب طرداً مع بُعْدِ احتمالها. وهو يعني وحسب إخضاع بُعْد الاحتمال هذا لعملياتِ تفحّصٍ صارمة, لأنّ ما هو غريب وغير مألوف ليس صحيحاً على الدوام أيضاً. لتخطئ قدر ما تشاء، شرط أن تبقى على إيمانك أكثر (Pecca Fortiter, sed crede Fortius): إنها لطريقة حسنة في إيجاز روح البحث العلمي.‏

إنه لمن الممكن والضروري على حدٍّ سواء أن تكون التأويلات الأدبية قابلة لإثبات الزيف, وثمة حاجة لأن نضيف أنّ المجال الأساسي الذي ينبغي أن تُخْتَبَر فيه هذه التأويلات هو تحليلها للآليات البلاغية. وسبب ذلك بسيط: فحين يريد المرء أن يشرع بتاريخٍ للأشكال البلاغية, لا يمكن قياس صحّة فرضيةٍ ما إلا بمقارنتها مع تأويلات أخرى للشكل الواحد ذاته. يبدو هذا واضحاً, لكن السؤال قد يُطْرَح عند هذا الحدّ عمّا جرى لوحدة التحليل البلاغي والتحليل الاجتماعي ـ التاريخي التي اتخذنا منها نقطة انطلاقنا؟ ولو عدنا إلى تأويل القصص البوليسي الذي قدّمناه آنفاً: فقد يعترض مؤرّخ للعقليات, أو للعلم, بأنَّ صورة العلم الأوسع انتشاراً في أيام كونان دويل لم تكن مطلقاً تلك الصورة التي «استنتجناها» من البنية البلاغية لسلسلة شارلوك هولمز. فهل يمكن ألاّ يكون لاعتراضٍ من هذا النوع أي قيمة في إثبات الزيف؟‏

أجل, لأن الاعتراض يشتمل في آنٍ معاً على نسبة من الصواب (الذي يشكّل, كما سنرى, إثباتاً للزيف من نوعٍ خاص) ونسبة من الخطأ. ولكي نبدأ بهذه النسبة الأخيرة, دعونا نفترض أنّ باحثاً في السكّان يكتشف أنّ معدّل الولادات, في مكانٍ معين ومرحلة معينة, يتّخذ صورةً تتناقض مع ما يتوقّعه المرء للعلاقة بين الزيادة السكّانية, وعلاقات الإنتاج, وظروف المناخ, والعادات الصحية, والمعتقدات الدينية في ذلك المكان ذاته وتلك المرحلة ذاتها. فهل يمكن لاختصاصيّ في مجالات التاريخ الأخرى هذه أن يعتقد أنَّ إحصاءات الباحث السكّاني خاطئة لأنها لا تتوافق مع نتائج بحثه الخاص (الذي ـ دعونا نفترض– أنّه قد أُثْبِت تماماً وبات يُعْتَبَر صائباً وليس محلّ نقاش)؟ من المؤكّد أَلا تكون: قد تكون لديه شكوكه, وقد يُدْهَش, ويتوقّع وجود حساب ما خاطئ, ويزعم أن لا وجود لهذه الأرقام. لكنه لا يستطيع أن يرفض هذه الإحصاءات فعلياً إلا حين يحلّ محلّها ترتيب مختلف للمعطيات يُدْخِل تحسيناتٍ عليها من منطلق المبادئ التي رسّخها التاريخ السكّاني, وليس تاريخ ملكية الأرض أو الدين. وما من سبب يحول دون أن يُطّبَّق المبدأ ذاته في حقل البلاغة, فصورة بلاغية معينة –مهما بدت عبثية أو سخيفة في ضوء مكتشفات تاريخية أخرى ـ لا يمكن نقضها بالمعنى الكامل للكلمة إلاّ بصورة بلاغية أفضل.‏

ثمة اعتباران يبرزان هنا, سوف أشير إليهما بكثير من الإيجاز. من الصحيح تماماً بالطبع أن نقول إنَّ لغة علم السكان أحادية المعنى أكثر بكثير من لغة النقد الأدبي. ولكن ذلك ناجم إلى حدٍّ بعيد عن أنَّ النقد, لأسباب سبق ذكرها, لطالما أخذ أسسه التجريبية الخاصة بخفّة, وبدلاً من أن يكافح لإقامة جماعة علمية لها أهدافها المشتركة وقواعدها الواضحة, فضّل ضمنياً أن يضفي الشرعية على حالٍ يكون فيه الجميع أحراراً في أن يفعلوا ما يحلو لهم. وليست النشوة المعجمية ـ النحوية في السنوات القليلة الأخيرة سوى الحدث الأخير في تقليد قديم وشهير من انعدام المسؤولية الفكرية. غير أنَّ مثل هذه الأشياء تمكن مداواتها في كلّ حين من حيث المبدأ. أما الاعتبار الثاني فيفتح على مجال مختلف قليلاً. فحين يتمكّن النقد من أن يوفّر لنفسه أساساً قابلاً للاختبار على نحوٍ معقول, لا بدَّ أن يكتسب التحليل البلاغي عندئذٍ مكانة مختلفة بين العلوم الاجتماعية «الأقوى». وحين يكون على ناقد أدبي أن يشارك في مؤتمرٍ لمختلف الفروع العلمية حول الشمولية (التوتاليتارية) ويتكلم لساعةٍ على آليات التمثيل المجازي (الأليغورة), مثلاً, فسوف يبدو أداؤه هذا غريباً ومسلياً. غير أنّ هذه هي المساهمة الوحيدة الصحيحة التي يمكن لمُشاركنا المُتَخَيَّل أن يسهم بها. واعتقادي أنّ الوقت قد حان لوضع حدٍّ لذلك التمثيل الإيمائي حيث يكون المؤرّخ الأدبي في واقع الأمر ذلك الشخص الذي يقدّم الأمور الشائعة التي يعرفها الجميع في سلسلة من الجمل المُحْكَمة والمُقْنِعة. فالمؤرّخون يعرفون كيفية استخدام الحواسيب؛ ولا يجدون صعوبةً في تعلّم الفارق بين الاستعارة والكناية, الأمر الذي يفترض بالطبع قدرةً على تبيان أن الاختيار بين هذين الشكلين البلاغيين يقتضي فروقاً ثقافية لها أهميتها.‏

ونأتي الآن إلى نسبة الصواب التي يشتمل عليها الاعتراض المشار إليه آنفاً. وإنني لأشعر هنا بشيء من القلق, إذ أعلمُ أني اتُّهمت أكثر من مرّة بالخطأ الذي سأصفه الآن: لنفترض أنّه تمَّ بلوغ مستوى مُرْضٍ من التحليل البلاغي. وأنَّ ما توصلنا إليه يشير دون التباس إلى تراتب للقيم معيّن, بحيث يمكن للمرء أن ينجز ذلك الالتحام النهائي بين البلاغة والتاريخ الاجتماعي. ولنفترض أنَّ المحاججة قد كانت إلى الآن خالية من العيوب والنواقص. إنَّ هذا الحدّ على وجه الدقة هو الموضع الذي يرتكب فيه المرء غلطته. فهنا يستسلم لإغراء التعميم الكاسح ويقع فيما يمكن أن ندعوه بـ«مغالطة روح العصر (Zeitgeist)»: هل تشتمل بلاغة القصص البوليسي على موقف معين من العلم؟ فلنستنتج في الحال إذاً أنَّ «المجتمع أيام كونان دويل», و «إنجلترا تسعينيات القرن التاسع عشر», و«الطور الامبريالي من الرأسمالية» –وكلّ ما يهمّ المرء أن يستحضره ـ «يتقاسمون هذا الموقف» جميعاً. من الواضح أن لاعتراضات مؤرّخ العقليات قيمةً مثبتة للزيف فيما يتعلق بهذا المنعطف من المحاججة. غير أن هذه القيمة تتعلق بهذا المنعطف وحسب. فما يغدو اعتباطياً حين يُعَمَّم قد لا يكون كذلك البتّة إذا ما كان يهدف إلى مجالٍ للصحّة بالغ التحديد.‏

وهذا الادّعاء التعميمي الشامل, الذي يتبع التأريخ الأدبي مثل ظلّه, له سببه الخفيّ الذي يفيد أن نعرفه؛ إذ يشير بالمغايرة إلى سبيل ممكن للخروج منه. وهذا السبب اسمه جورج فيلهلم فريدريش هيغل. فقليلة هي الأشياء التي أنعشت الدراسات الجمالية –وكانت مصيرية بالنسبة لمتانتها التجريبية ـ كما أنعشها ذلك الزواج الذي عقده هيغل بين فلسفة التاريخ وعلم الجمال المثالي. ففي كتاب هيغل علم الجمال, نجد أنَّ كلّ حقبة تاريخية ليس لها في الجوهر سوى مضمون مثالي واحد «تعبّر» عنه, وتعطيه «تجليّاً محسوساً» عبر شكل فني واحد. ولو تابعنا الحجاج بالعكس، فإنه ما إن يحدد المرء شكلاً بلاغياً حتى يكون من الحتميّ عملياً أن يشعر بأنّه مُخوَّل بأن يربطه مباشرة بالفكرة ـ الوحيدة, المنعزلة, المتألقة ـ التي يُفْتَرَض أنَّ حقبة كاملة تتلخّص فيها. وهذا حتميّ, وخاطئ, بصورةٍ تكاد أن تكون دائمةً, على الأقل. فعلى الرغم من مجيء لحظات التدامج الفكري والشكلي الاستثنائي من حينٍ لآخر, إلاّ أنَّ القاعدة في التاريخ أن يحصل العكس, فما من نظام للقيم كان قادراً قطّ على تمثيل روح عصرٍ ما دون أن تتحداه أنظمة منافسة. ولو كان الأمر خلاف ذلك لكانت محاججتنا الحالية, من أسطرها الأولى فصاعداً, عبثية تماماً, لأنَّ البلاغة ما كانت لتوجد أصلاً. لنتذكّر ما قاله كينيث بورك: هدف البلاغة ـ وهو تعزيز التمسّك بقيم معينة ـ يفترض نقيضه مسبقاً, ألا وهو الانقسام. فجميع الأشكال البلاغية تطمح لأن تصير «روح العصر», لكن تعددها ذاته يرينا أنَّ هذا المصطلح يشير إلى طموح وليس إلى واقع, ولذلك ينبغي استخدامها كأداة مفاهيمية بالغة الإفادة, ولكن ليس كواقعة.‏

وبالمقابل, يبدو أنّ احترام الخصوصية التي يتّسم بها كل شكل مفرد هو الذي يوفّر, على وجه التحديد, أفضل ضمانةٍ لتحديد وحَصْر الصلات الاجتماعية ـ التاريخية التي يسعى النقد لإقامتها. فكلما زادت قدرة المرء على تفريق شكل معين عن سواه من الأشكال «المنافسة», زاد استبعاد الصلات الاجتماعية والإيديولوجية التي سيجدها. ومن الواضح أنَّ في ذلك فوائد على صعيد الملموسية التاريخية وقابلية الاختبار التجريبية في آنٍ معاً. وهذا ما يعيدنا إلى الوضع الذي أشرنا إليه في المقطع السابق. إذا ما كان لتاريخ الأدب أن يتحول قطّ إلى تاريخٍ للأشكال البلاغية, لا بدّ لهذا الأخير بدوره أن يبدأ من إدراك أنّ شكلاً ما يغدو أشدّ قابلية للإحاطة به وأكثر أهمية ولفتاً للانتباه كلما زاد فهم المرء للصراع, أو الاختلاف على الأقل, الذي يربط هذا الشكل بالأشكال المحيطة به. ولا ينبغي لهذا أن يُفْهَم ـ كما راح يجري بالفعل ـ على أنّه معيار تزّمني: أو على الأقل ليس فقط, وليس بصورة رئيسية. فإضافةً إلى فهم تعاقب الأشكال المختلفة ومتبادلة العداء, على التاريخ الأدبي أن يرمي إلى تمرحلٍ تزامني لم تعد «تلخّصه» الأشكال النموذجية الفردية, بل يُقام لكل مرحلة, عبر نوعٍ من متوازي الأضلاع الخاص بالقوى البلاغية, والقوة المسيطرة بينها, واختلالات توازنها, وصراعاتها, وانقسام مهامّها.‏

ولعلّ العلاقات بين تاريخ الأشكال وتاريخ المجتمع أن تفقد عندئذ طابعها الغامض والعارض, وأن يظهر تغاير الإحالات خارج الأدبية ذاته، تلك الإحالات التي وَسَمت نشاط التأويل (بطريقةٍ غير نظامية وغير قابلة للاختبار حتى الآن)، كسبيل من الضروري اتّباعه. فالطبيعة المتباينة وغير المترابطة التي تميّز تلك الإحالات لا تنجم (بالضرورة) عن عدم استقرار المقولات التي يستخدمها النقد, بل عن بحثه عن الملموسية. وعلى النقد أن يعتمد على تلك الأوجه من الحياة الاجتماعية التي تمكّن المرء من تفسير ذلك الموضوع المادي المحدّد الذي هو النصّ قيد التحليل. وتغاير الصلات هو من طبيعة هذا العمل لأنه من طبيعة الأدب ذاته. ولعل الأدب أن يكون الأشدّ التهاماً بين المؤسسات الاجتماعية, والأشدّ مرونةً في تلبية المطالب الاجتماعية المتباينة, والأشدّ طموحاً في عدم اعترافه بحدودٍ لمجال تمثيله. ولا يسع المرء أن يطالب باختفاء هذا التغاير, وإنما فقط بأن يعكس بأمانةٍ ذلك التعدّد الفعلي في النصوص قيد التفحّص, من حيث وجهتها ووظيفتها (وليس ذلك بالمطلب البسيط).‏

4 ـ الأدب, «القبول»:‏

يقع هذا المشروع التاريخي في المستقبل بصورة تكاد أن تكون كاملة. ومن يعلم إذا ما كان سيُنَفَّذ قطّ؟ من يعلم إذا ما كان مشروعاً معقولاً وليس مجرد يوطوبيا شخصية بسيطة (بل ويوطوبيا لم أبدأ بعد بوضعها في حيّز التطبيق)؟ مهما يكن الحال, فإنّه بلا طائل أن نستغرق كثيراً في التأمّل في الأفضل بين ضروب النقد الممكنة. فدعونا نحاول بدلاً من ذلك إكمال محاججتنا بالعودة إلى عددٍ من خصائص ما ندعوه بـ «الأدب» والتي تبرر ذلك المشروع. فنحن بحاجةٍ, بعبارة أخرى, إلى أن نعزل في «الموضوع الفعلي», الأدب, تلك العناصر التي تشير إلى أنّه يغدو «موضوعاً للمعرفة» تبعاً للمعايير التي رسمنا خطوطها العامة إلى الآن.‏

وبالعودة إلى النقاط التي أثرناها في القسم الأول, دعونا نقول إنَّ وظيفة الأدب الجوهرية هي ضمان القبول. أن يدفع الأفراد إلى شعورٍ «بالارتياح» في العالم الذي يصادف أنهم يعيشون فيه, وأن يصالحهم بطريقةٍ سائغةٍ وخفيّة مع معاييره الثقافية السائدة. هذه هي الفرضية الأساسية. غير أنّ دعمها يقتضي بالضرورة أن نضعها على محكّ ظاهرة أدبية ـ كالتراجيديا ـ تبدو كما لو أنها تشير إلى العكس تماماً, ثمّ على محكّ عددٍ من ضروب التمفصل الهامّة على نحوٍ خاص بين الفكر الجمالي والفكر النقدي الحديثين.‏

حاولت أن أبيّن في واحدةٍ من الدراسات أنّ التراجيديا الإليزابيثية والجيمسية قد أسهمت في تسويد صفحة الملكية المطلقة على نحوٍ يفوق في جذريّته أيّ ظاهرة ثقافية شهدتها تلك المرحلة ذاتها, ممهّدةً بذلك الطريق, بوسائل هدّامة تماماً, أمام الثورة الإنجليزية في القرن السابع عشر. ويبدو, إذاً, أنّ ما قلته للتوّ عن الأدب بوصفه قبولاً ومصالحة كما لو أنه يُنْقَض برمّته. وهو يُنقض بالفعل، لأنّ تلك الفرضية قد طُرحَت بشكلٍ غير محدَّد تاريخياً في حين ينبغي أن تُقْصَر صحّتها على المجتمع الرأسمالي الغربي. هذا المجتمع الذي انفصل عن عصر التراجيديا –عصر الحكم المطلق ـ عبر قَطْعٍ تاريخي كان قد بدّل بصورة جذريةٍ وجهين حاسمين من أوجه النشاط الأدبي, والنشاط الفني على نحوٍ أعمّ. أولاً, تنتمي التراجيديا إلى عالمٍ لم يعترف بَعْدُ بحتمية الصراع الدائم بين المصالح أو القيم المتعارضة وغير القابلة للتهدئة أو التسكين, ولذلك لا تستشعر أيّ حاجة لأن تواجه مشكلة المصالحة فيما بينها. وثانياً ـ وسوف نرى أنَّ هنالك صلة بين أولاً وثانياً ـ لم يكن العصر الذي ازدهرت فيه التراجيديا يعترف بأي استقلال للنشاط الجمالي, بل كان يعتقد أنّ على هذا النشاط أن يكون على الدوام وبصورة مباشرة جزءاً من أغراض أخلاقية أو معرفية.‏

هكذا تنتمي تراجيديا القرنين السادس عشر والسابع عشر إلى عالمٍ كانت الإيديولوجيا المسيطرة فيه لا تزال بحاجةٍ لأن تقدّمه على أنّه عضويّة, حيث يوجد بين الطبقات الاجتماعية المختلفة فارق وظيفيّ وليس صراع مصالح. عالم لا يزال ينظر إلى نفسه على أنّه كلّ عضوي, لكنه كان يكفّ ـ بصورة صاخبة ـ عن كونه كذلك. وتنبع التراجيديا من هذا الظرف التاريخي الفريد الذي لا يتكرّر. ويقوم بنيانها التمهيدي دوماً على تبيان كيف أنَّ قيمتين ينبغي أن تكونا في علاقة سيطرة وخضوع تغدوان فجأة, وعلى نحوٍ غامض (غموض إياغو, والساحرات في ماكبث, والهوى في فيدرا)، مستقلتين وتبديان قَدْراً متساوياً من العنف. فتلك «السيادة» التقليدية التي كانت للعقل, أو الأخلاق, على بقية الملكات البشرية تغدو مستحيلةً فجأة وعلى نحوٍ مُبْرَمٍ لا يقبل العكس, وهذا ما يكتشفه في ذُعْرِ جميع أبطال شكسبير وراسين.‏

ولا يسعنا أن نفهم مثل هذا الوضع ما لم نكن قادرين على النأي بأنفسنا عن افتراضات ثقافتنا المسبقة. ذلك أنّ خاصيّته «التراجيدية» لا تكمن (كما هو الحال الآن بالنسبة لنا) في واقعة أنّ القصة تفضي في النهاية إلى التضحية بواحدةٍ من القيمتين المتصارعتين, بحيث يلقي الحداد بظلّه القاتم على القيمة الباقية أيضاً. فهذا يحدث, بالطبع, لكن هذا الموضع, «النهاية» أو «الختام», ليس المكان الذي تُظْهر فيه التراجيديا ما هي عليه, فهي تُظْهر ذلك في افتراضاتها المسبقة: في واقعة أنّ من الممكن تخيّل صراع لا يقبل المصالحة, والتعبير عنه. وهذا الخيار البلاغي التمهيدي ـ هذا الوضع الأساسي الذي لا يزعج كاتب التراجيديا نفسه قطّ في «إثارته», بل يكتفي بعرضه وتقديمه بأقصى ما يكون من الوضوح ـ ينتهك الوحدة العضوية إلى الأبد, أما الشعور به كشيء مؤلم ومبهم و«تراجيدي», فينجم على وجه الدقة عن أنّ العضوية لا يزال يُشْعَر بأنها الشكل الوحيد الممكن للفكر.‏

ويمكن لنا أن نقلب الصيغة المستخدمة أعلاه, ونقول إنَّ التراجيديا تقدّم عالماً يكفّ عن كونه عضوياً, لكنه لا يزال عاجزاً عن النظر إلى نفسه على غير هذا النحو. وهذه الروح المتناقضة في هذا الشكل الأدبي هي ما «يبلبل عقولنا», كما لاحظ غوته, ويثير فينا القلق, وانعدام اليقين. وهي لهذا السبب أداة لا تُضاهى من أدوات النقد والمعارضة. لكنها أداة لا تتكرر: فما إن اختفت الإيديولوجيا العضوية حتى اختفت أيضاً تلك الإمكانية الشكلية لنقضها التراجيدي.‏

التراجيديا بوصفها «استثناءً» لا يتكرر في تاريخ الأشكال الأدبية: هذا يكفي بحدّ ذاته تلك الأغراض التي وضعتها محاججتنا نصب أعينها, لكن هنالك المزيد. فالأدب وعلم الجمال لم يولدا «بعد» التراجيديا وحسب بل «ضدّها» أيضاً. ضَرْبٌ من التحوّل يجري ويمضي أبعد من نطاق علم الجمال ليمتدّ مباشرةً عبر النظام الثقافي البرجوازي. ولأنَّ هذا النظام يرى الصراع كواقعةٍ متعيّنة من وقائع المجتمع, فإنّ هذا على وجه التحديد هو السبب في أنّه يلقي عن عاتقه مهمة تصويره بـ «رثاء ورعب» ليُظْهِر أنَّ القيم والمصالح المتعارضة يمكن أن تصل دوماً, إِنْ لم يكن إلى مصالحة أصيلة, فعلى الأقل إلى نوعٍ من التعايش والتسوية. ويظهر هذا الدافع المناهض للتراجيديا في ثقافتنا بأشدّ ما يكون الوضوح في ميدان علم الجمال. بل يظهر على أنّه الأساس الفعلي للمجال الجمالي ذاته, ومبرّر وجوده الخفيّ. وهذا ما أثبته عملان كانا قد أسهما مع عدد قليل من الأعمال الأخرى في تشكيل الفكر الجمالي الحديث: نقد ملكة الحكم لكانط وفي تربية الإنسان الجمالية شيلر.‏

من الواضح أنّه يستحيل عليّ أن أناقش هذين العملين هنا بالتفصيل والاهتمام اللذين يستحقّانهما. غير أنّ بضع إشارات سريعة ستفيد على الأقلّ في التنبيه إلى مدى المركزية التي يحتلّها هذان العملان في السبيل الذي نتّبعه. فإذا ما بدأنا بنقد ملكة الحكم, فإنّ أول نقطة نشدّد عليها هي أنّ كانط قد كتب هذا الكتاب, كما يخبرنا عنوان الفقرة III من المدخل, «كأداةٍ لوَصْلِ قسميّ الفلسفة في كلٍّ واحد». فهذان القسمان, اللذان سبق تحليلهما في النقدين(?), لم يكونا بعبارة أخرى قادرين على إنتاج كلٍّ واحد منهجي ومتّسق: «تشتمل مفاهيم الطبيعة قبليّاً على أساس كلّ معرفةٍ نظرية وتستند, كما رأينا, إلى سلطة تشريع الفهم. ويشتمل مفهوم الحرية قبليّاً على أساس جميع المفاهيم العملية غير المشروطة حسيّاً, ويستند إلى سلطة تشريع العقل. فلكلٍّ من الملكتين... تشريعها الخاص بها من حيث المضمون, ولأنّه ما من تشريع آخر (قبليّاً) فوق هذين التشريعين, فإنّ ذلك يبرّر تقسيم الفلسفة إلى نظريةٍ وعمليةٍ»(21). وبذلك تكون المهمة التي تمّت محاولتها في النقد الثالث(?) قد أملتها الرغبة في الاكتمال النظري. لكن غياب المنهاجية التي تقصد إلى المداواة هو أيضاً علامة عدم انسجام فعليّ بين عالميّ الذات ذاتها, أو سبيليّ كينونتها, المختلفين. وكما يقول تعليق حديث: «يقصد نقد ملكة الحكم إلى إزالة الجرح الذي ينزل بصورة الإنسان بين تشريع العقل المحض (الذي ينطوي على فكرة الضرورة) وتشريع العقل العمليّ (الذي ينطوي على فكرة الحرية), وإلى خلق حدٍّ أوسط (Mittelglied) بين التشريعين. وهذا الحدّ الأوسط سوف يكون ملكة حكم (في اشتمالها على فكرة الغائية)(22)».‏

يتمثّل غرض كانط في مداواة الجرح الناجم عن «انقشاع الوهم» الذي أحدثته العلوم الطبيعية, والذي ينبع منه الانفصال بين أحكام الواقع وأحكام القيمة. ومع أنّ هذا الانفصال يصون استقلال البحث العلمي ويكون مُرَحّباً به إذاً –في ذلك المجال ـ كتجديد محرِّر, إلا أنّه يتردّد ويترجّع كتشويه مؤلم في المجال حيث تنشأ القيم الأخلاقية ورؤى العالم. وكما يلاحظ كانط نفسه في الفقرة IX من المدخل, فإنّ «مفهوم غائية الطبيعة», الذي يفترض مسبقاً ملكة الحكم, ينبغي أن يُسَلَّم به لأنّ هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها لـ «الحرية» أن تغدو ملكة فاعلة ومؤثّرة, «غايتها النهائية... مُحَقّقة في الطبيعة وفي انسجام مع قوانينها». ويواصل كانط: «التأثير وفق قانون الحرية هو الغاية النهائية التي ينبغي أن توجد (هي أو ظاهرتها في العالم المحسوس), وهذا يفترض مسبقاً وجود شرط إمكانية هذه الغاية في الطبيعة (أي في طبيعة الذات ككائن من العالم المحسوس, أعني كإنسان). وهي إمكانية تفترضها ملكة الحكم قبليّاً, ومن دون التفات إلى العملي. فهذه الملكة, بما لديها من مفهوم غائية الطبيعة, توفّر لنا المفهوم الوسيط بين مفاهيم الطبيعة ومفهوم الحرية....»(23).‏

ويتكشّف بحث كانط عن كلٍّ «ضرورته» التاريخية حين يتملّى المرء أنّه في حين لا يمكن تصوّر المجتمع الرأسمالي من دون التقدم العلمي والتقني المنعكس في انفصال الفكر والأخلاق, فإنه لا يمكن تصوّره بالمثل من دون المحاولة الدائمة لإلغاء ذلك الانفصال ومداواته, وهي محاولة تشهد عليها تلك الكثرة الاستثنائية، والعصية على التفسير الواضح، من النشاطات الجمالية التي تميّز الرأسمالية. فإضفاء الطابع الاجتماعي على الفرد في مجتمعنا لم يعد يمتلك الشرعية التي أسبغتها عليه روابط التقليد ذات مرّة. وهو لا يبدو عادلاً ومنصفاً إلا حين يلبي ـ كما لاحظ هيغل في فلسفة الحقّ ـ «حقّ الأفراد في إشباعهم الخاص». وما من «إشباع» ممكن, لذلك الحيوان الرمزي, الإنسان, ما دام الوجود منقسماً بين مجال تكون فيه القيم الثقافية كلّ شيء ومجال لا تمتلك فيه هذه القيم الثقافية أيّ شرعية بالمرّة. وكلما زاد «تشريع الفكر», وتعددت أوجه الحياة الاجتماعية التي تبدو مدعومة بـ«حياديةٍ» رمزيةٍ صارمة ـ تلك «الطبيعة الثانية» الموضوعية, المغتربة التي تلخصّها على نحوٍ نموذجي آليات القرن التاسع عشر الاقتصاديةـ كان على الجهد الجمالي أن يغدو أشدّ تطوراً كيما يقدّم العالم على أنّه شيء «غائي», على أنّه عالم ـ من أجل ـ الفرد.‏

من هنا تنبع المركزية الثقافية لمحاولة كانط إقامة «الحدّ الأوسط» القادر على إعادة وصل الطبيعة والعقل. ومن هنا إلحاحه على «تفريج الحياة وتشديدها» الناجم عن تأمّل الجميل, وتأمّل «الانسجام» الذي تثيره اللّذة الجمالية في الفرد وفي العلاقة بين الفرد والطبيعة على حدٍّ سواء. ومن هنا, أخيراً, كلّ ضروب تأمّل «الجميل في الطبيعة» –وهي مشكلة سوف تعتبرها النظرية الجمالية اللاحقة غير صحيحة لكن حضورها الكثيف والمركزي في نقد ملكة الحكم لا ينبع, في اعتقادي, من خصوصيات علم الجمال في القرن التاسع عشر وحدها بل أيضاً من إدراك كانط أنّ الافتراق بين العلوم الطبيعية والثقافة البلاغية ـ العملية ينبغي أن يجد توسّطاً ضرورياً وغير يقيني في الوقت ذاته, «شَبَهَاً» يكون على مفهوم «الجميل في الطبيعة», والذي هو مفهوم محفوف بالمخاطر من نواحٍ كثيرة, أن يمثّل طبعته الأولى.‏

ومن المعروف أنّ رسائل في تربية الإنسان الجمالية قد اقتصرت إلى حدٍّ بعيد على إعادة صياغة ما هو جوهري في نقد ملكة الحكم وتبسيطه. وتكمن جِدّة عمل شيلر في استخلاصه من حجاجات كانط ما يمكن أن ندعوه «سياسات ثقافية» (ينبغي أن نضيف أنها لا تكون منسجمة تماماً وعلى الدوام مع مقاصد نقد ملكة الحكم). هكذا نجد, في الرسالة التاسعة, أن الفنّ يُقَدَّم على نحو صريح بوصفه أداة للقبول لا تُضاهى (الأمر الذي لم يجر قطّ في نصّ كانط): لا تُضاهى لأنها قادرة على الفعل دون أن تُلْحَظ, متملّصةً من سيطرة مستخدمها الواعية، الأمر الذي يعود بنا إلى المشكلات التي طرحناها في مستهلّ هذه الدراسة: «ولسوف تلقي جدّية مبادئك الخوف في قلوبهم [أي معاصريك], غير أنّ لَعبَ المظهر لديك سوف يهيّئهم للتسامح معها؛ لأنَّ ذائقتهم أنقى من قلبهم, وهنا يتعيّن عليك أن تمسك بالآبق الجفول. عبثاً تهاجم مبادئهم, عبثاً تدين أفعالهم؛ لكن بمقدورك أن تُعْمِلَ يدكَ المبدعة في ساعات فراغهم. أَبْعِد عن ملذّاتهم النزوة والطيش والخشونة, وسوف تُبْعِد ذلك عن أفعالهم شيئاً فشيئاً, وفي النهاية عن ميولهم أيضاً. حاصِرْهم, أنّى التقيتهم, بأشكال العبقرية العظيمة والنبيلة, وطوّقهم برموز الكمال, إلى أن يتغلّب المظهر على الواقع, وينتصر الفنّ على الطبيعة»(24).‏

وفي أمكنة أخرى ـ وقبل كلّ شيء في القسم الأشهر من العمل, وهو الرسالة السادسة ـ يطور شيللر تيمة الفن لدى كانط بوصفها النشاط الوحيد الذي يتيح لحياة الإنسان أن تستعيد انسجامها الضائع: «ذلك الطابع اللافقاري الذي كانت عليه المدن اليونانية, حيث كان كلّ فرد يتمتّع بوجود مستقل مع احتفاظه بالقدرة, متى دعت الحاجة, على أن ينمو ويتحول إلى كلّ عضوي, أخلى مكانه الآن لآلية بارعة كآلية الساعة, ينشأ فيها نوع من الحياة الجمعية, عبر جَمْع وإلصاق أجزاء لا حصر لها لكنها فاقدة الحياة. فالدولة والكنيسة, والقوانين والأعراف, جميعها تمزقت الآن إرباً؛ وانفصلت المتعة عن العمل, والوسائل عن الغايات, والجهد عن المردود.... هكذا تُدَمَّر شيئاً فشيئاً حياة الفرد الملموسة كيما يمكن لفكرة الكلّ المجرّدة أن تطيل أمد وجودها الباعث على الرثاء, وتبقى الدولة إلى الأبد غريبة عن مواطنيها ما دامت لا تقيم مع مشاعرهم أيّ صلة في أيّ موضع.... صحيحٌ أنّ أحادية الجانب في إِعْمال الفرد قدراته لا بدّ أن تودي به إلى الخطأ؛ لكنها تودي بالجنس البشري ككلّ إلى الحقيقة .... صحيحٌ أنّ الأجسام الرياضية تتطور من خلال التمرينات البدنية؛ وأنّ الجمال لا يتطور إلا من خلال لعب الأطراف الحرّ والمنسجم. وبالمثل, فإنَّ تفعيل وظائف العقل الفردية خليق حقّاً بأن يُوجِد بشراً أفذاذاً؛ غير أنّ تلطيفها جميعاً هو وحده الكفيل بإيجاد بشرٍ سعداء وكُمَّل»(25).‏

تساعد هذه المقاطع في إلقاء الضوء على غايات «الانسجام» لدى شيللر وحدوده. فالانفصام الذي يعاني منه كلّ فرد ـ حيث لا يترك كتاب التربية الجمالية أيّ مجال للشكّ في ذلك ـ هو عاقبة انفصام اجتماعي (بين الكنيسة والدولة, الطبيعة والعقل, «الهمج» و«البرابرة»). لكن المصالحة التي يقيمها الفنّ, والانسجام الذي يمثّله ويعزّزه, لا تُقَدّم على نحو جدّي مطلقاً كنموذج ينبغي أن يوفَّر للمجتمع ككل ـ أو كمثال يمكن من خلاله مداواة الانفصام ـ بل يُقَدّم وحسب على أنّه الطريقة الأفضل لمواجهة الانفصام والتعايش معه. ومعيار الانسجام مقصور تماماً على مجال التشريع الرمزي, الذي يقيمه, في واقع الأمر, كمجال مستقل. وعلى الرغم من اعتبار أسباب الانفصام المادية غير إنسانية وخطرة, فإن انسجام شيللر لا يمكن أن يوجد وتكون له قيمة إلا إلى الحدّ الذي تواصل عنده هذه الأسباب وجودها أيضاً. فالهدف ليس إزالة التوترات المتضاربة بل خَلْقُ مجالٍ قادرٍ على تلطيفها, معيداً تنظيم إدراك الانفصام ذاته على ذلك النحو الذي يجعل من يتحملونه «سعداء». وهذه «السعادة» هي جوهر «القبول» الحديث: ولما كان التوصّل إليها في الحياة اليومية يزداد صعوبة, فإنّ ثمّة ضرورة لـ «شكل» يمكنه أن يضمن وجودها بطريقة ما.‏

وثمة نقطة أخيرة, سوف تتيح لنا الانتقال من شيللر [إلى مكان آخر]. فالجرح الذي استهدف كانط مداواته بنقده الثالث كان بين الفكر والعقل, بين الطبيعة والحرية. كان, بعبارة أخرى, يفصل مجالاً يحظى فيه مفهوم القيمة بكلّ الأهمية عن مجالٍ معاكس لا يحظى فيه هذا المفهوم بأيّ أهمية. مع شيللر يتمّ تعديل هذا الإطار. فمصطلح «الطبيعة» في التربية الجمالية لم يعد يشير إلى عالمٍ حياديّ رمزياً بل إلى مجموعة معينة من القيم. لم تعد «الطبيعة» معاكسةً لـ «العقل» بسبب افتقارها إلى خاصيات القيمة, بل بسبب اغتذائها من قيمٍ مختلفةٍ. وإذا ما كان هذا صحيحاً, فإنّ المجال الجمالي ينجز وظيفتين ثقافتين متميزتين في الحضارة البرجوازية, وكتاب شيللر التربية الجمالية يتوضّع عند نقطة التقائهما. فالوظيفة الأولى هي تلك التي أشارت إليها جماليات كانط: استعادة الصلة بين عالم أحكام الواقع وعالم أحكام القيمة عبر مقاومة «انقشاع الأوهام» العلمي وتلبية تلك الحاجة العميقة إلى «السحر», والتي هي جزء لا يتجزّأ من الرغبة في رؤية القيم «متجذّرة في الوقائع», وبذلك يتمّ تفادي المسؤولية عن صفة الجزئية التي تتصف بها هذه القيم عن طريق القناعة الآمنة بأنها «تنبع» من «واقع الأشياء» ذاته(26).‏

أما الوظيفة الثانية فقد تراكبت مع هذه الوظيفة ولعلها اكتسبت بمرور الزمن أهمية أكبر. وهي تقوم على الإفضاء إلى مصالحة بين القيم المتصارعة. ولا يشكّل عمل شيللر سوى نصف خطوة في هذا الاتجاه. فالقيم التي ينبغي إضفاء الانسجام عليها في التربية الجمالية ليست متصارعة في ذاتها وبذاتها. وهي لا تغدو متصارعة إلا بسبب تطورها أحادي الجانب. غير أنّ بمقدورها أن تظلّ «مُلَطَّفَةً», وتؤدي بهذه الطريقة إلى العودة إلى مفهوم «الانسجام» الكلاسيكي الجديد. وفي تصوّري أن هذا لم يعد ممكناً على الإطلاق, لأنّ الصراع لم يعد ينبع من واقعة أنّ العناصر التي كانت متّصلة ذات مرّة تغدو متخارجةً في الوقت الذي تبقى قابلةً لتركيب جديد, بل ينبع من تضاد فعلي, من عداء داخلي لم يعد يوفّر أيّ فرص لحلٍّ «ديالكتيكي».‏

غير أن حدوث ذلك, اقتضى من المجتمع البرجوازي أن ينفتح بصورة حاسمة, ومؤلمة, على صراعٍ اجتماعي: ذلك الصراع المتوالي والدموي الذي يجري عبر التاريخ الأوروبي منذ العام 1789 إلى الآن, ولا يفرّق كلّ شعب, كلّ ثقافة قومية, عن عدوّ «أجنبي» بقدر ما يفرّقهما عن عدو «داخلي», يتكلم اللغة ذاتها, ويعيش في البلدات ذاتها, وغالباً ما يدعو الإله ذاته. فلم يعد من الممكن ردّ أصل الصراعات إلى اختلافات تاريخية أو جغرافية ثابتة, أو طبائع «قومية» كان يُشْعَر بأنها تكاد أن تكون وقائع طبيعية لا تحول ولا تزول. لا: لقد بات الصراع أقرب, وبذلك أكثر حدّة, وبدا لذلك غير قابل للحلّ.‏

وأدب القرن التاسع عشر مُفعَم بهذا الإدراك الجديد لطبيعة المجتمع الصراعية. ويبدو بالفعل أن إرثه التاريخي العظيم يقوم على الإشارة إلى اضطرار مفهوم «القبول» ذاته –في حضارة منقسمة ذلك الانقسام العضال بين مصالح وقيم متعادية ـ لأن يخضع لتحول عميق. فلم يعد بمقدوره أن يقوم على الانتصار العنيف والمُعْتَرَف به لنظام قيم واحد على جميع الأنظمة الأخرى. وبات عليه أن يتّخذ شكلاً أشدّ مرونة وتعرّضاً للمخاطر: لم يعد مفهومَ تركيبٍ ديالكتيكيٍ كامل بل مفهوم تسويةٍ «محلّ شكّ»(27).‏

والتسوية هي القيمة الكبرى في القصص السردي «الواقعي» ولعلها, بصورة أهمّ وأكثر دلالة, المعيار البلاغي الأساسي في تلك الظاهرة التي لا تزال الأشدّ إلغازاً وغموضاً, ألا وهي «الشعر الغنائي الحديث». وإذا ما كان للمرء أن يصف هذا الشعر بكلمة واحدة, فإن المصطلح الذي يخطر في الذهن هو «الغموض». وهذا الغموض –المستعد, كيما يكون كذلك, لأن يخاطر بألا يكون قابلاً للفهم ـ إنما يعود بدرجةٍ كبيرة إلى المحاولة الإجبارية والإلزامية الرامية إلى إقامة «تسويات» دلالية بين ما بات عناصر متغايرة ومتناقضة تماماً. ولا يزال الإرداف الخُلْفي عند بودلير ذلك المجاز الذي يمثّل لهذه العملية ويلخّصها على أحسن وجه. وقد كتب بول ريكور: «... إنني, بصفتي إنسان الرغبة, أتقدّم مموّهاً –larvatus prodeo. وبالمثل, فإن اللغة ذاتها محرّفة منذ البداية وفي جزئها العظم: فهي تعني غير ما تقوله, ولها معنى مزدوج, وتكون ملتبسة. وهكذا يندرج الحلم وأشباهه في نطاق من اللغة يقدّم نفسه على أنّه محلّ الدلالات المعقّدة حيث يكون ثمة معنى آخر متعيناً في معنى مباشر ومحتجباً فيه على حدّ سواء. دعونا نطلق على نطاق المعنى المضاعف هذا اسم «الرمز»...»(28).‏

كلمات ريكور تصل بنا إلى الاتجاه الأخير الذي يُتَّخذ هنا. فهي لا تشير إلى الشعر الغنائي الحديث والتأويل الأدبي بل إلى الحلم والتحليل النفسي. وبالفعل, إذا ما أراد المرء أن يرى في الأدب ذلك النشاط الثقافي المُخَوَّل ضمان القبول بإحداثه ضروباً من «التوافق» بين القيم المتصارعة, فإنه لا يسعه أن يعفي نفسه من مناقشة موجزة على الأقلّ لأوجه معينة في التفكير الفرويدي.‏

لقد رأى فرويد في الفنّ, كما نعلم, أنجح شكل من أشكال «التعويض» عن تلك الدوافع التي أجبرت الحضارة الفرد على التضحية بها(29). ولذلك نجد «عودة المكبوت» عند جذر النشاط الجمالي. غير أنّ المحتويات النفسية المكبوتة لا بدّ لها, كي تعود إلى شَغْل المنصّة, من أن تضع «قناعاً», أو بكلام أدقّ أن تتّخذ «شكلاً» مختلفاً عن شكلها الأصلي, نتيجة للصراع مع قوة نفسية تعمل في الاتجاه المعاكس: «... نموذج النفي الفرويدي هو نموذج شكليّ... تشكيل تسوويّ سيميائي يتيح للمرء أن يقول لأي شيء نعم ولا في آنٍ معاً... الرغبة المنحرفة لا يمكن أن تكون مقبولة كمضمون في العمل الأدبي دون أن يقبل هذا الأخير أيضاً النموذج الشكلي القادر على تمريرها»(30). وتشتمل هذه النظرة الفرويدية على عدد من العناصر الأساسية تماماً في النشاط التأويلي: صورة النصّ كحقل صراع بين قوى نفسية وثقافية؛ فكرةُ أنّ هذه القوى تحتلّ مواقع مختلفة بالعلاقة مع إدراكنا لذاتنا (أي أنها «لاواعية» إلى هذا الحدّ أو ذاك)؛ الإلحاح على أنّ الصراع بينها لا يمكن أن يُفْهم إلا بتحليل تشكيلاتها البلاغية النوعية؛ تحليل الخاصية المدهشة, بل «المبهمة» في الغالب, التي تميّز هذه التشكيلات, والتي تعود إلى الطبيعة المتغايرة والمتعادية للقوى التي تتوصّل إلى تسويةٍ فيما بينها.‏

واعتقادي أنّ هذه الأشياء جميعاً مساهمات باقية في نظرية التأويل الأدبي. والمشكلة تكمن في مكان آخر, في التساؤل عمّا إذا كان الأفق النظري للتحليل النفسي, وقد قدّم تلك المساهمات, ليحول في النهاية دون استخدامها بطريقة مثمرةٍ وقابلة للاختبار. دعوني أشرح ذلك, مبتدئاًَ بمفهوم أساسي في نظرية «عودة المكبوت الشكلية»: ألا وهو مفهوم «النفي» (Verneigung)(31). كان فرانشيسكو أورلاندو, في قراءته الفرويدية مسرحية فيدرا لراسين, قد أَحْكَم هذا المفهوم وكثّفه في صيغة «لا يروقني». وهذه الصيغة تعبّر عن صراع: «لا/ يروقني». لكن هذا الصراع يُعَبَّر عنه ويُؤَوَّل بطريقة غير مقبولة علمياً, لأنّ واحداً من عناصره وحسب هو المُعَرَّف: أما الآخر فيتحدّد «بالنفي» وحده. فذلك الطرف من التضاد حيث يقع المكبوت يمتلك مضموناً خاصاً به, هو الـ «يروق» الذي يشير إلى موضوع معين أو صورة معينة. وبالمقابل, فإنّ الطرف الآخر ليس سوى «لا». وهذا يبيّن أنّ تحديده بما هو عليه يُعْتََبر ذا أهمية ثانوية تماماً. فهو لا يمكن أن يُوصَف أو تكون له أهمية نظرية إلا بفضل ما هو ليس عليه: «حين يمكن التعبير عن رغبةٍ من نوع معين أو شدّة معينة عبر النفي بالإعلان لا يروقني, فإنّ رغبةً أشدّ أو أصعب من حيث إمكانية الجهر بها سوف تؤدي, مثلاً, إلى الإعلان لا يروقني البتّة. وقد تتحول رغبة أشدّ من هذه الأخيرة وأصعب من حيث الجهر بها إلى أكرهه, أمقته, أو إلى عبارات أخرى مماثلة تظلّ ضروباً واضحةً من النفي وإنْ كانت مُدْمَجةً في فعلٍ دون اسم الفاعل النافي. ويمكن أن نقارن ذلك بوعاء تمارس محتوياته هذا القدر أو ذاك من الضغط الانفجاري على جدرانه؛ فكلما زاد الضغط, وجب أن تكون الجدران أشدّ مقاومة أو أكثر عدداً(32). وهنا تخطر في الذهن تلك الجملة الافتتاحية في كتاب هربرت ماركوزه إيروس والحضارة: «التضحية المنهجية بالليبيدو, وثنيه المفروض بالقوة نحو نشاطات مفيدة اجتماعياً, تلك هي الثقافة». فالثقافة «ليست سوى» قمع الغرائز. ويمكنها أن تتخذ أي شكل يحلو لها. فالشيء الوحيد المهم هو أن تنجز تلك الوظيفة. من هنا تلك الأنثروبولوجيا غير المحدّدة تاريخياً والتي لطالما أفسدت المشروع التحليلي النفسي. غير أنه من هنا أيضاً تلك العاقبة غير المتوقّعة على المستوى التأويلي بمعناه الدقيق. فما كان قد قُدِّم كصراع بين قوى متضادة تحوّل عملياً ـ بحسب فرضية «النفي» ـ إلى سيرورة أحادية الطرف, أقرب إلى ضروب «القلب» في الديالكتيك الهيغلي منها إلى النظرة المادية إلى صدام بين كيانين محددين (ويُفْتَرَض بمصطلح «النفي» أن يدفعنا في جميع الأحوال إلى الاحتراس واليقظة)».‏

في حضرة «النفي», شيء واحد فقط يستحق الاهتمام: ما يحصل للرغبة البازغة, كيف تتعدّل وتتحول. أمّا التحولات التي تعتري القطب الآخر من الثنائية, فإن ما من شيء يمكن قوله عنها, على الرغم من واقعة أنها ينبغي أن تكون على قَدْرٍ من الأهمية بالنسبة لمؤرّخي الثقافة. غير أنّه لا مفر من أن يكون الأمر على هذا النحو, لأنّ ذلك القطب الآخر لا وجود فعلياً له بالمرة, كونه مجرد مجاز «مغترب» للمكبوت. هكذا ينتهي الغياب القَبْليّ للاهتمام بالطرف «الكابت» من الثنائية (الاهتمام بـ«الحضارة», بـ«التاريخ») إلى خفض قيمة حدس النصّ بوصفه «تسوية», واختزاله إلى فكرة النصّ باعتبارها مكاناً «يُعَبَّر» فيه عن «جوهرٍ» بهذا القدر أو ذاك من الكمال. وبذلك لا يترك تشبيه «الوعاء» الذي يتبدّل «شكله» («جدرانه») بـ«ضغط المضمون» أي مجال للشكّ في الأمر.‏

وهذه انتكاسة صوب تصوّر وجداني للظواهر الفنية, تصوّر يمكن تبيّنه على أيّ حال في مفهوم «عودة المكبوت» ذاته. فإذا ما كانت النصوص الأدبية تدين بقسط كبير من جاذبيتها الملغزة إلى واقعة أنها تعيد طرح محتويات نفسية لا واعية –وهذا ما لا أشكّ به مطلقاً على الصعيد الشخصي ـ فإنّ ما من سبب, سواء كان نظرياً أم تجريبياً, لأن نقصر مجال «اللاوعي» على «المكبوت» وحده. ولقد أشار فرويد نفسه في الأنا والهو, وبوضوح بالغ, إلى اشتمال اللاوعي, فضلاً عن المحتويات المكبوتة بالمعنى الدقيق, على مستوى الأنا الأعلى(33). ولذلك, إذا ما كانت تقع على عاتق الأدب مهمة أن يجعلنا «على ألفة» مع ذواتنا اللاواعية, معيداً إحياء تلك الصلات التي تبقى في العادة بعيدةً عن إدراكنا, فما من سبب مطلقاً لئلا تشتمل هذه العملية على الأنا الأعلى أيضاً. خاصة حين نتذكر أنّ الأنا الأعلى ـ أي الضمير الأخلاقي بشكله «القاسي», الذي لا يلين ـ لا يتوافق قطّ, سواء لدى فرويد أم في الواقع, مع ما يُدْعى «مبدأ الواقع». وحين يقول المرء, بحقّ, أن الحضارة البرجوازية تعتاش على انفصال ضمني لكنه صارم بين ما هو صائب «نظرياً» وما ينطبق «عملياً» ـ بين المبادئ القصوى وتحققها الأدنى ـ فإن معنى ذلك هو على وجه الدقة (وبمصطلحات فرويدية) أنّ العلاقة بين الأنا الأعلى ومبدأ الواقع (بين الضمير الأخلاقي والسلوك الاجتماعي الفعلي) هي علاقة إشكالية بطبيعتها. صحيح أنّ «الحضارة» تُنْتِجُ الأنا الأعلى, وتجعل منه «مبعوثها» في النفس الفردية, لكنها تتركه من ثمّ, وتشيح بوجهها عنه, وتحبطه (وتقارعه إذا لزم الأمر: في الحرب, كلّ من يتمسّك على نحو صارم بالوصايا العشر تُطْلَق عليه النار). والنتيجة هي أنّ الأنا الأعلى يحتاج أيضاً وبصورة مستمرة لأن «يعاود البزوغ» في أعمال تعيد تحديد مجال تطبيقه بطرائق شتى, وتبيّن تلك القوى الأخرى النفسية والاجتماعية التي يدخل في صراع معها. والحال, أنّ قَدْراً كبيراً من القصص الواقعي في القرن التاسع عشر يدور حول هذه المشكلة؛ كما يثبت هذه الفرضية الأدب «المثير للعواطف» الذي يُكْتَب للأطفال ويشكّل نتاجاً أخيراً ونموذجياً من نتاجات هذا التقليد.‏

هكذا, تحتاج نظرية «عودة المكبوت» إلى توسيع, أولاً وقبل كلّ شيء. لكنها تحتاج أيضاً إلى تصويب. فهي ترى أنّ اللّذة الجمالية تقوم أساساً على إدراك هذه «العودة». وبذلك تكون «التسوية» الشكلية مجرّد وسيلة ضرورية تدفع المحتويات المكبوتة لأن تعاود البزوغ. وكما يقول أورلاندو: «ما أودّ قوله هو أنّ المجاز هو الأتاوة الدائمة التي تؤدّيها لغة الأنا الواعي إلى اللاوعي, وحجم إرادتها ورغبتها في أن تؤديها»(34). ومثل هذا القول يقوم بالضرورة على افتراض أنّ أقصى سعادة يمكن أن نجدها هي في التعبير عن محتويات النفس اللاواعية وعَيْش هذه المحتويات بأقصى ما يمكن ودونما إحجام. ولأن ذلك غير ممكن, فإنّ المرء «يعوّض» بالتسوية التي يوفّرها الفن, لكنه يعلن أنه كان من الأفضل لو لم يكن مضطراً إلى ذلك.‏

يبدو لي أن من المتعذّر الدفاع عن هذه الفرضية. فمحتويات لاوعينا غالباً ما تبرز على نحوٍ راديكالي وبوصفها عاقبة أو نتيجة. وتكون النتيجة في مثل هذه الحالات, بعكس اللذة تماماً. فيجد المرء نفسه وحيداً تماماً, منجرّاً إلى صراعٍ عسير وغير متكافئ مع العالم المحيط. ويمكن القول, على نحوٍ أصوب, إنّ كلاًّ من الهو والأنا الأعلى لا يكفّان عن دفع الفرد, وإن بطرق متباينة, باتجاه هذا الصراع. ويجرّانه, بأحادية الجانب العنيدة التي يتّسمان بها, نحو تنغيصٍ تتعذّر مداواته.‏

وفي هذه الحالة لا يعود من الممكن لـ «اللذة» الجمالية أن تقوم على تصوّر «عودةٍ» يجترحها اللاوعي؛ بل تقوم على عكس ذلك تماماً: على تأمّل تسوية ناجحة. والمصالحة «الشكلية» ليست وسيلة اللذة, أو مجرّد أداتها: إنها غايتها, وجوهرها الحقيقي والوحيد. واللذة لا تكمن في «إرخاء» قبضة الرقابة بعض الإرخاء بل في إعادة رسم مجالات تأثير القوى النفسية المتعددة رسماً دقيقاً. فهذا ما يمكّن المرء من «تقييد» اضطرابها, في حينه على الأقلّ, والتوصّل إلى ذلك «الإنقاص في التوتر» الذي يسم, بحسب فرويد, أشكال اللذّة جميعاً.‏

ولو أعرنا اهتمامنا «التسوية الشكلية» التي يقيمها النصّ, فسوف نتمكّن أيضاً ـ وأخيراً ـ من تسليط الضوء على عنصرٍ في النظرية الفرويدية لطالما أهمله النقد الأدبي: ما يُدْعى «مبدأ الواقع». ومعنى هذا المفهوم غامض أصلاً ورجراج لدى فرويد نفسه. فهو يُقَدّم في بعض الأحيان على أنّه المقابل الخصم لـ«مبدأ اللذة», ويُقَدَّم في أحيان أخرى على أنه «امتداده». ويبدو في بعض الحالات متوافقاً مع «معرفة الواقع معرفةً دقيقة», أما في حالات أخرى فيبدو طابعه المعرفي ثانوياً تماماً. وهو يوضع في بعض الأحيان على صلة وثيقة بالضمير الأخلاقي, ويوضع في حالات أخرى على صراعٍ معه. غير أنه لا شكّ في أنّ فرويد قد أراد الإشارة بهذا المصطلح إلى وجهٍ من أوجه الجهاز النفسيّ والسلوك الاجتماعي لا مجال للشكّ في أهميّته. ذلك أنّ «مبدأ الواقع» هو ما يتيح للمرء أن يعيش في عالمٍ منقسمٍ ومتصارع, وأن يعمل على تدوير زواياه الحادّة ويتدبّر في الوقت ذاته تلبية الأوامر المطلقة الصادرة عن الطبائع والقوى المختلفة.‏

وهذا هو معنى ذلك المقطع الشهير الذي يصف فيه فرويد سلوك الأنا, ذلك الجزء من النفس ذو الصلة الوثيقة بمبدأ الواقع: «... إننا نرى هذا الأنا ذاته مخلوقاً بائساً يتعيّن عليه أن يخدم أسياداً ثلاثة وتتهدده تالياً أخطار ثلاثة: من العالم الخارجي, ومن ليبيدو الهو, ومن شدّة الأنا الأعلى.... في وضعه المتوسّط هذا بين الهو والواقع, غالباً ما يستسلم لإغراء أن يغدو متملّقاً, وانتهازياً, وكذّاباً, مثل سياسي يرى الأمور على حقيقتها, لكنه يريد أن يحفظ مكانته في أعين الناس»(35). ومثل الأنا, فإن مبدأ الواقع لا يشير, إذاً, إلى «مبدأ» مستقلّ, وعالم من الموضوعات مُكْتَفٍ بذاته؛ بل يشير إلى ضَرْبٍ من «الحدّ الأوسط» الذي يبزغ دوماً من ختام صراع. فهو خطّ المقاومة الأضعف الذي يُْبنى من حوله نوع من التوازن, ونوع من الإحساس بكليّة الفرد وانخراطه في العالم. ومن المؤكّد أنّ هذا التوازن محفوف بالمخاطر, ولا يُدْرَك أنه كذلك (إذا ما أُدْرِكَ) إلا بعد أن يتمّ التوصّل إليه, دون أن يكون المرء على وعي واضح به (كما ينبغي أن نقول).‏

غير أنّ هذا التوازن يتمّ التوصّل إليه. ويشكّل تفكيكه إلى مكوّناته اللاواعية الدقيقة مرحلةً ضرورية من مراحل التحليل. غير أنها مرحلة ينبغي أن تتلوها معرفة أنه ما إنْ تُقام التسوية بين هذه المكوّنات, حتى نجد أنفسنا أمام محتوى جديد, لا يمكن اختزاله إلى محصّلة أجزائه. وهذا المحتوى يكون «ضمنياً» وليس «لاواعياً». ولا تعود ثمة حاجة في الحقيقة لأن يكبته الوعي ويبعده, لأنه لا ينتهك المعايير الاجتماعية السائدة, بل يمتثل لها, ويتوافق معها؛ بل إنه يساعد بمعنى ما في تشكيلها, لأن هذا المحتوى الجديد ليس سوى doxa, رأي, شيء عاديّ, «رؤية للعالم» كما تظهر عموماً في شكلها الملموس: ليس كنظام «مجرّد» وعويص بل كشيء مُقْنِع, ومُغرٍ, وشامل, كشيء يضمن التعايش السلمي, والتقارب بين الدّفعات المتصارعة.‏

من مبدأ الواقع إلى الـdoxa, ومن ثمّ إلى الأدب, الذي يمثّل –مهما بدا الأمر متناقضاً ـ واحداً من أوضح تجليات مبدأ الواقع. فالأدب هو «الحدّ الأوسط» بامتياز, ووظيفته «التربوية», «الواقعية» تتمثّل بدقّة في تدريبنا دون أن ندرك على مهمة توسّط ومصالحة لا تنتهي. والأدب (الذي يزدهر في مراحل الاستقرار الاجتماعي ويظهر فجأة «عديم النفع» أو «مستحيلاً» خلال الحروب والثورات, شأنه في ذلك شأن مبدأ الواقع وال doxa) يشير إلى عمق رغبتنا في إدخال «تعديل» على النظام القائم يتماشى مع فكرةٍ ما عن «السعادة». فهو يجعلنا ندرك أنّ «القبول» ـ الشعور بأننا «نريد» أن نفعل ما «علينا» أن نفعله ـ يمكن أن يكون واحداً من أرفع مطامح النفس الفردية. ويقول لنا, بعبارة أخرى, إنه في غياب المعارك الكبرى (وإذاً –وهذه نقطة يصعب قمعها ـ في غياب ما يُدعى بالتراجيديات الكبرى) يكون من الحتمي من حين لآخر أن يحاول المرء إقناع نفسه بأنّ هذا العالم هو حقّاً أفضل العوالم الممكنة.‏

وإذا ما كانت مثل هذه الفكرة غير الهدّامة وغير المحرّرة عن الأدب لا تزال تبدو محلّ خلاف, أو غير مقنعة, فلا يسعني سوى الاتكاء على صورة غالباً ما خطرت لي في سياق هذه الدراسة. وهي صورة منقوشة على ضريح إغريقي قديم في المتحف البريطاني, تُظْهِر خطّافاً ـ نصف جسده العلوي امرأة, ونصف جسده السفلي طائر جارح ـ يحمل جسداً بشرياً ضئيلاً: يمثّل, بحسب الخبراء, روح الميّت. في الأسفل, يمسك الخطّاف الروح بمخالبه ذلك الإمساك المُحْكَم, أما في الأعلى فيظهر بذراعيه الإغريقيتين في حالة عناق لطيف وحنون. والروح لا تفعل شيئاً لكي تتخلّص من مخالب الخطّاف. بل تبدو هادئة, بل ووادعة. ولعلها لا تبدو ميتة: فلو كانت ميتة لما كان ثمة حاجة للخطّافات. غير أنّ على الروح في الوقت ذاته أن تعلم أن لا مفرّ من مَسْكَةِ المخالب. ولهذا السبب لا تُخْفِض تحديقتها, بل تلقي برأسها على ذراعيّ الخطّاف بثقة. ولأنه ما من مفرّ فإنها تفضّل أن تخدع نفسها وتضلّها بشأن الطبيعة العطوفة, شبه الأمومية التي تنسبها لهذا المخلوق الذي يجرّها معه بعيداً في طيرانه.‏

هل يمكن أن نلومها؟ ?‏

(1) كينيث بورك, بلاغة الحوافز, نيويورك 1950, ص 23.‏

(?) «منطق بور رويال» هو الاسم الشائع لكتاب المنطق، أو فنّ التفكير، وهو نصّ ذو أهمية بالغة نشره أنطوان أرنو وبيير نيكول في العام 1662 غُفْلاً من اسم المؤلّف. وكان هذان الاثنان عضوين بارزين في الحركة الإصلاحية الدينية الجانسنية التي تركّزت حول دير بور رويال في فرنسا. وقد أسهم باسكال في أجزاء هامة من الكتاب.‏

(2) جوليو بريتي, Retorica e logica, تورين 198, ص 157 و163 ـ 164.‏

(3) أنطوان أرنو وبيير نيكول, La logique ou l’art de penser, 1662 ـ 1683, الجزء الثالث, الفصل 20.‏

(?) بالفرنسية في النصّ الأصلي:‏

«Si l’on examine avec soin ce qui attache ordinairement les homes plûtot opinion qu’à une autre, on trouvera que ce n’est pas la pénétration de la vérité & la force des raisons; mais quelque lien d’amour proper, d’interêt, ou de passion. C’est le poids qui emporte la balance, & qui nous détermine dans la plupart de nos doutes; c’est ce qui donne le plus grand branle à nos jugements, & qui nous y arête le plus fortement. Nous jugeons des choses, non par ce qu’elles sont en elles ـ mêmes; mais par ce qu’elles sont à notre égard: & la vérité & l’utilité ne sont pour nous qu’une meme chose».‏

(?) يقول أرسطو في كتابه الخطابة:‏

»فمن الاضطرار إذاً يكون الكلام الريطوري «الخطابي أو البلاغي» ثلاثة أجناس: مشوري، ومشاجري، وتثبيتي.‏

فأما المشير فمنه إذْن ومنه مَنْع. فإن الذين يشيرون في الخواص والذين يشيرون في العوام معاً إنما يفعلون أبداً واحدة من هاتين.‏

وأما التشاجر فمنه شكاية، ومنه اعتذار. فإن الذين يتشاجرون لا محالة إنما يفعلون واحدة من هاتين.‏

وأما المُري أو المثبت فمنه مدح، ومنه ذمّ«. انظر: أرسطوطاليس، الخطابة: الترجمة العربية القديمة، حقّقه وعلّق عليه عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات ـ الكويت ودار القلم ـ بيروت، 1979، ص 16 ـ 17.‏

(4) بريتي, ص 150 ـ 151. بشأن الجنس التثبيتي الذي يشكل سلفاً لـ »الأدب» انظر أيضاً كتاب هنريش لاوزبرغ, Elemente der literarischen Rhetorik, ميونيخ 1949, الفقرات 14 ـ 16: «خطاب الـ re ـ use هو خطبة تُلقى في أوضاع نمطية (جليلة ـ احتفالية)... ولدى كلّ مجتمع يتمتع بقوة وشدّة معيّنتين ثلاثة ضروب من خطاب الـre ـ use, هي أدوات اجتماعية للحفاظ الواعي على نظام اجتماعي كامل ومتواصل... تُنشأ الخُطب لكي تثير على نحو متكرّر أفعال وعي اجتماعي مهمة اجتماعياً. وهذه النصوص تتوافق مع ما يقدّم نفسه, في مجتمعات ذات نظام حرّ, على أنّه «أدب» أو «شعر». وبشأن الصلة المتعززة باطّراد بين البلاغة والأدب, انظر أيضاً كتاب فاسيلي فلوريسكو, La retorica nel suo sviluppo storico, بولونيا 1971.‏

(5) أرنو ونيكول, الجزء الأول, الفصل 14. وانظر أيضاً ميشيل لوغيرن, Sémantique de la métaphore et de la métonymie, باريس 1973, ص 75: «الاستعارة... هي واحدة من أكثر السبل فعالية في نقل انفعال أو توصيله. وجميع الاستعارات تقريباً تعّبر عن حكم قيمة لأن الصورة التي تنتجها وترتبط بها تثير ردّة فعل وجدانية... والوظيفة الأكثر شيوعاً للاستعارة هي أن تعبّر عن عاطفة تريد للمرء أن يشارك فيها: وهذا هو المكان الذي ينبغي أن يُلْتَمَس فيه دافعها الأهمّ».‏

(?) بالفرنسية في النصّ الأصلي:‏

«Les expressions figurées signifient, outré la chose principale, le movement & la passion de celui qui parle, & impriment ainsi l’autre idée dans l’esprit, au lieu que l’expression simple ne marquee que la vérité toute nue.»‏

(6) ماكس بلاك, نماذج واستعارات, إيثاكا 1962, ص 39 ـ 40.‏

(7) تشايم بيريلمان ولوسي أولبريشت ـ تيتيكا, La nouvelle rhétorique. Traité de l’argumentation ، باريس 1958, ص 543.‏

(8) لاوزبرغ, الفقرة 2.‏

(?) المعنى الحرفيّ لكلمة honey هو العسل، لكنها تستخدم استعارياً لمخاطبة المرء من يحبّ. والمعنى الحرفيّ لكلمة scum هو الزبد أو الطفاوة، لكنها تستخدم استعارياً في الإشارة إلى الحثالة والسوقة.‏

(9) جاك لوغوف, «Les mentalités: une histoire ambigué»، في كتاب جاك لوغوف وبيير نورا, محرّرين, Fair de l’histoir, باريس 1974.‏

(10) انظر قبل كل شيء المقالتين «Semantik der Kühnen Metapher», فيDeutsche Vierteljahrsschrift für Literaturwissenssenschaft und Geistesgeschichte, العدد 3, 1963, و «Semantik der Metapher», في Folia Linguistica, العدد 1, 1967.‏

(11) «Der Begriff des Kunstowllens»، في Zeitschrift für ?sthetik und allgemeine Kunstwissenschaft, XIV (1920), 4, ص 339. التشديد لي.‏

(12) ما يتكلم عليه بانوفسكي هنا هو في الحقيقة «صراع... بين قوة مانحة للشكل ومادة ينبغي التغلب عليها», وهذه صيغة لا يبدو أنها تُلمِح إلى تعارض بين أشكال مختلفة بل إلى الديالكتيك العادي بين الشكل والمضمون. غير أنه يوضح في مكان آخر أن التقابل بين الشكل والمضمون ليس له أي أهمية تاريخية مهما تكن: «إنّ زوج المفاهيم» الشكل ـ المضمون «لا يشير البتة, كما يفعل الزوجان الآخران [«موضوعي ـ ذاتي» و «واقعي ـ مثالي»], إلى تضاد بين مبدأين في الfiguration يمكن أن يحدد اختلافاً أسلوبياً بين ظواهر متنوعة, بل يشير إلى حدود مجالين مميزين [منطقياً] ضمن الظاهرة الفنية الواحدة ذاتها» («?ber das Verh?ltnis der Kunstgeschichte zur Kusttheorie» , في Zeitschrift für ?sthetik und allgemeine Kunstwissenschaft, XVIII, 1925, الهامش 19).‏

(13) جورج لوكاش, Il dramma moderno (نُشر بالهنغارية في الأصل عام 1911) ميلانو 1967, ص 8, 9, 11.‏

(14) جورج لوكاش, Osservazioni sulla teoria della storia Letteraria (نُشر في الأصل بالهنغارية عام 1910) في Sulla povertà di spirito. Scritti 1907 ـ 1918, بولونا 1981, ص 59, 69 ـ 71.‏

(15) المصدر السابق, ص87, 90.‏

(?) رواية ترسترام شاندي للكاتب الإنجليزي لورنس ستيرن (1713 ـ 1768).‏

(16) ليس مصادفة أن شكوك لوكاش الأولى بشأن متانة الصلة بين الشكل الجمالي والوجود الاجتماعي تنشأ، منذ الملاحظات, في سياق مناقشة تتناول «بِِلى» الأسلوب. فهذه الظاهرة تشير إلى «طبيعة الجمهور المحافظة في الأساس» وإلى «إفقار» الطاقات الشكلية, ولوكاش يعتزم إزالتها من تحليله لهذين السببين على وجه الدقة.‏

(17) جان ستارروبنسكي, 1789: Les emblèmes de la raison, باريس 1973, ص5.‏

(18) انظر في هذا الشأن الفصل الأول الرائع من كتاب بيتر زوندي, Einführing in die literarische Hermeneutik, فرانكفورت 1975.‏

(?) مؤلِّف دراكولا.‏

(19) على المرء في الأساس أن يتساءل ما العلاقة بين التصنيفات القائمة على «الأجناس الأدبية» والتصنيفات التي تشير إلى مفاهيم «الأسلوب ـ المرحلة». كما يحتاج لأن يحدد ما إذا كانت تعبيرات مثل «الرواية الطبيعية» أو «السونيتة الكلاسيكية الجديدة» هجائن مفاهيمية ينبغي التخلص منها أم أدوات تأويلية صحيحة وسارية, وإذا ما كانت كذلك, ما الوزن النسبي لكلٍّّ من الصفة والاسم الذي يحمل هذه الصفة؛ وهلم جرا.‏

(20) كان ريموند وليامز –في كتابه الماركسية والأدب وفي المقابلات التي يضمها كتاب سياسات وآداب ـ قد قدّم فرضية يشبه جانبها النقدي الهدّام pars destruens ما نقوله هنا. غير أن هدف وليامز الأساسي, إذا ما كنت قد فهمت مقاصده جيداً, هو تحطيم الحواجز بين الاتصال«الإبداعي» (الذي سُمّي «الأدب» في القرنين الأخيرين) والاتصال «غير الإبداعي» أو الذي لا يُعتَبَر إبداعياً. فمع أنه لا ينكر إمكانية التوصّل إلى تقسيم نظري جديد في مرحلة لاحقة, إلا أنه يبدو أكثر اهتماماً بكثير برفض الحواجز القديمة وإقامة مُتّصل من النصوص يندرج تحت مفهوم «الثقافة» العام. وإذا ما كان الحال كذلك, فإن المشروع الذي رسمنا خطوطه العامة هنا يمكن النظر إليه على أنّه «طور ثانٍ» ممكن من برنامج وليامز: الطور الذي تتم فيه إعادة إنشاء الحواجز. ولكن هذه المرة دون أيّ اهتمام بالمفاهيم التراتبية السابقة.‏

(?) إدوارد غيبن (1737 ـ 1794) هو مؤلَّف الكتاب الشهير تاريخ اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها، أمّا السير آرثر كونان دويل (1859 ـ 1930) فهو مبتدع شخصية شارلوك هولمز.‏

(?) هِكوبِه هي زوجة بريام، ملك طروادة، وأم هكتور، بطل طروادة الذي يصرعه أخيل. وفي المشهد الثاني من الفصل الثاني في هاملت لشكسبير، يقول هاملت عن أحد الممثلين: « أيّ نذل أنا، أيّ عبد قروي!/ أليس من العار عليّ أن هذا الممثل،/ في رواية من الخيال، في حلم من الألم،/ يُكْره روحه على تلبّس وهمه/ فتحتدم، ويشحب منه المحيّا بأجمعه؟/ الدموع في عينيه، والهياج في قسماته،/ وصوته يتكسّر ويتهدج، وكل وظيفة في جسمه/ تتلبّس ذلك الوهم...وذلك كلّه من أجل لاشيء/ من أجل هِكوبِه! وما لهِكوبِه عنده، أو له عند هِكوبِه،/ فيبكي هكذا من أجلها؟ وما الذي ترى كان فاعله/ لو أن لديه من دافع وحافز إلى الألم الممضّ/ ما لديّ أنا؟»‏

(?) نقد العقل الخالص ونقد العقل العمليّ.‏

(21) كانط,، نقد ملكة الحكم, أكسفورد 1952, ص 14 ـ 15.‏

(?) نقد ملكة الحكم.‏

(22) لوشيانو أنسيشي,‏

«Considerazioni sulla «prima Introduzione» alla Critica del Giudizio di Kant», وهي عبارة عن تقديم لكتاب كانط, Prima Introduzione, باريس – روما 1969, ص15. التشديد لي.‏

(23) كانط,، ص 37 ـ 38.‏

(24) فريدريش شيللر, في تربية الإنسان الجمالية (1793 ـ 1794) أكسفورد 1967, ص61.‏

(25) المصدر السابق, ص 35, 37, 41, 43.‏

(26) من هنا الطبيعة القائمة على «ضرب المثل» التي تَسِم الأعمال الأدبية, خاصة القصص السردي: «من العناصر النمطية [في الخطاب الأدبي, أي البلاغي] تلك الصلة الداخلية بين الواقعة والقيمة, المعرفة والانفعال. وتتعيّن الواقعة في وَضْعِ ملموس من أوضاع السلوك البشري, حيث يكون كلّ عنصر مشحون بمعانٍ قيمية وكل قيمة تمثّل لها تقليدياً وفي العادة وقائع محدّدة. ويعمل كلٌّ من اعتبار الواقعة في ذاتها, مجرّدة من أي مرافق انفعالي, واعتبار القيمة المحضة, كقيمة في ذاتها, على عزل الخطاب عن ال doxa, وعن الحياة اليومية الملموسة التي تحياها «الأكثرية». فغياب الانفعال يجعل الخطاب «جافاً» وغياب المثل يجعله «مجرّداً». وفي الحالين يغدو الخطاب غير مٌقْنِع, وتالياً غير مؤثّر كأداة من أدوات ثقافة عملية ضمن مجتمع ما» (بريتي, ص174).‏

(27) «التسوية» لاتعني بالطبع صفقة تتوزع منافعها (أو مضارها) بالتساوي على جميع الأطراف المعنية. وما أحاول تبيانه في دراسة عن أدب الأطفال المثير للعواطف عنوانها«روضة الأطفال» هو أن من الممكن تماماً أن تشتمل الصفقة على خسارات مزعجة واختلالات خطيرة في التوازن. فوظيفتها المميّزة ليس أن «تجعل الجميع سعداء» بل «على وجه الدقة, أن«تسوّي»: أن توجد نطاقاً واسعاً بحدود غامضة تتواصل فيه القيم المتضادة, وتتساكن ويغدو من الصعب تمييزها ومعرفتها. ولا حاجة للقول, إنّ هذا تشكيل مناهض للتراجيديا إلى أبعد حدّ.‏

(28) بول ريكور, فرويد والفلسفة, نيو هافن ولندن 1970, ص7.‏

(29) «يقدّم الفن إشباعات بديلة لتلك التنازلات الثقافية الأقدم والتي لا تزال تُحَسّ بأعمق ما يكون الإحساس, ولهذا السبب فإنه يعمل كما لا يعمل أيّ شيء آخر على التوفيق بين الإنسان وتلك التضحيات التي بذلها من أجل الحضارة». («مستقبل وهم» , 1927, في الطبعة المعيارية لأعمال سيغموند فرويد النفسية الكاملة, لندن 1953 ـ 1974, المجلد XXI, ص14), وبالمثل، بعد عامين, نجد فرويد يعرّف الفنّ على أنّه «أوهام, يُعْتَرَف بأنها كذلك... تملّصت على نحو سافر مما يقتضيه محكّ الواقع وتفرّغت لغَرَض تحقيق الأمنيات التي يصعب تنفيذها... ليس للجمال نَفْع واضح؛ وليس له أية ضرورة ثقافية واضحة. غير أنّ الحضارة لا يسعها الاستغناء عنه... ومن دواعي الأسف أنّ التحليل النفسي قلّما يكون لديه ما يقوله عن الجمال. وكلّ ما يبدو مؤكّداً هو اشتقاق الجمال من حقل الشعور الجنسي. ويبدو حبُّ الجمال مثالاً نموذجياً لدافع مكفوفٍ من حيث هدفه» («الحضارة ومنغّصاتها», 1930, المصدر السابق, ص 80, 82, 83)‏

(30) فرانشيسكو أورلاندو, نحو نظرية فرويدية في الأدب, بالتيمور/ لندن 1978, ص 140.‏

(31) المصدر السابق , «الجزء التحليلي», خاصة ص8 ـ 10.‏

(32) المصدر السابق ص10.‏

(33) «يمكن للمرء... أن يغامر بالفرضية التي مفادها أنّ قَدْراً كبيراً من الشعور بالإثم لا بدّ أن يبقى في العادة لاواعياً, لأنّ أصل الضمير مرتبط ذلك الارتباط الوثيق بعقدة أوديب, التي تنتمي إلى اللاوعي. وإذا نزع أحدهم لأن يقدّم الاقتراح المعاكس الذي يرى أن الإنسان السوي ليس بعيداً عن الأخلاق أكثر بكثير مما يعتقد وحسب بل هو أخلاقي أيضاً أكثر مما يعلم بكثير, فإنّ التحليل النفسي, الذي يقوم الشطر الأول من هذا التأكيد على مكتشفاته, لن يكون لديه ما يعترض به على شطره الثاني». ويضيف فرويد في حاشية:« لطبيعةِ الإنسان مدى لكلٍّ من الخير والشر, أبعد كثيراً مما تحسب نفسها عليه, أي مما يدركه أناها عن طريق الإدراك الواعي» («الأنا والهو», 1923, في فرويد, المجلد XIX, ص52)‏

(34) أورلاندو, ص169‏

(35) فرويد «الأنا والهو», ص 56.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244