مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 134 ربيع 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

قصائد من بترارك ـــ ت.يوسف سامي اليوسف

أولاً ـ المقدمة‏

استطاعت إيطاليا بفضل قربها من الشرق، وبسبب مشاركتها في الحروب الصليبية منذ الحملة الأولى، ثم لأنها بلد تجاري نشط كان يتاجر مع مصر والشام على نحو خاص ـ استطاعت أن تدشن النهضة الأوروبية، وذلك منذ مطلع القرن الثالث عشر أو قبيل ذلك. وأخذ الشعر خاصة يتطور فيها ويتقدم حتى أنجبت دانتي، ذلك الشاعر الذي هو فلتة من فلتات الدهر، والذي أسس الشعر الأوروبي، بل الشعر العالمي كله في الأزمنة الجديدة، فلا يباريه أو يبزه أي شاعر آخر، حتى شكسبير الذي هو كاتب مسرحي أكثر مما هو شاعر.‏

ولدى التمحيص، فإن الإنجليزي مدين للإيطالي بالكثير، ولا سيما بالصور الرائعة التي رسمها في مسرحياته لشخصيات بنائية لها جاذبية استثنائية، وذلك بفضل ما يندرج في بنيتها الباطنية من الألطاف والسمات الإنسانية، ولا سيما البراءة وهيف الروح (أوفيليا، مرندا، دزدمونه، كورديليا... إلخ) ففي صلب الحق أن تلك الألطاف والصور النادرة قد مهد لها دانتي في «الكوميديا الإلهية»، ذلك الصرح الشعري الذي لا نظير له في تاريخ الشعر كله. ولقد استمد شاعر إيطاليا الأكبر تلك الصور من عشقه المجهض لفتاة اسمها بياترس، وهي التي صوفها دانتي وأحالها إلى شخصية شديدة الشبه بشخصيات الأساطير والأديان. وفي تقديري أنه استمد صورتها من الصوفية العربية الإسلامية، ولا سيما من شعر ابن الفارض، الذي يحاور امرأة في التائية الكبرى يحق للذهن أن يراها بوصفها الهِيَ المطلقة التي تستحضر صورة المثال. ففي مذهبي أن كل عمل أدبي عظيم هو بالضرورة وثيق الصلة بأعظم المنجزات الأدبية التي سبقته فشرطته وجعلته ممكناً، أو ببعضها على الأقل.‏

ولا بأس في مثال على ذلك. فقد ظل المستشرق الإسباني آسين بلاثيوس مصراً على أن دانتي قرأ المعراج وتأثر به، وعلى أن آثار المعراج شديدة الوضوح في الكوميديا الإلهية».‏

وكان خصومه يردون عليه قائلين بأن دانتي لم يكن يعرف اللغة العربية، وبأن المعراج لم يترجم إلى أية واحدة من اللغات الثلاث التي كان يتقنها دانتي. وبعد موت بلاثيوس بقليل اكتشفت ترجمتان للمعراج، إحداهما لاتينية والأخرى فرنسية، واللاتينية والفرنسية هما اللغتان اللتان يتقنهما دانتي، فضلاً عن لغته الأم.‏

وفضلاً عن ذلك فقد بين الدارسون الطليان الكثير من مصادر دانتي، وخاصة ابن عربي والتراث الإسلامي، أو بعضه. وعندي أن هذا التأثر، الذي لا يقبل جدالاً، ليس من شأنه أن يشين «الكوميديا الإلهية»، ذلك الإنجاز الباهر العظيم.‏

000‏

ولكن إيطاليا أنجبت شاعراً كبيراً آخر، ولد قبل وفاة دانتي سنة 1321، فيما يعني أنها تحولت إلى بلد شعر وفنون. ذاك هو بترارك (1304 ـ 1374) الذي كان صديقاً لبوكاشيو، القاص الإيطالي الشهير، والذي اعتنى أيما اعتناء بدراسة العصور القديمة، ولا سيما آدابها الغنية. ولهذا فقد صنف فرنسيكوبترارك كمؤسس للنزعة الإنسانية أو العالمية.‏

أضف إلى ذلك أنه اخترع القصيدة التي تسمى سوناتا (وهي قصيدة من أربعة عشر بيتاً). وقد تبناها شكسبير فكتب عدداً كبيراً من السونتات، متأثراً ببترارك حتى في المحتوى وطريقة التعبير. كما كان ذلك الشاعر الإيطالي أول من أدخل فكرة الاعتزال إلى الشعر، وكذلك الميل إلى التوحد مع الطبيعة بدلاً من المجتمع.‏

وجعل من الرغبة الحادة في الموت موضوعة بارزة من موضوعات الشعر الأوروبي. وبذلك فإنه يكون قد دشن الحركة الرومانسية منذ ذلك الزمن المبكر.‏

ولكن أهم ما في أمره أنه عندما كان في الثالثة والعشرين، أو حصراً في السادس من نيسان سنة 1327، شاهد لورا دو نوف لأول مرة، وذلك في كنيسة سانت كلير، في مدينة افنيون الفرنسية، حيث عاش لفترة طويلة من الزمن.‏

ولقد أحبها حباً جماً، تماماً كما أحب دانتي فتاته الآنفة الذكر. وهذه هي المرأة التي وصفها بأنها «زهرة الجمال كله». كما قال فيها: «تلكم هي الضربة التي قتلني الحب بها» وبذلك يترسخ لدى المرء اعتقاد فحواه أن المرأة أكانت إيجابية أم سلبية، قد أسهمت أيما إسهام في تفجير ينابيع الشعر في أرواح الشعراء.‏

وكما أن دانتي لم يتزوج بياترس، فإن بترارك لم يتزوج لورا. ولقد تزوجت المركيز دو ساد، وهو جد بعيد للمركيز الذي يحمل الاسم نفسه، والذي تنسب إليه السادية، أو التلذذ بتعذيب المحبوب.‏

وفي الحق أن معظم شعر بترارك يدور حول موضوعة واحدة، وهي قصة حبه لتلك الفتاة، وهي المأهولة بالإحباط والإخفاق. (ومن شأن هذه الحقيقة أن تذكر المرء بالحب المحبط الذي عاشه الغزليون العذريون في العصر الأموي، وذلك لشدة التشابه بين الحالين). ومما هو مؤكد أن بترارك قد بدأ يكتب الشعر في تلك الفترة التي تعرّف خلالها على لورا.‏

وهذا يعني أن حبه لتلك الفتاة هو الذي فجر عبقريته وجعل منه شاعراً كبيراً أو رائداً من رواد الشعر في أوروبا، ولو أن بعضاً من كبار النقاد الغربيين قد تنكروا له ورفضوه.‏

ومع ذلك الإحباط المرير فإن الشاعر لم يفقد الأمل كلياً، فقد آمن جازماً بأنه سوف يحظى بالفتاة نفسها في الحياة الآخرة، تماماً، كما حظي دانتي ببياترس في «الفردوس»، أي في الجزء الثالث من «الكوميديا الإلهية».‏

فقد كان يشتهي الموت ويتمناه بحرارة، لا لأنه سوف يخلص من آلامه فقط، بل لأنه سوف يجمعه بلورا في الدار الآخرة، قبل كل شيء. وحين لا تكون تلك الفتاة حاضرة في القصيدة جهراً، فإنها كثيراً ما تكون راخمة داخل جوفها على نحو مضمر.‏

وبعد زواج لورا، انسحب بترارك إلى وادي فوكلوز الفتان، حيث اعتكف لمدة طويلة، وذلك ابتداءً من سنة 1337. فهاهو ذا يقول في إحدى قصائده: «ما أريده لاحقاً هو عزلة أذرف فيها دموعي». وفي تلك العزلة الهادئة اتخذ من الطبيعة سلواناً أو عزاء عن ذلك الخسران الذي أسس شخصيته كلها.‏

وههنا يلمس المرء تشابهاً بين بترارك وورد زورث، الشاعر الإنجليزي الرومانسي، الذي كان شاعر الطبيعة الأول في أوروبا. ففي الحق أن بترارك، بحكاية حبه المجهض، وما جلبت له من آلام وأوصاب، وكذلك بفضل ميله إلى العزلة، أو إلى الاحتماء بالطبيعة من بؤس الحياة في المجتمع، قد أسس الحركة الرومانسية أو مهد طريقها بريادته لها وترسيخ ركائزها الأولى. وهذه خصلة من شأنها أن تضفي عليه قيمة استثنائية.‏

ومما هو مؤسف أن النقاد الأوروبيين الذين رفضوه، ومنهم اليوت، لم يتنبهوا لها بتاتاً.‏

ولقد ظل بترارك في ذلك الوادي اليانع حتى سنة 1341، إذ سافر إلى روما لكي يتوج هنالك بالغار على أيدي علية القوم، وذلك بوصفه شاعر إيطاليا الأول في ذلك الزمان.‏

000‏

لم تعش لورا طويلاً، فقد توفيت في السادس من نيسان سنة 1348، أي يوم كان بترارك في الرابعة والأربعين من سنوات عمره، ويوم كانت هي نفسها في أوج العمر. (ومما هو لافت للانتباه أن بياترس قد توفيت وهي في شرخ الشباب أيضاً) ولكن ذلك قد زاد عبقرية الشاعر ضراماً. وظهر في نتاجه هذه المرة حب الله والطبيعة والمرأة، أو قل إن لورا والحب الملتاع والشاعر المعذب قد صاروا يشكلون الثالوث الذي ينسج قصيدة بترارك، في الغالب الأعم. كما أن ذلك الموت قد دفعه إلى الغوص في أعماق الأشياء، وكذلك إلى دمج الروح الوثنية والروح المسيحية في ملغمة واحدة. ولكنه شعر بالخسران الفادح، فقال: «خسرت مالا أمل في استرداده بتاتاً». وراح يتساءل على هذا النحو: «هل يفكر الله بأن يجعلها نجمة في السماء، أو ربما شمساً كاملة؟».‏

وتحت ضغط هذا الخطب الجلل راح يبحث عن هدنة مع الألم، ولكن لم يعثر عليها بتاتاً. ومما هو لافت للانتباه أن كلمة «الهدنة» كثيرة التواتر في شعره. كما تنتشر صورة الاحتراق في عدد كبير من قصائده. ولعلها أن تكون إشارة إلى الاحتراق الذي يكابده في داخل روحه. كما تكثر في شعره الآهات والدموع والصور الحزينة المعبرة عن أسى مُرّ. كما أن النجوم والأنوار والشمس والسماوات كثيرة التواتر في ذلك الشعر إلى حد لا تخطِئه العين.‏

فلقد نسب تلك المرأة إلى العلو والنور والبركة، حتى لقد قال ذات مرة: «تباركت العيون التي رأتها يوم كانت حية».‏

ولأن لورا تعني الذهب، فقد كثر ذكر الذهب في شعر بترارك. ولأن لورا اسم قريب من aura التي تعني النسيم، فقد تواتر ذكر النسيم كثيراً في ذلك الشعر. وهو قريب كذلك من كلمة laurel التي تعنى الغار.‏

ولهذا كثر ذكر الغار أيضاً. كما كثر ذكر العيون والشعر وصورة الشمس التي تذيب الثلج. بل إن كلمة «عيون» هي الكلمة السيدة في شعره كله ولا ريب في أن الشعر هو شعر لورا الأشقر، والعيون هي عينا لورا بكل وضوح. ولقد عني بترارك حتى بمشية تلك المرأة، فضلاً عن نظرتها الاستيلائية الفاتكة، بل صار هذان الموضوعان موضوعين محوريين في شعره.‏

وتكثر في شعر بترارك صورة ذوبان الثلوج تحت أشعة الشمس. وتكثر كذلك كلمة «الأشعة» نفسها. كما تتواتر مثنوية الثلج والنار تواتراً لافتاً للانتباه. ولا تدل هذه الصورة إلا على ذوبان تحت نظرات لورا فهاهو ذا يقول في إحدى قصائده: «تلك التي تملك أن تذيب قلبي بنظرتها البسيطة».‏

ويصرّح ذات مرة بأنه «مصنوع من الشمع الذي يبحث عن النار».‏

ومما هو ناصع أن الشاعر قد بذل جهداً كبيراً لكي يعرض مزايا لورا الثلاث في شعره.‏

أما أولى تلك المزايا فهي عيناها اللتان تسكبان النور على الدنيا بأسرها، واللتان تملكان أن تذيبا روح الشاعر بنظرتهما الخلابة. «إنهما المفتاح العذب الذي يفتح قلبي». وأما المزية الثانية فهي وجنتاها المتألقتان كالكواكب، بل وجنتاها اللتان تتوهجان بنار فاتنة. وأما المزية الثالثة فهي ظفائرها الشقراء الخصيبة الرائعة. وبذلك فإنها تكون قد ظهرت بوصفها «سيدة أكثر فخامة من الشمس»، على حدّ قوله.‏

000‏

ولكن الرغبة الدائمة في البكاء هي واحد من الموضوعات شديدة الحضور في شعر بترارك.‏

فهاهو ذا يقول: «أن أبكي إلى الأبد، تلكم هي بهجتي العظمى». ويضيف في موضع آخر:‏

«أترك نفسي تتحلل في الدموع الساقطة». ولكن يقول في موضع ثالث: «أنا واحد من أولئك الذين بكاؤهم يبهج».‏

بيد أن الموت هو الموضوعة الأكثر حضوراً من أية موضوعة أخرى في شعره، حتى ليسعك القول بأن بترارك هو شاعر الموت بقدر ما هو شاعر الحب: فهو يعتقد بأنه لا منقذ له من آلامه وتوتراته سوى الموت. فهاهو ذات يقول: «أنادي الموت باسمه، ولا شيء سواه». ويضيف في موضع آخر: «أنا معلق بين الحياة والموت طوال النهار».‏

وإذ يشعر بأن الموت يتلكأ فلا يأتي مسرعاً كي ينقذه من آلامه على نحو نهائي، فإنه يقول:‏

وما هذه المماطلة إلا خسارة قاتلها من شأنها أن تجعلني عبئاً على نفسي.‏

ويدفعه اليأس من الخلاص السريع إلى قول يكمن في داخله سأم وقنوط مران إلى:‏

«إنه بغير حول ذاك الذي لا يملك أن يموت» ولهذا كله فقد لعن الحياة في إحدى قصائده، أو شتمها بغير تحفظ شتيمة تنم عن مرارة خانقة: «هذه الحياة المنهكة الدنيئة السافلة». فليس فيها سوى العذاب والألم، أما ما تحتوي عليه من أشياء جميلة أو عذبة فليس سوى أفخاخ أو سنارات لاصطياد الأبرياء. ولأنه حزين إلى هذا الحد المتطرف، فإنه مما هو طبيعي أن يقول:‏

«ما زال الربيع غير قادر على أن يتفتح في فؤادي». وأن يضيف كذلك:‏

لئن صدف ولاقيت أية عذوبة،‏

فإن ذوقي لن يستعذبها،‏

وذلك لطول تمرسه بالمرارة.‏

000‏

ترك بترارك تراثاً ضخماً. فشعره منشور في مجموعتين، هما «المغنّي» و«الانتصارات»، كما أن هنالك قصيدة طويلة عنوانها «إفريقيا»، ومدارها على الحرب بين روما وقرطاجة. وصنف كتاباً عنوانه «حياة الرجال العظماء» تحدث فيه عن أربعة وعشرين شخصية رومانية.‏

وبين كتبه المميزة ثمة كتاب عنوانه «السر». وهو بمثابة محاورات بينه وبين القديس أوغسطين الذي أعجب به كثيراً.‏

كما ترك ستمائة رسالة تحتوي على بعض الأفكار الهامة التي أبدعتها موهبته الفذة.‏

أظنني الآن قد زودت القارئ العربي بنبذة عن حياة بترارك، وعن منجزاته الشعرية وغير الشعرية. وفي ظني أن هذا الشاعر، بل إن الأدب الإيطالي، أو معظمه، مجهول كثيراً في العالم العربي، على فخامته وجودته وشدة أهميته. فأنا لا أعرف من قدم دراسة عن بترارك في اللغة العربية، ولا من ترجم شيئاً من قصائده الكثيرة. ويبدو أن الترجمة في وزارات الثقافة العربية لا تسير بناء على خطة منظمة تهدف إلى نقل الذرى العالمية، أو إلى تخزينها قبل سواها داخل المكتبة العربية.‏

أما هذه القصائد التي ترجمتها فقد أخذتها من «المغنّي»، أو بالأحرى من ترجمة إنجليزية لهذه المجموعة الشعرية الخالدة، وهي التي نشرها ديفد يونغ في مدينة نيويورك سنة 2004. وهذا يعني أن النص الإيطالي قد ترجم مرتين، ولذلك فإنه لا محيد له عن التعرض للتحوير. فمما هو جدير بالتنويه أن كبلنغ قد عرّف الشعر بقوله: «هو ما يضيع في الترجمة».‏

ومع ذلك، فإني لآمل أن يكون جهدي هذا بمثابة بداية لعلاقة طويلة ومتينه بين القارئ العربي وبين الثقافة الإيطالية الجليلة والشديدة الغنى بجميع القيم الإنسانية النبيلة. وفي زعمي أن أية ثقافة من الثقافات لا بد لها من الركود، إذا كفت عن محاورة الثقافات الأخرى. وأكاد أن أجزم بأن الحوار هو المنتج الأكبر لروح الإنسان.‏

ثانياً ـ القصائد‏

1 ـ قلب في المنفى‏

حاولت ألف مرة، يا محاربتي الحلوة،‏

أن أصنع اتفاقية سلام مع مقلتيك الفاتنتين،‏

ولقد وهبتك فؤادي، ولكنك لا تتنازلين‏

لتنظري إلى الأسفل من روحك الشاهقة.‏

لو أن سيدة أخرى أرادت فؤادي،‏

فلا بد من أنها تعيش في آمال هزيلة يجانبها السداد كثيراً.‏

ولما كنت أكره كل مالا تأبهين به، ففي ظني أن فؤادي لن يكون لي مرة أخرى.‏

والآن، إذا ما قدمته ولم تأخذيه،‏

فلن ينال أي عون في منفاه التعس،‏

إذ لا يملك أن يعيش وحيداً، ولن يكون مع الآخرين.‏

ولهذا، فإن من المحتمل أن مسيرة حياته سوف تخفق،‏

وتلك غلطة نرتكبها كلانا،‏

وترتكبينها أنت أكثر، وذلك لأنه يحبك أكثر.‏

2 ـ الراحة في الطبيعة‏

من فكرة إلى فكرة، ومن قمة إلى قمة‏

يحركني الحب إلى الأمام، ولكنني أجد‏

كل ممر مطروق مضاداً للحياة الهادئة.‏

وإذا ما وجدت على منحدر معزول‏

نبعاً أو نهراً، أو وادياً ظليلاً‏

بين تلتين، فإن نفسي تنشد الملجأ هناك.‏

وكما يملي الحب فإنها تضحك أو تبكي‏

طوراً، وطوراً تطمئن، وبعدئذ‏

فإن وجهي الذي يتبع النفس إلى حيث تقوده،‏

يصير غائماً ثم صافياً،‏

ولكن يبقى على حاله طوال البرهة الأقصر وحدها.‏

ولذا، فإن من يعرف الحياة، أياً كان،‏

سوف يقول:‏

«هذا الرجل يحترق، وحاله غريبة عجيبة»‏

بين الجبال العالية، وفي الحراج المتشابكة أجد بعض الراحة. أما الأماكن المزدحمة فهي أعداء قاتلة، كما أنها تتعب عينيَّ.‏

وكل خطوة أمشيها تنتج أفكاراً جديدة عن سيدتي،‏

كما يمكن لها أن تحيل العذاب الذي أحمله بسببها إلى مسرة مبهجة:‏

ولقد شاهدتها عدة مرات (من سوف يصدقني؟) في أنقى المياه، وعلى العشب الأكثر اخضراراً،(1) وفي جذوع شجر البتولا رأيتها تحيا،‏

وفي الغمام الذي له من الجمال‏

والبياض ما يجعل ليدا(2) تقول بأن ابنتها يضمحل جمالها‏

كما تضمحل نجمة حين تبزغ الشمس.‏

3 ـ أسئلة‏

لئن لم يكن حباً فماذا عساه أن يكون هذا الذي أشعر به؟‏

بالله أخبروني، لئن كان حباً فأي صنف من أصناف الحب هو؟‏

ولئن كان جيداً فلماذا يقتلني بمرارته؟‏

ولئن كان سيئاً، فلماذا، إذن أشعر بعذوبة عذابه؟‏

وإذا ما كنت أحترق بإرادتي، فِلمَ أبكي وأعول؟‏

وإذا كان احتراقي ضد إرادتي، فما جدوى النواح؟‏

آه، أيها الموت الحي، أيها الألم المبهج‏

أنَّى لك أن تحكمني دون أن أوافق؟‏

ولئن كنت موافقاً، فلماذا، إذن، أتشكى على هذا النحو؟‏

ها أناذا في البحر بين رياح متصارعة، وزورقي الهش بغير سكان.‏

خال من الحكمة، ولهذا فإنني عرضة للخطـأ إلى الحد الذي يجعلني أنا نفسي لا أعرف ما أريد.‏

وإنني أحترق في الشتاء، وأرتجف في الصيف.‏

4 ـ صورة وكلمات‏

حيثما أدرت عينيّ المجهدتين....‏

كما لو أنني أريد أن أريحهما من شوقهما اللانهائي، فإنني أجد شخصاً ما يرسم صورة سيدة، وكأنه يريد لعواطفي أن تظل يانعة وخضراء.‏

ويبدو أنها تتنفس بأسى لطيف،‏

وبحنان عميق من شأنه أن يعتصر الأفئدة النبيلة،‏

وفي أذني بمنأى عن البصر،‏

يبدو لي أنني أسمع كلامها وتأوهاتها المقدسة.‏

الحب والحقيقة كانا معي حينما تحدثت عن الأناقات التي لا تضاهى في هذا العالم، والتي ليس ثمة حتى الآن ما يواجهها تحت النجوم.‏

ومثل هذه الكلمات العذبة المخلصة لم تسمع من قبل،‏

ولم تشاهد الشمس دموعاً جميلة إلى هذا الحد تنبثق من مثل هذه العيون الخلابة.‏

5 ـ الألم العذب‏

أما وقد سكتت السماوات والأرض والرياح،‏

واعتقل النوم الطيور والوحوش الشرسة،‏

وراح الليل يسوق عربته الكوكبية في الأعالي،‏

وفي فراشه الثقيل هجع البحر دون أمواج،‏

مع ذلك فإنني ما زلت يقظاناً.‏

وأحترق وأفكر وأبكى.‏

وأما هي، ذلك الألم العذب الذي يدمرني،‏

فإنها دوماً هناك أمام عيني.‏

أنا في حالة حرب، إني جريح.‏

والتفكير هو مجمل العون الذي أنال.‏

وهكذا، فإنه من نافورة واحدة صافية حية يتدفق الحلو والمر كلاهما في حياتي.‏

وبما أن مقاساتي لا نهاية لها على المدى المنظور،‏

فإنني أموت ألف مرة يومياً ثم أولد من جديد،‏

ولكنني أكون ما زلت نائياً عن الصحة الحقيقية.‏

6 ـ مرثاة‏

واحزناه! ذلك الوجه الوسيم، وتلك النظرة اللطيفة،‏

واحزناه! تلك الطريقة في المشي المتعالية،‏

والخالية من الهموم.‏

وآه على حديثها العذب الذي من شأنه أن‏

يزري بالعقول الهمجية‏

ويجعل الخسيس المنشأ ينتصب ويصير من ذوي الشهامة.‏

وا أسفاه على تلك البسمة التي أطلقت السهم الذي يعني موتي، وهو الخير الوحيد الذي لي فيه رجاء.‏

أيتها الروح الملكية الجديرة بأن تحكم امبراطورية،‏

لو أنها لم تولد في هذا الزمن الحديث.‏

يجب علىّ أن أحترق الآن من أجلك،‏

وأن أتنفس من خلالك،‏

لأنني لك وحدك، ومأخوذ بك،‏

وما من مصير آخر يملك أن يحرمني من هذا.‏

لقد سخنتني بالأمل وبالرغبة‏

عندما رأيتك آخر مرة،‏

أنت يا مسرتي الحية.‏

ولقد بددت الريح جميع كلماتك.‏

7 ـ شجرة الغار‏

ثمة شيء تجاوز الشرق النيّر والذكي الرائحة،‏

تجاوزه من حيث اللون ومن حيث الأريج،‏

كما تجاوز الزهور والفواكه والأعشاب التي اشتهر بها الغرب لندرتها وتميزها.‏

إنه نبات الغار الأجمل، أو الشجرة‏

التي يعيش فيها كل جمال،‏

وتستقر جميع الفضائل الغيرى،‏

ويجلس في ظلها بطهارة‏

مولاي النبيل وسيدتي السامية.‏

لقد صنعت عشاً لجميع أفكاري الصادقة‏

في تلك الشجرة الثرية، ومع أنه‏

عش في الجليد والنار،‏

يتجمد ويحترق معاً، فقد كنت سعيداً حقاً.‏

مناقبها الكاملة كانت قد ملأت العالم،‏

حينما استدعاها الله إليه‏

ليزين بها سماءه،‏

فهي جديرة بأن تكون في حضرته وحده.‏

8 ـ العينان الكليلتان‏

ثمة حيوانات لعيونها من القوة‏

ما يجعلها لا تخاف ضوء الشمس.‏

ولكن ثمة حيوانات أخرى لا تغامر قبل‏

أن تكون في الضوء الساطع.‏

وهنالك حيوانات أخرى، طافحة‏

بالرغبة المجنونة،‏

تغوص في النار لتستمتع بوهجها‏

ولتصطدم بإحدى القوى التي تحرقها.‏

واأسفاه، يلوح لي أنني من هذه الفصيلة.‏

تعوزني القوة للتحديق المباشر بالضياء‏

الذي تشعه هذه السيدة،‏

ويعوزني الإحساس لحماية نفسي‏

في الظلال والساعات المتأخرة.‏

ولذلك، ومع ضعفي ومقلتي الدامعتين،‏

فإن مصيري يقودني للبحث عنها ومشاهدتها،‏

مشوقاً إلى الشيء الذي أعلم أنه يستهلكني.‏

9 ـ شيخوخة‏

لئن كانت حياتي تملك أن تصمد أمام هذا العذاب المرّ،‏

وتتجاوز المحنة طويلاً، يا سيدتي، لأرى‏

سنواتك الأخيرة وهي تظلم،‏

وأرى الضوء وقد انطفأ في عينيك الجميلتين،‏

ورأسك ذا الشعر الذهبي وقد استحال إلى اللون الفضي،‏

وأكاليلك ملقاة جانباً مع ثيابك الخضراء،‏

ووجهك وقد جفّ ببطء ذلك اللون‏

الذي يجعلني أتردد ثم أنوح،‏

عندئذ قد يمنحني الحب الشجاعة في الوقت المناسب لأتحدث أخيراً عن مقاساتي العظيمة،‏

ولأخبرك عن سنواتها وأيامها وساعاتها.‏

ولئن كان الزمان مناوئاً لرغباتي الحلوة،‏

فإنه، على الأقل، لن يحرم آلامي من أن تنال إسعافاً صغيراً من تأوهاتي المتأخرة.‏

10 ـ أنا عبء على نفسي‏

في زمن ازهرارها الجميل،‏

عندما يكون الحب جديراً بأن يمارس سطوته العظمى،‏

تركت ثوبها الأرضي في التراب،‏

واستأذنت وغادرت هالة حياتي،‏

وصعدت إلى السماء لتعيش عارية وجميلة،‏

ومن هناك راحت تحكمني وتستنزف قواي.‏

آه! لماذا لا أملك أن أتحرر من الأشياء الفانيه،‏

وأعيش أيامي الأخيرة، وأبتدئ الحياة التي سوف تأتي.‏

وبذلك فإن روحي تستطيع أن تلحق بها حرة‏

وخفيفة ومسرورة مثل أفكاري الناهضة،‏

ودعني أضع خلفي جميع هذه الآلام القديمة؟‏

وهذا التلكؤ كله ليس سوى خسران مميت‏

من شأنه أن يجعلني عبئاً على نفسي بالضبط.‏

لكم هو جيد لو أنني مت قبل ثلاث سنوات من هذا اليوم الراهن.?‏

(1) لابن الفارض قصيدة جيمية تنطوي على معنى شبيه بهذا المعنى.‏

(2) ليدا هي إحدى عشيقات زوس، أما ابنتها فهي هلين الطروادية التي كانت سبب حرب طروادة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244