مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 134 ربيع 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

عودة تشورب قصة فلاديـمر نَبوكف ـــ ت.نوفل نيّوف

خرج الزوجان كيلِّر من المسرح في وقت متأخِّر. ففي هذه المدينة الألمانية الهادئة، حيث الهواء أربدُ بعض الشيء, وانعكاس الكنيسة تهدهده رقرقة خفيفة في عرض النهر منذ ثمانية قرون، كانوا يعزفون فاغنر بفتور وذوق، ويُشبِعون الناس بالموسيقى حتى التخمة.‏

نقل كيلِّر زوجته من المسرح إلى حانة صغيرة، أنيقة، اشتهرت بنبيذها الأبيض، ولم تنطلق بهما السيارة المضاءة من الداخل بسذاجة إلا في الساعة الثانية ليلاً، مسرعة عبر الشوارع الميتة إلى البوابة الحديدية لدارهما المتوسطة الحال. كان كيلِّر، الألماني العجوز، الربعة، القوي البنية، الشديد الشبه بالرئيس كروغِر، أول من نزل إلى الرصيف الذي كانت تتململ عليه تحت ضوء رمادي من مصباحٍ ظلال أوراق الشجر. وغمر الضوء هنيهةً صدر كيلِّر المنشَّى وحبَّاتِ الخرز على ثوب زوجته التي مدت ساقها السمينة وهبطت بدورها من السيارة. استقبلتهما الخادمة في مدخل البيت راكضة، وأخبرتهما بهمسٍ خائف عن زيارة تشورب. فارتعش وجه فَرْفارا كليمَفْنا كيلِّر, وكان مايزال نضِراً, واحمرَّ من الاضطراب:‏

ـ قال لك إنها مريضة؟‏

ردَّت الخادمة بمزيد من الهمس. ومسَّد كيلر شَعره القنفذيَّ الأشيبَ بكفِّه اللحيمة، فيما تجهَّم تجهُّم المسنِّين وجهُه الكبيرُ القرديُّ قليلاً، المتطاولُ الشفةِ العليا والعميقُ التجاعيد.‏

ـ ولكنني لا أستطيع الانتظار إلى الغد. فلنذهب إلى هناك الآن حالاً, ـ غمغمت فَرْفارا كليمَفْنا وهي تهزُّ رأسها, ودارت في مكانها بثقلٍ تَلُمُّ طرف منديلها الذي كانت تغطِّي به باروكتها الشقراء. ـ يا إلهي!.. ليس عبثاً أنِ انقطعت الرسائل منذ قرابة شهر.‏

ـ عدَّل كيلِّر قبعته الطَّيَّ بدفعة من قبضته, ونطق بلسانه الروسي الفصيح، الحَلْقيِّ قليلاً:‏

ـ لقد فقد هذا الإنسان عقله. فكيف يجرؤ, إن كانت مريضة, على أن يأتيَ بها ثانية إلى هذا الفندق الشائن...‏

ولكنهما, بالطبع, كانا على خطأ إذْ ظنَّا أن ابنتهما مريضة. فقد قال تشورب للخادمة ذلك لسببٍ بسيطٍ هو أن ذلك كان أهونَ ما يمكن النطق به. أما الحقيقة فهي أن تشورب عاد من سفرته وحيداً، ولم يفطن إلا الآن إلى أنه سيكون مضطرّاً في جميع الأحوال لأن يوضِّح لهما كيف توفيت زوجته، ولماذا لم يكتب شيئاً. فقد كان ذلك كلُّه صعباً للغاية. إذْ كيف له أن يوضِّح أنه كان يرغب في أن يستأثرَ وحدَه بهذا المصاب فلا يلوِّثه بأيِّ شيءٍ خارجيٍّ ولا يتقاسمِه مع أحد؟ فقد خُيِّل إليه أن موتها حَدَثٌ بالِغُ النَّدرةِ, لم يُسْمَع بمثله تقريباً, ولا يمكن لشيء أن يفوق بنقائه هذا الموتَ بالضبط, الموتَ الناجمَ عن ضربة تيارٍ كهربائيٍّ، يتألَّق حين يطير نحو الزجاج بنورٍ هو الأصفى والأشدُّ سطوعاً.‏

ومنذ ذلك الحين، عندما كانت تضحك، في ذلك النهار الربيعي على الطريق الأبيض الواقع على بعد عشرة كيلو مترات من مدينة نيس، ولمست سلكاً مُكَهْرَباً على عمودٍ أسقطته العاصفة، خمد العالم برمَّتِه على الفور بالنسبة إلى تشورب، وابتعد، بل وحتى جسمُها الميتُ الذي حمله على يديه إلى أقربِ قريةٍ تبدَّى له شيئاً غريباً ولا حاجة له. وفي نيس، حيث كان ينبغي أن تُوارَى التراب، عبثاً راح قِسٌّ بروتستانتيٌّ مسلولٌ كريهٌ يحاول الحصول منه على تفاصيلَ، فما زاد على أنِ افتَرَّ ثغرُه عن بسمةٍ ذابلة، وجلس طول النهار على الشاطئ المحصب يقلِّب الحصى الملوَّنَ بين كفَّيه، ثم فجأة ودون انتظارٍ لمراسمِ الدفن قَفَل عائداً إلى ألمانيا مروراً بجميع الأماكن التي زاراها معاً خلال رحلة الزواج. فلم يعرفا في سويسرا إلا الفنادقَ التي أمضيا فيها الشتاء، فقد كانت أشجار التفاح هناك تكمل إزهارَها الآن. ولكنْ, بالمقابل, لم يكن يعيق ذكرياتِه الربيعُ البارد قليلاً في شفارتسفالد التي مرَّا بها في الخريف. وحاول، كما فعل على الشاطئ الجنوبي، أن يعثر على تلك الحصاة الكروية السوداء الوحيدة ذاتِ الحزام الأبيض الدائري التي أََرَتْه إيَّاها قُبَيْلَ آخر نزهة لهما، تماماً كما كان يبحث في الطريق عن كل ما أثار إعجابها من منظرِ صخرةٍ غريبٍ، ومنزلٍ صغيرٍ مغطَّى بحراشفَ رماديةٍ فضِّيَّةِ اللون, وشجرةِ شوحٍ سوداءَ، وجسرٍ صغير فوق تيارٍ مائي أبيضَ، وما لعلَّه كان نذيرَ شؤمٍ تمثََّل في عشِّ عنكبوتٍ ترامى شعاعاً بين أسلاك التلغراف المرصَّعة بخرزِ الضباب. لقد كانت ترافقه، فتخطر سريعاً فردتا جزمتها الضئيلة العالية, ولا تكفُّ يداها عن الحركة، تارةً تقطفان ورقةً عن شجيرة، وتارةً تمسِّدان عَرَضاً جداراً صخريَّاً، يداها الرشيقتان الضاحكتان اللتان لم تعرفا الهدوء. كان يرى وجهها الصغير المغطَّى بنَمَشٍ داكن، وعينيها الواسعتين الكابيتَيْ الخضرة، بلون شظايا زجاجٍ غسلتْها الأمواج. فقد خُيِّل إليه أنه لو جمع كل التُّرَّهات التي لاحظاها معاً، ولو نفخ الحياة في ذلك الماضي القريب، لتخلَّدتْ صورتُها ونابت عنها إلى الأبد. ولكنَّ الليالي وحدَها كانت لا تطاق... فجأة كان حضورها الوهمي في الليالي يغدو مرعباً, حتى إنه لم يغفُ تقريباً في غضون هذه الأسابيع الثلاثة من رحلته، وها قد وصل الآن، تَعِباً حتى الثمالة تماماً، إلى هذه المدينة الهادئة التي تعرَّف فيها إليها واقترن بها، إلى محطة القطارات التي انطلقا منها إبَّان الخريف المنصرم.‏

كانت الساعة تدنو من الثامنة مساء. وكان برج الكنيسة وراء البيوت يرتسم أسودَ جليَّاً على صفحة المساء الذهبية. وكان الحوذيُّون المترهِّلون هم أنفسهم يقفون مصطَفِّين في الساحة أمام المحطة. وبائع الجرائد نفسه يرفع عقيرته ينادي بصوت مسائيٍّ أصمَّ، والكلب الأسود، ذو العينين اللامباليتين، ذاتُه يرفع قائمته الأماميةَ الناحلةَ قريباً من لوحة الإعلانات باتجاه الأحرف الحمراء تماماً في ملصق «بارسيفال».‏

كان لدى تشورب حقيبةُ يدٍ وصندوقٌ كبير أصفر. فانطلق عبر المدينة في عربة خيل. كان الحوذي يُلَوِّح بالزِّمام بكسلٍ وهو يسند الصندوق بإحدى يديه. وتذكَّر تشورب أنَّ تلك التي لم يُسَمِّها يوماً باسمها كانت تحبُّ ركوب عربات الخيل.‏

كان ثمة في الزقاق الواقع وراء زاوية دار أوبرا المدينة فندقٌ قديم ثلاثيُّ الطوابق، سيِّءُ السمعة، يؤجِّر غرفاً سواء لأسبوع أو لساعة، أسودُ اللون، متصدِّعُ الطلاء، ستائرُه رقيقةٌ مهلهلةٌ وراء زجاجٍ وسِخٍ, وبابُ مدخله حقير ولم يُقْفَل بمفتاحٍ قَطُّ. تقدَّم خادمٌ شاحبٌ وقحٌ يتبعه تشورب عبر ممرّ ٍمتعرِّج ينضح برائحة الرطوبة والقرنبيط، وعندما دلف تشورب في أعقابه إلى الغرفة، استدلَّ حالاً من المستحمَّة الزهرية في الإطار الذهبي فوق السرير أنها الغرفة نفسها التي أمضى فيها أوَّل ليلة مع زوجته. تبدَّى لها مضحكاً وقتئذ كلُّ شيء: الرجلُ البدين الذي كان دون جاكتة ويتقيَّأ في الممر، وكونُهما لسببٍ ما قد اختارا هذا الفندق التافه، وعثورُهما في طاس الحمَّام على شعرةٍ شقراءَ بديعةٍ، ولكنَّ أكثرَ ما أضحكها هو كيفيةُ هروبهما من البيت. فما إن عادوا من الكنيسة إلى البيت حتى أسرعتْ راكضةً إلى غرفتها لتغيِّر ثيابها، فيما كان الضيوف يتجمَّعون في الأسفل استعداداً للعشاء. كان كيلِّر يرتدي معطف (فْراكْ) من القماش الجيد، تعلو وجهه القرديَّ بسمةٌ وهو يربت على كتف هذا تارةً وعلى كتف ذاك طوراً ويقدِّم لهمُ الأنخابَ بنفسه. أما فَرْفارا كليمَفْنا فكانت تمضي بالأصدقاء المقرَّبين أزواجاً لتريهم غرفة النوم المخصصةَ للعريسين وهي تهمس بابتهاج وتشير إلى لحافٍ من الريش هائلِ الحجم، وإلى أزهار برتقالٍ، وزوجين من الأحذية الليلية الجديدة، أحدهما كبير ذو مربعات، والآخر صغير ذو شرَّابيَّات صغيرة، وقد وُضعا متجاورين على بساط كُتِب عليه بخطٍّ قوطيٍّ: «نحن معاً حتى القبر». ثم تقدم الجميع من الطاولات حين اتَّفق تشورب وزوجته في طرفة عين على الهرب من الباب الخلفي، ولم يعودا إلى البيت إلا في صباح اليوم التالي، لاصطحاب أغراضهما قبل نصف ساعة من انطلاق القطار السريع. ظلَّت فَرْفارا كليمَفْنا تنشج طوال الليل؛ أما زوجها الذي كان تشورب ذاك الأديبُ المهاجر الفقير في نظره شخصاً مريباً على الدوام، فكان يلعن اختيار ابنته وما أنفقه على الخمر والشرطة التي لم تستطع فِعْلَ شيء... ثم ذهب العجوز، بعد أن سافر العريسان، ليرى الفندق الواقع في زقاقٍ خلف دار أوبرا المدينة، فغدا هذا المبنى الأسود الحسير النظر يبدو له منذ ذلك الحين شيئاً دميماً مثل ذكرى الجريمة.‏

وبينما كانوا يُدخلون الصندوق وقف تشورب متجمِّداً ينظر إلى الصورة ذاتِ الألوان الزهرية النافرة، حتى إذا ما انغلق الباب انحنى فوق الصندوق وفتحه فخشخش في زاويته، تحت قطعةٍ مثنيةٍ من ورقِ قاعه، فأرٌ وتراكض. استدار تشورب على عقبيه برعدةٍ سريعة. كان المصباح الكهربائي العاري معلَّقاً بسلكٍ يتدلََّى من السقف ويهتزُّ ببطءٍ شديد. وكان ظلُّ السلكِ ينوس بعرضِ السرير الأخضر متكسِّراً على حافَّته. لقد نام يومها على هذا السرير بالذات. كانت زوجته تتنفَّس بقدْرٍ كبير من الرتابة كالأطفال. وفي تلك الليلة اكتفى منها بقبلة رقيقة، ولا شيء آخر.‏

تراكض الفأر ثانية. ثمة أصوات صغيرة أرهب من قصف المدافع. فابتعد تشورب عن الصندوق وتمشَّى في الغرفة مرَّةً ومرَّتين. واصطدمتْ فراشة بالمصباح بصوتٍ رنَّان، فَفَتح الباب بقوَّةٍ وخرج.‏

أحسَّ بشدة التعب وهو يهبط درجات السلَّم، ولما أصبح في الزقاق دار رأسه من زرقة الليل العكرة في أيَّار. فانعطف نحو المنتزه الظليل وأسرع الخطا مروراً بالساحة والفارس الحجري والغيوم السوداء لبستان المدينة. كانت أشجار الكستناء تزهر الآن، فيما كان الوقت خريفاً حينذاك. فقد تمشَّيا طويلاً عشيَّةَ العرس.‏

ما كان أطيبَ رائحةَ الأوراق الذابلة التي تغطِّي الممشى ينبعث منها عبقٌ ترابٌّي، نديٌّ، مشوبٌ بشذا البنفسج...كانت السماء في تلك الأيام المكفهرَّة البديعة كابيةَ البياض، والأغصان تنعكس في نُقرةِ ماء صغيرةٍ وسط الشارع الأسود شبيهةً بصورةٍ فوتوغرافية لم تُغْسَل جيداً. وكانت الأشجار بين الدور الرمادية المتباعدةِ جامدةً دون حراكٍ، تكسوها صُفرةٌ رقيقة، فيما شُجَيرة قيقبٍ تذبل أمام بيتها، وأوراقها بلون العنب الشفاف. ووراء حديد الشبَّاك كانت تومض جذوعُ أشجارِ حَوْرٍ ـ يغلِّف بعضَها لبلابٌ كثيف, فحكى لها أنه لا يوجد في روسيا لبلابٌ على الحور، وقالت له إن آثار الحمرة في أوراقه الصغيرة تشبه بقعَ صدأٍ رقيق على ثيابٍ بيضاءَ مكويَّة. وكانت تنتصب على امتداد الرصيف أشجار بلوط وكستناء؛ وينمو على قشرة جذوعها السوداء عشبٌ مخملي دقيق أخضر؛ فيما تسقط بين الحين والحين ورقة وتطير بخطٍّ مائل عبر الشارع مثل قصاصة ورق للتغليف. فكانت تحاول التقاطَها، وهي طائرة، بوساطة فأس وجدتْها بالقرب من كومة قرميد زهري اللون هناك حيث كانوا يصلحون الشارع. وكان على مَقْرُبةٍ من المكان يتصاعد من مدخنةِ مقطورةٍ للعمال خيطُ دخانٍ أزرقُ راح ينحني ويذوب بين الأشجار، فيما شرع حجَّار, كان يستريح، ينظر ويداه في خصريه إلى هذه السيدة الخفيفة مثل الورقة الكابية، وهي ترقص بالفأس في يدها المرفوعة. كانت تقفز وتضحك. فخُيِّل لتشورب، وهو يخطو في أعقابها محني الظهر قليلاً، أنَّ السعادة نفسها تفوح بشذىً شبيهٍ تماماً بهذا الشذى الذي تفوح به الأوراق الذابلة.‏

وها هو الآن يتعرَّف بصعوبة إلى هذا الشارع المثقَل ببهاء أشجار الكستناء الليلي. كان مصباح الشارع مضاءً أمامه، وغصن ينحني فوق الزجاج تشبَّعتْ نهايات بعض أوراقه بالنور، فغدت شفَّافة تماماً. ولما دنا تشورب اندلق عليه ظلُّ البوابة شَبَكاً حديدياً يتكسَّر عبر الرصيف وطوّق رجليه. وبرزت خلف السور، وراء صفحة الحصى الضبابية، واجهةُ بيت يعرفه. كان ثمة نافذة واحدة مفتوحة ومضاءة. وكانت الخادمة في هذه الثغرة الكهرمانية تفرش شرشفاً زاهي الألوان بحركة واسعة. فناداها تشورب بصوت عال وجيز. واستند بإحدى يديه على البوابة فكان إحساسه النديُّ بملمس الحديد تحت كفه هو الأشد حدة من جميع الذكريات.‏

خرجت الخادمة إليه تعدو. كان أول ما أذهلها، كما روت لفَرْفارا كليمَفْنا، هو أن تشورب ظلَّ يقف على الرصيف صامتاً, رغم أنها فتحتِ البوابة حالاً. «لقد كان دون قبعة، ـ قالت ـ ومصباح الشارع يسقط على جبينه، وكان جبينه مبللا بالعرق, والتصق شعره بجبينه. قلت له إن السادة في المسرح وسألته لماذا هو وحيد. كانت عيناه تبعثان بريقا مرعبا للغاية، وبدا كمن لم يحلق لحيته منذ أمد طويل. قال بهدوء: «أخبريهم أنها مريضة». فسألتُه: «وأين نزلتم؟». قال: «في المكان نفسه». ثم: «لا قيمة لهذا. سأجيء في الصباح». اقترحت عليه أن ينتظر فلم يجب بشيء، وأدار ظهره ومضى».‏

هكذا كان تشورب يعود بذكرياته إلى منابعها نفسها. كان ذلك إغواء معذِّباً وحلواً يدنو الآن من نهايته. وقد بقي عليه أن ُيمضيَ ليلة واحدة لا غير في غرفة زواجهما الأولى تلك، ليكون غداً قد تخطَّى هذا الإغواء واكتملت صورتها.‏

وفيما هو يسير عائداً إلى الفندق عبر المنتزه الذي كان فيه هيئات ضبابية تجلس على جميع المقاعد في الظلمة الزرقاء، أدرك فجأة أنه، رغم التعب، لن يغفوَ وحيدا في تلك الغرفة ذات المصباح الكهربائي العاري والزوايا الهامسة. ولما وصل إلى الساحة وتسكَّع في الشارع الرئيسي، كان قد عرف ما عليه الآن أن يفعل. إلا أنه أطال البحث: فالمدينة هادئة، عفيفة ـ وذلك الزقاق السري الذي يباع فيه الهوى كان معروفاً لدى تشورب. وبعد ساعة كاملة من الطواف عديم الحيلة الذي أشعرَه بنار في كعبيه وطنينٍ في أذنيه دخل إلى ذلك الزقاق مصادفة، وسرعان ما اقترب من امرأة نادته.‏

ـ لليلة ـ قال تشورب من خلال أسنانه.‏

أمالت المرأة رأسها إلى الجانب وهزَّت حقيبتها وأجابت:‏

ـ خمس وعشرون.‏

أومأ بالقبول. ولم ينظر تشورب إليها إلا مصادفة وبعد وقت طويل، فلاحظ أنها ليست سيئة المظهر، وإنْ كانت مستنزفة للغاية، وأن شعرها أشقر ومقصوص.‏

لقد ترددتْ مراراً على هذا الفندق الذي نزل فيه تشورب؛ إذْ غمز لها بمودَّة ذلك الخادم الشاحب المدبَّب الأنف الذي هبط السلَّم ركضاً. كانت تُسمَع من وراء أحد الأبواب، وهم يسيرون في الممر، زقزقةُ سريرٍ ثقيلةٌ ورتيبة كما لو أنَّ أحداً ينشر خشبة. ثم ترامى أيضاً، بعد بضعة أبوابٍ، صوتٌ شاكٍ مثيلٌ من غرفة أخرى, فالتفتت المرأة بدلعٍ باردٍ إلى تشورب حين مرُّوا أمامها.‏

أدخلها غرفته صامتاً، وراح في الحال، وهو يستشعر سلفاً لذَّةً عميقة بطعم النوم، يحرِّر ياقته من الزرِّ خطفاً. اقتربت المرأة منه تماماً وسألته مبتسمة:‏

ـ وماذا عن الهدية الصغيرة؟‏

ألقى تشورب عليها نظرة ناعسة وشاردة، وأدرك بصعوبةٍ ما ترمي إليه.‏

تناولت النقود فأودعتها حقيبتها بعناية وأطلقت تنهُّدةً خفيفة، ثم دنت منه ثانية وهزَّت شعرها:‏

ـ أ أخلع ثيابي؟‏

ـ نعم، استلقي. ـ تمتم تشورب ـ في الصباح سأمنحك المزيد.‏

طفقتْ تفكُّ أزرار كنزتها على عجل، وهي لا تكفُّ تنظر طوال الوقت ورباً إلى تشورب بشيء من الاستغراب لتجهُّمِه الشارد. ولما تخفَّف من ثيابه بسرعة وفوضى استلقى في السرير وأدار وجهه للجدار.‏

«لعلَّ في هذا الرجل لوثة»، ـ دار في خَلَدِ المرأة على نحو غامض. فطوت كنزتها على مهل ووضعتها على الكرسي. كان تشورب يغطُّ في نوم عميق.‏

تمشَّتِ المرأة في الغرفة، ولما رأت أن غطاء الصندوق الموجودِ بالقرب من النافذة مفتوح قليلاً أقعت ونظرت تحته. وفيما هي تغمز وتسحب يدها العارية بحذر تلمَّست ثوباً نسائياً وجورباً وقِطعاً من الحرير موضوعة كيفما اتُّفِق وتفوح منها رائحةٌ زكية، فأحسَّت بالأسى.‏

استقامت وهي تتثاءب وحكّت وركها، وكما كانت ـ عارية إلا من جوربها، ـ دنت من النافذة وأزاحت الستارة. كان بابا النافذة وراء الستارة مفتوحين، وفي هوّة الشارع المخملية تظهر دار الأوبرا وكتفُ أورفيوس الحجري البارزة في زرقة الليل، وعدد من الأضواء في الواجهة الضبابية المنداحة ورباً في العتمة. وهناك، بعيدا، فوق طبقات شبهِ دائرية من درجاتٍ مضاءة كانت تعجُّ منبثقةً من فتحة ساطعة في الأبواب ظلالٌ ضئيلة قاتمة، وتنزلق نحو الدرجات سيارات تتلاعب بأضوائها وتتألَّق بسطوحها الملساء. ولم تطفئ المرأة النور لتستلقي في السرير إلى جانب تشورب إلا بعد أن تفرقت السيارات وخبتِ الأضواء. وفكرت وهي في رحلتها إلى النوم، بأنها ترددت على هذه الغرفة ذاتها مرتين. وتذكرت هذه اللوحة الزهرية على الجدار.‏

لم تكن قد أغفت أكثر من ساعة حين أيقظها عويلٌ غريب مريع. فقد صرخ تشورب عندما استيقظ في عزّ الليل، وانقلب على جنبه فرأى زوجته مستلقية بالقرب منه. صرخ برعب ومن أعماق جوفه. فقفز نازلاً من السرير طيفُ امرأة أبيض. ولما أشعلت النور، وهي ترتجف كلها كان تشورب جالساً بين شراشف متداخلة يدير ظهره إلى الجدار، وتظهر من بين أصابعه المتشنِّجة إحدى عينيه وهي تتَّقد ببريق مجنون. ثم كشف وجهه ببطء، وببطء عرف المرأة. كانت تتمتم مرعوبة وترتدي قميصها على عجل.‏

تنفَّس تشورب الصُّعداء وأدرك أن الإغواء قد انتهى. فانتقل إلى التخت، ونظر إلى المرأة بابتسامة لا مبالية، وهو يطوِّق ساقيه الشعراوين بيديه. زادت هذه الابتسامة من خوفها فاستدارت عنه وأسرعت تبكِّل آخر زرٍّ, ثم عقدت رباط حذائها وطفقت ترتدي قبَّعتها.‏

وفي هذه اللحظة تعالت في الممر أصوات وخطوات.‏

ـ ولكنه مع سيدة... ـ كان صوت الخادم يردِّد بسأم.‏

فألح َّ الصوت الحَلْقي المغتاظ:‏

ـ أقول لك إنها ابنتي.‏

توقَّفتِ الخطوات عند الباب. ثم تعالى القرع.‏

وعندئذ خطفت المرأة حقيبتها عن الطاولة وفتحت الباب بقوة. كان يقف أمامها سيد عجوز ذاهل يعتمر قبعة إسطوانية داكنة وعلى صدر قميصه الأبيض لؤلؤةٌ، وسيدة تستطلع الموقف من وراء كتفه، سمينةٌ شبِعتْ بكاء، يغطِّي شعرَها منديل شفَّاف، وكان الخادم الصغير الشاحب خلفهما يشرئبُّ على رؤوس أصابع قدميه، ويطرف بعينيه داعياً المرأة بحركة من يده للخروج. فهمتِ المرأة إشارته فقفزت إلى الممر من أمام العجوز الذي استمر غارقاً في حيرته، فاستدار برأسه نحوها، ثم تخطَّى العتبة بصحبة السيدة. انغلق الباب. وظلَّ الخادم والمرأة في الممر فتبادلا النظرات خائفين، ثم انحنيا يتنصتان. غير أن الصمت كان يخيِّم على الغرفة. وبدا مستحيلاً أن يكون هناك ثلاثة أشخاص وراء الباب. فلم يترامَ أيُّ صوت من هناك.‏

ـ إنهم صامتون. ـ همس الخادم وأدنى إصبعه من شفتيه.‏

فلاديمِر نَبوكَف (1899 ـ 1977)‏

كاتب روسي تخرّج في جامعة كمبردج (1922) وعاش في أوروبا، ثم انتقل عام 1940إلى أمريكا.‏

ترجمت «دار الآداب» روايته «لوليتا» (نخبة من الأساتذة؟!)، وترجم خيري حمَّاد روايته «الإنسان الضائع»، وقصصه «الحب الأول» (بيروت، دون تاريخ)، وترجم يوسف حلاق روايته «دفاع لوجين» (دمشق، وزارة الثقافة 1999)، فضلاً عن قصص متفرقة نشرها مترجمون آخرون في دوريات عربية مختلفة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244