مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 134 ربيع 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

في غيضة «راشومون» قصة الكاتب الياباني ريونوسوكه أكوتاغاوا ـــ ت.نبيل المجلي

ولد ريونوسوكه أكوتاغاوا سنة 1892 ومات منتحراً سنة 1927. عاش في طوكيو، وهناك لازم الجامعة، وفيما بعد اشتغل بالتعليم، ثم عمل صحفياً. كانت من بين مطبوعاته الأولى ترجمات لكتّاب غربيين، وعلى وجه الخصوص شعر وليم بتلر ييتس ونثر أناتول فرانس.‏

ثمة صفة مميزة لكل عمله ـ الذي يتضمن نحو مائة قصة قصيرة والكثير من الكتابة العرضية ـ هي نثره الدقيق، البعيد عمّا هو شخصيّ، والمضبوط «في غيضة»، بشهادتها المتعارضة، يبرز سؤال ما هو حقيقي وما هو خيالي، ما هو ذاتي وما هو موضوعي، تلك الجدلية التي تلائم تماماً شخصية أكوتاغوا المعذبة ورؤيته المتقلبة للواقع.‏

شهادة حطاب تم استجوابه من قبل مفوض رفيع في الشرطة‏

أجل، يا سيدي. أنا، بالتأكيد من وجد الجثة. ذهبتُ هذا الصباح، كالمعتاد، لأقطع حصتي من شجرات الأرز، فوجدتُ الجثة في غيضة في حفرة في الجبال. الموقع بالضبط؟ حوالي 150 متراً عن طريق محطة ياماشينا. إنها غيضةُ أشجار خيزران وأرز إلى جانب الطريق.‏

كانت الجثة ملقاة على قفاها وهي ترتدي ثوب كيمونو حريرياً مائلاً إلى الزرقة وغطاء رأس مجعَّد من طراز كيوتو. اخترقت الصدر ضربة سيف وحيدة. كانت أوراق الخيزران العريضة المتساقطة حولها ملطخة بزهرات بلون الدم. لا، لم يكن الدم يتدفق. أعتقد، أن الجرح قد جفَّ. كانت ذبابة خيل هناك أيضاً، متشبثة بقوة، لا تكاد تلاحظ خطواتي.‏

تسألني إذا كنت قد رأيت سيفاً أو أيَّ شيء كهذا؟‏

لا، لا شيء، يا سيدي. وجدت فقط حبلاً عند جذر شجرة أرز في الجوار. و... حسناً، بالإضافة إلى الحبل، وجدت مشطاً. ذاك كل شيء. من الواضح أنه خاضَ معركةً من أجله قبل أن يقتل، لأن العشب وأوراق الخيزران المتساقطة كانت قد ديست في كل الجوار.‏

«أكان ثمة حصان في الجوار؟»‏

لا، يا سيدي. كان صعباً بما فيه الكفاية على الإنسان أن يدخل، ناهيك عن حصان.‏

شهادة راهب بوذي جوّال استُجوب من قبل مفوض رفيع في الشرطة‏

الوقت؟ بالتأكيد، كان ذلك في حدود ظهر الأمس، يا سيدي. كان الرجل المنكود الحظ على الطريق من سيكي ياما إلى ياماشينا. كان ماشياً نحو سيكي ياما مع امرأة ترافقه على صهوة حصان، علمت فيما بعد أنها زوجته. كان يحجب وجهها عن النظر وشاحٌ يتدلى من رأسها. كان كل ما رأيته لون ملابسها، بذلة ليلكية اللون. حصانها كُميت، له عرف دقيق. طول السيدة؟ أوه، حوالي أربعة أقدام وخمسة إنشات. بما أنني راهب بوذي، لم ألق بالاً لتفاصيلها. حسناً، كان الرجل مسلحاً بسيف بالإضافة إلى قوس وسهام. وأتذكر أنه يحمل بضعة وعشرين سهماً في جعبته.‏

لم أتوقع أبداً أن يلاقي مثل هذا المصير. حقاً إن الحياة البشرية سريعة الزوال مثل ندى الصباح أو لمعان البرق. كلماتي ليست كافية للتعبير عن تعاطفي معه.‏

شهادة شرطي تم استجوابه من قبل مفوض رفيع في الشرطة‏

الرجل الذي ألقيت القبض عليه؟ إنه قاطع طريق سيء السمعة يدعى تاجومارو.‏

حين قبضت عليه، كان قد سقط عن حصانه. كان يئن على الجسر عند آواتاغوشي. الوقت؟ في الساعات الأولى لليلة الماضية. من أجل المَحْضَر، يمكنني أن أقول إنني حاولت في أحد الأيام أن أقبض عليه، لكنه لسوء الحظ نجا. كان يلبس ثوب كيمونو حريرياً أزرق داكناً ويحمل سيفاً كبيراً منبسطاً. وكما ترون، فإن بحوزته قوساً وسهاماً في مكان ما. أتقولون بأن هذا القوس وهذه السهام تبدو شبيهة بتلك التي كانت بحوزة الرجل الميت؟ فتاجومارو إذن لابد أن يكون القاتل. القوس الملفوف بشرائط جلدية، والجعبة المطلية بورنيش اللك الأسود، والسبعة عشر سهماً بريش الصقر ـ أعتقد أنها كلها كانت بحوزته. أجل، يا سيدي، الحصان، كما تقولون، كميت بعرف دقيق. وراء الجسر الحجري بقليل وجدت الحصان يرعى بجانب الطريق، ورسنه الطويل يتدلى. بالتأكيد ثمة شيء من العناية الإلهية في سقوطه عن الحصان.‏

من بين جميع اللصوص الذين يجوسون في أنحاء كيوتو، فإن تاجومارو هذا قد تسبب بأشدّ الأسى للنساء في البلدة. في الخريف الماضي قتلت زوجة وفتاة عائدتان إلى الجبل من بندورا حيث معبد توريبه، للزيارة كما هو مفترض. اشتُبه بأن تلك كانت فعلته. إذا كان هذا المجرم قتل الرجل، فإنكم لا تستطيعون أن تقولوا ما الذي يمكن أن يكون قد فعله بزوجة الرجل. ربما يسر جنابكم أن تنظروا في هذه المسألة أيضاً.‏

شهادة امرأة عجوز استجوبت من قبل مفوض رفيع من الشرطة‏

أجل، يا سيدي، تلك الجثة هي الرجل الذي تزوج ابنتي. إنه ليس قادماً من كيوتو. كان فارس ساموراي في بلدة كوكوفو في مقاطعة واكاسا. اسمه كانازاوا وليس تاكيهيكو، وهو في السادسة والعشرين من العمر. كان ذا مزاج لطيف، وأنا واثقة من أنه لم يفعل شيئاً يثير غضب الآخرين.‏

ابنتي؟ اسمها ماساغو، وسنها تسعة عشر. إنها فتاة مفعمة بالحيوية، ومحبة للهو، لكنني متأكدة من أنها لم تعرف رجلاً سوى تاكيهيكو. لها وجه صغير، بيضوي، أسمر اللون بشامة عند زاوية عينها اليسرى.‏

البارحة غادر تاكيهيكو إلى واكاسا مع ابنتي. كم هو حظ عاثر أن تمضي الأمور إلى مثل هذه النهاية المؤسفة! ما الذي جرى لابنتي؟ أنا مذعنة للتسليم بفقد صهري، لكن مصير ابنتي يؤرقني حتى المرض. بالله عليكم لا تتركوا حجراً دون أن تقلبوه لتجدوها. أبغض ذلك اللص تاجومارو، أو أياً كان اسمه. ليس صهري وحسب، وإنما ابنتي... (غرقت كلماتها الأخيرة في الدموع).‏

اعتراف تاجومارو‏

أنا قتلته، لكنني لم أقتلها. أين ذهبت؟ لا أدري. أوه، انتظروا دقيقة. ما من تعذيب يمكن أن يجعلني أعترف بما لا أعرف. أمّا الأشياء التي أعرفها، فلن أضن عليكم بأي شيء منها. بالأمس بعد الظهر بقليل التقيت زوجين. وللتوّ عصفت هَبّةُ ريح، ورفعت وشاحها المتدلي، بحيث لمحت وجهها. في الحال حُجب ثانية عن مرآي. ربما يكون ذلك أحد الأسباب؛ فقد بدت مثل راهبة بوذية. في تلك اللحظة عزمت على أسرها حتى لو توجب علي قتل زوجها.‏

لمَ؟ القتل بالنسبة لي ليس قضية لها عظيم الأثر كما تحسبون. حين تؤسر امرأة، فإن على زوجها أن يقتل على أي حال. في القتل، أستعمل السيف الذي أحمله على جانبي. أأنا الوحيد الذي يقتل الناس؟ أنتم، أنتم لا تستعملون سيوفكم. أنتم تقتلون الناس بسلطتكم، وبأموالكم. أحياناً تقتلونهم بذريعة العمل لأجل صالحهم. صحيح أنهم لا ينزفون. وأنهم في كامل صحتهم، لكن الأمر سيّان، فقد قتلتموهم. إنه لمن الصعوبة بمكان أن نقول من هو الآثم الأكبر، أنتم أم أنا. (ابتسامة ساخرة).‏

لكنه سيكون أمراً جيداً لو استطعت أن آسر امرأة دون قتل بعلها. لذا، قررت أن آسرها، وأن أحرص على عدم قتله. لكن الأمر مستحيل على طريق محطة ياماشينا. لذا رتبت لاستدراج الزوجين نحو الجبال.‏

كان الأمر بمنتهى السهولة. صرت رفيق سفرهما، وأخبرتهما بأنه توجد رابية قديمة في الجبل هناك، وأنني نبشتها ووجدت كثيراً من المرايا والسيوف. تابعت بأن أخبرتهما بأنني دفنت الأغراض في غيضة خلف الجبل، وأنني أرغب في بيعها بسعر منخفض لأي شخص يحرص على امتلاكها. ثم.... إنكم ترون، أليس الطمع فظيعاً؟ كان قد بدأ يقتنع بحديثي قبل أن يدرك ذلك.. خلال أقل من نصف ساعة كانا يقودان حصانهما باتجاه الجبل معي.‏

حين وصلنا إلى قريب من الغيضة، أخبرتهما أن الكنوز مدفونة فيها، وطلبت منهما أن يأتيا ويشاهدا. لم يكن لدى الرجل اعتراض ـ كان الطمع قد أعماه. قالت المرأة إنها ستنتظر فوق حصانها. كان طبيعياً بالنسبة لها أن تقول ذلك، أمام منظر غيضة كثيفة. أصدقكم القول، مضت خطتي كما أردت، لذا دخلت معه إلى الغيضة، وقد خلفناها وحيدة وراءنا.‏

لم يكن في الغيضة سوى الخيزران لبعض المسافة. على مسافة خمسين ياردة تقريباً إلى الأمام ثمة أجمة مفتوحة نوعاً ما من أشجار الأرز. إنها بقعة مناسبة لغرضي. كذبت عليه كذبة معقولة بأن الكنوز مدفونة تحت شجرات الأرز، شاقاً طريقي عبر الغيضة. حين أخبرته بهذا، شق طريقه بجد نحو شجرة الأرز النحيلة الظاهرة خلال الغيضة. بعد حين خفت كثافة أشجار الخيزران، ووصلنا إلى حيث نَمَتْ عدة شجرات أرز في صف. وحالما وصلنا إلى هناك، أمسكت به من الخلف. ولأنه كان سيافاً، مدرباً، فقد كان قوياً تماماً، لكنه أخذ بالمفاجأة، فلم يكن له من معين. بعد وقت قصير قيدته إلى جذر شجرة أرز. من أين أتيتُ بالحبل؟ حمداً لله، فقد كان معي حبل، بحكم كوني لصاً، فلربما توجب علي أن أتسلق جداراً في أية لحظة.‏

طبعاً كان من السهل منعه من الصراخ بحشو فمه بأوراق الخيزران الساقطة.‏

حين تخلصت منه، ذهبت إلى امرأته وطلبت منها أن تأتي وتراه، لأنه مرض فجأة كما يبدو. لا حاجة للقول بأن هذه الخطة نجحت أيضاً. دخلت امرأة، نازعة قبعتها القشية، إلى أعماق الغيضة، حيث اقتدتها من يدها. وفي اللحظة التي لمحت فيها زوجها، استلت سيفها الصغير. أنا لم أرَ في حياتي امرأة بهذا المزاج العنيف. فلو لم أحترس، لتلقيت طعنة في جانبي. راوغت، لكنها تابعت تضرب في اتجاهي. كان من الممكن أن تصيبني بجرح بليغ أو أن تقتلني. لكنني تاجومارو. فقد استطعت أن أسقط منها سيفها أرضاً دون أن أجرد سيفي.‏

وأكثر النساء جرأة تصبح لا حول لها ولا قوة حين تكون بلا سلاح. استطعت على الأقل أن أشبع رغبتي فيها دون أن أسلب زوجها حياته.‏

أجل.. دون أن أسلبه حياته. لم تكن لدي الرغبة في قتله. وكنت على وشك الفرار من الغيضة، مخلفاً المرأة باكية ورائي، حينما تشبثت بذراعي بجنون. وبشظايا كلمات، طلبت أن يموت أحدنا أنا أو زوجها. وقالت إنه لأشق عليها من الموت بما لا يقاس أن يعرف عارها رجلان. قالت وهي تلهث إنها تريد أن تكون زوجة من يبقى. عندها تملكتني رغبة عارمة في قتله. (انفعال كئيب).‏

أن أخبركم بهذه الطريقة، لا شك، سأبدو رجلاً أكثر قسوة منكم. لكنكم لم تروا وجهها. وخصوصاً عينيها المشتعلتين في تلك اللحظة. حالما وقعت عيني على عينها، أردتها أن تكون زوجتي.. ملكت هذه الرغبة الوحيدة عليَّ عقلي. ليس الأمر شهوة وحسب، كما يمكن أن تحسبوا. في ذلك الحين، لو لم تكن لدي رغبة أخرى سوى الشهوة، لما ترددت في دفعها أرضاً والفرار بعيداً، ولما لطخت سيفي بدمه. لكنني في اللحظة التي حدقت بوجهها في الغيضة المظلمة، قررت ألا أغادر المكان دون أن أقتله.‏

لكنني لم أحب أن ألجأ إلى وسائل غير منصفة لقتله. فككت وثاقه وطلبت منه أن يقارعني بالسيف. (إن الحبل الذي وجد عند جذر شجرة الأرز هو الحبل الذي أسقطته في ذلك الحين) استل سيفه الغليظ، ثائراً غاضباً. وانقض علي بضراوة، بسرعة فكرةٍ، دون أن ينبس ببنت شفة. لا حاجة لأن أخبركم كيف انتهت مبارزتنا. الضربة الثالثة والعشرون... تذكروا هذا من فضلكم. ما زلت متأثراً بهذه الحقيقة. ليس من مخلوق قارعني بالسيف اثنتين وعشرين ضربة قط. (ابتسامة مبتهجة).‏

حين هوى، التفت إليها، خافضاً سيفي الملطخ بالدم. لكن ما أدهشني كثيراً أنها قد غادرت. تساءلت إلى أين هربت. بحثت عنها في أجمة أشجار الأرز. أصغيت، لكنني لم أسمع سوى أنين قادم من حنجرة الرجل المحتضر.‏

لعلها هربت خلال الغيضة، طلباً للمعونة، حالما شرعنا نتقارع بالسيوف. حين فكرت بذلك، قررت أنها مسألة حياة أو موت بالنسبة لي، لذا خرجت إلى الطريق الجبلي، وقد سلبته سيفه، وقوسه وسهامه. هناك وجدت حصانها لا يزال يرعى العشب بهدوء. لعلها مضيعة للكلمات أن أخبركم بالتفاصيل اللاحقة، لكنني تخلصت من السيف قبل أن أدخل البلدة. هذه هي كل شهادتي. أعلم أن رأسي سيعلق بالجنازير في جميع الأحوال، لذا أنزلوا بي أقصى عقوبة. (موقف متحدٍّ).‏

شهادة امرأة جاءت إلى معبد شيميزو‏

بعد أن أرغمني ذلك الرجل، ذو الكيمونو الأزرق على الاستسلام له، ضحك ساخراً فيما كان ينظر إلى زوجي المكبل. كم كان زوجي مذعوراً! لكنه كان كلما جاهد ليخلص نفسه، أخذ الحبل في حزّ جسمه أكثر. وعلى الرغم مني ركضت متعثرة نحوه. أو بالأحرى حاولت أن أركض نحوه، لكن الرجل كان يسقطني أرضاً باستمرار. في تلك اللحظة بالذات رأيت ضوءاً لا يوصف في عيني زوجي. شيئاً يفوق الوصف.... عيناه تجعلاني أرتجف حتى الآن. تلك النظرة المباشرة لزوجي، الذي لم يستطع أن ينبس بكلمة، أفَضت لي بكل ما في قلبه. لم يكن البريق الذي في عينيه ضيقاً ولا حزناً. كان نوراً بارداً وحسب، نظرة اشمئزاز.‏

صرخت على الرغم مني، مصعوقة بالنظرة التي في عينيه أكثر مني بلكمة اللص، وسقطت مغشياً علي.‏

صحوت بمرور الوقت، ووجدت أن الرجل الذي يلبس الحرير الأزرق قد رحل.‏

رأيت فقط زوجي ما يزال مكبلاً إلى جذر شجرة أرز. نهضت بصعوبة من فوق أوراق الخيزران، ونظرت في وجهه؛ لكن التعبير الذي في عينيه ظل كما كان من قبل.‏

في عينيه، كان ثمة كراهية تبدو من وراء الازدراء البارد. عارٌ، وحزن، وغضب.. لا أعرف كيف أعبر عن مشاعري في ذلك الوقت. نهضت إلى زوجي، مترنحة على قدمي.‏

قلت له: «تاكيجيرو، بما أن الأمور قد وصلت إلى هذا الوضع، فأنا لاأستطيع أن أعيش معك. لقد قررت أن أموت،.... لكنك يجب أن تموت، أيضاً. لقد شهدت عاري. ولا أستطيع أن أدعك حياً على هذه الحال...».‏

كان هذا كل ما استطعت قوله. تابع التحديق بي باشمئزاز واحتقار. بحثت عن سيفه، وقلبي يتحطم. لا بد أن اللص قد أخذه. لم يكن سيفه ولا قوسه وسهامه في الغيضة.‏

لكن سيفي الصغير، لحسن الحظ، كان ملقى عند قدميّ. رفعته عالياً، وقلت ثانية، «أعطني حياتك. وسأتبعك على الفور».‏

حين سمع هذه الكلمات، حرك شفتيه بصعوبة. وبما أن فمه كان محشواً بالأوراق، فإن صوته لم يسمع أبداً. لكنني فهمت كلماته بلمحة. كانت نظرته التي تحتقرني تقول، «اقتليني». وبين الوعي واللاوعي طعنت بالسيف قلبه خلال الكيمونو الليلكي.‏

لا بد أنّه أغشي علي ثانية في ذلك الوقت. بمرور الوقت حاولت أن أنظر، كان قد لفظ للتو آخر أنفاسه ـ وهو ما يزال مكبلاً. شعاع شمسٍ آفلةٍ تدفق خلال أجمة أشجار الأرز والخيزران، وأضاء وجهه الباهت. حللت الحبل عن جسده الميت، وأنا أزدرد نحيبي. و... وماذا حدث بعدئذ لا أقوى على إخباركم. على أي حال لم تكن لدي القوة لأموت. طعنت حنجرتي بالسيف الصغير، وألقيت نفسي في البركة عند سفح الجبل، وحاولت قتل نفسي بطرق عديدة. لا أزال حية بلا شرف، غير قادرة على وضع حد لحياتي. (ابتسامة حزينة). ولأنني تافهة، فلا بد أن أنبذ حتى من قبل كوانون الرحيم. قتلت زوجي. اغتصبت من قبل لص. ماذا عساي أن أفعل؟ ماذا عساي... أنا... (نحيب عنيف، بالتدريج).‏

قصة القتيل، كما رويت عبر وسيط روحي‏

بعد الاعتداء على زوجتي، أخذ اللص، الجالس هناك، يقول لها كلمات معزية. لم أستطع الكلام، طبعاً. فقد كان جسمي كله مكبلاً بقوة إلى جذر شجرة أرز. لكنني في أثناء ذلك غمزتها مراتٍ عديدةً، لأقول لها «لا تصدقي اللص». أردت أن أنقل إليها مثل هذا المعنى.‏

لكن زوجتي، الجالسة بيأس على أوراق الخيزران، كانت تحدق في حضنها. كل الظواهر، كانت تشير إلى أنها تصغي إلى كلماته. عذبتني الغيرة. تابع اللص في الوقت ذاته حديثه الماكر، من موضوع إلى آخر. أخيراً، قدم اللص عرضه الجريء والوقح. قائلاً: «بما أن عفتك قد لوثت، فلن تبقي على وفاق مع زوجك، فهلا صرت زوجة لي؟ إن حبي لك هو ما جعلني أكون عنيفاً معك».‏

وفيما اللص يتكلم، رفعت زوجتي وجهها كما لو كانت منتشية. لم تبد جميلة قط كما كانت في تلك اللحظة. ما الذي قالته زوجتي الجميلة في معرض الإجابة عليه بينما كنت مكبلاً هناك؟ لقد ضعت في الفاصل الزمني، لكنني ما إنْ أفكر بجوابها حتى أحترق غضباً وغيرة. فقد قالت،.... «إذا خذني معك حيثما ذهبت».‏

ليس هذا ذنبها الوحيد. لو كان هذا فقط، لما تعذبت على هذا النحو في الظلام. فحين كانت خارجة من الغيضة كما لو في الحلم، ويدها في يد اللص، شحبت فجأة، وأشارت إلي وأنا مقيد إلى جذر شجرة أرز، وقالت: «اقتله»! حتى الآن تهدد هذه الكلمات بإلقائي منكس الرأس نحو جحيم الظلام الذي لا قعر له. هل خرج مثل هذا الشيء البغيض من فم بشري من قبل؟ هل سبق أن قرعت مثل هذه الكلمات الملعونة أذناً بشرية، ولو لمرة واحدة؟ ولو لمرة واحدة مثل... (فجأة صرخة ازدراء). عند هذه الكلمات شحب وجه اللص ذاته.‏

صاحت «اقتله»، وهي تتشبث بذراعيه. حدق فيها، دون أن يجيب بنعم أو لا.. لكنني لم أكد أفكر بجوابه حتى كانت قد طُرحت أرضاً فوق أوراق الخيزران. (صرخة ازدراء مرة ثانية). نظر إلي وقال، وهو يصالب ذراعيه بهدوء، «ماذا ستفعل بها؟ تقتلها أم تنقذها؟ عليك أن تشير برأسك فقط. تقتلها؟» أرغب في مسامحته على جريمته بسبب هذه الكلمات فقط.‏

وفيما أنا متردد، أطلقتْ صرخة حادة وركضت نحو أعماق الغيضة. على الفور حاول اللص الإمساك بها، لكنه فشل حتى بالإمساك بكمها.‏

بعد أن هربت، تناول سيفي، وقوسي وسهامي. وبضربة واحدة قطع واحداً من قيودي. أتذكر غمغمته وهو يقول، «مصيري هو التالي». ثم اختفى من الغيضة. وصمت كل شيء بعد ذلك. لا بل سمعت أحدهم يبكي. أصغيت بانتباه، فيما كنت أفك بقية الأربطة، فلاحظت أنه كان بكائي أنا. (صمت طويل).‏

رفعت جسدي المنهك عن جذر شجرة الأرز. كان يلتمع أمامي السيف الصغير الذي أسقطته زوجتي. رفعته وغرزته في صدري. صعدت كتلة من الدم إلى فمي، لكنني لم أشعر بأي ألم. حين برد صدري، صار كل شيء صامتاً كالموتى في قبورهم. ما أعمقه من صمت!‏

لا تسمع زقزقة واحدة في السماء فوق هذه المقبرة في جوف الجبال. قليلاً قليلاً خفت النور تدريجياً، إلى أن ضاعت أشجار الأرز والخيزران عن النظر. لفّني صمت عميق، وأنا ممدد هناك.‏

ثم زحف أحدهم نحوي. حاولت أن أرى من يكون. لكن الظلمة كانت تتراكم حولي.‏

شخص ما..... سحب ذلك الشخص السيف الصغير برشاقة من صدري بيده التي لا تُرى. في الوقت ذاته تدفق الدم إلى فمي. وغرقت إلى الأبد في ظلمة المكان.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244