|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
أثر القدم قصة للكاتب الإيراني جلال آل أحمد ـــ ت.د.ندى حسون كان الجوّ بارداً، وكنت أتمشّى على ثلج الشارع في انتظار الحافلة، وأرتعش تحت معطفي. الثلج يهطل منذ يومين، ولم تر عيناي قطّ أذى خلّفه هطول الثلج كما رأتا في ذاك اليوم. كما أنّ نظرتي مازالت تذكر الثلج الناصع الذي هطل ذاك اليوم وتحدّق مندهشة. كان في الغرفة التي أدرّس فيها مدفأة وكانت دافئة؛ لكن ما الفائدة؟ لم يصطحبني الدفء. مرّة أخرى كان الشارع، والثلوج المتجلّدة على أرضه، وثانية كان البرد وانتظار الحافلة. أنهيت درسي بسرعة، لم أكن متعباً لكن كنت أشعر بالبرد، وأشعر بعظام كتفيّ ترتعش تحت معطفي، وأنا أتمشّى إلى جوار ساقية الشارع في انتظار الحافلة وقد رفعت ياقة المعطف. الثلج مازال يهطل، يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى برد. كانت حبّاته صغيرة وثقيلة. وكنت أشعر بالرعشة وهي تدخل من أعلى ياقتي وتتوضّع على عنقي. جاءت حافلتان ومرّتا، وكانت نظرتي وسط سواد الليل تلاحق قطع الثلج التي تجلب الرعشة مع برودتها. عجلات السيّارات كنست إسفلت الشارع، لكن الثلج يهطل ثانية. وكنت أشعر بليونة الثلج تحت قدميّ وهو يسحق بعضه بعضاً، وأسمع صوته الذي كان ناعماً وطريفاً وهو يضغط وسط السكون غير العاديّ لأول الليل. تحت نور مصباح الشارع الذي كان خافتاً وكدراً كانت حبّات الثلج تترك وراءها حبالاً بيضاً وسط ظلام الفضاء المنوّر. حبال خياليّة وبيضاء لم تعقد في أيّ مكان من السماء، وكانت تتّخذ الروح فقط في ظلام الليل. كان الشارع خالياً. هناك شخص آخر يقف في انتظار الحافلة. وكانت عيناي تلاحق قطع الثلج حائرة وهي تخبط على الأرض. توقّفت فجأة تحت نور المصباح الشاحب، وقعت نظرتي على أثر قدم على الثلج الجديد الذي هطل على الشارع؛ كان أثر قدم كبيرة وعريضة قد مرّت حديثاً، ولم تكن حبّات الثلج قد غطّت سطحها تماماً. ورغماً عنّي فكّرت: «هل يمكن ذلك؟ أيمكن أن يكون هذا أثر قدمي؟ ليته كان أثر قدمي!..» وفجأة أدركت كم أتمنّى أن يكون أثر قدمي. رأيت كم آمل أن يبقى أثر قدمي على الأرض. كنت على وشك أن أؤكّد أنّها أثر قدمي. لكن.. كان هناك شخص آخر يتمشّى في انتظار الحافلة. كانت نظرة عيني تبحث ثانية بين الحبال الوهميّة والبيضاء التي تتركها قطع الثلج وراءها، وكنت أفكّر: «ماذا يعني ذلك؟ يعني أنّ أثر قدمي يبقى على الأرض؟ ليته كان أثر قدمي!». كانت حبّات الثلج الكرويّة والثقيلة تغوص وسط البخار الذي كان يخرج من فمي، وتغطّي أثر القدم الذي وقعت عليه عيناي. كان هذا الأمل قد ترسّخ بشّدة في داخلي. وكان الجوّ بارداً، وكنت ما أزال أرتعش تحت المعطف وفي انتظار الحافلة، كنت أسحق الثلج المتجمد تحت قدميّ. فجأة استدرت وسلكت الطريق الذي كنت قد أتيت منه، وتسمّرت عيناي بآثار الأقدام ثانية. كانت الآثار أمامي. ولم تكن حبّات الثلج الكرويّة والثقيلة قد غطّت سطحها بعد. ازداد الأمل في داخلي. وفجأة اصطدمت عيناي بحذاء ذاك الآخر الذي كان يتمشّى في انتظار الحافلة. كان يرتدي حذاء لمّاعاً متوسّط الساق (جزمة) وخياطة كفّ حذائه قد بقيت على الثلج في أطراف المكان الذي كان يقف فيه، ولم يكن الثلج قد غطّاها بعد. هذا الأثر الذي كان كبيراً وعريضاً لم يكن فيه خياطة. كان أملس. كان كعبه منفصلاً عن كفّه، وقد بقي مكان كعبه سبعة ثقوب صغيرة. تذكّرت أنّي لم أعد أرتعش. اخترت أكثر الآثار وضوحاً وتقدّمت بحذر. كان أثراً لقدم يمنى. رفعت قدمي اليمنى ووضعتها إلى جانبها، وحين أحسست أنّ ثلجاً جديداً قد هطل سحقته تحت قدمي. ورفعت قدمي و«ما أحسن ذلك... أيمكن ذلك؟.. هذا يعني أنّه ممكن! ما أجمل ذلك!...» ولم يكن السرور السريع الذي مرّ في داخلي يمنح الدفء. كان كتفاي يرتعشان ثانية تحت المعطف. علا صوت زمور الحافلة وتنحّيت جانباً. مرّت عجلات الحافلة فوق أثر القدم تماماً، وتوقّفت على بعد قدمين، وصعدت. مازلت أرتعش. الحافلة فارغة، باردة. وأصابع قدمي تجمّدت داخل الحذاء. كان هناك التهاب يدخل من جوانب الزجاج. وكانت حبّات الثلج تضرب وجهي. نظرتي موجّهة إلى الأمام، خلفيّات الزجاج مشوبة بالثلج الذي يتجمّد ويلتصق بالزجاج. كنت أفكّر: «يعني... جيد، هذا أنا الذي كنت على الثلج! كان هناك أثر قدم على الثلج. هه! أثر قدم على الثلج.. ما فائدته؟ هه! يمكن أن يكون؟ مع هذا البرد! بهذه القدم اللعينة التي تكاد تتجمّد؟ يعني أنّه من الممكن؟ كيف يكون ممكناً؟!...». كنت أرتعش بشدّة. كان داخل السيّارة بارداً. الزجاج يهتزّ ويصدر صوتاً يبعث على الارتعاش. سلسلة العجلات تصطدم بالثلج المتجمّد وتصدر صوتاً، وصبيّ السائق يتكلّم بصوت عال عال. وأحياناً كان يخرج رأسه ويصرخ. نزلت في التقاطع. كاد كتابي يسقط من تحت إبطي. حتّى قدماي كادتا ترتعشان وكدت أنزلق. ضغطت أسناني بعضها فوق بعض، وأمسكت بالكتاب تحت إبطي، وأوصلت نفسي إلى الرصيف الذي تجمّد ثلجه تحت قدميّ وأصبح قاسياً، أعرف أنّ أثر قدمي لن يبقى فوقه. كان الرصيف المجاور للتقاطع مزدحماً. الناس جميعاً يمضون مسرعين. كلّهم وضعوا أيديهم داخل جيوبهم، وأنفاسهم تصدر البخار كالأحصنة. كانوا يحتمون تحت مظلاّتهم، ويشعرون بالدفء جميعاً. لم يكن هناك ظهور للحفاة والعراة. إمّا أن يكونوا قد ماتوا ودفنوا تحت الثلج دون إزعاج الآخرين أو تكليفهم، أو التجؤوا إلى مقابرهم ليشعلوا النار. حتى وجوه أولئك الذين يمرّون من جواري أراها متورّدة ودافئة. كأنّهم قد خرجوا من غرفة دافئة أو من الحمّام. كانوا قد أخرجوا دفئاً كهذا معهم. كانوا جميعاً يشعرون بالدفء، وقد لبسوا قفازاتهم، وآثار أقدامهم تبقى على الثلج الذي تساقط حديثاً، أو لا تبقى. لم يكن هذا الأمر يعنيني. كنت أفكر بأثر قدمي. كنت أفكر بنفسي، حيث أرتعش تحت ملابسي، وكنت قد فررت من البرد وأعاتب نفسي: «أترى؟ أترى أيّها الأحمق؟ جميعهم سعداء ويشعرون بالدفء. البخار يخرج من أفواههم جميعاً كالأحصنة، أترى؟ أترى كيف يرفعون أقدامهم بقوّة؟ نعم، أنت ماذا تقول؟ أنت أنت الذي تكاد تموت من البرد. أنت الذي تكاد تسلم الروح. وأثر قدمك لا يبقى فوق أيّ شيء، فوق أيّ شيء! لا على الثلج، لا على الأرض! نعم أثر قدمك على الثلج أيضاً لا يبقى. أتفهم؟ حتى على الثلج!». نورٌ خافتٌ كان يصدر من الأواني الزجاجيّة في دكّان بائع الزبدة في أوّل التقاطع؛ حيث يتصاعد منها البخار وتسيل في أرضها الباهتة كخدوش مضيئة. وفي ضياء تلك الجادّة التي كانت تبدو وكأنّها تتقدّم بين ثلج الرصيف، والتي قد يستطيع شخصان عبورها معاً بصعوبة، كان هناك طريق قد فتح فوق الثلج، وتبدو آثار أقدام توضعت بعضها فوق بعض أيضاً، وداس بعضها على بعض في الزاوية اليسرى كعب مع نعله الممسوح، كفّ ضيّق وقصير لحذاء نسائيّ، علامة لأربع أصابع قدم يسرى كانت قد وضعت على الثلج عارية، خياطة قالب حذاء رجاليّ كبير كان قد استقرّ مطمئناً، وعلامة المعمل الذي صنعه أيضاً يمكن قراءتها. وجميع أنواع آثار الأقدام الأخرى كانت متوضعّة بعضها فوق بعض في ضيق الطريق الذي كان يتقدّم بين الثلج؛ وكانت تبدو مختلطة في الضياء الخافت الذي كان يشعّ على ثلج الرصيف وفجأة خطرت لي فكرة جديدة «أترى؟ أترى كيف أصبح؟ لم يبق أثر قدم أيّ شخص سالماً. أثر قدم من بقي سالماً. أثر قدم من بقي سالماً ليبقى أثر قدمك؟ ليس من الضرورة أن تبقى آثار أقدام الناس سالمة. آثار أقدام الناس يجب أن تفتح الطريق. المهمّ أن يفتح الطريق. فالجادّة قد تسحق تحت الثلج. حين تفتح الجادّة ما فائدة أثر القدم؟ أثر قدمك أيضاً كذلك. لنفترض أنّ أثر قدمك ضاع، عزاؤك أنّه ضاع في الجادّة. في الجادّة التي تتقدّم بين الثلوج. الجادّة التي يأتي الناس منها ويذهبون، افترض أنّ أثر قدمك ضاع، لكنّ عزاءك أنّ الجادّة فتحت بين الثلوج...». سعادة الخاطر هذه التي كنت قد وجدتها، التي منحت قلبي الدفء لحظة قد استطاعت أن تكون العزاء، كنت أستطيع أن أريح فكري. لكن في الوقت نفسه الذي كنت أمضي فيه بهذه السعادة، كان مكان آخر في ذهني يقول شيئاً آخر. مكان آخر لا أعرفه، ربّما كان ذاك المكان الذي نشأت منه تلك الفكرة. لكنّ هذه الفكرة كانت أكثر وضوحاً وأكثر حضوراً، وكانت تحثّني «هه لكن عوض ذلك أنّ الجادّة فتحت! نعم؟ ليضع أثر قدمك لتفتح الجادّة؟ آها؟ الجادّة من أجل أولئك الناس الذين يبدون جميعاً، وكأنّهم قد خرجوا من الحمّام، ويصدر نفسهم بخاراً كالأحصنة؟ من أجل هؤلاء. أصلاً لم تفتح الجادّة، لماذا لا يصيب الثلج الناس جميعاً؟ أليس لديهم أحذية؟! هل بترت أعضاؤهم؟ لماذا يضيع أثر قدمك؟». وصرت أضحك من السعادة التي كنت قد شعرت بها. ضحكة مرّة وتبعث على الارتعاش. ضحكة لم تكن تستطيع أن تتسلّل إلى وجهي، ولا أن تجد طريقاً إلى قلبي. ضحكة هي نفسها التي كنت أسحقها تحت أسناني، ولو كان بالإمكان لألقيتها تحت قدميّ. كان الرصيف مظلماً. ومن وسط الطريق الذي كان قد توضّع تحت ثلج الرصيف، كنت أمرّ، كنت ما أزال أرتعش تحت معطفي، وألوم نفسي، وكنت أسخر من السعادة التي وجدتها. حين انعطفت داخل الزقاق الذي كان يضاء تحت نور مصباح كانت حبّات الثلج تصبح أكبر، وكانت قد أصبحت أخفّ وأخذت تتطاير كالقطن من قوس الحلاّج، ثمّ تحطّ على الأرض. إلى جانب عمود المصباح، رأيت جثّة متجمّدة لقطّة سوداء ممدّدة، وفجأة شعرت بهلع. «أتكون هذه قطّتنا؟ لا قدر الله....». وتقدّمت أردت أن أحرّكها برأس حذائي. كانت قد التصقت بالثلج ولم تتحرّك كانت قطّتنا. تلك القطّة السوداء البليدة غير المحبّبة التي لم تكن تعرف غير الركض بين الأقدام في الممرّ، وأن تمدّ رأسها من جوانب الأبواب المفتوحة للغرف خلسة. تلك الهرّة الفضوليّة التي كنت منذ البداية أحاول أن أصبح رفيقاً لها، وفي النهاية لم أنجح أيضاً. كنت دائماً أخشى أن أدوس عليها في الظلام وأهلكها. شعرت بالضيق. لقد عصر قلبي في قبضة خفيّة من الهمّ لفّ وجودي، ورأيت أنّي أريد أن أخرج كلّ هموم قلبي من أجل هذا الذنب الذي اقترفته. «لماذا خرجت لماذا؟ في هذا البرد والجليد. في هذا الثلج الذي يكاد الناس يلفظون أرواحهم فيه. لماذا خرجت؟...» وفي الوقت الذي كنت أرتعش فيه تحت معطفي وفي ظلمة السلّم، كنت أهرب من البرد، وكان مفتاح غرفتي قد تحوّل بيدي إلى قطعة ثلج، كنت أشعر بالضيق وألوم نفسي، وكنت أخشى أن «لا يبقى أثر قدمي... ألاّ يبقى على الأرض...». |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |