|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
في فضاء الصمت فيجاي إيسواران ـــ قراءة: علي ناصر يعتبر فيجاي إيسواران الابن الشرعي لغابات التأمل في التيبت والهيملايا، تتلمذ على أرسطو وأفلاطون، واستلهم الصمت من حكماء الصين، ومارسه طفلاً مع جديه ثم والديه. استمد الخبرة الغربية في التجارة والاقتصاد، وحصل على الماجستير العالمي في اختصاصه من بريطانيا، وعاد إلى ماليزيا وطنه، وأسس مع بعض الأصدقاء شركة تجارة إلكترونية غدت خلال ثماني سنوات ثالث أكبر شركة من نوعها في العالم. «في فضاء الصمت» الكتاب الأول للمؤلف، صدر في ماليزيا عام 2006، ترجم إلى لغات عدة. حاز إيسواران عام 2007 على لقب داتو من رئيس الوزراء الماليزي، ويقابل لقب لورد عند البريطانيين. يتألف كتاب في فضاء الصمت لمؤلفه فيجاي إيسواران من مقدمة وثلاثة أجزاء، يسبقها عدد من كلمات التقريظ والمديح بالكتاب، لتبيان مدى أهمية تطبيق برنامجه لمن يرغب بتنظيم حياته، والوصول المضمون لأهدافه في الحياة. يضم الجزء الأول سبعة فصول في الصمت، والسفر الأول، والجهاد الأعظم، والعدو الداخلي، والبحث عن التوازن، والاستقلالية، وأخيراً السمو. أما الجزء الثاني فيركز على برنامج فضاء الصمت، ويضم أربعة فصول في العمل، والواجب، والمعرفة، والتقوى؛ ويقتصر الجزء الأخير على 21 سؤالاً، يجيب عنها المؤلف، حول أصول عملية فضاء الصمت وآثارها. في المقدمة والتمهيد يبين الكاتب: «إن العقل البشري هو الأداة الأكثر قوة التي خلقها الله؛ إنه كالمحيط الواسع الذي نقف يومياً على شواطئه، مستخدمين ملعقة صغيرة للحصول على قطرة واحدة في كل مرة نريده فيها. وهكذا.. فإن هذا الكتاب الصغير عن فضاء الصمت، يأمل أن يعلمك عزيزي القارئ (يقول المؤلف) كيف تستبدل بالملعقة إناء كبيراً تغرف به؛ بكلمات أخرى: كيف تسرج طاقة عقلك؟! لا يستطيع أحد تذكّر شكل سقراط، أو كنفوشيوس، أو شكسبير، أو باخ، أو بيتهوفن؛ في حين يعرف معظم الناس عبر القرون ما أنجزته عقول هؤلاء المشاهير. إن فضاء الصمت يخلق أمامك مرآة تنبهك إلى أنك في حاجة للاستحمام وإعادة الترتيب كل يوم, إنها تعرِّفك كيفية التفكير الناجح المهم كالتنفس. إن فضاء الصمت أيضاً يبني ذاكرتك القريبة الأكثر حدة وحماسةً، التي تساعدك على شق طريقك في الفضاء المادي لحياتك بفعالية أفضل. إن اجتماع الواجب، والمعرفة، والتقوى، معاً يجعل من فضاء الصمت الأداة الأقوى للنجاح في العمل والحياة». في الجزء الأول، يأتي الفصل الأول ليعرف الصمت مباشرة، فيقول الكاتب: «يمكن الوصول إلى الحقيقة المطلقة بالصمت فقط, وليس بأي كلام»؛ ثم يتحدث عن إيقاع الصمت بعنوان رئيسي؛ يقول: «ما الذي يمكن أن يحدث إذا ما توقفت الأرض لجزء من الثانية عن دورانها المعتاد؟! سيكون هناك فوضى كونية، وقد تحدث كارثة في التوافق بين الكواكب؛ هناك استمرارية وإيقاع متناغم في كل الأشياء، وهي موجودة في داخلنا عميقاً ضمن تركيبنا الخلوي. تتحرك خلايانا معنا، كما نتحرك مع الأرض, كما تتحرك الأرض مع الشمس, كما الشمس مع المجموعة الشمسية، وكما يتحرك النظام الشمسي مع الكون. هناك إيقاع ونموذج في كل الأشياء؛ كل شيء يحوي أمثولة؛ إنها الإيقاع. لكن تشوشاً ما وخللاً ما سيظهران حتماً حولنا، إذا ما حاولنا الحركة ضد اتجاه جريان الكون». «يبدأ الطفل الصراخ فور ولادته، لأنه كان مغموراً بصمت تام حتى تلك اللحظة. إن فضاء الصمت الأبدي الذي جئنا منه جميعاً, هو المكان الذي نتوق للعودة إليه دائماً». في الفصل الثاني يظهر عنوان «السِفْرُ الأقدم». و يقر الكاتب: «الجسد هو السفر الأقدم المكتوب بيد الخالق نفسه». لم تختر أن يكون لديك يدان اثنتان، أو فم واحد، أو عينان اثنتان؛ كما أن والديك لم يكن لهما أي رأي فصل في تصميم جسدك. ولكن، إذا ألقيت نظرة على جسدك، ستجد أن كل جزء منه جاء مزدوجاً. عيناك وفتحتا الأنف، والأذنان, دماغك الأيسر والأيمن، واليدان: اليمنى واليسرى، وكذلك الرجلان. ومنافذ القلب في اليسار واليمين، وما إلى ذلك. ولكن، في منتصف وجهك تماماً عضو واحد لا نظير له: إنه الفم, لسانك. ومن هنا يمكن للمرء أن يستخلص رسالة محددة: على المرء أن يرى ضعفي ما يتكلم, وأن يفكر ويسمع ضعفي ما يتكلم أيضاً؛ كما أن على المرء أن يعمل ضعفي ما يتكلم كذلك, وأن يتنفس ضعفي ما يتكلم. وبالرغم من ذلك، فإننا جميعاً عبيد للسان الذي لا يرتاح أبداً؛ قليل عديد من يفكر قبل أن يتكلم؛ بل قد يتكلم بعضنا أثناء نومه. يوجد حاجزان رئيسيان يحولان دون سماعك لنفسك الداخلية, هما: الصخب الذي تصدره أنت، وجلبة العالم الخارجي. لذلك، فإن فضاء الصمت يغلق مصدر الضجيج الفطري الذي هو أنت نفسك؛ فعندما تكون مشغولاً بالإصغاء إلى حديث نفسك، لن تصغي إلى الآخرين. هناك كثير من الضجيج حولنا، كما يوجد ضجيج كثير في دواخلنا. في نهاية المطاف، عندما تتدفق الكلمات، من المؤكد أنها ستكون رخيصة؛ أما عندما نضبطها إلى قطرات، تصبح كل قطرة ذات صدى عميق، ويغدو لكل كلمة وقع عظيم. ويأتي الكاتب بحكم ومآثر تضفي على الكتاب صبغتها: «أنت سيد كل كلمة لم تقلها بعد، ولكنك عبد لكل كلمة نطقتها حتى الآن». و«إن الصمت جميل، فلا تحطمه، حتى تتمكن من جعله أجمل». في الفصل الثالث عنوان كبير: «الجهاد الأكبر»، ويختصره المؤلف بتعريف: «ضبط النفس». ويحكي قصة تشرح الفكرة: «عثرت امرأة حكيمة متجولة في الجبال على حجر كريم في ساقية ماء، فوضعته في حقيبتها، وتابعت سيرها. في اليوم التالي، التقت بمسافر جائع، ففتحت حقيبتها لتشاركه طعامها. شاهد المسافر الجائع الحجر الكريم، وطلبه من المرأة الحكيمة، فأعطته الجوهرة دون تردد. غادر الرجل سعيداً بكنزه الثمين، يكاد يطير من الفرح، لأنه عرف أن قيمة هذه الثروة تكفيه للعيش بأمان طوال حياته. لكنه عاد بعد أيام، ليعيد الحجر الكريم إلى المرأة الحكيمة». «كنت أفكر»، قال الرجل، «أعرف كم هي قيمة الحجر، لكني أعيده إليك، آملاً أنك تستطيعين إعطائي شيئاً أثمن؛ امنحيني ذلك الشيء الذي جعلك قادرة على إعطائي الحجر». بعد القصة يوضح الكاتب مراده: «تصبح رؤيتك واضحة فقط، عندما تستطيع النظر داخل قلبك. من ينظر من الخارج يحلم، من ينظر من الداخل يستيقظ. الإنسان كتلة فحم, يستطيع إذا تمكن من العيش بسعادة أن يكون ألماسة. ليس بمقدور كتلة الفحم أن تتحول إلى ألماس من دون ضغط وصقل. والسؤال هو: «بما أنني أريد أن أكون جوهرةً، فهل أنا مستعد لدفع الثمن؟!». إن أولئك الذين يتحكمون بأنفسهم، هم فقط القادرون على التحكم بمصيرهم. ثم يستشهد الكاتب بالحديث النبوي الشريف: «الجهاد الأعظم هو جهاد النفس». كما استشهد بحكم ومقولات لفلاسفة وحكماء وعظماء كثيرين، لم نذكرها هنا منعاً من إطالة تقديم الكتاب. في الفصل الرابع يبين الكاتب «العدو الداخلي» للإنسان، ويعتبر أن: الغضب أهم عدو للمرء؛ يقول: «إذا كان الصراع الأكبر هو الصراع مع الذات، فالعدو الأكبر في هذا الصراع هو الغضب. الغضب قطرة حبر في كأس من الحليب؛ حالما يجتاحك الغضب، ليس هناك من عودة إلى الوراء؛ بعد سقوط قطرة الحبر في الحليب، تفقد الحليب للأبد. إذا سمحت للغضب بالسيطرة عليك، حتى يتمكن منك، سيتضاعف حجمه، وتزيد حدته إلى غضب أقوى وأشد، وهكذا.. تكبر دائرته باستمرار دون نهاية. إن الغضب كتعبير عن الحب أمر آخر, يغدو غضب المرء التابع لغيره كالسيف أو المسدس سلاحاً بيده، يمكن له أن يقتل، أو يدمر، إذا ما فقد المرء السيطرة على نفسه. ولا يمكن للغضب أن يكون وسيلة فعالة أبداً في حل النزاعات. فهو بالنهاية يقلصنا جميعاً». يؤذينا غضبنا بقدر ما يؤذي الآخرين من حولنا. يدمر الغضب الحياة والعلاقات الاجتماعية والعائلات والمجتمعات. وبإمكان الغضب أن يفكك نسيج المجتمع، ويدمر الأمم في طريقه.. ثم ينتقل الكاتب إلى عدو آخر، ويعلن أن الأنانية هي عدو الإنسان الثاني الأهم، لأن : «الغضب انسياق للأنانية التي تعتبر إلى حد بعيد جزءاً منا، لأننا نضع الكثير من طاقتنا في بنائها، تماماً كما نفعل عند بناء منزل. ونحن من يفتش عادة عن مهرب بالغطرسة التي توقدها الأنانية، معتقدين أنها ستكون قوة لنا. وفي الواقع، هي ضعف يغطي إحساساً فطرياً بالدونية أو النقص، وهذا بدوره يقود إلى تدمير الذات. نحن نقود موجة غضبنا، ونبقى على ظهر الموجة، بدلاً من أن نسأل أنفسنا: لماذا؟! إننا لا نسأل أبداً هذا السؤال، لأننا نخشى من الأجوبة. إن معرفة جواب ذلك غالباً ما توقف الغضب في الحال». وينتقل الكاتب إلى شأن هام جداً للنجاح برأيه، ألا وهو التواضع، فيقول: «المتواضع الحقيقي لا يستطيع الغضب. أظهر الحياء، كما الشجرة تنحني إلى الأسفل بحملها من الثمار الناضجة. إنها عاقر تلك الشجرة التي ترفع رأسها عالياً بغرور أجوف. إن فضاء الصمت لا يتحكم بغضبك، ولكنه يفصلك عنه, مانحاً إياك مسافة تلتقط فيها أنفاسك للتعامل معه. مهما كنت مغروراً أو أنانياً, فإنه، ومن خلال التعمق في صمتك الداخلي, سيكون من الصعب عليك أن تشعر بالغضب. باستطاعتك بالفعل أن تجد نفسك تتراجع خطوة إلى الخلف، وتضحك قائلاً: «إنني غضبان, لماذا؟!». ثم حلل الأسباب، لتعرف لماذا باستطاعتك الاحتفاظ بسيف أو مسدس، وعدم اضطرارك لاستخدامهما أبداً, وهذا ما عليك فعله حيال الغضب». في الفصل الخامس، يبين الكاتب ضرورة الحاجة إلى الموازنة بين الأشياء جميعاً. يقول: «كن كالمحيط الذي يستقبل كل الجداول والأنهار. إن المحيط يبقى هادئاً ساكناً لا يتحرك, فهو لا يشعر بهم. إن الكمال ليس بلوغ حده النهائي. إنه الموازنة بين الحدود. إن فضاء الصمت يبين استقلاليتك عن كلا الإخفاقات والنجاحات على حد سواء، تلك التي تصبح أمراً عادياً، وليس مناسبات لتحزن، أو تحتفل؛ بل مجرد علامات على الطريق. إن انتصارات المرء لا تتطلب منه المبالغات؛ ما تتطلبه، فقط، التوازن.». ثم يضع الحل الثاني: السلام، فيحكي قصة يؤكد فيها: «إن السلام لا يعني أن تكون بالضرورة في مكان لا ضجيج فيه، أو لا متاعب، أو لا عمل شاقاً. السلام الحقيقي، أن تكون وسط كل تلك الأشياء، وما يزال باستطاعتك أن تبقى هادئاً في قلبك». عندما نكون مستقلين بالرأي، فإننا نكون في حالة من الهدوء والسكينة الداخلية التي تنعكس على من حولنا. «إن الاستقلال بالرأي هو أن تعيش ضمن عالمك الخاص, لا تكن مصدوماً بما يجري من حولك». ويعود المؤلف ليؤكد أهمية ممارسة عملية التأمل التي يعتمدها شخصياً، ويدعونا إليها قائلاً: «بممارستك (فضاء الصمت) تبذر بذوراًَ للسكينة في داخلك. أنت تتجول للوصول إلى إيقاع مختلف. تبقى محافظاً على هدوئك في المركز، كمصدر قوة وثبات للأشخاص المحيطين بك. عند ممارستك لفضاء الصمت، يتحرك معك وداخلك ملامساً وجدانك كل يوم، كما لو أنك تتقارب مع القدسية من الصميم». ثم ينتقل الكاتب في الفصل السادس إلى الاستقلالية عن النفس وعبوديتها؛ يقول: «إن أفضل القرارات تأتي من الاستقلالية، وهو منتج إضافي لفضاء الصمت. كي تصبح قادراً على القيام بما تريد، عليك أن تكون قادراً على الاستقلال عن نفسك داخلياً، والرجوع خطوة نحو الخلف. في معظم الأوقات التي تكون فيها قريباً من ساحة الحدث، يعمل عقلك ودماغك ولسانك معاً، وبشكل متزامن. تتصرف أولاً، وبعد ذلك تفكر. إن ممارسة فضاء الصمت تجعلك تفكر أولاً, والتفكير مُقدَّمَاً يعطيك النتيجة المرجوة. إن الشخص المستقل لا يخشى فقدان أي شيء. لأن خسارتنا الحقيقية خسارة ما نتعلق به فقط. استقلاليتك تعني أنك تفكر، وتتخذ القرارات بوضوح وجلاء. بما أننا نتطور، فإننا سنصل أخيراً إلى حالة من الاستقلالية؛ حيث يكون لدينا القليل من التوقعات عن الحصيلة, موقنين أن الكون سوف يجعل الأشياء أفضل دائماً. إن هذا يحدث بطريقة لا نستطيع التخطيط لها، ولا التنبؤ بها. إن الاستقلالية تعني أننا نستطيع أن نتقبل أن هذا الفشل أو تلك الهزيمة ليسا شيئاً لا يمكن تجنبه أو التماسه، بل تقبله كجزء من كل نجاح، ومن كل نصر.» ولا ينسى الكاتب الحب؛ إذ يعطيه موقعاً هاماً جداً في فضاء الصمت. يقول في الحب: «إن الاستقلالية والانفصال لا يعنيان عدم الشغف أو اللامبالاة؛ وليستا غياب الحب كذلك. في الواقع، إن الانفصال عن النفس يتطلب منك حباً عظيماً. ففي أعمق أشكاله، يمكن للحب أن يكون مستقلاً. عليك أن تكون مستقلاً (نفسياً)، غير مولع بأن تعتني بوالديك في سنوات عمرهما الأخيرة، وملاحظة شيخوختهما، فتبقى معهما، وتحبهما من دون أن تعاني من اليأس. كما ينبغي عليك أن تكون مستقلاً، لتدع أولادك يرحلون عن العش المنزلي، حين يصبحون جاهزين لذلك. أنت في حاجة إلى حب عظيم، كي تكون قادراً على إظهار إرادة كبيرة. إن الرحمة، كما تجسدها الأرواح العظيمة عبر التاريخ، ليست شفقة ولا تعاطفاً، وليست رأفة ولا لطفاً. إنها الحب... مدفوعاً بالتفهم. إنها غير مشروطة ولا مُتَوقعة. إنها تكمن في الاستقلالية». يختتم الكاتب الجزء الثاني الفلسفي في الفصل السابع بعنوان: السمو الأعلى. فيقول: «عندما تبقي اللسان ساكتاً، ويصبح العقل على قواعده النظامية, تعلي شأن وعيك لاستلهام الحقيقة الموجودة حولك وفي داخلك. وببطء ستنطلق إلى مستوى أسمى في فضاء الصمت؛ حيث ستبدأ الحياة ورؤية الحقيقة. إن هذا يحدث بشكل طبيعي، ولا يُفرض أبداً. إنه يحدث على مراحل؛ أولاً بتكثيف الاقتراحات، ثم التطور إلى حالة للعقل؛ حيث تبدأ العيش بالسلام الداخلي. في وضع الصمت المطبق، نضع عقولنا في حالة من السكون الذي يعتبر الأداة المثالية التي من خلالها يمكن لأفضل ما فينا أن يقرر. في هذا الفضاء, وحسب قول الحكماء الأوائل, ليس هناك من مركبات ترشدك، أو دروب تسلكها؛ أفضل الطرق تلك التي ترسمها بنفسك. عندما تكون في فضاء الصمت، سوف تجد الأجوبة التي ستقودك إلى أسئلة أفضل؛ أن تكون في المدار الأسمى لفضاء الصمت، يعني أنك في انسجام كامل مع الكون. عندما تحقق ذلك، تتقدم فيه، وتعيشه، وتحادثه، وتتنفسه؛ ضمن الصمت المطلق داخل الروح أو الجوهر, تدخل في تناغم مع إيقاع الكون. هنا, في هذه اللحظة، داخلك يولد الإبداع، وفي ذلك الفضاء سوف تجد ذلك الذي يكون هو. تلمس هذا الفضاء، كي تستطيع التحليق بأجنحة أفكارك، وسوف ترى أمامك مشاهد الخَلق اللانهائية في بواطن آفاق عقلك. وفي ذالك المشهد؛ حيث يتوقف الوقت، سوف تحيط باللانهاية». الجزء الثاني الفصل الثامن: العمل. و فيه يطالب المؤلف الشخص المتمرن بمراجعة حياته، وذلك بتخصيص ساعة من الصمت المطلق يومياً، في سبيل السيطرة على باقي ساعات اليوم الثلاث والعشرين. ويضع شروط ساعة الصمت هذه: متى تبدأ؟! وكيف يعاد ابتداؤها حين انقطاعها لسبب أو لآخر؟! فلا استراحات، ولا هواتف، أو أي مزعجات صوتية أو مرئية. يقول: «إن أي ساعة من النهار ستكون مناسبة، ولكن من الأفضل أن تبدأ يومك بفضاء الصمت فضلاً عن نهاية اليوم. إن الوقت الأمثل هو قبل الشروق بساعة أو بعده بساعة؛ إنه وقت الخلق؛ عنده تكون فعاليتك الجسدية وصفاؤك الذهني في ذروتهما. باكتمال واحد وعشرين يوماً, يصبح هذا العمل عادة يومية. كونك في فضاء الصمت عادة للحياة. وإبان إنهاء هذه الدورة، يجب القيام بمحاولة لممارسة (سوبها مونا)؛ أي ممارسة فضاء الصمت طوال اليوم، وهو يوم من التفكير المتعمق، والتخطيط، وفحص الأفكار و.....» «خصص مكاناً في منزلك، في الداخل أو الخارج؛ حيث لا يمكن أن يلهيك أحد فيه، ولا يمكن أن يتم إزعاجك. لتبقي عالمك الخارجي ساكناً، قم بممارسة هذا التمرين: أغمض عينيك، وركز نفسك، وأصغ لكل صوت تسمعه. حاول أن تفرق كل صوت عن الآخر في عقلك، حدد كل صوت بمفرده، وقل لنفسك: إن هذا الصوت غير موجود، أنا لا أسمعه. تسمع العصافير تزقزق، قل: «أنا لا أسمعها»، وتسمع صوت طفل يبكي، فقل: «أنا لا أسمع هذا». وبعد وقت من ذلك، ستجد أنك تستطيع أن تصغي، وتبقى، مع ذلك، لا تسمع فعلاً أي شيء على الإطلاق». «العقل يحاربك في كل خطوة، لأنه ليس مدرباً على الإصغاء. الجسد بكامله مدرب على الكلام. إن فترة الانتباه الطبيعية هي 45 دقيقة، بعد هذا الوقت تضعف مقدرة العقل البشري على الإدراك. حالما يتم منح العقل التحرر والحرية المحرّمَتين عليه منذ الطفولة، لا يريد التوقف. ويتم الشعور بجميع مجالات الحياة. إن معظمنا يقضي حياته كمن يسير في نومه؛ فإذا ما قضيت ثلث حياتك نائماً، فإن لديك ثلثين فقط لتعمل خلالهما. إن المشكلة أنك تعتقد نفسك مستيقظاً, وفي الواقع تكون نائماً. واللازم لنجاح عملية فضاء الصمت الانضباط والالتزام بممارستها عدة دورات، كي يصبح عادة لا يمكن الاستغناء عنها؛ كما يقول الكاتب. يضيف: «إن فضاء الصمت يجعلك تقوم بتحليل الأخطاء التي اقترفتها. سنجد أننا نكرر الأخطاء ذاتها بشكل أساسي. نحن لا نخلق أخطاء جديدة، لهذا نجد أنفسنا نعيش في مسار محدد. فإذا سُمح لنا بمتابعة السير، ستصبح قوة العادة هي التي تحدد قدرنا عبر الوقت. إن فضاء الصمت يوقف هذه المسيرة، بجعلنا نتوقف كي نفكر.» و هذا يقود تدريجياً إلى التغيير؛ فتغيير طريقة حياتك، يعني تغيير الطريقة التي تفكر فيها. وتغيير طريقة تفكيرك، يعني تغيير ما اعتدت الاعتقاد به أو الموافقة عليه بشأن الحياة. وهذا أمر غاية في الصعوبة. إنه شاق لدرجة أنك، وعند شدة يأسك وجموح رغبتك بالتغيير، قد تتشبث بالبؤس، لأنه مألوف ومريح. إنه شلل الموت في نطاق المواساة. و يؤكد الكاتب أهمية المثابرة بالعملية لضمان نجاحها؛ يقول فيجاي إيسواران: «إن الحظ ليس قضية, فالحياة عدل وثبات؛ تحصد ما زرعت! إذا احتجت إلى الفشل تفشل. والفشل خطوة للأمام, الفشل دفع الديون. لا يأتي النجاح عند البداية، وليس نهاية؛ يجب أن يكون نتيجة رائعة، ولكن غير ضرورية. النجاح ليس نتيجة بل نضج. تسعون بالمائة من البعثات، انسحبت قبيل الوصول إلى قمة إيفيريست. عندما كان السير إدموند هيلاري على قمة العالم، قال: إن معظم المتسلقين السابقين كانوا في آخر خمسة بالمائة من التسلق إلى القمة، عندما كانوا يتخلون عن حلمهم وينسحبون». و للكاتب وقفة عند «لــــو»، فيقول: «الكلمة البسيطة بأساسها, البائسة التي تعرف تسعين بالمائة من الإنسانية»، هي «لو». فقط؛ لو باستطاعة الأشياء أن تصبح مختلفة. ليست الأشياء في حاجة إلى أن تكون مختلفة؛ بل أنت من تحتاج إلى أن تكون مختلفاً». هناك مقولة إفريقية تقول: «إن الأسد يستيقظ في إفريقيا كل يوم راكضاً، وهو يعلم أن عليه أن يركض أسرع من آكل النمل الأكثر بطئاً، الذي قد يقابله لتوه، وإلا سيبقى جائعاً، ويموت. وآكل النمل يستيقظ كل صباح قائلاً: «علي أن أكون أسرع من أسرع أسد قد أقابله، وإلا سأموت». «في العالم باخ, وموزارت, وديفينشي, وبيكاسو, والأم تيريزا، والمهاتما غاندي. فما الأمر المختلف الذي فعله هؤلاء؟ كانوا يستيقظون كل صباح، وهم يفكرون بأنه ليس لديهم الوقت الكافي, فكل ثانية كانت ثمينة بالنسبة إليهم». إن أولئك الذين وصلوا إلى قمة إفريست بنجاح، قد اتخذوا قرارهم من الداخل، بألا يستكينوا في الليل. ولكن, للأسف، أهم ما يشغل حياة معظمنا التساؤل: ما الذي سيبث على شاشة التلفاز هذه الليلة؟! فقط، لو أن كل يوم هو ضربة محترف، فإن حياتك تصبح تحفة فنية رائعة. إنك في فضاء الصمت تصبح صديقاً لهذه القوة الهائلة التي في داخلك، والتي تستطيع أن تغير حياتك؛ ألا وهي عقلك. إن العنصر الأساسي في هذه التجربة هو التماسك. وبعد ذلك، كل يوم يصبح أعمق وأكثر تجاوباً, بعد ذلك، تتزامن خطتك مع الخطة الأساسية. إذا كنت تشعر بأنك كقطعة من الخشب، عائمة تتقاذفها الأمواج والتيارات الجارية من دون هدف، ضع شراعك على الخشبة الطافية. استخدم الريح واعبر البحار. في الفصل التاسع، يعلمنا فيجاي إيسواران كيف ندرس الواجب في ساعة صمت. «إن طريق الواجب يرتبط بأهدافك المادية والبشرية، ومسؤولياتك تجاه المهنة والعائلة والمجتمع والوطن. ابدأ بتحليل الأربع والعشرين ساعة الأخيرة في عشر الدقائق الأولى؛ تذكر كل ما فعلته، مسجلاً الملاحظات على ورقة؛ كل الأشياء التي كان يجب تحسينها أو تغييرها أو إنجازها بشكل مختلف. جهز أهدافك لليوم الحالي في عشر الدقائق التالية. حدد أهدافك ليوم الغد في عشر الدقائق اللاحقة. ثم بعد ذلك، حدد أهدافك على الأمد الطويل في عشر الدقائق الأخيرة. قسم خطتك طويلة الأمد إلى ثلاثة أجزاء: الأيام السبعة القادمة، الأشهر الإثني عشر القادمة, السنوات الخمس القادمة. اكتب هذه الأهداف يومياً. سمة فضاء الصمت صناعة القرارات. وفي النهاية، ليس هناك قرارات خاطئة أو صائبة؛ بل قرارات تصنع بشكل صحيح». ويركز ايسواران على العائلة مؤسسةً أساسيةً ورئيسيةً، فيقدم رؤيته في كيفية الحفاظ عليها لبنة من الأسرة الإنسانية الأكبر: «واجبك نحو الناس من حولك الرقي بهم، فلكل منهم غرض مقدس في حياتك. لا خلل في خطة الخالق. كل إنسان نلقاه في حياتنا يشبه فتحة في ناي. كل فتحة, وكل نوتة, تـشترك في العزف». ويعتبر فيجاي إيسواران العمل شكلاً من أشكال العبادة، فيخاطب قراءه من المؤمنين وغير المؤمنين. فيقول للمؤمنين بوجود الخالق العظيم: «إذا كنت مؤمناً بالله, فاعرف أنه موجود معك في كل ما تفعله. في كل رابطة, في كل تحد, في كل عقبة؛ يغدو العمل عبادة إذا ذكرت الله في عقلك, إذا لم تفعل يصبح عقوبة. إن أي عمل ينجز مكتملاً يصبح صلاة». في الفصل العاشر يحول الكاتب فضاء الصمت إلى طريق المعرفة، خلال عملية تستغرق عشرين دقيقة. ابدأ بالتقاط كتاب. اقرأ لمدة خمس عشرة دقيقة. ضع إشارة على النقاط المختلفة التي تريد تذكرها, حاول تذكرها للحظة. أغلق الكتاب ودوّن جانباً النقاط المهمة التي تريد أن تتذكرها, قم بهذا العمل لمدة خمس دقائق. قد تتكلم من الدهشة. عندما تفحص الملاحظات في كتابك، والملاحظات في مفكرتك، سوف تجد أن ما ظننته هاماً هو ما قد نسيته. في اليوم التالي، ابدأ بقراءة ملاحظاتك على الموضوع. قم بالأمر ذاته مرة أخرى في اليوم التالي، واليوم الذي يليه، حتى تنتهي من الكتاب. حالما تنتهي، سيكون لديك نسخة معدلة شاملة من الكتاب، كتبت من قبلك. في الفصل الحادي عشر، يركز المؤلف على مسألة التقوى والإيمان: «انقل تقواك الله من الفكرة إلى الكلمة من دون كلام. من المهم أن يتم هذا بخشوع التواصل مع الله تعالى». «إن الضمير صوت الله في قلوبنا؛ أما المبادئ فهي ما نقوم باشتقاقه من الصوت المسموع في حياتنا. أما الحكمة فهي ما نتعلمه ملتزمين بهذه المبادئ. إذاً، الأعقل ذو المبادئ الأسمى, وصاحب الصوت الداخلي الأشد. وبما أن الحقيقة هي الله، عش في داخلها, تطمئن نفسك عنده؛ أما إذا عشت من دونها تخسره. باستجابة الله لصلواتك، يزداد إيمانك. وما تأخير الاستجابة إلا ليزداد صبرك. وإذا لم يستجب, فكن على يقين أن لديه الأفضل لك. من خلال تجربتي, فإن العديد من الأسئلة التي دونتها له، وجدت أجوبتها الخاصة. كيف؟!من أين؟! المهم أن الاستجابة تتم بشكل محتوم». في الجزء الثالث والأخير، يجيب المؤلف على 21 سؤالاً حول عملية فضاء الصمت، ومدى نجاحها أو فشلها, وكيفية الاستفادة منها في مجالات الحياة الخاصة والمادية والروحية. في النهاية، لابد من التذكير بالحقيقة الكبيرة التي يعتمد عليها فضاء الصمت، حقيقة وضع لجام عقلاني للنفس، وفتح الباب واسعاً للعقل وحده في ساعة صمت، كي يتخذ القرار اليومي، والمرحلي، والبعيد المدى، ثم العمل بالتزام لتطبيق القرارات المتخذة يوماً بيوم. فهل نستطيع ذلك؟! يجزم فيجاي إيسواران بذلك، إذا التزمنا بتعويد أنفسنا على الانصياع للعقل، ساعة يومياً فقط. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |