مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 134 ربيع 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

ما الذي شغل اهتمامات بعض الأدباء الروس في عام 2007 ـــ ت.شاهر أحمد نصر

تعد معرفة القضايا والموضوعات التي يطرقها أدباء الشعوب والأمم الأخرى من المسائل المثيرة للفضول، وللاهتمام عند أغلب أدباء أية أمة، فضلاً عن المهتمين بالقضايا الإنسانية عامة... وبهدف الإطلاع على القضايا التي شغلت الأدباء الروس في عام 2007 قمنا بإعداد هذا الملف، معتمدين على ترجمة العناوين الرئيسية للموضوعات التي تطرق لها الأدباء الروس في مجلة «دين ليتراتوري ـ يوم الأدب» الأدبية في عدد من الأعداد الصادرة عام 2007، مع عرض لمقتطفات من الفقرات والأفكار الواردة في بعض مقالات هذه المجلة الأدبية... علماً بأن القارئ يستطيع أن يجد النص الكامل لهذه الموضوعات في موقع www.zavtra.ru في شبكة الإنترنت الدولية.‏

توزع كل عدد من أعداد المجلة إلى مجموعة محاور أطلق على كل منها اسم: الحقل، الحقل الأول منها يعنى بشؤون أدبية عامة، فضلاً عن الاهتمام ببعض القضايا السياسية، وحقل سمي «بنك المعلومات»، يتضمن أخباراً عن نشاط اتحاد الكتاب الروسي والكتاب الروس، وحقل يسمى «قاعة المطالعة» يستعرض الإصدارات الأدبية الجديدة، وأفرد حقل خاص بـ«يوم الشعر»، وحقل للنقد، وآخر للنقاش، وللقصة حقلها أيضاً... فجاءت أهم عناوين العدد رقم 1 (125) عام 2007 على النحو التالي:‏

الحقل الأول: ستانتسلاف كونياييف: السادية الوطنية، يوري ميلوسلافسكي: ولادة المسيح.‏

الحقل الثاني: «مكتب المعلومات» ـ أخبار من حياة الكتاب.‏

الحقل الثالث: صفحات صينية ـ فلاديمير بندارينكو: روح الصين، فان تسونهو: صرخة صارخة من الدير (حول رواية سوتونا الجديدة)، لي كي: أزهار تعيش في قلبي.‏

الحقل الرابع: «قاعة المطالعة»: فيكتور برونين عودة بومجارا...‏

الحقل الخامس: «قاعة المطالعة» ـ نيقولاي بودغورسكي: سونيا ـ مقتطفات من رواية «الطيران المستمر».‏

الحقل السادس: «يوم الشعر» نبيلا ماتفييفا: قبعة الأرض.‏

الحقل السابع: «نقد» ـ أنتولي جوكوف ـ على خطوط الجبهة. أوليغ دوروغان: سر النقطة، ألكسي شوروخوف: أكاديميو الشاشة الصغيرة: الرومانسيون.‏

الحقل الثامن: «نقاش» ـ يلينا بافلوفا: رد حامي الوطيس، يفغيني نيفيودنوف: لثغوركم وشفاهكم.‏

وتضمن العدد 2 (126) عام 2007 الموضوعات التالية:‏

الحقل الأول: فلاديمير بندارينكو: أيوجد لدينا أدب؟ ـ فلاديمير بندارينكو: المتمرد الروسي.‏

الحقل الثاني: «مكتب المعلومات» ـ أخبار من حياة الكتاب.‏

الحقل الثالث: «نقاش»: ألكنسدر بوبروف، سمسرة حول الإبداع، ألكسي أيفانوف: دفع الأدب نحو الإجرام، رسالة مفتوحة إلى وزير العلم والتعليم في جمهورية روسيا الفيدرالية أ.أ فورسينكو.‏

الحقل الرابع: «حلقة مطالعة»: زهار بريليبين: روس حول منضدة طويلة، فلاديمير فينيكوف: في المرآة الصينية ـ حول بطل الشعر المعاصر مرة أخرى، غينادي كراسنيكوف: الحبوب التي تذروها الرياح.‏

الحقل الخامس: «يوم الشعر»: أنتون جيليزني «الشمس الأبدية»، بوهور سيدنيف: «اسمح لي!» ألكسندر داليتسكي: صمت الجلالة.‏

الحقل السادس: «نقد» ـ فلاديمير بندارينكو: الإعدام الذاتي حباً، فانتين كورباتوف: كانون الأول وقد تم تجاوزه.‏

الحقل السابع: «بعيد ـ قريب»: روسيا وبوشكين ـ بمناسبة مرور 170 عاماً على يوم وفاته ـ أطلب الكلمة، فيكتور غافريلين: في لجة الأبدية.‏

الحقل الثامن: «عالم الكاتب»: هينريخ ناتنوفيتش «شرح في الحب»، يفغيني نيفيودوف: لثغوركم وشفاهك.‏

أما عدد تشرين الثاني 11 (135) 2007 فقد تضمن العناوين التالية:‏

الحقل الأول: فلاديمير بندارينكو: توقيع، ألكسندر برخونوف: اليبويلي الأشيب، يان جيمويتيليتي: كيف أعدموا مجلة «سيفر ـ الشمال»، العيد 90 التسعون لسيرغي ميدفيديف.‏

الحقل الثاني: «مكتب المعلومات» ـ أخبار من حياة الكتاب.‏

الحقل الثالث: «نقاش»: أنتون أنيغين: دفويكا (علامة ضعيف) مجدداً. سيرغي أوغولينكوف: ديكارت يرتاح.‏

الحقل الرابع: قاعة مطالعة: فلاديمير لوتشوغين: القس الريفي ـ تتمة ما نشر في عدد تشرين الأول.‏

الحقل الخامس: عالم الكاتب: فلاديمير ميخايلوف: طريق آلام يوري كوزنيتسوف، نتاليا يوغوروفا: الغنائية الكلاسيكية.‏

الحقل السادس: أعيادنا: ملازم الحرب العالمية الثالثة (جلسة حوار مع ستنسلاف كونييايف).‏

الحقل السابع: يوم الشعر: سفيتلانا فاسيلينكا: صورة رسام في منظر طبيعي.‏

الحقل الثامن: نقد: ماستير فين: مغامر أرنب قمري، لثغوركم وشفاهكم: الوردة البلورية لفيكتور روزوف، أبناء روسيا الأوفياء.‏

نطالع بعد هذا العرض الموجز لأهم العناوين التي تضمنتها هذه المجلة الأدبية الروسية مقتطفات من بعض الموضوعات التي عالجتها، علنا نتعرف على أهم القضايا التي شغلت الأدباء الروس في عام 2007.‏

السادية الوطنية‏

ستانسلاف كونياييف تاريخ نشر المقال 19/1/2007‏

كثيراً ما أتذكر في هذه السنوات تلك الحكاية القديمة ذات المغزى، عندما خاطبنا البروفيسور سيرغي ميخايلوفيتش بودين منذ 55 سنة مضت، نحن طلاب السنة الأولى في جامعة موسكو، من وراء منصة قاعة المحاضرات الشيوعية، قائلاً:‏

ـ أتريدون أن تصبحوا أدباء؟‏

ـ نعم! صرخنا بصوت واحد.‏

ـ وهل قرأتم «ابنة الآمر»؟‏

ـ قرأناها، ضجت القاعة بحماس.‏

ـ والآن أجيبوني: بوغاتشوف وطني؟‏

ـ وطني!‏

ـ والآمر مريونوف وطني؟‏

أجبنا، وإن كان بشكل أضعف وأقل حماسة، لكن بصوت واحد:‏

ـ وطني!‏

ـ إذاً، في هذه الحالة، وإذا أردتم حقاً أن تصبحوا أدباء حقيقيين، ـ أتم البروفيسور مخاتلاً حديثه اليسوعي معنا ـ، عليكم الإجابة على السؤال الرئيسي في هذا العمل الإبداعي: لماذا أعدم أحد الوطنيين شنقاً الوطني الآخر؟! وغادر البوشكيني الظافر القاعة، وقد حانت فترة الاستراحة، تاركاً الطلاب القادمين من الثانوية العامة في حالة من الذهول والارتباك التام. ولم تزل الأزمنة الستالينية على الأبواب... (بوغاتشوف، ومريونوف بطلا رواية ألسكندر بوشكين «ابنة الآمر»، التي تدور أحداثها إبان الحرب الفلاحية التي قادها بوغاتشوف، ضد الإقطاع في روسيا. (المترجم)).‏

عندما تختتم، وبالتحديد عندما تكتمل وتنتهي أزمنة الثورات التاريخية، والزلازل الوطنية، ومرحلة تفكك الحياة الاجتماعية، يبدأ حتماً الفرز في معسكري الأعداء أي في صفوف المنتصرين والخاسرين، ويكون الفرز ثقيلاً عديم المعنى خاصة في صفوف المنتصرين. إخفاق تاريخي بالاتهامات المتبادلة بالخيانة، وبارتكاب الأخطاء القاتلة، والتعامل السري مع العدو. عصرنا ليس استثناء. ولقد أصيب معسكرنا الروسي الوطني في بداية تسعينيات القرن العشرين (اعتباراً من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1993) بهذا المرض، ولم يتعاف منه حتى الآن. إنه لأمر مر، لكن لا بد من الاعتراف، بأن النضال ضد الأعداء المباشرين من معسكر الانتلجنتسيا (الديموقراطية)، لم يتطلب مني جهداً، كالذي بذلته في هذه السنوات دفاعاً عن معتقداتي، واسمي، وشرفي، وشرف المجلة في وجه هؤلاء الوطنيين المتوالدين ـ فلاديمير بوشين، وإيليا غلازونوف، وتاتيانا كلوشكوفا، وفيكتور أستافيف... كما أجبرت على الدخول في خصام حتى مع ألكسندر بروخانوف، ومع ليونيد بورودين، وفالنتين سوروكين، ويوري بونداريف، دفاعاً عن الحقيقة التاريخية، ودفاعاً عن أصدقائي الذين رحلوا... في الحقيقة من الضروري القول إنني وبإرادتي الذاتية، أنا، من أعلن الحرب على الأعداء المباشرين، أولاً، كقاعدة، أما فيما يخص الزملاء في الوطنية، فلقد أخذت موقع الدفاع. حصل ذلك فقط عندما بلغ السيل الزبى، ولم يعد بالإمكان السكوت أكثر.‏

لقد أجبرت في هذا الصراع الداخلي، بإرادتي ـ أو رغم أنفي على وضع بعض القواعد.. أولاً، كان من الهام بالنسبة إلي أن أعلم: ألا يتخلى زملاؤك القريبون عن قناعاتهم الشخصية، وهم يوجهون إليك الاتهامات، بل والشتائم؟ ألم يمحوا من ذاكرتهم، ـ بإرادتهم أم رغم أنوفهم ـ كلماتهم، وآراءهم وتقييماتهم، التي دانوا بها البارحة؟ أصبح جو الردة في عصرنا طبيعياً، لدرجة أن خيانة المعتقدات تعد جرأة وشجاعة، لم يأنف، أو يشمئز الناس المشهورون في العهد السوفيتي من التباهي والفخر بها، من ألكسندر ياكوفليف، حتى ميخائيل أوليانوف، ومن فيكتور أستافيف، حتى سيرغي زاليغين. سببت جميع التهم الأيديولوجية الموجهة إليّ في أواسط تسعينيات القرن العشرين من أقلام أصدقاء الأمس وزملاء البارحة، في البداية ابتسامة مرة. تذكرت عندئذ قول «هاملت» ـ «لم تهترئ الأحذية»، أو المثل القائل: «ما تكتبه الأقلام لا تبتره الفؤوس» (يذكرنا هذا المثل بقول الشاعر العربي: وجرح السيف تدمله فيبرى... ويبقى الدهر ما جرح اللسان. المترجم). عندما تحصل الآن مثل هذه الأمور، كثيراً ما أتذكر ستالين، الذي أحب تكرار المثل الروماني القديم: «حتى الآلهة لا تستطيع جعل ما حصل أمراً لم يحصل».‏

الحادث الدراماتيكي المؤسف الذي عرفته خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة من عمري هو صدامي المباشر مع فلاديمير بوشينين. بدأ الصدام عام 1989 وكان أكثر حدة من التنكيل بغلوشكوفا. وخلافاً عنها لم يدع بوشينين مجالاً للومه في أنه يغير آراءه، وتقييماته وقناعاته. إنه مجادل موهوب وبارز. ومع ذلك فقد كان وما يزال يمتلك نقاط ضعف أخرى: تتجلى في أن رغبته الجامحة في الانتصار على الخصم تجعله لا يتورع عن استخدام أية وسيلة. يمكن أن يهزأ ويسخر، وأن يفبرك الأرقام، والحقائق. يمكن أن يختلق لنفسه نموذجاً معيناً من الخصوم، ويمثل به محرزاً ظفراً مهيباً، كما يمثل قادة القبائل المتوحشة بأعدائهم بفضل الطير المحنط. فضلاً على أنه لا توجد لديه هالة أدبية ـ فالناثر عديم الفائدة، مثله مثل الشاعر، مما يجعل عملياً اتهاماته الأيديولوجية الموجهة ضد راسبوتين، وكوجينوف، وحتى سولوخين هزلية فاقدة للإحساس عديمة الضمير. إنه ليس مؤهلاً لوعي قيمة مساهمتهم الإبداعية في الأدب الروسي، ولهذا السبب وبكل سرور يجعلهم محط ازدراء، وتهكم وسخرية لاذعة.‏

راودتني فكرة في حينه، مفادها أن الحقد والضغينة على يسينين وحدت لوهلة العدوين السياسيين اللدودين ـ بونين «الأبيض» وبوخارين «الأحمر». وحدتهما لدرجة أن الاثنين ألصقا وصمة عار بالشاعر الروسي العظيم، متحدثين عن معاقرته الخمر وسكره، وفظاظته، وعامية أشعاره وخشونتها. وكأن هذا هو الأمر الرئيسي عند يسينين، وليس جوهره الروسي الإبداعي العظيم. يبدو صخب هؤلاء الوطنيين المتحمسين وجنونهم في افتراءاتهم وأكاذيبهم بجلاء ووضوح، لدرجة تجعلني أشعر وكأن قوة ثالثة تقودهم، حالمة بهلاكنا وإبادتنا الذاتية.‏

أيوجد لدينا أدب؟‏

فلاديمير بندرينكو العدد 2 (126) تاريخ 18/2/2007‏

كان هذا العام الأدبي من وجهة نظري، من ناحية الأدب عام إخفاق على الإطلاق، فلا اتجاهات جديدة، ولا أسماء جديدة، لم يحصل ذلك منذ أمد بعيد. طبعاً، عندما أخذت أستعد للحديث حول محصلة العام في اتحاد كتاب روسيا، تصفحت جميع مجلاتنا، ومنشوراتنا، وتصفحت جميع أنباء العام.‏

ولم يحصل أي أمر ملموس في معسكر أعدائنا. ولكن، على أبعد حد، لمست عندهم توجهاً ما جديداً، وتياراً كاملاً من الكتب الفنية حول مستقبل روسيا، ومزيجاً واضحاً بين الطوباوية واللاطوباوية، لأنه أصبح من العسير فصل إحداهما عن الأخرى. يوجد من يقرأ كتاب فلاديمير سوروكين «يوم الهلاك» كتهجم لاطوباوي على مستقبل روسيا، الذي ينتهي بهلاك آخر. ويوجد من (وهم كثيرون، وكثيرون جداً، اعتباراً من دعاة الهلاك وحتى الشباب الساخرين) قرأه كبيان وطني للمستقبل، كبرنامج لهلاك روسيا بمجملها. تكمن المفارقة والتناقض في أن أولئك الشباب الراديكاليين محقون، وأنا على ثقة، بأن فلاديمير سوروكين نفسه لا يستطيع أن يقول بالتحديد ما الذي لا يعجبه، ومما يسخر، وما هي هواجسه السرية. يمكن قول الشيء نفسه حول رواية «جي دي» لدميتري بيكوف. نعم، إنه محاوري الصريح والقديم (وعلى الرغم من الاعتراف بعبقريته)، إنه ماجن مستهتر إلى أقصى حد. يعد الكثيرون رواية «جي دي» برنامجاً للمستقبل. وإذا تحدثنا بصراحة نقول إنه من بين جميع الروايات الليبرالية عن المستقبل تعد الرواية «الجي ديوفسكية» لبيكوف أكثرها صراحة ووضوحاً وعبقرية. سنتعامل بأنفسنا مع العدو (يقصد الكاتب الليبراليين الجدد ـ المترجم) بأي شكل من الأشكال، لكن ما الذي يمكن للشعب الروسي المنهك أن يفعله مع الـ«جي ديين»؟ لم يلامس دميتري بيكوف هذه القضية قطعاً، مثله مثل باركاشوف، وكليموف؛ وضعها أمام الرأي العام، وهو على ذلك يشكر.‏

أعتقد أنه على منظري الحركة الروسية أن يقرؤوا بتمعن رواية «جي دي» لدميتري بيكوف، ليتعلموا الكثير منها. ومن ضمن هذه الروايات حول المستقبل رواية «2008» لسرغي دورينكو، و«أمبير ب» لفيكتور بيليفين، و«2017» لأولغا سالفينكوفا (هذا أفضل كتبها على ما أعتقد). أي إن الليبراليين ينظرون بتوجس وبصرامة إلى مستقبل روسيا، يتوقعون تأميمها، ويتكهنون بالمشروع الروسي. أستطيع أن أضم إلى هذه السلسلة من الروايات من طرفنا رواية «باخرة يوسف برودسكي» لصديقي ألكسندر بروخانوف.‏

لقد وجد عدد غير قليل من الكتب الخيرة في أدبنا الروسي، لكتاب طيبين، ولكن أقول الصدق، أستطيع تسمية اثنين. الأول «القسيس» لأكسندر سيغينيا. ببطله الجديد غير المألوف بالنسبة لنا: الراهب، الذي خدم في الأراضي الواقعة تحت الاحتلال الألماني، والمخلص للفكرة الروسية وللشعب الروسي.‏

شاهدت منذ مدة ليست بعيدة الفيلم العظيم «البطل» للمخرج الصيني تشجان أيمو ـ أحد عظماء السينما العالمية الجدد. إنه يشبه إلى حد ما «ألكسندر نيفسكي» لسرغي إزنشتاين. عندما تنتصر دولة ما، (يدور الحديث هنا عن الصين)، فإنها تنتصر في كل شيء، من الفضاء وحتى السينما، ويتغنى مبدعو هذا النصر ببطولات جديدة. أترابي الحاليون تشجان إيمو مع «البطل» وتشي كينهو مع «القسم» قريبون من مبدعينا بيروف، وغيراسيموف، ودوفوجينكو، وإيزنشتاين أيام البناء الروسي العظيم... كما أن بطل رواية ألكسندر سيغين مهم، الذي على خلفية البكاء المر على روسيا الهالكة يحاول أن يرفع بطله.‏

الأسوأ في الكتب الطيبة في العادات الروسية الكلاسيكية، أنها تصر على هلاك روسيا. أنا لست ذلك المحب الشغوف للنظام الحالي، لكنني أريد رؤية أبطال جدد. لهذا السبب أعد الحدث الأدبي الرئيسي في هذا العام، رواية الناثر الروسي الشاب من نيجي غورودوسك زاهار بريليبين «سانكيا».‏

ولقد تراكم في مجال الشعر خلال عام عدد غير قليل من المنشورات الإبداعية لـ: سيروتين وغوربوفسكي، وأرتيميف وشيمشوتشينكو...‏

روسيا تتحدث عن بوشكين‏

العدد 2 (126) عام 2007‏

يقدم غينادي سيتينكو في هذا الملف الذي يزيد عن العشرين صفحة، مقتطفات من أهم ما قاله الأدباء والمفكرون عن بوشكين، بادئاً مقاله بعنوان فرعي: «بوشكين ـ هو الهواء الذي نتنفس».‏

من تلك الأقوال على سبيل المثال: بوشكين واسع كالطبيعة ذاتها (أ.ف. كارتاشيف).‏

... لا يدرك، وغير محسوس كالدم في العروق... (ل. أنينسكي).‏

بوشكين قريب منا، كالإله. (يو. أيخينفيلد).‏

«بوشكين كان الربيع الروسي، بوشكين كان الصباح الروسي، بوشكين كان آدم روسيا» (أ.ف. لونتشارسكي). وهب لروسيا كي تعي ذاتها (ف. شكلوفسكي).‏

... كل ما هو موجود في روسيا، موجود في بوشكين. (غ. آداموفيتش).‏

انعكست في بوشكين الطبيعة الروسية، والروح الروسية، واللغة الروسية، والطبع الروسي شفافة نقية، كما ينعكس المنظر الطبيعي على السطح المحدب لزجاج النظارة. (ن. غوغول).‏

بوشكين ـ قوس قزح يكلل الكرة الأرضية جمعاء. (ف. نابوكوف).‏

الإعدام الذاتي حبّاً‏

فلاديمير بندارينكو العدد رقم 02 (126) تاريخ 18/2/2007‏

تبدأ فيرا غالاكتينوفا كتابها كل مرة وكأنه الخطوة الأولى، ناسية كتابها السابق. في كل كتاب اكتشاف فني جديد، عدد الكتب يساوي عدد الاكتشافات الفنية.‏

لا تستطيع الفرار من نفسك، مهما بذلت من محاولات. وحتى في نقاشها مع ذاتها تبقى فيرا غالكتينوفا هي نفسها، كاتبة روسية، ذات نظرة حادة، ورؤية واسعة، وذات أسلوب حر، يقارب الفوضوية، لكنها تسكب كل فوضاها الكونية في جملة إحداثيات صارمة مع علاقة تقليدية تامة بالكلمة. وكما تعترف هي نفسها: «لقد تمرست، وحددت مجال عملي الخاص ومداه: ـ من جهة، قروية في «المرآة»، ومن جهة ثانية مغامرة تجريبية في «Adagio» (Adagio ـ كلمة إنكليزية تعبر عن علامة موسيقية (أمهل) ـ المترجم». لكنني أفهم مهمتي بعيدة الأمد، بمعنى آخر: توحيد هذين الاتجاهين في اتجاه واحد ـ الوصول تدريجياً إلى مثل هذا التركيب الذي يبدو مستحيلاً. ومهما بدا الأمر متناقضاً، فإن لودميلا بيتروشيفسكايا، وحتى تاتيانا تولستايا تبدوان واقعيتين بالمقارنة مع الكاتبة التجريبية المجددة فيرا غالاكتينوفا. لولا توجهها الروسي، ولولا ابتعادها عن جميع صنوف الكسموبوليتية، لكانت في صفوف ناثرينا الليبراليين الجدد، تسطع وتتألق في حفلات الاستقبال التي ينظمها الرئيس، والطغم الناطقة بالروسية، في موقع ليس أسوأ من فيكتور يوروفييف. إنها في الحياة فاعلة جداً كما هي في النثر. لكن رمزاً ما روسياً متيناً يخط لها ظروف وجودها، ومما يدعو للسعادة أن الكاتب يسير على الطريق الذي يخطه له الله.‏

إنها توظف بنية الرواية البسيطة والموضوع الواسع، واعتماد الاستعارة، والريتم اللفظي المعطى منذ البداية ـ ومجمل أدوات الناثر الحديث لتخدم معنىً علوياً، وبالتالي من السخافة أن نصنف فيرا غالاكتينوفا في عداد ما بعد الحداثويين، لأن لغة الرواية، وأسلوب الاستعارة، والميتافيزيكا الكامنة فيها، تخدم الفهم الروحي للعالم. إنها توجه فوضاها العلاجية المجددة الشافية في القناة الصارمة للمعنى والفكرة الروحية، إنها كرئيسة دير، في أية صومعة كانت، وبلغات مختلفة، تعالج قضية إلهية واحدة، تعاني وتصلي من أجل الضالين.‏

جميع أبطال الرواية الأخيرة، «قبيل السكون» في حقيقة الأمر، بهذا الشكل أو ذاك ضالون روحياً: بما في ذلك زوجة البطل الرئيسي اندريه تساخيلغانوف ـ لوبوف (لوبوف كلمة روسية تعني: الحب ـ وهو اسم الزوجة: المترجم) التي عاشت حالة طويلة من الغيبوبة. ويتم إنقاذ هذه الأرواح ـ بعودة الحب، في امتلاك الحب، الأرضي، والروحي، والسامي، والجسدي والشهوي... أما حب العالم، حب الناس، حب الأقارب فإنه يعيد جميع القيم الإنسانية السامية الأخرى. يمكن التضحية بالنفس فداء لهذا الحب، وما نفع الحياة فاقدة الحب؟ يمكن أن تكون الرواية الجديدة موظفة لعودة بصيرة الإنسان الضال ـ بالإعدام الذاتي الحتمي للإنسان الميت روحياً منذ زمن، الإعدام الذاتي حبا لإنقاذ الآخرين. لإنقاذ الوطن. لأنه لا وطن من غير حب، ولا حب من غير وطن.‏

أيمكن الثقة بهذا الإعدام الذاتي؟‏

للإجابة على هذا السؤال يستعرض كاتب المقال سلوك أبطال الرواية وأحداثها، مبيناً أن الكاتبة متأثرة بالشرق، خاصة وأنها عاشت ككاتبة في كازخستان. كما أن مكان أحداث الرواية الجديدة ـ كارغان القاسي والمتصوف...‏

إلى أين تسير روسيا؟ إلى معسكر الاشتراكية؟ أم إلى المعسكر العالمي للرأسمالية؟ أم أنه وبعد التوتر الروسي الجبار في القرن العشرين، الذي لم يتحمله الشعب نفسه، يبدأ، على أية حال، سكون التركيز، سكون البناء؟‏

وكما بطلة الرواية الصامتة لوبوف منذ الأسطر الأولى للرواية، تنفصل عن بهارج الحياة: «حلقت لوبوف بعيداً ـ فوق الحياة. إنها ترقد في لا وعيها وفقدان ذاكرتها، وكأنها في برزخ ما بين السماء والأرض...»، إن فيرا غالاكتينوفا تبتعد عن الوجود الاجتماعي. وهي تحاول في روايتها الواقعة، وفي لا عقلانيتها المسلطة، والعارية أن تكتشف الحقيقة الروحية لزماننا، وأن تحدد الإشارات الرمزية الرئيسية لعصرنا، وتحدد المنعش المرهف الحساس والشفاف لجميع الأرواح الآثمة في المجتمع المعاصر. إذ تقول لنا: لا توجد أرواح أخرى لدينا. لن نأتي بشعب روسي آخر. هذا هو الموجود، وهذا هو الذي يجب تخليصه من جميع الأوساخ والنتانة الحالية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244