|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
رواية لكاتبة أسترالية تفوز بجائزة أدبية وتكسر حواجز الصمت حول السكان الأصليين ـــ ت.حصة المنيف أهل البلاد... سكان البلاد الأصليون.. عبارات كثيراً ما تتردد حول مناطق عديدة ومتباعدة على وجه كرتنا الأرضية، من أميركا بقارتيها غرباً إلى أستراليا في أقصى الشرق، مروراً بأفريقيا ومن ثم أرضنا المقدسة، فلسطين التي تمثل حالياً البؤرة الأساسية للاستيطان الصهيوني، هؤلاء السكان الذين سكنوا تلك الأراضي منذ فجر التاريخ وأقاموا فيها حضارات تشهد عليها آثارهم ما فتئوا أن رأوا جحافل تتدفق عليهم من وراء الشمس، وعبر البحور والمحيطات حاملة أسلحة لم يألفوها وأمراضاً لم يعرفوها وتعمل فيهم إبادة وتقتيلاً، وتنشر بينهم أمراضاً مميته، وتحصر من بقي منهم في مستوطنات وكانتونات تمنع عنها كل أسباب الرزق وبالتالي البقاء. وما لبثت أن سلطت عليهم آفات قاتلة مثل إدمان الخمور والمخدرات وامتهان الجريمة والبغاء؛ حيث لم تبق أمامهم من سبل العيش إلا هذه السبل وما إليها من موبقات. حديثنا هذه المرة هو عن سكان البلاد الأصليين في أقصى الشرق، في أستراليا، والمناسبة هي فوز رواية لكاتبة من سكان القارة الأصليين بأرفع جائزة أدبية في أستراليا وهي جائزة «مايلز فرانكين»، وذلك لأول مرة في تاريخ هذه الجائزة. والكاتبة هي أليكسس رايت (Alexis right) وعنوان الرواية هو «كاربنتاريا» (Carpentaria)، وهو اسم خليج صغير على الشاطئ الشمالي لأستراليا. تقول الكاتبة إنها اتخذت هذا الاسم عنواناً لروايتها لتخلد أراضي أجدادها وأهلها المباشرين، فقد أجبرت جدتها وأمها اللتان تنتميان لقبيلة «واياني» على مغادرة المنطقة لاستثمارها من قبل البيض. تتناول الرواية الحياة المأساوية التي يعيشها سكان أستراليا الأصليون، حيث تم الاستيلاء على أراضيهم وطردوا من مناطق سكناهم وحصروا في مستعمرات ضمن ظروف معيشية بالغة السوء، حيث تكرر مأساتهم مأساة من أطلق عليهم الأوربيون الغزاة اسم الهنود الحمر في أميركا. بدأ ذلك منذ وصول هؤلاء الأوروبيين، وجلّهم من المجرمين نزلاء السجون البريطانية، حيث تم إبعادهم للتخلص منهم في بلادهم، وكان من المفترض أن تكون أستراليا بمثابة منفى لهم. أول مستعمرة أوروبية أنشئت في أستراليا في عام (1788) على يد البريطاني «آرثر فيليب» ومنذ ذلك التاريخ أصبحت سياسة التمييز ضد السكان الأصليين سياسة رسمية. تقول جين بيرلتز perletz jane في مقال في صحيفة التايمز البريطانية إن الكتاب الأستراليين البيض حاولوا، ولفترة طويلة، معالجة القضايا المتعلقة بسكان بلادهم الأصليين في كتاباتهم بدءاً من «هربرت كسيفير». (Herbert xaivier) الذي نشر روايته «كابريكورنيا» في عام (1938). كانت روايته هذه بمثابة صرخة احتجاج اجتماعية ساحقة تصف إخضاع السكان الأصليين على يد المستوطنين البيض. وما لبث السكان الأصليون أنفسهم أن بدؤوا برواية قصصهم.فرواية «سقوط القط البري» التي تصور حياة شاب يدخل من السجن ويخرج منه مرة بعد مرة لاقت ترحيباً لدى نشرها في عام (1965) باعتبارها رواية تعالج وضع السكان الأصليين بقلم كاتب منهم. اتخذ هذا الكاتب اسم «مودرورو» (Mudroro) كاسم أدبي، وقد تحلقت حوله فيما بعد مدرسة فضفاضة تعالج في كتاباتها قضايا هؤلاء السكان؛ كما صدرت هذا العام رواية لكاتبة شابة هي «تاراجون وينش» (Tara june) تتحدث عن شابة من السكان الأصليين تهجر عائلتها التي تعيش حياة مختلّة وتتنقل في طول أستراليا وعرضها سعياً للشعور بالارتباط، وقد لاقت هذه الرواية ترحيباً كبيراً. تقول جين بيرلتز إن رواية أليكس رايت التي فازت بالجائزة الأولى هذا العام نشرت في العام الماضي من قبل دار نشر صغيرة بعد أن رفضت جميع الدور الكبرى نشرها. كما أن المكتبات الكبرى رفضت القيام بحملات ترويج للرواية؛ بل لم تضعها على رفوف مكتباتها إلاّ على نطاق ضيّق جداً. يضاف إلى ذلك أن القراء لم يتجاوبوا معها في البداية على النحو الكافي، ربما بسبب صعوبة أسلوبها واعتمادها لهجة عامية. غير أنها ما لبثت أن أثارت ضجة كبيرة بعد فوزها بالجائزة الكبرى في أستراليا في فصل الصيف الماضي، حيث طبعت ست مرات وبلغت مبيعاتها خمسة وعشرين ألف نسخة، وهو رقم يفوق إلى حد كبير أرقام مبيعات الكتب المألوفة في أستراليا، والتي لا تتجاوز ما يتراوح بين ألفين وثلاثة آلاف نسخة. وبنيلها جائزة «مايلز فرانكلين» تغلبت رواية هذه الكاتبة المنحدرة من السكان الأصليين على روايات كتّاب آخرين أكثر رسوخاً في الساحة الأدبية الاسترالية. تصف جين بيرلتز رواية كار بنتاريا بأنها ملحمة حولت الكاتبة فيها الموروث الشفهي للسكان الأصليين إلى قصة تدير الرأس وتضج بالسخرية والهزء وهي تقدّم عدداً ضخماً من الشخصيات غريبة الأطوار. وهي تصوّر العلاقة المتوترة بين البيض والسكان الأصليين في المنطقة الصحراوية قليلة السكان حول خليج «كار بنتاريا» الواقع في ولاية «كوينزلاند» بشمال شرقي أستراليا. وقد ثمّن المحكمون الرواية تثميناً عالياً لدى منحها الجائزة معلنين أنها «غنية بتحليلاتها، طموحة في أسلوبها، وهي تخوض مختلف المغامرات وتنجزها بكل الدقة والشجاعة. إنها روائية اكتشفت قوتها الحقيقة في نهاية المطاف». أما إن كان القراء قد وجدوا رواية كار بنتاريا صعبة فإن الكاتبة تعمدت أن تجعلها كذلك كما يشير المقال، وهو ينقل عنها قولها: «أردت بهذا الكتاب أن يركز على عالمنا، ولم أرد كتاباً يتماشى مع الاتجاه السائد». الموضوع الرئيسي للرواية هو انتزاع البيض القادمين الجدد لأراضي السكان الأصليين، خاصة إحدى شركات التعدين الدولية. وهي تتخذ من مدينة تطلق عليها اسم «ديسبراتس» مسرحاً لها، علماً بأنها بلدة ذات تربة حمراء عطشى وأنهار هادرة، وهي تشبه بلدة «كلونكري» التي تربّت فيها الكاتبة. ومن الشخصيات المفعمة بالحيوية التي تصورها الرواية «نورمال فانتوم» وهو صياد أخذ يحترف تحنيط الحيوانات وتصبيرها؛ حيث يحشو أنواع الأسماك المختلفة بشعر ذيل الخيل، ومن ثم يلوّنها بألوان رقيقة؛ بحيث تبدو كجواهر تزيينية نفيسة. أما زوجته «أنجيل دي» فهي ملكة مقلب النفايات عند ظاهر بلدة ديسبرانس، مسرح الرواية، والتي تؤوي عائلات من السكان الأصليين. تصف رايت بسخرية حيوية وشجاعتها أنجيل في جمع القمامة وما أسمته بالثروة التي جمعتها من وراء ذلك. حيث تقول: كانت ثروتها تتنامى وتتجاوز مدى قدرتها على التحكم بها. فقد أصبحت تمتلك الآلاف من العلب الفارغة وزجاجات المخلل المملوءة بالمسامير والبراغي المفككة. وأصبحت لديها أفكار مذهلة حول سبل تقدم السكان الأصليين؛ بحيث غدت محطَّ إعجاب المسؤولين البيروقراطيين في هيئة شؤون السكان الأصليين الذين وصفوها بأنها امرأة مقدام. وهكذا اعتبروا أنجيل مثالاً يحتذى بالنسبة لسياسة الحكومة التي يتم تنفيذها حول سبل تقدم السكان الأصليين. ولذلك أتوا إلى ديسبرانس والتقطوا صوراً لها لكي ينشروا تقريراً عن جهودها الفذة!. تصف لنا الرواية الحياة في ظل الفصل العنصري في ديسبرانس، «فالبيض يسكنون في أحيائهم الخاصة في أعلى المدينة، ورئيس البلدية، «ستان بروز»، سفّاح من الدرجة الأولى، وجهه جامد كأنه قدّ من الإسمنت ذو ندوب عديدة. والعرق يسيل من جمجمته التي يغطيها شعر كثيف إلى جبهة تغطيها كتل عديدة، ومن ثمَّ إلى أسنانه المكشوفة ذات اللون البنّي والتي يدأب على كشفها كأنها أسباب كلبٍ ضارٍ. والتمييز العنصري يشمل جميع مناحي الحياة، حتى أماكن احتساء الخمور، وهي ممارسة محببة لدى كل من البيض والسكان الأصليين. ولكن الإدمان على الخمور يصل إلى حد داءٍ ابتلي به السكان الأصليون بالإضافة إلى العنف الناتج عن السكر. تصف رايت البار فتقول إن «قطعة أرض صغيرة تفصل البار عن الجدران القبيحة المتسخة المدهونة بلون الخردل لمستشفى الأمراض العقلية المجاور، والذي يطفح بنزلائه من «الزنوج» والعنف يعمّ المكان برمته، سواء بين السكان الأصليين والبيض، أو فيما بين السكان الأصليين أنفسهم. تقول حين بيرليز إن فوز رايت بالجائزة الأدبية الأولى في أستراليا جاء في لحظة مشحونة في العلاقات بين السكان الأصليين وحكومة أستراليا اليمينية. فقد قام جون هوارد رئيس الوزراء بمحاولة لاسترضاء هؤلاء السكان طمعاً في كسب أصوات انتخابية، فأعلن عن إجراءات لمحاربة الإدمان على الخمور والإباحية في المناطق الشمالية من البلاد، وقد طُلب من الكاتبة رايت المساهمة في هذه الحملة بالظهور في برامج تلفزيونية وإذاعية، لا باعتبارها روائية من السكان الأصليين فحسب بل كخبيرة في هذا الموضوع؛ فقد كانت، ولفترة طويلة ناشطة في مجال حقوق هؤلاء السكان وخاضت كفاحاً في الثمانينات من القرن الماضي لمنع الخمور في بلدة «تينانت كريك» الواقعة في المنطقة الشمالية؛ حيث يسكن السكان الأصليون. كما أنها كتبت كتاباً يحمل عنوان «حرب المسكرات» نشرت فيه وثائق تبين كيف أن جهود مكافحة الإدمان قد قوّضت على يد السلطان المحلية للبيض وصناعة الخمور التي يديرها ويملكها هؤلاء بالإضافة إلى المسؤولين البيض في سلك الشرطة المحلية. ولأسباب انتخابية أيضاً أعلن هوارد عن خطط مصالحة وطنية مع السكان الأصليين واعداً بإجراء استفتاء حول مقدمة الدستور؛ بحيث تعكس مساهمة السكان الأصليين في وجوه الحياة في بلادهم، وقد شككت رايت في توقيت هذا الإعلان قائلة إن هؤلاء المسؤولين لا يفقهون معنى للمصالحة الحقيقية. غير أنها تقول إن رد الفعل الإيجابي في استقبال روايتها كار بنتاريا إنما ينبئ عن وجود روح جديدة لدى الأستراليين البيض إزاء السكان الأصليين. وأضافت إن هنالك عدداً متزايداً من الأستراليين من ذوي النوايا الحسنة يريدون التعرف أكثر فأكثر على وضع السكان الأصليين. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أن محاولة رشوة قد فشلت فشلاً ذريعاً. فلم يفشل حزب هوارد في الانتخابات الأخيرة فحسب، بل إنه هو نفسه خسر مقعده في الانتخابات، مما يعتبر وصمة عارٍ في جبينه بعد أن امتد حكمه لأستراليا لفترة أحد عشر عاماً. ويجدر بنا أن نشير هنا باقتضاب شديد إلى مدى ارتباط السكان الأصليين والسكان البيض بأرض تلك القارة التي تقبع في أقصى شرق كرتنا الأرضية. فالدلائل التاريخية تشير إلى أن هؤلاء السكان الأصليين وصلوا إلى القارة قبل أربعين ألف سنة على الأقل. أما المستوطنون البيض فقد وصلوا منذ فترة قد لا تتجاوز القرن الواحد إلا بقليل، وبدؤوا فور وصولهم بالتحكم برقاب السكان الأصليين إبادة واضطهاداً، وانتزعوا أراضيهم وحصروهم في مستوطنات معزولة، وقد تقلص عددهم بحيث لم يعد يتجاوز النصف مليون نسمة. ولكن هؤلاء أخذوا يرفعون أصواتهم مطالبين بحقوقهم كبشر متساويين. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |