|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
المبدع والحرمان ـــ رئيس التحرير ثمة فكرة وردت في أحد حوارات الأديب الكولومبي المعروف غابرييل غارثيا ماركيز؛ فحواها أنه حرم من ملذات الطعام في مقتبل العمر، لعدم قدرته على دفع تكاليفه، وحرم منه في ما تلا ذلك من سنين لأسباب صحية! هذا الحرمان المتواصل من إحدى الحاجات والرغبات الإنسانية الأساسية.. لم يحرمنا من إبداعات الأديب العالمي ذائع الشهرة؛ بل ربما كان ذلك من (محاور) مولدات الإبداع لديه..! ولا يعني هذا في حال من الأحوال ضرورة تجويع الأديب أو فرض الحرمان (أي حرمان) عليه؛ بل على العكس من ذلك؛ يفترض أن ينال الأديب ما يستحق إبداعه؛ وما يتطلبه حضوره الحر السليم من وسائل الكفاية والعيش الكريم في أي زمان وأي مكان... وتبقى له حريته في اختيار ما يريد، والعزوف عما لا يروقه؛ فمن المبدعين من يعيش نباتيّاً، ومنهم من يحب العزلة، وآخرون يستمتعون بالسفر والترحال والتعرف إلى الكائنات والبيئات والعلاقات في الوقت الذي لا يهم آخرين ذلك.. وقد تخلى الشاعر عبد الله الفيصل عن الإمارة وحياة الترف والقصور، واختار حياة شعرية بسيطة ومنعزلة؛ كما تخلى ليوبولد سينغور عن رئاسة السنغال ليتفرغ لهوايته الأدبية ونشاطه الثقافي العالمي، في الوقت الذي سعى إلى المناصب والمسؤوليات أدباء، أو تبوأها آخرون؛ سياسية أو اقتصادية أو ثقافية.. مع فروق في التأثير والتأثر من أديب إلى آخر.. أعود إلى القول: إن من غير الإنساني أن يتعرض الأديب للحرمان، ناهيك عن أن يفرض الحرمان عليه! لكن من غير الإنساني أيضاً أن لا يحس الأديب بحرمان الآخرين، أنّى كانوا، وأن لا يكون له موقف في الدفاع عنهم وتبني قضاياهم؛ سواء عبر كتاباته، أو في سلوكه. ويزداد الأمر خطورة إذا ما مارس هذا الأديب الحرمان على أدباء آخرين لمجرد اختلافهم في الرأي أو الإبداع. وتتعدد أوجه الحرمان بتعدد الحاجات وتنوع الرغبات، ولكن تأثيراتها تكاد لا تختلف كثيراً، بدءاً من المشي الحافي لعدم القدرة على الاحتذاء، وانتهاء بالدفن العاري لعدم القدرة على الحياة غير المحدودة.. وما بينهما من نواتئ حادة تقليدية أو مستجدة، تجعل الكائن (الإنساني) في شحذ مستمر لقدرته على الصبر والمصابرة، والصمود والمواجهة، والسعي إلى تغيير ما يستطيع من شروط، وتحسين ما يمكن من ظروف لا تخصه وحده؛ بل تشمل الآخرين بمختلف شرائحهم وتنوعهم، وآرائهم، وأفكارهم.. حتى تلك التي لا تناسبه، أو تلك التي لا تنسجم مع ما يرى أو يعتقد. إن رغبة الأديب بالتقشف لا تعني فرضه على الآخرين، كما لا يعني الاستطراد في تشجيعهم على ما يريدون، بصرف النظر عن أحقيتهم في الحصول عليه، أو بغض البصر عن إنسانية ما يطلبون، وقابليته للتحقق والاقتناع بجدواه. كما أن رغبة الأديب بالانعزال لا تعني حياديته عما يجري خارج حيزه، وسلبيته حيال ما يتعرض له الآخرون... وزهده في الحياة لا يعني تزهيد الآخرين منها، وازدراء محبيها..! ومن غير المقبول أيضاً فرض معاناة الأديب الذاتية على الآخرين، كيما يصبح شغلهم الشاغل.. وفي المقابل ليس من حق الآخرين النيل منه لأفكاره المغايرة، وإبداعاته المتشائمة، وسلوكه المختلف.. وليس من حقهم ازدراؤه أو حصاره أو التشفي منه؛ بل من الواجب النظر إلى حاله بكثير من الأهمية والمسؤولية التي تعني الكثيرين؛ وقد يكون لها أصداء إنسانية عامة وإيقاعات كونية. ومن واجب الآخرين أن يكونوا متابعين أو مهتمين أو مسؤولين، وأن يكون لهم الوقت والدافع والجدية لإنصافه، أو لإنصاف أنفسهم من الحياة، وبؤس الظروف التي قد يكونون اعتادوا على ظلاماتها، وأصبحوا كالشاة المذبوحة التي لا يؤلمها السلخ. إن المبدعين بوصلة الحياة، وهم بإشاراتهم يساهمون في تصويب الاتجاه؛ كما أن في سكوتهم أو غيابهم أسباباً ملحة لمعاينة الحياة التي يشوبها الكثير مما هو غير المنطقي. وفي كلا الحالين فائدة وضرورة وجدوى. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |