|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
سلطة الثقافة وثقافة السلطة ـــ حسين جمعة لم يعد أحد يماري ـ اليوم ـ في وجود العلاقة العضوية بين الثقافة والسلطة. ومن المسلّم به ـ أيضاً ـ أن يكون هناك علاقة تفاعل وتوازن فيما بينهما؛ بيد أن ما يجري في كثير من البلدان والأمم قديماً وحديثاً أن السلطة تسخِّر الثقافة لمآربها الخاصة وتحوّلها إلى ثقافة محدودة، ما يجعلها تمارس عملية هَدْم منظمة لمفهوم الثقافة وعناصرها. فإذا كان مفهوم السلطة بأنواعها المتعددة، دولة أم خلافة؛ قبيلة أم عشيرة؛ مذهباً أم اتجاهاً أم طائفة أو عقيدة معروفاً منذ الأزل ـ وكل سلطة تجهد في تأكيد شرعيتها وفق مستندات معرفية وعرفية، دينية واجتماعية، أدبية وفنية؛ تاريخية ومعاصرة ـ فإن مصطلح الثقافة، بماهيته المعروفة للناس جميعاً، قد أخذ دلالته المتطورة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين... وفي ضوء التحليل التاريخي لكل من سلطة الثقافة وثقافة السلطة ندرك أن الفرق كبير بينهما. فثقافة السلطة لا تغازل المثقفين إلا عند الحاجة إليهم، ومن ثم فإذا دخلوا حظيرتها وصاروا مهادنين لها فقدوا إرادتهم الحرّة وغدوا مهمَّشين ـ على نحو ما ـ، علماً أن هناك عدداً من المثقفين يسعون إلى السلطة. وكذلك فإن السلطة تسخِّر الثقافة بكل عناصرها المكوّنة لها من لغة وعقيدة؛ ومعارف وعلوم وفنون وآداب، وعادات وتقاليد؛ وأعراف وقوانين ومذاهب واتجاهات لمصالحها الخاصة وفق مبادئ المباح والممنوع اجتماعياً ودينياً؛ فكرياً واقتصادياً؛ أدبياً وفنياً... وهي تتبنى أجزاء من الثقافة في تحولاتها التاريخية والاجتماعية والقانونية والجغرافية والعسكرية والتقنية في إطار سياسة المصالح. هذا ما لجأت إليه سلطة العشيرة والقبيلة، والمذهب والطائفة، والخلافة والدولة، والأمة والأحزاب الإيديولوجية قديماً وحديثاً. وبهذا تصبح ثقافة السلطة اعتداءً صريحاً على مفهوم الثقافة باعتبار الثقافة حرية ومعرفة خلقية وإنسانية لإقامة العدل والمساواة على أساس الكفاءة والقدرة واتساع المعارف الذاتية والجماعية؛ أي إن الثقافة باعتبارها حرية تغدو مقموعة بوساطة ثقافة السلطة. فثقافة السلطة ـ على اختلاف أنماطها ـ تسعى إلى تحقيق سلطة موضوعية وتاريخية في ضوء ما تستند إليه من شرعية خصوصية في التحولات الثقافية وتنوعاتها المستجدة في اتجاه من الاتجاهات، أو بلد من البلدان ليصبح التعبير عن الرأي ـ مثلاً ـ مجرّماً إن لم يوافق ما تذهب إليه. ولهذا نشأت ظاهرة التكفير، والقمع، وزج أصحاب الرأي في السجون.. لكن الأخطر من هذا كله أن تعتقل ثقافة أمة من الأمم لصالح سلطة ثقافية ما تتمتع بالقوة المادية الفائضة تقنياً وعسكرياً؛ واقتصادياً ومعرفياً.. ولا شيء أدل على هذا كله مما يجري من سلطة العولمة الأمريكية ـ اليوم ـ التي غدت غول العصر الجارف لابتلاع ثقافات الأمم الأخرى أو تشويه خصائصها الذاتية باسم العناصر العديدة التي تكتسبها ماهية الثقافة الإنسانية المركزية؛ على اعتبار أن مفهوم الثقافة مفهوم مركب يشتمل على المعرفة والأعراف والقوانين والآداب والفنون والعلوم والعادات والتقاليد والعقائد. وهو مفهوم يتحرك في مناحي الحياة كلها اجتماعياً وسياسياً فكرياً ودينياً، اقتصادياً وتقنياً، أدبياً وفنياً.. فالعولمة تسعى جاهدة لتخصيص أي ثقافة في إطار من الأطر الملبية لأهدافها، وربما كان إطاراً يؤدي إلى هدمها من الداخل لحساب ثقافة سلطة العولمة. وهذا ما لجأت إليه حين ربطت بين الثقافة العربية وبين الإرهاب والجمود والتخلف. ومن ثم ربطت بين العقيدة الإسلامية التي يعتنقها أكثر العرب وبين الإرهاب والتطرف والعنف والقتل والتخلف، ومن ثم فهي تعمد إلى ضرب الثقافة بالعقيدة مستغلة التكوين الثقافي الديني التاريخي للمنطقة العربية؛ باعتبارها مقسَّمة إلى طوائف ومذاهب وأعراق. وقد أثبتت الأحداث أن الانحياز إلى مثل هذا التكوين كان يتغلّب ـ أحياناً ـ على أي إطار آخر وطنياً أم قومياً. أي إن العولمة الأمريكية تحاول مسح الثقافة العربية وتغييرها باسم العناصر الثقافية ذاتها؛ ثم تحاول أن تنتج وعياً معرفياً منشقاً على نفسه من داخل الثقافة العربية للوصول إلى أهدافها. وقد استغلت عجز الفكر العربي عن تجاوز ذاته الذي تجسد في غلق الحوار بين أبنائه واشتداد الصراع الفكري المذهبي والمعرفي فيما بينهم، فضلاً عن الانحطاط السياسي الممثل بالدول القطرية والإيديولوجيات الحزبية العديدة. فثقافة العولمة تستجلب عناصر كثيرة من ماهية الثقافة وعناصرها، وتخصّبها لإنتاج ثقافة مستنسخة لخدمة سلطتها المركزية القابعة في البيت الأبيض؛ على اعتبار أن العولمة تقاد من مركز واحد هو واشنطن؛ وإدارة واحدة هي الإدارة اليمينية المتصهينة. فثقافة العولمة إنما تنتمي إلى الأصل الفكري السياسي لبعض المفكرين والساسة الغربيين الذين حوّلوا مفهوم العولمة إلى مفهوم أمريكي عنصري ضد حضارات الشرق جميعها ومنها العربية والإسلامية والكونفوشوسيه. ومن أبرزهم الصهيوني ريتشارد بيرل ودونالد رامسفيلد وولفوفيتز الذين خططوا للحرب الأمريكية على العراق. ومثل ذلك رأيناه عند صموئيل هنتنغتون الذي بشَّر منذ عشر سنوات خلت بصدام الحضارات، وبأن الثقافة الغربية هي التي ستنتصر في معركتها المعاصرة، أما فرنسيس فوكويا فقد آمن بنهاية التاريخ الذي يضع أسفاره في قلب الثقافة الغربية، ولا بد للثقافات الأخرى من الزوال. وبهذا خلقوا مواقف مضادة لثقافة الشعوب، مواقف أخذت أمواجها تتلاطم بعد أحداث الحادي عشر من أيلول. وإذا ما رجعنا إلى مفهوم الثقافة وعناصرها تأكد لنا أن سلطة الثقافة مغايرة لثقافة سلطة العولمة التي تسعى إلى النيل من ثقافات الأمم المختلفة. فثقافة أي أمة بخصائصها الذاتية المكونة لها تعدُّ جزءاً من الثقافة الإنسانية وليس من ثقافة العولمة الأمريكية، ما يعني أن وجود التاريخ الثقافي والديني لكل أمة إنما هو جزء أصيل من ماهية الحضارة الإنسانية. وبمعنى آخر تصبح ثقافة أي أمة رافداً من روافد الثقافة شرقاً وغرباً، ومن ثم لا يمكن لأي ثقافة وافدة أن تمحو الثقافة الموروثة؛ فكل منهما يكمِّل الآخر في الحوار الإيجابي الفاعل وفي الانفتاح الحر والديمقراطي. هذا ما يؤسس لسلطة الثقافة ـ باعتبارها حرية وديموقراطية وعدلاً ومساواة ـ ويجعلها مغايرة لثقافة السلطة سواء تمثلت بالعولمة التي تسعى إلى الهيمنة على الثقافات أم تمثلت بثقافة سلطة بعض المؤسسات أو الأحزاب أو المذاهب والطوائف أو الدول القطرية. وفي ضوء هذا الفهم فإن الثقافة العربية الأصيلة كانت وما زالت وسيلة للتعايش بين الطوائف والمذاهب والأجناس في استنادها إلى مبادئ الحرية في الاعتقاد والتفكير والتعبير والرحمة والتعاطف... وهي أشد حرباً على التطرف والعنف والإرهاب والانغلاق من أي ثقافة أخرى. وإذا ما وجد متطرفون هنا أو هناك ـ وهم موجودون في كل أمة من الأمم ـ فلا يعني هذا أن الثقافة العربية نفسها تتصف بصفاتهم؛ ومن ثم لا يعني أن العقيدة الإسلامية بمبادئها السمحة يمكن أن تكون ثقافة عنصرية أو متطرفة أو متخلفة أو إرهابية... بل ما نجده من سيطرة ثقافة العولمة إنما يحمل في طبيعته ووظيفته كثيراً من خصائص التخلف والتطرف والعنف والإرهاب لأنها تتصف بثقافة السلطة المهيمنة للإدارة الأمريكية والمتعصبين من أصحاب الثقافة الغربية في إطار مبدأ الإلغاء للآخر. إنها ثقافة سلطة، بكل ما تعني الكلمة من معنى، وهي أبعد ما تكون عن سلطة الثقافة التي تمتاز بالخصائص الإنسانية النبيلة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |