جريدة الاسبوع الادبي العدد 994 تاريخ 18/2/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

مفهوم السامية واللاسامية بين العنصرية والتاريخ ـــ ندرة اليازجي

يتمثل هذا البحث في معالجة مصطلح "السامية" في مفهومين:‏

آ-مفهوم زائف ومضلل اعتمدته العنصرية اليهودية، مرجعه التوراة.‏

ب-مفهوم حضاري اعتمده المؤرخون الذين درسوا التاريخ القديم، مرجعه التاريخ.‏

***‏

أولاً-المفهوم العنصري لمصطلح السامية:‏

إن الدراسة المعمقة لمصطلح السامية واللاّ سامية تتطلب منا، ونحن نعالج مفهومها العنصري، الرجوع إلى التوراة لكونها المصدر الوحيد لمعرفة حقيقة هذا المصطلح الذي استغله اليهود. لذا، تقضي الدراسة المنطقية اللاّ متحيزة بتركيز عقولنا ونحن ندقق في مضمون هذا المصطلح الذي أصبح، وياللأسف، لا وعياً يهيمن على تفكير الغالبية العظمى التي تؤمن بتفسير أحداث التورة تفسيراً حرفياً وتؤكد، على نحو يقين، أن ما جاء في هذا الكتاب حقيقة ثابتة.‏

تحدثنا التوراة، في سفر التكوين، عن القصة الكاملة التي أتت على ذكر السامية المنسوبة إلى سام بن نوح. وفي هذا السفر، نقرأ ما كُتب عن قصة الطوفان لنبلغ المفهوم العنصري للسامية:‏

تكوين:6:17- فها أنا آتٍ بطوفان الماء على الأرض لأُهلك كل جسدٍ فيه روح.‏

تكوين 7: 1- ادخلْ أنت وجميع بنيك إلى الفُلك لأنني إياك رأيت باراً في هذا الجبل.‏

17- وكان الطوفان أربعين يوماً.‏

تكوين 9: 18- وكان بنو نوح الذين خرجوا من الفُلك ساماً وحاماً ويافث. وحام أبو كنعان.‏

19- هؤلاء الثلاثة هم بنو نوح، ومن هؤلاء تشتت كل الأرض.‏

20- وابتدأ نوح يكون فلاحاً وغرس كرماً.‏

21-وشرب من الخمر فسكر وتعرّى داخل خبائه.‏

22-وأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجاً.‏

23-فأخذ سام ويافث الرداء.. وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء، فلم يُبصرا عورة أبيهما.‏

24-فلمّا استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير.‏

25-فقال: ملعون كنعان، عبد العبيد يكون لإخوانه.‏

26- وقال: مبارك الرب إله سام، وليكن كنعان عبداً لهم.‏

27- ليفتح الله ليافث ليسكن في مساكن سام، وليكن كنعان عبداً لهما.‏

انتهت قصة الطوفان وما آلت إليه هذه القصة من أحداث.‏

أما أحداث مابعد الطوفان، التي يرويها سفر التكوين من التوراة، فهي كما يلي:‏

أولاً-تذكر التوراة أن الناس، الذين تشتتوا في الأرض، عادوا إلى اقتراف الشر، الأمر الذي أثار غضب الرب، ونقمته. ولما كان الناس في خوف من حدوث طوفان آخر، فقد بنوا برجاً دعي برج بابل. لكن غضب الرب حمي من جديد فبلبل ألسنتهم وتفرقوا، ولم يبق في الأرض إنسان بار أو فئة بارة، كما تزعم التوراة، غير سام وأبنائه المباركين وحدهم من الرب.‏

ثانياً- تتابع التوراة، في سفر التكوين، سرد التسلسل النّسبي الذي بدأ بآدم، وانتهى إلى نوح ومنه إلى سام وإلى إبراهيم فإسحق فيعقوب الذي دُعي "إسرائيل"، وكان أب الأسباط الاثني عشر التي ستُعرف، خطأً، في وقت لاحق بالشعب اليهودي. وهكذا، احتفظ سام وأبناؤه، كما تزعم التوراة، ببركة الرب.‏

ثالثاً-تذكر التوراة في الإصحاح الثاني عشر الآية.‏

1-قال الرب لإبراهيم: اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أُريك...-3-وأبارك مباركك ولاعنك ألعنه، وتتبارك منك جميع قبائل الأرض... 7-وظهر الرب لإبراهيم وقال: لنسلك أعطي هذه الأرض... (هل هي فلسطين أم يُحتمل أن تكون أوسع منها بحسب الزعم التوراتي)، بحيث أنها تشمل جميع الأمم التي تحدرت من نسل إبراهيم.‏

يجدر بي، وأنا أتأمل هذه القصة العنصرية وأحللُ بعقل منطقي وعرفان تأويلي، مضامين هذه العقيدة التوراتية العنصرية، المتوارثة والمقبولة بحرفيتها، أن أفهم المغزى الذي تهدف التوراة إلى إعلانه والتعبير عنه بلغة رمزية تشير إلى تأسيس عرقية وعنصرية تتمثل في إعلاء شأن سام وأبنائه وشعبه، وفي التأكيد على البركة الإلهية التي حظي بها هذا الشعب السامي الزعم، وحُرمت منها الشعوب السامية الأخرى، كما تزعم التوراة. هكذا، نصل في هذه القصة التوراتية، إلى النتائج التالية:‏

أولاً-لم يجد الرب إنساناً باراً بين الناس غير نوح الذي تحدّر من تارح الذي تحدّر، بدوره، من سلالة آدم. وفي هذا المنظور، حظي نوح، الذي سكر من الخمرة التي شربها، ببركة الرب التي سيورثها لابنه البار سام الذي باركه الرب.‏

ثانياً-تذكر التوراة أن نوح لعن الناس، الذين يرمز إليهم كنعان، وعلى غير ذلك، نقرأ في ملحمته جلجامش كيف يبارك أوننابشتم السامي جميع الناس بعد انحسار الطوفان..نوح يلعن وأوننابشتم يبارك.‏

ثالثاً- تعد التوراة جميع شعوب العالم حصيلة تشتت أبناء نوح. لكن هذا التشتت ينقسم إلى قسمين:‏

أ-ذرية حام، عبر ابنه كنعان الذي لعنه الرب، وبالتالي انصب غضب الرب على جميع شعوب العالم، فبلبل ألسنتهم.‏

ب-ذرية سام الذي باركه الرب، وذرية يافث التي جعلها نوح تسكن في مساكن ذرية سام المباركة.‏

رابعاً-يلعن نوح حام، أب كنعان لأنه رأى عورته، وبارك سام الذي سيُبقي أخاه يافث إلى جانبه فيسكن معه خاضعاً مختاراً. وفي هذه الحالة، يؤيد الرب نوح لأنه بارك سام، ويعلنُ بركته لسام ولعنته لكنعان الذي لم يكن مسؤولاً عن تصرف والده حام. وإذا كان الرب قد بارك، ولا يزال يبارك سام، وأبناءه وشعبه الذي تتمثله التوراة كما وتتضمنه في بني "إسرائيل" وحدهم ودون سواهم، فإنما الأمر يعني أنه لا يحق لأحد من الناس أن يعارض السامية، نسبة إلى سام، أو ينتقدها، أو يعطي رأيه في مضمونها ومغزاها لسبب هو أن مؤسسها سام وأبناءه مباركون من الرب الذي يرعاهم، ويعتني بهم بوصفهم شعباً مختاراً ومميزاً له.‏

خامساً-لما كانت إقامة يافث ستتحقق في ظل مساكن أخيه سام، وبالتالي لا نعرف شيئاً عن ذريته، فإن لعنة التشتت في أنحاء الأرض ستكون من نصيب كنعان، وأبنائه وشعبه، وهذا يعني أن البشر الممثلين بكنعان، إذ لم يبق في الأرض سوى ذرية سام المباركة وذرية كنعان الملعونة، أصبحوا يعانون من اللعنة التي صبّها نوح على كنعان وأبنائه الذين لا يحق لهم أن يتحدثوا عن سام وأبنائه بالسوء، كما تزعم التوراة.‏

سادساً –تذكر التوراة أن الناس الذين تشتتوا في الأرض، وهم أبناء كنعان، عادوا إلى اقتراف الشر.وقد تمثل هذا الشر في بناء برج خوفاً من حدوث طوفان آخر. لقد غضب الرب عليهم من جديد، فتفرقوا بعد أن بلبل ألسنتهم.‏

سابعاً-تتابع التوراة التسلسل النّسبي بدءاً بآدم ومروراً بنوح إلى سام ومنه إلى إبراهيم، ومنه إلى إسحق ويعقوب الذي أصبح رمزاً لبني "إسرائيل"، وللأسف، يشير هذا التسلسل النّسبي العنصري، الذي تعتمده التوراة ويباركه الرب، إلى أن بني "إسرائيل"، الذين عزلوا أنفسهم عن آبائهم الساميين الأصليين، هم وحدهم من بين شعوب العالم، نالوا بركة الرب لأنهم يمثلون أبناء يعقوب الذي تحدّر من صلب إبراهيم، الذي تحدر من نسل سام بن نوح الذي تحدّر من سلالة آدم.‏

وفي هذا المنظور، يعد الإسرائيليون أنفسهم الساميين المميزين لأنهم أبناء سام المبارك من الرب. وهكذا، ترى الفئة العرقية والعنصرية من بني "إسرائيل"، وهي فئة اليهود، وفق ما جاء في التوراة، أن غضب الرب ولعنته ينصبان على الذين يلعنون من يباركهم أو يقاومون إرادته المتجهة إلى بركة سام وذريته والخاصة بهم وحدهم. وحرمان غيرهم منها. وهكذا، يزعم اليهود بأنهم يحتكرون بركة الرب التي منحها لسام، وللسامية التي يزعمون بأنهم يمثلونها ويشخصونها في عنصريتهم، ويجردون الشعوب السامية الأخرى، وهي الشعوب السامية الأصلية، من هذه النعمة لسبب هو أنهم، كما تزعم التوراة، أبناء كنعان الذي حظي بلعنة نوح والرب معاً.‏

ثامناً-في الأصحاح الثاني عشر من سفر التكوين، الآية 3-نقرأ مايلي: قال الرب لإبراهيم: أبارك مباركك ولاعنك ألعنه، ومنك تتبارك جميع قبائل الأرض. 7-وظهر الرب لإبراهيم وقال: لنسلك أعطي الأرض التي أُريك (قد تكون فلسطين وقد تكون من الفرات إلى النيل وقد تكون الأرض كلها).‏

على الرغم من أن التوراة، في سفر التكوين، تذكر أن الرب بارك إبراهيم الذي تتبارك منه جميع قبائل الأرض-لكن اليهود المتعصبين والعنصريين احتفظوا بهذه البركة الإبراهيمية-السامية لأنفسهم وحدهم وحرموا الشعوب السامية الأصلية منها لسبب هو أنهم يزعمون، نتيجة لفهم عنصري وتعصبي للسامية، بأنهم وحدهم أبناء إبراهيم المتحدرون من نسل سام بن نوح المتحدر من آدم، ألا تذكر التوراة، في سفر التكوين، أن إبراهيم أتى من أور الكلدانيين الذين عُرفوا بأنهم فئة سامية تفوقت حضارياً؟.. ألا تذكر التوراة في السفر ذاته، أن اسحق بن إبراهيم ويعقوب تزوجا من امرأتين ساميتين في بلاد الآباء الساميين؟..‏

هكذا، تدعي السامية العنصرية، وفق ما تتحدث التوراة، بأنها الصفة الخاصة والعلامة المميزة لسام الذي باركه الرب، والملحقةُ بأبنائه الذين باركهم الرب وميزّهم عن سائر البشر، واصطفاهم شعباً له، ولعن كل من يلعنهم، أو يُنكر عليهم هذه النعمة. وعلى نحو مغاير، تعد اللاّ سامية عدم الاعتراف بهذا الاصطفاء والاختيار، والتنكر لبركة الرب لسام وابنائه اليهود، والكراهية الموجهة لسام وأبنائه، والحقد الذي يضمره الآخرون للسامية العنصرية التي كرسها الرب، كما يزعمون، قوة فعالة لخلاص البشر، لذا، كانت اللاّسامية، في مضمون التوراة، وفي زعم اليهود، حرباً شعواء، ضد الرب وشعبه.. حرباً تحول دون تحقيق مآرب ومقاصد الرب في الأرض، والمجسدة ببناء الهيكل الذي يهيئ له سبيل العودة إلى شعبه ليسكن معهم، وهكذا، لا تقبل السامية، وفق المفهوم التوراتي العنصري، النقد أو الرأي الحر؛ هي عرقية مميزة يقف أفرادها في قمة الهرم الإنساني على نحو لا تنطبق عليهم قوانين العالم.‏

يمكنني، وقد بلغت هذا الحد من البحث، أن أتساءل: ماهي النتائج الحاصلة من هذا الاعتقاد العنصري والعرقي الذي يشير إلى تركيز النبوة الآدمية والمحورية السامية في اليهود والإسرائيليين وحدهم؟..‏

تتمثل الإجابة عن هذا التساؤل في دراسة البنية الفكرية والعقائدية اليهودية التي تعاني من معضلة تتأرجح في متاهاتِ ستِ عقد نفسية هي:‏

آ-عقدة العظمة-في الدراسة النفسية القائمة على التحليل النفسي، تعد عقدة العظمة تغطية أو تعويضاً زائفاً لعقدة النقص. وعلى سبيل المثال، يسعى المتكبر إلى تغطية عقدة النقص التي يعاني منها، هذا ما تؤكده الدراسات النفسية المعمقة التي تشير إلى أن عقدة العظمة تعقيد تعويضي زائف لعقدة النقص التي تبلغ حدها الأقصى في عقدة العظمة، إنها مرض نفسي يشير، بدوره، إلى عدم تكامل أو توازن الوظائف النفسية، أما بالنسبة لعقدة العظمة التي يعاني منها اليهود، فإنها تتمثل في لا شعور أو لا وعي معقد ترسّب، على نحو مركز، في الذاكرة الجمعية لليهود عبر تاريخهم، وفي تصلب عنصري يُرد إلى اعتقادهم بأنهم شعب خلقهم الله على نحو مميز ومتمايز عن الشعوب الأخرى، ومتفوقٍ عليها بموهبة الاختيار، فقد وهبه ربهم بركته، واصطفاه وجعل منه شعباً مختاراً تألق، على نحو افتخار وتعالٍ، في بركته "السامية" المركزة في سام وأبنائه اليهود. هذه هي عقدة العظمة، التي تُفصح عنها مضامين التوراة والتلمود.‏

ب-عقدة الذنب- تعد هذه العقدة طيفاً ملازماً لعقدة العظمة المتصلة بمعضلة الاعتقاد الزائف بالاصطفاء والمعبرة عن اختيار "الرب" للشعب اليهودي"، أبناء سام ولئن كان "الرب"، بحسب زعمهم، قد اختارهم واصطفاهم، لكنهم، بحسب ما يزعمون، يحرفون إرادته وينتهكون شريعته، ويرفضون أو يمتنعون عن تحقيق أو تنفيذ ما خططه لهم، ويقوضون الرسالة التي فوّضهم بها أو يشوهونها، ويقتلون حكماءهم وأنبياءهم الذين يرشدونهم إلى الخير، ولا يأبهون لصنائع "الرب" وخدماته لهم أو يقللون من أهميتها، ويشوهون مبدأ سام على نحو عصيان وتمرد الخ.. ونتيجة لهذا الرفض والتنكر والتشويه والتمرد على نعمة "الرب" عليهم، والعصيان والخروج عن نطاق رعايته لهم، تولاّهم إحساس بخيانة "إلههم" وطغى عليهم شعور مأساوي ومؤلم يتجسد في مفهوم الضمير النادم. وفي هذه الحالة النفسية التي يسيطر عليها الإحساس بالذنب، يلجؤون إلى استلاب الحقيقة والاغتراب عن "الناموس" ليقعوا في أحضان الفوضى والاضطراب، ويصبحوا أداة سلب تلجأ إلى العنف والضياع والتشتت والنفي والأسر والوقوف من الأمم والشعوب موقف العداء.‏

ج-عقدة الاضطهاد...‏

يعد بروز عقدة العظمة، التي تهيمن على اللاّ وعي الجمعي اليهودي، وتتحكم به وتسيّره، وعقدة الذنب التي تلازمهم، مشكلة مستعصية تؤدي إلى اختلاق عقدة الاضطهاد، فالناس، كل الناس، يضطهدونهم لسبب يشير إلى أنهم "شعب مختار"، ويرفضون الاعتراف بالنعمة التي أسبغها "الرب" عليهم وأكرمهم بها، وجعلهم الشعب الوحيد المتحدر من سلالة آدم ونوح وسام. وفي زعمهم هذا، يعد اضطهاد الشعوب لهم قضية تشير إلى أفضليتهم على جميع البشر.‏

د-عقدة الانطواء: -كما أن الإنسان، الذي أُصيب بعقدة الغطرسة المتعالية على الآخرين على نحو زائف، يعزل نفسه عن الآخرين جسدياً ونفسياً، وينطوي ضمن غلافات عقدته التي تعاني من إحساسه بالتمايز عن الآخرين، ويعاني من عقدة اضطهاد الآخرين له بسبب الغيرة المنفصلة والحسد اللذين يعانون منها، كذلك ينطوي اليهود على أنفسهم وينعزلون في كل مجتمع يلجؤون إليه داخل الغيتو الذي يعزلهم نفسياً وجسدياً عن غيرهم لسببين:‏

آ-تحقيق أو تنفيذ ما جاء في شريعتهم التي تشير إلى تمايزهم الذي لا يسمح لهم بالاختلاط مع الآخرين.‏

ب-الحفاظ على شريعتهم وعلى أنفسهم من كل دنس ورجس يسببه لهم الآخرون.‏

هكذا، ينغلق هذا الشعب على ذاته ويحتجز أناه التجمعية داخل معطيات ومقومات شريعته، ويرفض قبول الآخر في دائرته الخاصة به، ولا يقبل أن يعترف به. ويزعم هذا الشعب بأنه الكيان الإنساني الوحيد الذي يحيا ضمن نطاق الحقيقة التي يمتلكها لينغلق داخل أسوارها، ويرفض الامتداد إلى الآخرين، الأمر الذي يشير إلى عدم قدرتهم على تحقيق السلام، والأمن والمحبة مع الآخرين.‏

هـ-عقدة العدوان-تعد عقدة العدوان نتيجة لازمة لعقدة العظمة وعقدة الذنب وعقدة الانطواء والانغلاق وعقدة الاضطهاد، وفي هذه العقدة، يبرز الإحساس الخاطئ المتمثل في وقوف عقائد الشعوب خلف عقدتهم هذه.هذا، لأن الغضب، والكراهية، والنفور، والحسد، والإحساس بالوضاعة إزاء عظمة اليهود، والحرمان من نيل بركة "الرب" وعدم الاعتراف بتفوق اليهود وعدم القبول بهذا التفوق عوامل تملأ قلوبهم بالغيظ، الأمر الذي يدفع الشعب اليهودي إلى العدوان... لذا، تعد عقدة عدوانيتهم، في زعمهم، نتيجة حاسمة لموقف الشعوب الرافض لهم... الشعوب الكارهة التي تثير عدوانيتهم.إذاً، فالشعوب، في زعمهم، تشكل لديهم مصدر الدفاع عن النفس. وقد عبّر فرويد عن هذه الصفة العدوانية في عبارته "مكانيزم المقاومة والدفاع"، إنهم يقاومون موقف الشعوب العدائي منهم، وبالتالي، يدافعون عن أنفسهم-إنهم يعكسون الوضع لصالحهم، وفي هذا الوضع، يصبح الناس هم المعتدين... ويكمل فرويد عبارته لينتهي إلى الخلاصة الثالثة: "العدوانية والموت"... الموت لمن يقف منهم موقف الرفض الذي يعدونه اعتداء عليهم، وهذا يعني إسقاط عقدة عدوانيتهم على الآخرين ليصبحوا المعتدين الذين يستحقون الموت.‏

و-عقدة المجيء-تعد عقدة المجيء نتيجة أخيرة لازمة لجميع العقد المسيطرة على النفسية اليهودية المستغرقة في اللاّوعي الجمعي المغروس في مركزيته ذاتهم المصادرة لصالح هذه العقدة. والحق هو أن خلاصهم من استعداء الأمم لهم ورفض حقيقة وواقع اختيارهم واصطفائهم، لا يتحقق، كما يزعمون، وفق إرهاصات عقدة الذنب التي تسيطر عليهم، إلاَّ بمجيء مخلص ينقذهم ويحررهم من عبودية الأسر والنفي والاضطهاد والاغتراب، ويضعُ أعداءهم تحت أقدامهم، وفي هذا المنظور، ينتظرون، ظهور مخلص بينهم. لقد توقعوا ظهوره في القديم، وجسدوه بالأنبياء والملوك وبكل من يقدم لهم يد العون. لكنهم لم يوفقوا في الحصول على الخلاص الكامل الذي توقعوه وانتظروه، لهذا السبب، نراهم ينتظرون ويتوقعون، في وفاقٍ مع أمانيهم وآمالهم الدنيوية والأخروية، مجيء "مسيح" ينقذهم ويخلصهم على مستويين:‏

آ-المستوى المادي-الذي يشير إلى الانتصار على الشعوب وغلبة مناوئيهم وقهر كل من يرون فيه عدواً، وإخضاع العالم لسيطرتهم.‏

ب-المستوى الروحي -الذي يشير إلى نهاية الدهور حتى يبلغ كل شيء نهايته، ويعود الحق إلى نصابه، وتكون الحياة الأبدية من نصيبهم وحدهم، وتكون السماء مكاناً يبتهجون فيه ويسعدون إلى الأبد، وتكون جهنم مكاناً لائقاً بالذين رفضوهم وتنكروا لعقدة عظمتهم واصطفائهم واختيارهم.‏

أستطيع، وقد بلغت هذا المستوى من البحث، أن أتساءل من جديد: ماهي العقيدة المركزية التي تبناها اليهود لتصبح العقدة الرئيسة التي حرّضتهم على اختلاق وابتداع سبب يدعوهم إلى اتخاذ موقف متصلب وعدائي من الأمم؟...‏

هي العقدة السامية الممثلة في مفهومين:‏

آ-المفهوم الديني-هو زعم أو اعتقاد زائف بأنهم الساميون المباركون لأنهم، وحدهم، أبناء سام المبارك.‏

ب-المفهوم العنصري-هو زعم أو اعتقاد بأنهم أبناء التطور الهابط من السماء إلى الأرض، وأن جميع الشعوب هم أبناء التطور الصاعد من التراب والأرض... هم أبناء السماء وغيرهم أبناء الأرض.‏

ثانياً-المفهوم الحضاري لمصطلح السامية:‏

في الألف الرابعة قبل المسيح، وجدت في الهلال الخصيب ثلاثة شعوب تتنافس بين بعضها في سبيل السيادة:‏

1-عند رأس الخليج العربي، وجد السومريون الذين قدموا، على نحو احتمال، إلى المنطقة من الشمال. ويذكر التاريخ بأنهم لم يكونوا ساميين.‏

2-في صحراء العربية، أي في شبه الجزيرة العربية، وجد الساميون الذين عُرفوا بأنهم قبائل بدوية متنقلة، ومع ذلك، دفعهم طموحهم إلى النزوح من منطقتهم الصحراوية والانتقال إلى منطقة أفضل وأخصب في الهلال الخصيب.‏

3-على الجانب الآخر من الهلال الخصيب، الواقع إلى ما وراء الجبال، عاشت جماعات عُرفت بالإندو-أوربية،حاولت، مرة تلو أخرى، اقتحام منطقة الغابات والوصول إلى المنطقة الزراعية الخصبة والغنية.‏

لما كان السومريون عاجزين عن بسط سيطرتهم الكاملة على الهلال الخصيب، فإن الجماعة السامية، القادمة من الصحراء، استغلت الفرصة واحتلت تلك المنطقة قبل استيلاء الإندو-أوربيين عليها. لقد سيطر الساميون على تلك المنطقة لفترة زمنية لا تقل عن ألفي عام.‏

لكنّهم، لم يكونوا منظمين، بما فيه الكفاية، لتأسيس دولة موحدة.. ومع ذلك، شكلوا عدداً من الدويلات المتمايزة عن بعضها. ونتيجة لهذا التشكل المتمايز، لم تستطع دويلة واحدة أن تفرض همينتها على الدويلات الأخرى طيلة تلك الفترة الزمنية الطويلة.‏

يعد الأكاديون، الذين سكنوا في المناطق الأكثر قرباً من السومريين، الفئة السامية الأولى التي تحضّرت قبل غيرها، وفي نظر السومريين، كان الأكاديون الساميون عنصراً أو عرقاً متخلفاً يعيش أبناؤه في الخيام، ولا يملكون لغة مكتوبة، ولا يتميزون بفن الحرب والسلم، وتنقصهم أو تعوزهم الصفات الحضارية، لكن الأكاديين أصبحوا قادرين على إتقان فن الحرب والسلم، واستطاعوا أن ينتصروا على السومريين.‏

تحققت غلبتهم على السومريين عام 2850 ق.م. على يد سرجون الأول الأكادي السامي الذي كان محارباً عظيماً. واستطاع سرجون أن يوسّع انتصاراته وفتوحاته على أرض الهلال الخصيب حتى بلغت حدود البحر الأبيض المتوسط. لكن مدة حكمه الطويلة انتهت على نحو مأساوي نتيجة لتمرد عليه شمل كامل إمبراطوريته، وتوفي قبل استعادة النظام تاركاً هذه المهمة لمن يخلفه.‏

توطد النظام في عام 2000ق.م.على يد حمورابي الذي أصبح ملكاً لبابل التي أصبحت عاصمة الإمبراطورية واتسعت حدود هذه الإمبراطورية من الخليج العربي حتى البحر الأبيض المتوسط.‏

انتهت إمبراطورية حمورابي بعد موته. لقد قضى على هذه الإمبراطورية محاربون جبليون قدموا من الشرق، وخلال الفترة الزمنية لحكم المحاربين الجبليين، برزت فئة سامية في الأقاصي الشمالية لنهر دجلة، وجعلت هذه الفئة السامية من أشور مركزاً لها. كانت أشور مدينة قديمة استقر فيها مهاجرون قدموا إلى بابل قبل سقوط الإمبراطورية. وقد تزاوج القادمون الجدد مع الشعوب المجاورة الواقعة على الجانب الشرقي، الأمر الذي أدى إلى تراجع العنصر السامي الصافي عن العنصر السامي الصافي لأنسبائهم في الجنوب. وهكذا، كانوا الساميين الوحيدين الذين تميزوا بموهبة التنظيم السياسي. وقد أعاقهم الحثيون القادمون من آسيا الصغرى عن التوسع.‏

بعد انقضاء ألف عام على موت حمورابي، استطاع القائد سرجون الثاني (722-705) ق.م، الذي أخذ من سرجون الأول مثالاً له وادعى علاقته النّسبية مع الساميين، أن يبسط سلطته على الهلال الخصيب.‏

الخلاصة:‏

في نهاية هذا البحث، يتوجب علينا أن نطرح على أنفسنا الأسئلة التالية: ماهي السامية؟.. هل هي تاريخ حضارة شعب سامي"، متعدد الفئات، امتد واتسع على نحو أصبح تاريخاً عاماً يخص جميع الناس الذين وجدوا في هذه المنطقة، وحضارةً تأخذ بمفاهيمها ومبادئها وقوانينها وثقافتها الأمم والشعوب المتحضرة، أم هي مفهوم عرقي وعنصري خاص بشعب يسعى، على نحو اعتقاد، إلى تجريد الأمم من هذا المصطلح التاريخي أو التسمية ليلحقها بذاته ويخرجها من نطاق التاريخ الإنساني الحضاري؟..‏

"السامية" هي صفة ملازمة للشعب أو للشعوب التي اتسمت بمزايا حضارية وثقافية تركت آثارها الرائعة لتخلد في الضمير الإنساني. وإذا كان اليهود أو الإسرائيليون يعتقدون بأن "السامية" نسبة إلى سام، فإنما ليدل الأمر على أن جميع أهل هذه المنطقة المترامية الأطراف "سامية" سواء بسواء. وفي هذا المنظور، يسقط ادعاء اليهود الذين يوطدون معتقدهم على خصوصية وفردانية "ساميتهم" دون الآخرين.‏

في هذا السياق، نسأل: لماذا يسعى اليهود والإسرائيليون إلى تجريد الأمم الحضارية الأخرى من "السامية"؟..‏

تتمثل الإجابة في معرفة الحقيقة التاريخية التي تسير إلى كون الأكاديين فئةً من الساميين الذين قدموا من الصحراء العربية، ولما كان حمورابي قد دوّن شريعته، التي استوحاها من المبادئ الإنسانية والكونية، وكانت هذه الشريعة متفوقة في مضمونها وسامية في عظمة إنسانيتها، وتتجاوز، في مضامينها الأخلاقية والإنسانية، ما جاء في شريعة بني "إسرائيل"، فإن الحقد التوراتي دفع باليهود إلى إسقاط القيمة المنطوية في شريعة حمورابي وفي حضارة الساميين، وإلحاق هذه القيمة بعنصريتهم.‏

أخيراً، أسمح لنفسي أن أعلن، بصراحة واضحة، إنني أؤمن وأثق بما يحدثنا به تاريخ الحضارة الإنسانية الذي يشتمل على تاريخ جميع الأمم والشعوب، ويهدف إلى لقاء هذه الشعوب والاعتراف بجميع الثقافات والمبادئ. وهذا يعني أنه يليق باليهود والإسرائيليين أن ينضموا إلى الحضارة السامية دون أن يعزلوا أنفسهم، ويسعوا إلى رفع شأن هذا المصطلح أو التسمية أو المفهوم ليشمل أو تشمل جميع الفئات التي سكنت في هذه المنطقة من العالم، ليتفاعلوا، على نحو تعاون حقيقي، لإبراز المعالم الإنسانية والروحية الكامنة في الحضارة السامية، ألا تذكر التوراة، في سفر التكوين، أن إبراهيم أتى من أور الكلدانيين الذين عُرفوا بأنهم فئة سامية حضارية؟...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244