جريدة الاسبوع الادبي العدد 994 تاريخ 18/2/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

علاقة الكاتب بالشخصية الروائية ـــ عبد الرحمن عمار

تمهيد:‏

ما علاقة الكاتب بشخصياته الروائية..؟ وما هي ماهية هذه العلاقة..؟ وهل هي علاقة تماثل أم تشاكل، ولاسيما مع بطل أو بطلة الرواية..؟ وهل يحمل البطل أو البطلة أو الشخوص عموماً جزءاً أو أجزاء من سمات الكاتب وحقيقته الإنسانية وواقعه الاجتماعي أم لا..؟ وبالتالي هل للمؤلف علاقة بالنص الإبداعي أثناء ممارسة العملية النقدية..؟ بمعنى هل يجب الفصل بين النص ومبدعه، أم يجب على النقد أن يُعتبر مبدعُ النص جزءاً من العملية الإبداعية..؟...‏

هذه التساؤلات الكبيرة وأشباهها كثيراً ما تُطرح أثناء الكتابات النقدية، ولاسيما الروائية. ومحاولة الإجابة عليها ليس بالأمر اليسير. فكل رواية ولها خصائصها ومضامينها وأشكالها وأساليبها الفنية واللغوية وأزمنتها الماضية أو الحاضرة أو حتى المستقبلية وأمكنتها الجغرافية المتعددة والمتنوعة وأحداثها الواقعية أو الخيالية، إضافة إلى شخصياتها المتوافقة أو المتنافرة التي ترتكز الرواية عليها ارتكازاً أساسياً، عبر بنية هذه الشخصيات وحركاتها وحواراتها المتقاطعة ووظيفة كل منها.‏

بين الروائي وشخصياته الروائية:‏

إن كل عوامل الرواية المشار إليها سابقاً تؤثر مجتمعة أو منفردة، فتقرّب الكاتب أو تباعده من شخصيات روايته أو رواياته، وتجعل التماثل بينه وبين هذه الشخصية أو تلك متطابقاً أو ممكناً وقريباً من الواقع الذي يعيشه الكاتب في الحاضر أو كان يعيشه في الزمن الماضي، أو تجعل ذلك التماثل بعيداً أو غير ممكن، فيقع التشاكل عندئذٍ بين الكاتب وبين الشخصية الروائية، دون أن ينفي ذلك وجودَ علاقة تماثلية ما قريبة أو بعيدة بين الكاتب وإحدى شخصيات رواياته، وهذه العلاقة التماثلية الأخيرة، في أدنى حدودها، هي علاقة حتمية، ولا يمكن نكرانها أبداً، فما دام هناك مؤلف وما دامت هناك شخصية أو شخصيات روائية، فهذا يعني أن شبهاً ما لابد حاصل بين المؤلف والشخصية، حتى ولو لم يظهر هذا التشابه واضحاً للعيان، وهو إلى حد ما يقترب من عامل الوراثة عند الإنسان، فالصفات الإنسانية التي يمتلكها الأب أو الأم، سوف نجدها أو نجد بعضها ينتقل عن طريق الوراثة إلى الأولاد ثم الأحفاد، فقد تظهر هذه الصفات في الملامح الخارجية من طول القامة أو قصرها أو انتصابها وانحنائها، ومن سمة الوجه وتقاطيعه، ومن طبيعة البشرة، فيما إذا كانت سمراء أو شقراء أو بين.. بين، وقد تظهر تلك الصفات في الملامح الداخلية، بمعنى أن الولد قد يكتسب من أبيه وأمه أو جَده وجَدّته بعض الصفات الأخلاقية الحميدة أو الشريرة، أو بعض هدوء الأعصاب أو نزقها.. إلى ما هنالك من الصفات المتأصلة والمكتسبة في وجدان الإنسان، وقد تكون هناك صفات وراثية ما مشتركة بين الوالدين وبين الأبناء، ولكنها غير ملحوظة وظاهرة، حتى ولو كان عدم التشابه الخارجي والداخلي واضحاً للعيان، كأن يكون الأب والأم، على سبيل المثال، من ذوات البشرة السمراء والصفات الأخلاقية الحميدة، وأن يجيء الولد ذا بشرة شقراء ونزعة شريرة، مع الافتراض أو التأكيد على أنه من صلب أبيه. في هذه الحالة قد نردّ ببساطة تلك الصفات الخارجية إلى أحد أجداده، ولكننا، كما أسلفنا القول في ذلك، نؤكد على صفات وراثية مشتركة ما وغير ملحوظة بينه وبين والديه، وفي هذه الحالة، لا يستطيع إلا علماء الطب والتربية والاجتماع والمختصون بعلم النفس وغيرهم من المختصين أن يكتشفوا طبيعة تلك الصفات المشتركة بين الولد والوالدين.‏

وهكذا يكون الحال مع المؤلف والشخصيات الروائية، إذ لابد أن يحصل فيما بينهما صفات تماثلية ما، حتى ولو كان التناقض، من حيث الطبيعة والتصرفات والمواقف واضحاً للعيان بين المؤلف والشخصيات، وكما يستطيع العلماء المختصون أن يكتشفوا الصفات المشتركة غير الظاهرة بين الولد والوالدين، كما أسلفنا القول، كذلك يستطيع الناقد المتنبه أن يكشف عن ماهية التماثل البعيد بين المؤلف والشخصية الروائية أثناء تحليله لبنية الرواية وطبيعة الشخصيات وحركاتها ومواقفها من الحياة والعالم.‏

كيفية العلاقة بين الروائي والشخصيات:‏

وقد يسأل سائل: كيف يحصل التماثل المذكور إذا صور لنا المؤلف شخصية شريرة ومكروهة أو خائنة أو ما شابه ذلك..؟ وللإجابة على مثل هكذا تساؤل، يكمن في أن المؤلف، حين يصور هذا اللون من الشخصيات، فإنه يصورها، لا لكونه من داخله مشابهاً لها، بمعنى أنه شرير ومكروه وخائن، فهذه مسألة مستبعدة، وإنما هو موقف فكري منه مضادّ لهذا النوع من الشخصيات، فهو حين يقوم بهذا الفعل، أي بتعرية مثل هذه الشخصية وفضح ماتقوم به من أعمال شريرة، فإنه يهدف من وراء ذلك كله إلى تحريض المتلقي على القيام بعملية الرفض لمثل هذه الشخصيات والكره لها والنفور منها، هذا الموقف من المؤلف اتجاه الشخصية الشريرة، هو ما يمكن تسميته بالتماثل المقابل أو المضاد، وقد ذهب يحيى حقي إلى تعميم مكثف لهذا الموضوع دون أن يشير إليه بوضوح، حين "بين لنا علاقة الكاتب بالقصة، فهو يدعي الاختفاء، ولكنه –لمن يرى- ظاهرٌ كل الظهور في قصته باختياره للموضوع، بتفصيله لنماذج، بإلحاحه بفكرة أو عقدة بطريقة تشجيعية، باعتماد وصفه على حاسة من حواسه الخمس، بالتزامه لألفاظ معينة لها دلالة على طبعه، بنصرته، وإشادته بركن من الثالوث الذي ينقسم إليه البشر: لذة العقل ولذة الروح ولذة الحس.."1.‏

وعلى الرغم من تأكيدنا على قضية التماثل بين المؤلف وشخصياته وحتمية هذا التماثل، إلا أننا نود التأكيد هنا على أنه ليس من الضروري أن يكون صوت المؤلف ظاهراً في الرواية، بل يجب بحق أن لا يكون ظاهراً كل الظهور، وإلا فإنه يمكن أن يقع في خلل إبداعي –إن صح التعبير-ومن ثم يتسرب الضعف والوهن إلى نسيج الرواية، كما هو الحال فيما يراه د.إبراهيم السعافين، عند حديثه عن الرواية النسائية العربية في الربع الثالث من القرن العشرين، حين أكد على "أن من أهم ما تنماز به الكتابة النسوية في مرحلة التأسيس تلك، هي هيمنة الشخصية المركزية المتماهية بأنا الكاتبة إلى الدرجة التي يغدو فيها الخطاب الروائي خطاب وعظٍ وتعليم، ويغدو المؤلف واعظاً ومعلماً، هذا بالإضافة إلى اتخاذ الروايات شكلاً تقريرياً مقترناً بشكل السيرة الذاتية، مما يؤدي إلى افتقاد العقدة بوضوح وإلى سير الأحداث تبعاً لفكرة جاهزة".2‏

ولهذا، فالروائي المبدع هو الذي يشعرنا بأنه يتوارى خلف ستار معين، ويقوم بعملية التحريك والتوجيه للشخصيات الروائية، ويبثّها أفكاره ومواقفه، وكأنها تخص الشخصيات ذاتها، دون أن نبصر يديه ظاهرتين، وهي تنفذ تلك العملية.. عملية التحريك والتوجيه، بل ويقنعنا بأن تلك الشخصيات ذات استقلالية تامة، وتتحرك بحرية مطلقة وتدير شؤون حياتها بنفسها، دون توجيه خارجي أو تدخل من أحد.‏

تباين المواقف:‏

مما لاشك فيه أن المواقف تتباين بين ناقد وآخر في هذه المسألة التي نقوم بطرحها، فكلُّ له مواقفه وآراؤه، وإن كان السواد الأعظم منهم يميل إلى وجوب الأخذ بعلاقة مابين المؤلف وشخصيات رواياته، وما تحمله تلك الشخصيات من مواقف مواربة هي في الأصل مواقف المؤلف ذاته.‏

وهنا، لابد من التفريق بين الكاتب إذا كان ناقداً وروائياً، فهو، في حال كونه ناقداً، يطرح أفكاره مباشرة، بصراحة ووضوح ودون مواربة، أما عندما يقوم الكاتب بعملية الكتابة الروائية، فالحالة عندئذٍ تختلف كثيراً، فكما تقول ماجدة حمود عن جبرا إبراهيم جبرا "هو في النقد يتكلم بصوته مباشرة، أما في الكتابة الروائية، فيتكلم من خلال أصوات الآخرين، التي قد تكون صدى لصوته، ولكنه يسعى في جعلها متباينة ومستقلة بعضها عن بعض، لكي يوفق إلى النتيجة التي يتوخاها في الكتابة الروائية".3. وهذا يعني أن ماجدة حمود في كلامها السابق تذهب تماماً إلى ما نذهب إليه ونسعى إلى تأكيده، وكذلك الحال مع جبرا إبراهيم جبرا نفسه، وإن كان يبدو في موقفه أقل وضوحاً من ماجدة حمود، فهو يرى أن الشخصية، من حيث علاقتها بالمؤلف، تعتبر "وسيلةً يستوضح بها إحساسه بالوجود الإنساني في شتى أشكاله، لذلك كثيراً ما تصور (الشخصية) حالة عدم الانسجام في الحياة ومع الآخرين، بل حتى مع نفسها.. وجبرا يرى الإنسانية تتمثّل في أفراد يستطيع أن يفهمهم ويتعاطف معهم فيمثلهم في رواياته".4‏

إلا أن التماثل الذي نتحدث عنه، ولو بأضعف حالاته يُعدّ عاملاً سلبياً في العملية الروائية الإبداعية عند محمد كامل الخطيب، ويعتبره ضعفاً في الخيال الروائي عموماً-لدى الكاتب العربي، فغالبية أحداث وشخصيات الرواية العربية تكاد تكون مستمدة من حياة كاتبها أو من مشاهداته ومن حيوات أصدقائه"5. فهو من جهة يرى أن أغلب شخصيات الرواية العربية تستمد وجودها من حياة الكاتب، وهذا ما نحاول التأكيد عليه وإثباته لا نفيه، ومن جهة ثانية لا يقر بوجوب أي نوع من التماثل بين المؤلف والشخصيات الروائية، وهو تماثل حاصل ومشروع ويقرّه الكثيرون من النقاد والروائيين أنفسهم، كما بيّنا قبل قليل وسنبين فيما بعد.‏

والحق إنني أجد في رأي الخطيب بعض الغرابة والمخالفة لما هو سائد عند الكثيرين من الروائيين والنقاد، فالرواية الهادفة المُتقنة عندهم بشخصياتها وأحداثها ولغتها ماهي إلا تعبير عن أفكار الكاتب وهمومه وانشغاله بقضايا الواقع والمجتمع الذي يعيش فيه، كل ذلك من خلال ما تصنعه الشخصيات التي هي العمود الفقري في الرواية من أحداث وتتفاعل فيها داخل الرواية. وإن لم يكن الأمر كذلك، فعلى الروائي، كما يرى الخطيب أن يبتدع شخصيات خيالية جديدة. والسؤال الذي يطرح نفسه: من أين يجيء الكاتب بهذا النوع من الشخصيات..؟ أمن خارج الكرة الأرضية..!!؟.. إن كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن الكاتب سيدخل في نفق الرواية الخيالية البحتة التي لسنا ضدها من حيث المبدأ، ولكن الرسالة التي من المفروض أن يحملها المبدع عموماً يجب أن تتوجه إلى الناس والواقع، ولاسيما إذا كان واقعاً مؤلماً كما هو حال واقعنا العربي، ونحن في هذه الحالة مع هنري جيمس حين قال في بحثه: "فن الرواية" إن على الرواية أن تنظر إلى نفسها نظرة جادة حتى تحمل الجمهور على إعارتها نظرة مماثلة"6، دون أن نعني من هذا القول التقليل من الرواية الخيالية. وفي صيغة أخرى يشير ي.م.فوستر إلى هذا المعنى في بحثه "حبكة الرواية" حين يقول: وميزة الرواية أن الكاتب يستطيع أن يتكلم عن شخصياته ومن خلالها أو أن يؤمن لنا الإصغاء إليها عندما تناجي نفسها7. وهذا القول ليس إلا تأكيداً على انغماس الكاتب بحياته وحياة الآخرين من خلال ما يحدده لشخصيات روايته من خطوط ومسارات وأهداف.‏

إنما نحن مع الخطيب إذا كان يعني من قوله ضرورة ابتعاد الكاتب عن نقل الواقع نقلاً باهتاً كما تفعل آلة التصوير حين تنحصر مهمتها وقدرتها على تقديم صورة لمنظر طبيعي مثلاً بحيث تكون تلك الصورة انعكاساً للواقع وحسب، وليس استلهاماً وتحفّزاً لتقديم رؤية روائية جديدة لواقع يعتقد الآخرون أنه واضح ومعروف. إن حال الروائي هو كحال الرسام-الفنان حين يقوم بتصوير ذلك المنظر الطبيعي بريشته، فيقدم الملامح العامة لذلك المنظر الطبيعي أولاً، ثم يبدل ويضيف عليه من ألوان وأشكال إيحائية، وحين تكتمل اللوحة سيرى المتأمل لملامحها العامة وما وراء تلك الملامح انعكاساً لأحاسيس الفنان وأفكاره ورؤيته الجمالية الخاصة لذلك المنظر الطبيعي، قبل أن تكون انعكاساً لأشكاله وملامحه.‏

وتبقى للرواية على كل حال طريقتُها في النقد، كما يقول جبرا إبراهيم جبرا، باعتبار أن العمل المنقود يحمل مقاييسه بين طياته"8. وبما أن النقد الأدبي، كما يرى محيي الدين صبحي، "علم ينقلب إلى فن، أو فن يستحيل إلى علم، فإن مضمون النقد عنده "يتحدد إلى حد كبير بمضمون الأدب "فعلى النقد في مجال الرواية أن ينظر في شروط التشخيص من رسم للشخصيات وحركاتها وأفعالها إلى المواقف التي تدفعها إليها ظروفها الاجتماعية وأحوال البيئة و المرحلة التاريخية، فالشكل الأدبي عنده يؤلف مضمون النقد الأدبي9.‏

1-انظر-علاقة النقد بالإبداع الأدبي، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1997، ص 196.‏

2-نقلاً عن د.رفقة محمد دودين، جدل نقش الذات والموضوع، الأسبوع الأدبي العدد 973، تاريخ 10/9/2005.‏

3-علاقة النقد بالإبداع الأدبي، مصدر سابق، ص 90.‏

4-جبرا إبراهيم جبرا، نقلاً عن علاقة النقد بالإبداع، المصدر نفسه، ص 112.‏

5-محمد كامل الخطيب، انكسار الأحلام، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1987، ص 140.‏

6-النقد، أسس النقد الأدبي الحديث، ترجمة: هيفاء هاشم، الجزء الأول، منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1966. ص113.‏

7-النقد، أسس النقد الأدبي الحديث، الجزء الثاني، ترجمة: هيفاء هاشم، منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1967. ص128.‏

8-انظر: علاقة النقد بالإبداع، مصدر سابق، ص 124.‏

9-مجلة الوحدة، السنة الخامسة، العدد 58-تموز –آب1989.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244