|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
لميعة عباس عمارة (2) ـــ *عبد الرزاق عبدالواحد انتقل أبي بنا إلى بغداد وأنا طالب في الصف الثاني المتوسط، وبعد سنة من انتقالنا، قدمت لميعة إلى بغداد طالبة في كلية البنات. مرحلة جديدة من معرفتي بلميعة بدأت، كنت طالباً في الصف الثالث المتوسط، وكانت لميعة –وهي طالبة في القسم الداخلي-تقضي معظم أماسي الخميس وأيام الجمع في بيتنا. هنا لابد لي أن أسجل الملاحظات التالية: أولاها أني –وقد دخلت سن المراهقة، وافترقت عن لميعة عدة سنوات- ما عدت أملك تلك العفوية، عفوية الطفولة في التعامل معها، لقد صار حضورها إلى بيتنا يعني عندي طقساً خاصاً لابد أن أتهيأ له.. مثلاً، على فقرنا الذي تعرفه لميعة، والذي تعيش هي مستوى مقارباً له، ما كنت أريدها أن تراني رثّاً بأي شكل من الأشكال.. لذا كنت أتهيّأ بعد ظهر كل يوم خميس لكي أكون-وأنا أستقبل لميعة-في أحسن مايمكن أن أبدو عليه!.. لميعة ما كانت ترى في عبد الرزاق شيئاً جديداً.. ربما لانشغالها بعوالمها الجديدة في الكلية، والشعر، والأدب.. وظل عبد الرزاق أخاها الطفل الذي لا تتردد لحظة في أن تحتضنه احتضان الأم، وتنام معه في فراش واحد!.. ولكن عبد الرزاق تغير!.. لم تتغير عواطفه تجاه لميعة. لقد بقيت الأخت التي يعود أمامها ذلك الطفل الذي ودّعها في العمارة.. ولكن نظرته للميعة تغيرت!.. لميعة الآن ليست تلك التي كانت تضعه في الأرجوحة النادرة التي جلبها أبوها من الخارج، وتدفعه حدَّ أن يرى رأسه يكاد يرتطم بمزراب البيت، فيصرخ وهي تضحك، وتدفعه أقوى، لميعة هذه شخصية جديدة.. جميلة.. مفرطة في الأناقة.. ثم، وأكثر من ذلك كله، أصبحت شخصية مشهورة.. لقد بدأت مقالاتها وقصائدها في الصحف والمجلات تؤسس للميعة أخرى!.. كانت لميعة على سجيتها.. ولم أكن كذلك!.. كانت تراني –كما تعودت- أخاها الصغير، وكنت.. على صغري، وصغر إمكانياتي.. أحاول أن أقف إزاءها رجلاً!.. حادثة لا أنساها.. في نهاية أسبوع ما، طلبت مني لميعة أن أوصلها إلى القسم الداخلي، بعد أن أمضت يومي الخميس و الجمعة في بيتنا، كنت آنذاك طالباً في الصف الرابع الثانوي في الإعدادية المركزية.. وكان بيتنا في محلة الدوريين ببغداد.. ووجهتنا باب المعظم. وركبنا باص المصلحة.. وجاء الجابي. مددت يدي إلى جيوبي متظاهراً بالدفع، وأنا أعلم أني لا أملك فلساً واحداً... منتظراً لميعة.. بهَيلها وهيلمانها، أن تبادر إلى الدفع! ولكن لميعة بقيت ساكنة، والجابي ينتظر!.. وإذا بلميعة تلتفت إلي قائلة: ادفع له يا عبد الرزاق، فأنا لا أحمل معي نقوداً!.. لا أدري كيف كان شكل وجهي وأنا أقول لها: أنا اعتمدت عليك.. فليس معي نقود!.. أكثر من أربعة ركاب تطوعوا للدفع عنا!.. ولكن لميعة رفضت بترفع كبير، قائلة للجابي: سيصلك ثمن التذاكر بعد ساعة واحدة من وصولنا.. وسجلت اسم الجابي، ورقمه.. وأوقفتني بباب القسم الداخلي للطالبات، ثم خرجت ومعها درهم قدمته لي مؤكدة عليَّ بطريقة لا تقبل الاعتراض: اذهب الآن إلى المحطة.. إن لم تجد الجابي فسلم ثمن التذكرتين إلى المفتش، وعرّفه باسم الجابي، ورقمه، ليسلمه النقود.. وفعلتُ كل ما وجهتني إليه!... من يومها وأنا أشعر إزاء لميعة بأنني لم أكبر بما فيه الكفاية!.. هذا لابد لي أن اثبّت علامة مهمة في شخصية لميعة: إنها قاطعة.. مرهفة في قطعها مثل حدّ الموسى! ذلك الإرث الطفولي من التسلط.. ضخّمه، وصقله في الوقت نفسه، إحساسها بتفوقها، وبانجذاب الآخر إليها. صار ذلك التمرد اعتداداً مفعماً بالأنوثة والكبرياء. لقد كانت تقول كلمتها مثل أميرة.. وتعتبرها أمراً غير قابل للنقاش. لذا، نادراً ما رأيتها تتلجلج أو ترتبك.. على العكس.. كنت أحياناً أختلس النظر إلى الالتماع المنتصر في عينيها وهي تحدّد نظرتها المتعالية إلى الآخر المتلجلج أمامها!.. عراقيَّة * تُدخّنين؟ لا أتشرَبين؟ لا أتَرقُصين؟ لا ما أنتِ.. جَمْعُ لا؟؟!.. أنا التي تَراني كلُّ خمولِ الشَّرقِ في أرداني فما الذي يَشُدُّ رجليكَ إلى مكاني؟ يا سيّدي الخَبير بالنّسوانِ إنَّ عطاءَ اليومِ شيءٌ ثاني حَلِّقْ، فَلو طأطأتَ لا تَراني.. **** ألقت لميعة هذه القصيدة في وجه واحد من كبار الشعراء العرب حاول أن يمسَّ كبرياءها في أحد المرابد، فلم يعد بعدها إلى المربد حتى مات!.. *** لن أنسى ما حييت يوم أقامت دار المعلمين العالية مهرجاناً شعرياً على هامش مهرجان المربد، قدّمت فيه خرّيجيها من الشعراء، وكان ذلك في قاعة ساطع الحصري التي غصّت يومها بالطلاب والطالبات.. وبعدد كبير من الأساتذة والضيوف، بالإضافة إلى الشعراء والأدباء العرب. دُعَيت لميعة إلى الإلقاء، فصعدت إلى المنصّة، وبدأت تقرأ بكل كبرياء قصيدتها (عراقية). تُدخّنين؟.. لا أتشرَبين؟.. فردّد بعض الطلبة: لا!.. أترقصين؟؟ ويبدو أن الطلاب استمرأوا اللعبة، فرددوا جميعاً: لا!.. سكتت لميعة.. ثم نظرت إليهم نظرة طويلة ما رأيتها قط تنظرها لأحد.. وقالت: "يوم كنت أقف على نفس هذه المنصّة، لألقي قصائدي.. كنتم جميعاً لم تلدكم أمهاتكم بعد. ".. وغادرت القاعة تاركة الحضور وكأن على رؤوسهم الطير!... |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |