|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
ما ورائيةُ العمل الفني - اللوحةُ ـــ جمال العباس يعتقدُ كثيرون أنَّ الفنَّ –وهنا أقصدُ الفن التشكيلي أو الفن الجميل كما يسمى في أوربا أو الفن الراقي بمفاصله الثلاثة الرسم والتصوير –النحت، الحفر-ضرب من العبث أو التسلية، وفي حالات أخرى إذا ما أريد لهذا الفن أن يدخل في صميم حياة الناس: أن يخاطبهم باللغة التي يفهمونها، دون اعتبار لماهية الفن ومسوغاته أو كونه إبداعاً لا قبل له أو بعد، بل دون اعتبار حتى لخاصيةِ الفنانِ في الطاقة الإبداعية التي تميزه عن عداه. ولا يقتصر هذا الاعتقاد على الشرائح العادية من المجتمع بل يتعداه إلى فئات لا يستهان بها من الطبقة المثقفة والمتعلمة والأسباب معروفة ولعل من أهمها حداثة هذا الفن أولاً. إذْ لم يمضِ على مزاولته أكثر من ستين عاماً وهي فترة زمنية لا تقاسُ أمام عشرات العقود من نشوئه في أوربا، وإن عملية النهضة أو التنهيض-إذا جاز لنا استخدام هذين التعبيرين لم تشمل كل المناحي التي يعول عليها أو تتحرك مجتمعة ومتلازمة ومتكاملة في هذه العملية لتبلغَ مراميها، وتلك إشكالية لا زالت عالقة حتى يومنا هذا... والعمل الفني (اللوحة هنا) سيان إن كان في تشكلاته وتوليفاته بالعناصر والمفردات ومستلزمات التوازن والاستقرار في عملية الإنجاز، من المرئيات المألوفة التي لا تحتاج إلى عناء يذكر، أو المبتكر: وهو جديد غير مسبوق يحمل في طياته –بطبيعة الحال- الدهشة والاستغراب فإنَّ العمل الفني يعد بحد ذاته من مولدات الجمال وتداعياته، بفعل الرؤية والمختزن البصري للعينِ.. وأعتقد أن حراك المجتمعات وتقدمها وسرعة نهضتها، وصلابة العود في ذاتها، والعزة في كرامتها وكبريائها مرتبط بمخزونها الجمالي المتعدد أساس الانتماء والدفاع عنه، ذلك أن الجمال هو الجانب الذي يستمرئ فيهِ الإنسان حياته ويشعر بقيمة العيش فيها بكل استحقاقاته، وهو الظل الأخضر القابع في أغوار النفس حبوراً لإنجاز العقل وطروحات البناء المادي فيه ولم يعدْ خافياً على كل ذي بصر وبصيرةٍ –على الرغم من الآراء المخالفة المتسرعة والأحكام المسبقة والمتوارثة. إن الفنَّ عاملٌ أساسي في الإنسان، لازمٌ للأفراد كما للجماعات، أكدَّ نفسه كضرورة منذ النشأة الأولى، والفن والإنسان لا ينفصمان، إنه نوع من تنفس روحي شبيه بالتنفس الطبيعي الذي لا غنى عنه لجسدنا، وهو الحلم الذي يدفع الإنسان إلى تحري الجودة والتي، بدورها، تُحسُّ لكنْ لا تُعرَّفُ ولا تُفسر إنما صارتْ تُعْرَفُ بالجمالِ مهما اختلفتْ النظريات فيها. وإذا كان الفن عموماً والتشكيلي خاصاًٍ ولوحة التصوير منه قائماً على مفهوم الجمال كمحصلة نهائية فيه فإن اللغة الموظفة للتوصيل هي اللغة البصرية كأساس للغات أخرى تفعل فعلها وتساهم في الكشف عن الأشكال والأشياء، والأدوات المستخدمة في الصنيع الفني، مضافاً إليها تقنياتُ التكوين والرسم والتلوين بحضور التاريخ والبيئة والخيال والحلم والرغبة والخوف وأسلوب تصور الحياة والكون. *الما ورائية في العمل الفني (اللوحة): الما ورائية تعبيرٌ شائعٌ يقصدُ منهُ ما وراء الشيء أو الظاهر والظاهر عكسُ المخفيِ، وربما كانت كلمةٌ أو تعبيرُ الباطن أكثر ملائمةً لعكس الظاهر خاصة عندما يكون الأمر يتعلق بالفنِ.. والما ورائية في اللوحة أي لوحة التصوير التشكيلية في هذه المحاضرة محاولة لفهم اللوحة ومعايشتها وبالتالي تذوقها، وهي أيضاً إجابة صعبةٌ على أسئلة صعبة؟!... وقبلَ أن نسيرَ في هذا الاتجاه لابدَّ للمتلقي منْ أنْ يتعرفَ على بعضِ المصادر التي تكون الأشكال المستخدمة في اللوحة فقد يكون المصدر تمثيلياً لأشكال حياتية كالحيوان والنبات والإنسان بمعنى أن الفنان يستفيدُ من الموجود المرئي ويخضعه لانطباعاته الخاصة كي يخلق من المرئي عالماً آخر له أصوله. وقد يكون المصدر تجريدياً خرجَ من ذهن الفنان وخضع لمعطياته في القواعد الأساسية لفكرته وغالباً ما تكون هذه القواعد أقرب إلى الأشكال الهندسية أو من إيحاءاتها ويمكن أن نشيرَ إلى مصدرٍ ثالث كثيراً ما يغفلُ، على أنَّه متعذرُ التبيّنِ يمكنُ أن نسميه: الحسي، وقد نشأ عن الاحتياجاتِ المهنيةِ، فقد تُوجدُ المصادفة شكلاً ما للحل العملي الذي يتطلبه استعمال غرضٍ أو شيء في اللوحة وتفرضه طبيعته المادية حيث يؤدي دورهُ، لكن نفس هذا الشيء وفي موقع آخر باللوحة قد تختلف وظيفته ويختلف الحس فيه. وهذه المصادر وغيرها تتجسد كمؤثراتٍ أساسية لها فعلها وتحليلاتها فوق سطح اللوحة من خلال تقنيات الرسم والتلوين بخاماته المتعددة: زيتيٌ، مائيٌ، باستيل...الخ، أو ملصقات قماشيةٍ، بلاستيكية معدنية، قشيةٍ..الخ. وتتحولُ هذه التقنياتُ إلى حراكٍ يستجيب إلى نداء المصدر و مراميه، وتؤسسُ للعناصر والمفردات والأشكال التي تؤلف في تواجدها شخصية العمل وظاهرة المرئي مباشرةً، وهو أيُّ الظاهر الذي يطلُ على المتلقي ويعلن عن مجالهِ الاعتباري دونَ أي مقدمات، بلْ لا تحتاجُ إلى كثيرٍ من العناء، لكنَّ هذا الظاهر وعند التأمل فيهِ سيكشف عن محمولٍ له قيمته ومغزاه ومؤثراته اللاحقة كجمالية لها مفروشاتها الاجتماعية ودلالاتها الحياتية. إن العناصر و المفردات والأشكال التي استقرتْ فوق سطحٍ مواجهٍ لعين الناظر، قائمٌ في وضعهِ الهندسي ومحققٌ لشروط الرؤية، استوفت أسباب ثباتها بمكونات المساحة والخط واللون والظل والنور والفضاء والحشد أو التفرد والتنضيد والحركة والانسجام وأخيراً وليس آخراً الإيقاع الذي يضبطُ ويوجه ويرسل صداه. إنَّ هذا الواقع ينبغي ألاّ نجرده من عوامل عديدة لها حساباتها بل مساراتها ومتغيراتها سلباً أم إيجاباً ومن أهمها المكان والزمان وسياق الحياة وقوانينها والثقافة العامة والتراكم المعرفي والبصري والتذوقي للفنان وهذه العوامل تعود بنا ثانيةً إلى المصادر الثلاثة التي سبق وأن ذكرناها: التجريدي والتمثيلي والحسي لنذكر أنه لا يكفي أن نلاحظها ونميزها بل ينبغي أن ندخل في حسابنا تراكبها، لأنه قد يحدث بين أصناف المصادر الثلاثة هذه تمازج وتزاوج مستمران-ونوجز هنا فنقول: إن من الممكن، تقريباً، صياغتها في قانونٍ عام هوَ: إن كل شيء ناشئٌ عن نقل غرضٍ حقيقي، سواء كان ذلك مشهداً منظوراً أو شكلاً فنياً مقلداً، يميل إلى النمطية والخضوع أكثر فأكثر لحالات التبسيط، والترتيب وإلى الانحياز إذن للأشكال المجردة للرسم الهندسي، لكنْ حينَ يصلُ إلى هذه المرحلة ويفقد كل شبه مع الغرض الأصلي، لا يملك الإنسان نفسه من جَعْلِهِ "يعني" من جديدٍ شيئاً ما حسب التقارب الذي يوحيهِ له، ويتدرج بعدَ ذلك إما إلى (التجنس) أي إلى استعادة الشبه مرة أخرى بغرضٍ حقيقي، أو إلى التحول إلى رمز لأي واقع غيره ولنرسم مثالاً على ذلك الشكل S إنه أداةٌ تعليقٍ وفي قلبه ليصبح معكوساً يتحول إلى حرف –أو حركة زخرفية أو ألفاً عندما يستقيم طرفاه أو واحداً أو فاصلاً لمعترض. *الما ورائية: تأملٌ وقراءةٌ وتأثرٌ نحنُ الآن أمام العمل الفني مباشرة "اللوحة" أمام الظاهر منها، بحوزتنا أكثر من مفتاح، وأكثر من نافذة تعبرها حزمٌ ضوئية تبددُ العتمة وما كان خافياً فيه، لقد صار معلوماً لدينا كيفية تكون الأشكال بمصادرها الثلاثة وهي التجريدي والتمثيلي والحسي، وكيفية الوصول إلى العناصر والمفردات وغيرها مستقرة تحمل شخصية العمل وظاهرة المرئي بانسجام يتوحد فيه الواقع الذي منه ينطلق العمل الفني ويستعيد مواده، مهما يكن التبدل الذي يدخلها عليه، والصيغة التي تفرضها ضرورات المواد التي ينفذ بها العمل، وخواطر الفنان ومشاعره التي تدفع به نحو ما يريدُ تجسيده. إن قراءة متأنية بعدَ تأملٍ مشفوعٍ بروحيه البحث وصولاً إلى جماليةٍ مستترةٍ خلفَ ظاهر يشيرُ إلى عمق في باطن الظاهر تدلل عليه مكونات العناصر والمفردات مثل الخط الذي يستقل بمجراه أو يحدد لوناً ما، ثخيناً في جانب منه أو رفيعاً في جانب آخر أو متدرجاً في رسم هيئته بخشونة أو ليونة، بتواصلٍ أو بتقطعٍ، ممتزجاً بالجوارِ... متلاشياً،.. إنه على أي حال أثرٌ تعبيري وإحساسي يعكس حالةً لها حضورها سواء كانتْ من مقدماتِ المرئي أو المتصورِ، ولا يختلف الأمر كثيراً عند انتقالنا للون والمساحات التي يتحرك فيها هذا اللون أو ذاك والمردود الانطباعي المتحصل من رقة اللون أو كثافته.. استقلاليته أو دخوله في تشابكية بين لونين أو أكثر والاشتقاقات الكونية الوليده والتنقل بين الغامق والفاتح وتدرجات الظل و النور حيث تشدنا قيمتان بآنٍ واحد: قيمةُ اللونِ، وقيمة المساحة التي يشغلُها هذا اللون أو ذاكَ.. إن المساحة هنا شكلٌ اختار الفنان أبعاده تجاوباً مع إحساسه بالقيمة اللونية في المكان الذي وقع عليه الاختيار بمعنى أن هذا المكان واللون الذي يكسوه والدرجاتُ التي يفردها وتقنية توظيفية نسبة إلى الخطوط والمساحات اللونية الأخرى والحوار من عناصر ومفردات كالورق والقماش ورقائق المعدن وغيرها في حالة الاستعانة بها، أو أبعاد اللوحة ذاتها: مربعةٌ، مستطيلة.. كثافة العناصر.. بساطتها..الخ. كلُ ذلك والفنان في حالةٍ من البحث الدؤوب عن الذي يُشعرُ أنه وصل إلىغايته وحقق توازناً كان يفتقده بسلامة الاختيار لكافة عناصره ومفرداته وقدرة هذه العناصر والمفردات على حمل ما أراده وشعر به. وقد يرى سامعي أو قارئي، بل ربما يعتقد أن رحلة الفنان في بحثه عن محطات جمالية في جوهر الأشياء أو بينها أو خلفها لا تستندُ على موضوعٍ ذي بالٍ أو قضية تغردُ خارج سرب الحياة ومتطلباتها، وبالتالي ليسَ لها المفاعيل المؤثرةُ في حياة الأفراد والجماعات والشعوب والأمم.. والصحيح عكس ذلك تماماً فالفنان وبما يملك من طاقة الإبداع هو صاحب قضيةٍ، قدْ تكونُ سياسيةً أو اجتماعيةً أو دينيةً أو غير ذلك، ولكنَّ تناولها –وحسب الانتماء لها- يتمُ بسياقٍ جماليٍ يتضمنُ أعلى درجات الحب والحس التذوقي، وقد أشرتُ إلى ذلك في أكثر من موقعٍ لكني هنا أردت أن أصل إلى أن الفنان في تعبيره عن هذه القضايا وغيرها له عناوين وتفاصيل تشبه الموجودَ في هذه القضايا ولكن بمصطلحات أو كما أسميناها مكونات العناصر والمفردات مثل الحركة والانسجام والتوازن وغير ذلك يسعى الفنان للوصول إليها بتحريك فكري في بادئ الأمر ويتكون من المقاصد الواعية والإرادية وقد يأتي كذلك ضمن برنامج خطط له. أو نظريات جمالية يتشبع بها الفنان ويرومُ تحقيقها في إنتاجه، لكنه وبالوقت نفسه يحوي أيضاً عالماً مبهماً من تطلعاتٍ وميولٍ، وهذا أولاً وبما أن الفنان أيضاً يستعينُ بمشاعره وطريقته الخاصة في الإحساس يستعين وكذلك بجسمه، وعلى الأخص يده التي هي أداته في التنفيذ، والانتقال إلى المادة بثقل الممارسة والمهارة، لكنها تخضع في صنعتها للمادة التي تتصدى لها وهذا ثانياً.. وعندما يحينُ الوقت للفنان أن يعطي شكلاً لكل ما يلجُ في خاطرهِ يكونُ العامل البصريُ قد تدخلَ لتحديد ملامح هذا الشكل وانسجامه مع العناصر والمفردات الأخرى في اللوحة. إن قراءة العمل الفني-اللوحة- وتذوقه والإحساس بجماليته سواء كانتْ أشكال العناصر والمفردات مستعارةً من الطبيعة: إنسان، حيوان، نبات، جبال، أنهار وبحار...الخ أو أن تكون أشكالاً تزينية مستفادة من الهندسة أو أشكالاً مبتكرة رسم معالمها الفنان وتحولتْ فيما بعدُ لحالات رمزية تعبرُ عن إبداعه وتفرضُ ذاتها فالنتيجة واحدةٌ من حيث الوصول إلى الجمال الذي يجمّلُ الحياة ويجعلها مستساغة أكثر. وبديهيٌّ ونحن نخترق الظاهر في اللوحة وصولاً إلى ما وراءَ هذا الظاهر إلى الباطن أو الجوهر أو إلى الانحياز الكليِّ للعمل وتذوقه والإحساس بقيمته ألا نقلل من قيمةِ الظاهر لأنه واجهةُ العمل ومحتوياته المادية. *مصادر البحث: الفن تأويله وسبيله، لرينيه هويغ، ترجمة: صلاح برمدا. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |