|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الحشر..! ـــ أسامة الجندي حين لفظني السرفيس في ساحة المدينة وانعطفت يميناً نحو بوابة البناء الكبير، حيث يقف شرطي الاستعلامات.. لم أكنْ قدْ متُّ بعد، بل كنت أمضي قدماً باتجاه السهم إلى دار الطبابة.. وخلال هذه المسافة التي لا تتجاوز المائتي متر حدث هذا الذي لا يُصدَّق..! إذاً فأنا ميتٌ منذ زمن طويل، أوْ ربما قصير من يدري.؟! لكنَّ الذي أدريه حقاً.. بل أراه الآن ماثلاً أمام عينيّ هو هذا المشهد الذي لا يمكن أنْ يكون غير واقعيّ.. فالحواس لا يمكن أنْ تخدع صاحبَها بهذا القدر.. وأنا أرى وأحسّ وأسمع وأشعرُ..! إنه المشهد ذاته الذي طالما قرأتُ عنه، وسمعتُ من أشخاصٍ عَبَروا أيامي في حياتي الفانية.. إنني وجهاً لوجه أمامَ حدثٍ جَلَل.."يوم الحشر الذي كنتم فيه توعدون"!! الأرض مغطّاة بالبشر.. الأماكنُ.. الصخورُ.. الأشجار.. الطرقات.. البيوت.. والناس كأنّما هبّوا مِن رقادهم للتوّ، وأخذوا يتدافعون ويتصايحون وتشرئبُّ أعناقُهم ويتنابذون، ورائحة الموت والعفونة تملأ المكان..! أيُّ مشهدٍ عظيمٍ هذا؟.. وأيّةُ سدنةٍ تطلقُ الأبواقَ مِنْ أعلى البناء..؟! إنهم الملائكةُ لاشكّ، سدنةُ الإله.. وهاهم جماعة الحراس يحملون السّياط.. ويلوِّحون بها حفاظاً على الهدوء والنظام..! يومٌ قائظٌ شديدُ الحَرّ، والأجساد تتفصّد عَرَقاً.. والتعب يأخذ منها كلّ مأخذ.. فيما الملائكة يجلسون على الأرائك تحت الظلال الوارفة، ويطلّون على البشر من علٍ.. يحملون الصحائف وينادون الناس بأسمائهم برتابة وبطء قاتِلَين!! إبراهيم الجبر..؟؟!! وأنّى لإبراهيم أنْ يصلَ إليهم لكي يتناول صحيفته، ثم ليقف بين أيدي الملائكة الذين سيتلونَ على الملأ ذنوبه وحسناته ثم يمضون به في أحد طريقين؟! نصفُ ساعة لا يُنادى بها على أكثر من شخص، وسرعان ما تبتلعه الأمكنة، فلا يُعرف له مصير.. وأنّى لإبراهيم الجبر أن يُتلى اسمُه فيتخلص من جحيم ولو بالمضيّ إلى جحيم آخر..!؟؟ البشرُ يتزاحمون، ووطأة الحرّ تعلو وتشتد، وليس لأحد أنْ يغادر هجير المكان.. ولعليِّ في تلك اللحظة، وحين ندَّتْ آهةٌ من أحدهم، ووثبَ الحارس، وتدافع الناس مذعورين، لعلّي في تلك اللحظة تماماً.. سقطتُ! اختلطَتْ عليَّ الأمور.. هل أنا ميتٌ من قبل وها أنذا أحشرُ مع الناس..؟ أم أنني متّ أثناء الحشرِ..؟!! ذلك مالم أستطع أنْ أتبينّه على وجه اليقين! أيّ اضطراب في الفهم والإحساس يعتريني؟! لكنني أرى السوط، وأرى وثبة الحراس وهُم يلوّحون به ثم يلسعون الناس.. الناسُ في تراجعهم يتدافعون، وأنا بينهم أرقبُ وأنتظر.. لكنَّ موج المتراجعين المذعورين يقذفني.. رجلاي محتجَزتان وظهري ينثني ويتراجع.. خِلْتُني نصفين.. نصف تتشبث به الأرض، ونصف تطوِّح به الهامات..! دماءٌ تسيل.. صوتٌ يصرخ مِنْ علٍ: إبراهيم الجبر.. إبراهيم الجبر..!أحقاً..؟؟!! توقف سيل الدماء.. تماسكتْ أجزائي.. رأيتُني أركض باتجاه يفضي لأكثر من اتجاه.. سلكتُ حَيِّزَاً ضيقاً انسربتُ منه كجدول صغير.. تراكمتُ بعضي فوق بعضي.. احتُجزْتُ في زنزانة ضيقة.. قيل لي: التصقْ بالجدار! ثم قيل: يرى.. يحسّ.. ويسمع..! ثم قيل : إليها!.. وقودُها الناسُ والحجارة!!! |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |