|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
تنور الحاجة زنوب ـــ عبد الغني حمادة اليوم، وعلى وجه أدق، بعد تشييع جنازة (الحاجة زنوب) بنظرات الحزن والدعاء لها بالرحمة والمغفرة، وبعد أن يوارى جسدها تحت التراب، ربما تدك آخر الحصون، وتتقوض أركان الشاهد الأخير لما علق في ذاكرتنا المترمدة، ويفخر الجيل الجديد بمعانقة قريتنا لجباه المدينة العصرية، وقد يقيم أبناء (الكمبيوتر) احتفالية ضخمة يهزون فيها الخصور والصدور، بتلك المناسبة العزيزة على قلوبهم، المليئة بالأسى لنا، نحن مستحاثات القرية، فنهرب إلى البرية لنمارس طقوس الحياة الأولى. طوعاً أو كرهاً فإن جسد خالتي زنوب سيختفي بين حبات التراب في مقبرة القرية. وستنمحي ذكراها تدريجياً، تلك سنة الحياة، ونعمة أسبغها علينا الخالق، فلله الحمد والشكر على نعمة النسيان التي تمتزج فيها النقائض، فالذكرى لذة مؤلمة، أو ألم لذيذ، أو شيء من تلك وذاك. لقد كانت خالتي أكثر من رائعة، ودودة طيبة القلب، تحب الحياة والناس، مكافحة ومنتجة. فبعد أن تزوجت ابن عمها البائس، رفضت أن تكون مجرد امرأة تخدم زوجها، وتروّح عن نفسه عناء عمله من العتالة، ورفضت أيضاً أن تكون آلة تفريخ تنجب ما تستطيع من عيال. لا.. فقد ساهمت بمصروف البيت من خلال عملها في تنجيد "اللحف" وشد المكانس، ثم اشترت (ماكينة) خياطة، فغدت بذلك امرأة أكثر من مثالية، تكنس وتجلي وتطبخ وتعمل، وفي آخر الليل (يا سلام سلم). كما يقول زوجها (الحاج إبراهيم). مما أفسح المجال لتخلف له (إحدى عشرة بنتاً وثلاثة ذكور). ليس هذا فحسب ما يجعل جيلنا المهروم يحزن لموتها، بل لمهام أخرى كانت تقوم بها الحاجة بالمجان. فقد كانت تساعد أهالي القرية في ذلك أسطحة المنازل الطينية، و(تلبيس الجدران) قبل دخول الشتاء، أما المهمة الأكثر تميزاً بها فكانت خبز التنور البلدي. ياه.. كم كانت فنانة بارعة مبدعة في صناعة الأرغفة والكعك والمحمّرة!!!... ولشدة تعلقها وولعها بالخبز اليدوي البحت. فقد حافظت على التنور الريفي البسيط حتى أيامها الأخيرة.. ويالذاك التنور الدافئ، الذي تعتمر جدرانه السوداء قبة تنفث الدخان الأبيض من طاقات ضيقة، له باب دون درفات يؤوي القطط في الليل ومجذوب القرية (سويلم). أولاد الحاجة الأشاوس شكلوا جبهة معارضة متراصة ضدها مدفوعين بآراء زوجاتهم فقال لها الكبير (أدهم): -وماذا نستفيد من إبقاء التنور غير الهباب الأسود؟!.. فأردف الأوسط (حميدي) متبرماً: -الخبز ويأتينا طازجاً من الفرن.. فما هي حجتك لتلك الكومة السوداء؟!.. إلاَّ أن (سامر) كان أشدهم وقاحة وضجراً فقال: -والله لو كان مزاراً لما تعلقت به إلى هذه الدرجة يا أمي؟! ولم تقصر الكنائن بحق حماتهن، فبررن مواقف الأزواج المغتاظين من ذلك التنور البسيط، فاحتجت الكبرى: -لقد حرمنا التنور من نشر الغسيل الأبيض. أما الكنة الوسطى فقد اخترعت ذريعة وتصنعت الخوف قائلة: -ولم الحفاظ على خربة يسرح فيها الجن ويسكنها المجاذيب؟!.. لكن الصغرى التي لا ترضع أطفالها من أثدائها لتحافظ على اتساق قوامها ورشاقته فإنها طالبت حماتها بما هو آت: -تعالي وانظري إلى السخام كيف يشوه غرفة النوم حتى أنوفنا امتلأت (بالسخام الأسود). وحده كان الحاج إبراهيم واقفاً في صف زوجته، دون أن يكون لموقفه أي تأثير ليثني أولاده عن عزمهم العارم لإزالة ذلك التنور من (الحاكورة) الغاصة دائماً بهواة الخبز البلدي. عشرات النساء العصريات(على زعمهن) يتفرجن بدهشة على الحاجة زنوب وهي تمد يديها في جوف الفوهة المستعرة. فيشهقن بالاستغراب، ويبدين إعجابهن بجسارة الحاجة لتخرج الأرغفة الشهية الطازجة من فم التنور المتجمر من غير أن تحترق أصابعها أو تشاط بلفح الوقيد، أما الأطفال فكانوا يزقزقون كالعصافير وهم يتبادلون الأرغفة السمراء ويهزجون بأغنية (مسعد يا تنور..). كانت الحاجة تستيقظ باكراً، تتوضأ وتصلي الفجر، ومن ثم تبدأ بنخل الطحين، ثم تدلق عليه الماء الساخن، وتقلّب العجين في (الطست النحاسي). تصب عليه الخميرة المذابة، وتتابع العجن بهمة الصبايا، فيتصبب جبينها بالعرق. حينها كان يمازحها (أبو أدهم) وهو يستملح حمرة وجهها القانية: -كم أنت جميلة يا أم أدهم؟!.. يالك من ذهب عتيق!!.. فتبتسم بزهو ودلال وتنجز العجين، تطبطب على وجه العجين الذي ينتظر مرحلة التخمير لساعتين، أو أكثر. فتركنه في زاوية دافئة، وتدثره بلحاف، أو حرام سميك، وتستأنف عملية تجهيز التنور، فتلقم فوهته (ببعرور الدواب) أو الخرنوب المهروس أو (حباش تبن القمح).. فيتصاعد الدخان الفضي وتنتشر رائحة الوقيد المحببة لقلب الحاجة. حينئذٍ يبدأ أولادها وزوجاتهم بمعزوفات التهديد والاستنكار من خلف النوافذ لكن خالتي تهز رأسها بحسرة وألم، وتتابع عملها بهمة الثلاثين وخبرة السبعين. يالذاك الخبز الخارج لتوه من بركان التنور المتوهج!!... أرغفة مثل خدود الصبايا الخجلة، كعك أسمر مرشوش بحبة البركة ونثارات السمسم، يفوح منه عبق الشمرة والمحلب. يالرائحته التي تجذب الطير، وتجلب المسافر، نكهته تعيد للقلب نبضه، وللحياة طعمها النقي. مرض الحاجة زنوب الأخير الذي ألزمها الفراش لم يمنعها من زيارة التنور كل فجر، فتعوده وكأنها المريض العليل، تتحسس حيطانه، ترثي صمته، وتناجي مصطبته وفوهته الخامدة: -حسرتي عليك أن تنطفئ.. ولكنها الحياة التي لابد أن تنتهي في لحظة ما. قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة كانت الحاجة تهذي بصوت متهدج: -ليس الآن يا أبنائي.. لا أريد أن أراه مهدوماً.. أرجوكم. الحاج إبراهيم، ووفاء لزوجته، قرر بحزم أن يبقي التنور على حالته وفي يده سلاح الميراث. بدأت المعركة.. فلمن تكون الغلبة؟!.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |