جريدة الاسبوع الادبي العدد 994 تاريخ 18/2/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

قصص قصيرة جداً... ـــ حسب الله يحيى-بغداد

الزعيم‏

كان هو الأكثر معرفة بنفسه. لا يعرفه أحد مثلما يعرف هو كل التفاصيل. يعرف أن دعوته إلى التقوى والصلاة وحفظ الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، والحكم المفيدة.. يعرف أنها جميعاً سبل رئيسة تتطلبها المهنة التي أعد نفسه لها.‏

كانت مهنة نادرة، لا يمارسها إلا قلة نادرة من الناس، إلا أنه يفوقهم جميعاً.. وأسرار مهنته لا يعرف تفاصيلها أحد سواه.‏

كان ورعاً زاهداً، رؤوفاً رحيماً بالفقراء، ينظر إليه الناس بكل احترام وإكبار... وهي الصفة التي يريدها ويعتاش عليها... هي رأسمال مهنته وسرها الخفي...‏

كان ينادي لصلاة الجمعة.. وحين يجتمع الناس.. يتسلل خفية، لاختيار أفضل الأحذية.. وسرقتها، ليعمد إلى بيعها في سوق بعيد عن الحي الذي يسكن فيه..‏

وعندما يحتفل الناس بالربيع أو في المناسبة السارة التي صارت تكبر شيئاً فشيئاً.. حتى صارت المدينة بكاملها تتوجه نحو ساحات أعدت للاحتفالات..؛ كان هو الوحيد.. يتسلل إلى البيوت، ويختار ما يشاء مما خف وزنه وغلا ثمنه.‏

كان يتقدم في مهنته.. مثل زعيم فاتح لمدن خربة.. الزعيم يثرى، يُنظر إليه باحترام.. يظهر بكامل الزينة.. فيما يتخفى داخل سره.. لصاً، زعيماً للصوص.‏

****‏

الطعام الإمبراطوري‏

حدث وأن كتب قصيدة نالت إعجاب الإمبراطور.. فأرسل يدعوه إلى مائدته الكريمة..‏

وقف الشاعر أمام الإمبراطور في حالة وقار تام.. أحس في دخيلة نفسه أنها حالة ذل لم يعهدها في نفسه من قبل.‏

عاد إلى بيته، يتصارع في داخله: هاجس الذل من جهة، وهاجس أن يحتفي به الإمبراطور ويجلسه إلى جانبه، ويجعله يتناول من طعامه الإمبراطوري.‏

أحس بكبرياء ظاهر، وصار مثل طاووس.‏

الطاووس الذي في مظهره، خاطب الزوجة والأبناء بكبرياء لم تظهر عنده في سابق حياته اليومية.‏

أما الشاعر الذي فيه فقد خشن طبعه، تبددت دقة كانت سمة فيه.. وصار يبحث عن طعام إمبراطوري وجلسة إمبراطورية.‏

.. ولأنه أدرك الانتقالة النوعية التي حصلت في حياته، ورغبته الملحة في البحث عن المزيد.. فقد راح يكتب القصيدة تلو القصيدة.. منتظراً أن يرسل الإمبراطور في طلبه، أن يدعوه ثانية إلى مائدة إمبراطورية.. لكن الإمبراطور.. لم يلتفت إلى ما كتبه الشاعر.. ذلك أن أعداداً جديدة من الشعراء قد تقدمت بقصائد أخرى.. صارت تجلس إلى المائدة الإمبراطورية. حتى أحس الإمبراطور بالتخمة.. فيما أحس الشعراء أنهم قد تحولوا إلى طواويس.. طواويس خرساء.‏

***‏

الأستاذ صبري‏

أبلغوه بالرحيل خلال أسبوع.‏

وقع على البلاغ الرسمي.. ولم يكن الأسبوع ينتظر.‏

تخلى عن كل ما جمعه خلال خمسة عقود.. باع ما أمكن بيعه. وبقي من الذكريات ما صار يصعب عليه حمله..‏

ودع طلبته الذين أحبوه.. سألوه:‏

-أستاذ صبري.. هل أنت على سفر.. متى تعود؟‏

احتبست دمعة ساخنة في عينيه.. كان ملزماً بالسكوت.‏

-بل سأعود.. لا بد أن أعود.‏

-متى؟‏

-يوماً ما.‏

عند الحدود، تعرفوا على أوراقه، اتصلوا بمصادر تفصّل الأوراق. قالوا له: نرحب بك في بلادنا.. نعم أصلك منا، ولكننا لن نسمح لك بالدخول مالم تدفع الضرائب المتراكمة التي هي في ذمة جدك..‏

أخرسه الصمت.. مشى في أرض جرداء.. تعب. تعبت أرض مشاها... كان الثلج يتساقط.. ورياح باردة تقطّع بقايا جلد يكسو العظام المنخورة.‏

افترش الأرض الندية.. فيما راح الثلج يدفنه شيئاً فشيئاً حتى اختفى الأستاذ صبري عن الأنظار.‏

.. في مطلع الشمس ذاب الثلج.. وظل وجه الأستاذ صبري ينشد لطلابه..‏

.. وجه ينشد بطلعته البهية أنشودة السلام والمحبة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244