جريدة الاسبوع الادبي العدد 994 تاريخ 18/2/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

نصوص تحت المقصلة ـــ وليد معماري

شاركت قبل فترة وجيزة في أمسية قصصية، وقصدت وضع عنوان للقصة تشير إلى أنها بسيطة... وحين فُتح باب الحوار للجمهور، وقفت سيدة، وبدا من مطلع كلامها أنها تريد تفكيك الرموز في قصتي... ورفعت كفي معترضاً، وقلت للسيدة بين مزاح وجد: حسبك يا سيدتي!.. قصتي لا تحمل أية رموز.. فهي تنضح من واقع عاينته وأنا طفل.. وكتبته حين صرت شيخاً بروح طفل..‏

والمعلم الكبير غابرييل غارثيا ماركيز، يقول أن روايته (مئة عام من العزلة) نضحها من ذكريات السنوات الأربع لطفولته... وأجزم أن الرواية لا تحمل رموزاً مخفية، بل وقائع جدّ (واقعية)، بغض النظر عن طريقة صوغها العجائبية المدهشة... وأظن أن كتابة لقطة إنسانية، بطريقة فنية (متعوب عليها).. وبشفافية مطلقة، قادرة على ملامسة قلب قارئها، وغسل أدران روحه بمياه ينابيع أفضل من الفذلكات الذهنية التي تحاول تسليط أضواء سرية على أمور هي موضع أحاديثنا في السر والعلن..‏

وليعذرني القارئ، لأني أكرر فكرة كنت قد كتبتها قبل فترة في مثل هذا المكان من (الأسبوع الأدبي)... وعذري أني أعيد ذكر الحادثة، ولكن من باب آخر... فقد ألقيت القصة ذاتها في مدينة حمص أمام جمهور رابطة الخريجين الجامعيين ـ الذي أعتز به ـ وكان بين الجمهور مستمع ليس له علاقة لا بقراءة الأدب، ولا بالاستماع إليه.. وعلى الأرجح، حضر لأنه مكلف قسراً بحضور مثل هذه الأمسيات... كان يغفو على مقعده، بين الفينة والفينة، ولا يستوعب، أو لا يستطيع أن يستوعب ما يلقى في مساحة سمعه.. ومهمته، تبدأ بالحضور في الوقت الصحيح.. وتنتهي بكتابة تقرير، له مقدمة روتينية، بليدة، وطويلة، ثم بضعة أسطر عما لم يسمعه.. ثم خاتمة أكثر بلادة من المقدمة... ثم يرفع الكلام إلى مقام أعلى، فيقرأ المقام الأعلى ما كتبه العنصر، مع كثير من التثاؤب المتكرر، ثم يأمر بدفنه في مقبرة الأضابير المهيأة لأن تكون طعاماً للقوارض مستقبلاً...‏

ودائماً يقع العنصر في حيص بيص... فهو ليس اختصاصياً في تفكيك النصوص.. ومع ذلك لديه حاسة شم متطورة، قد توصله إلى الإمساك بالنص الناشز.. ولكنه، أمام نص بسيط إنسانياً، يقف متورطاً بخصوص ما سيكتبه في تقريره، افترض مرسلو العنصر أن الكاتب مشبوه، ويجب استنتاج شيء من الشبهة فيما ألقاه... ولا حل أمامه، بما أنه لم يسمع ما كان مفترضاً أن يسمعه، أو لم يفهم جوهر ما قيل، في حالة أنه سمع.. سيسأل، حين يستيقظ، أقرب الحضور إليه: ما مغزى ما قاله ضيفنا العزيز؟..‏

فيملي أقرب الحضور إليه كلاماً يصلح لتقويم رواية الشيخ والبحر للعزيز المنتحر أرنست هيمنغواي.. ويخادعه بأن القصة تتناول قضية اجتماعية حدثت في أوائل الخمسينات من القرن الماضي... لكنها، في خواتيمها، تمتدح أداء الحكومة، وخطباء البرلمان، وشعراء مديح بلاط نيرون، ومواويل العتابا..‏

وفيما سبق رفضت، لمدة عشرين عاماً، إحياء أمسيات أدبية في مدينة بحرية (ليست مركز محافظة) لأنهم كانوا يطلبون نسخة مسبقة عما سألقيه.. وكانت الإجراءات لديهم تقضي بأن تراقب نصوص الضيف الغريب عن المحافظة من قبل الأجهزة.. وأما نصوص أبناء المحافظة فيمكن أن تراقب من قبل فرع الحزب!!...‏

وحين أُلغيتْ مثل هذه (التفكهات) وافقتُ على المشاركة.. واستقبلني، وأنا أهبط من باب (البولمان) شابان أنيقان، أبديا مسبقاً (إعجابهما بما سألقيه في الأمسية).. وطلبا مني دعم إعجابهما بقصة أسمح لهم بأخذ نسخة عنها... وقلت لهم: "أنا، (ذات نفسي) لا أعرف ماذا سأقرأ... احضروا الأمسية، واختاروا ما قد يكون أعجبكم"... لكنهم، بلباقة رفيعة، أخذوا قصة، وصوروها.. وأعادوها إلي قبل أن تبدأ الأمسية...‏

ومن المفارقات أن القصة التي صوروها، لم ألقها في تلك الأمسية.. ولم يحضروا.. لكنهم أعدوا تقريرهم وفق ما هو متبع!... والمهم لديهم، تنفيذ خيانات صغيرة، لا تضر ولا تنفع..‏

ولا أقول يا لي من مغفل.. بل: ويل للمغفلين..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244